(الفصل العشرون) جلسوا يتناولون الغداء، لتتحدث ثرية وهي تضع المزيد من الطعام أمام مي: -كُلي كويس ياحبيبتي، أنتِ دلوقتي بتاكلي ليكي ولشخص تاني. ضحكت مي وهي تشكرها، ومازال باسل يسرق النظرات نحو حياة، التي مازالت تتناول طعامها بهدوء. أما مي فكانت تنظر لحياة بابتسامة جانبية، فهي معجبة بملامح الحزن على حياة. بعد الغداء عاد باسل للشركة، أما حياة فكانت تنظف شقة باسل وتزيل فراش السرير وتضع واحد آخر، كانت ممسكه بها، وخرجت من غرفتها لتجد مي تخرج أيضًا من الغرفة: -ياريت تخشي تنضفي أوضتي انا وباسل كمان ياحياة ! أنتِ عارفه بقا انا حامل ومينفعش أعمل مجهود كبير ! أنهت جملتها ونزلت للأسفل، أما حياة قلبت عيناها بضجر، ولكنها استسلمت ودخلت للغرفة، لتجد هاتف مي مفتوح من الواضح بأنها قد نسته، فأمسكت به كانت ستنادي عليها ولكنها أدركت بأنها نزلت، ولكن لفت نظرها المحادثه التي كان متوقف عليها الهاتف: - انا حامل في ابنك يا إبراهيم ! مش مسمحاك على اللي انت عملته، ياريت تكلمني علشان نشوف هنهبب إيه في اللي انا فيه دا، وهسامحك على اللي انت عملته، باسل لو عرف إن اللي في بطني مش ابنه هيقتلني ! اتسعت عيون حياة وهي تقرأ هذه المحادثه، ووضعت يدها على فمها من الصدمة، بالأسفل، تذكرت مي بأنها تركت هاتفها بالأعلى، فركضت ثانيًا ولكنها عندما دخلت للغرفة وجدت الهاتف مغلق وموضوع على الفراش، لتمسكه سريعًا وهي تحدث حياة: -هو انا نسيته هنا؟ قلبت عليه الدنيا. نظرت إليها حياة باشمئزاز، لاحظت بأنها مرتبكة وخائفة، لتجاوبها بابتسامة حتى لا تشعر بأنها قرأت المحادثه: - متنسيهوش تاني بقا ! ضحكت مي بتوتر ثم أخذت الهاتف وغادرت، لتتلاشى ابتسامة حياة، وتشعر بالشفقة على باسل، وعلى خيانة مي له، فهو بالتأكيد لا يستحق هذا منها. في المساء كان الجميع جالس بحديقة المنزل، يتحدثون ويضحكون، ويسألون باسل ومي عن ماذا سيسمون هذا الطفل لو كان ولد، أو كان بنت أما حياة فكانت تستمع للحديث بحزن شديد وهي تنظر لباسل الجالس بصمت بجانب مي ، فهي حزينة على الخيانة التي يتلقاها ولكنها أيضًا تشعر بالحزن لأنها لا تستطيع إخباره، كيف بالأساس ستخبره شيء كهذا؟ بعد مدة قصيرة ذهب الجميع للنوم، أما حياة فمازالت جالسة تفكر بما رآت، حتى أصبحت في منتصف الليل، ومازالت تجلس في مكانها، لتجد الجد توفيق أتى وجلس أمامها وهو يستند على عكازة: -لسه سهرانه ليه يابنتي؟ اعتدلت حياة في جلستها وهي تجاوبه بابتسامة: -ولا حاجه ياجدُه، مش جايلي نوم. -يبقا أكيد في حاجه شغلاكي، إحكيلي إيه هي يمكن أساعدك. نظرت إليه حياة طويلاً، وكأن تتسائل هل ياترى يمكنني الوثوق به أم لا !! ليبتسم توفيق وهو يومأ برأسه: -متخافيش، خليكي واثقة فيا واحكيلي. لتعقد حياة حاجبيها ثم تضحك: -حضرتك بتقرأ الأفكار ولا إيه؟ ضحك توفيق وهو يجاوبها: -مفيش حد يقدر يقرأ الأفكار يابنتي.. بس في حد من كتر خبرته في الحياة، واللي شافه فيها، يقدر يقرأ العيون، ويقرأ وش اللي قدامه، كأنه كتاب مفتوح. ابتسمت حياة ثم أومأت برأسها بصمت: -احكيلي كأنك بتفضفضي مع نفسك، واوعدك أسرارك مش هتطلع برا. تنهدت حياة ثم توترت، وبدأت في الحديث: -اللي.. في بطن مي.. صمتت ليسألها توفيق: -ماله؟ -مش إبن باسل !! قالت جملتها بصوت منخفض، ولكنها لم تجد أي تعابير على وجه توفيق، فقط كان يستمع لها بصمت، لتتحدث هي مسرعة: -حضرتك مش مصدقني صح؟ أمسكت بهاتفها وفتحت له الصورة التي التقطتها للمحادثة: -دا دليل على كلامي، انا مصورتش الشات دا لحاجة وحشة صدقني، انا بس كنت عايزة حاجه تثبت كلامي، عارفة انك برضو مش هتصدق بس... قطع توفيق حديثها بتنهيدة طويلة، ثم جاوبها: -انا عارف كل اللي بتقوليه من زمان ياحياة. اندهشت حياة ثم سألته: -إيه؟ أومأ توفيق ثم أردف إليها: -من زمان، قبل ما مي تسيب البيت، باسل كان لسه شاب في بداية حياته مش عارف لسه يدير الشركه ومع ذلك انا سيبته يعتمد على نفسه، ولكنه كان دايمًا بيفشل، ويخسر في الشغل، لغاية مايعتبر كان أفلس وضيع كل فلوسه عشان ينقذ الشركة، وقتها كان نادر لسه صغير، ومي كمان كانت واحدة طايشة وكل اللي يهمها هو الفلوس وبس، ولما مرة واحدة إختفت من البيت، وفي المستشفى قالوا إنها ماتت في الحادثة، انا مكنتش مصدق، عيّنت رجالة تدور ورا الموضوع، وإكتشفوا إنها هربت مع واحد غني وعنده شركات كتير إسمه إبراهيم، وخططوا للحادثة دي عشان يبان إنها ماتت فعلاً، تخيلي واحدة تبيع جوزها اللي كان بيموت في التراب اللي بتمشي عليه، وتبيع إبنها اللي كان لسه ميعرفش أي حاجة، علشان شوية فلوس. دمّعت أعيُن حياة، وسألته بتلعثم: -طيب و ... وليه رجعت تاني؟ تنهد توفيق مرة أخرى: -لما لقيتها رجعت البيت، مرضتش أفضحها، فكرتها ندمت بعد كل السنين دي ورجعت تاني لبيتها وجوزها، ولكن كنت غلطان، دورت مرة تانيه ولاقيت إن اللي هربت معاه دا طلع في الأساس تاجر مخدرات، واتحجز على كل بيوته وشركاته، ولما عرف كدا سبها وهرب.. وطبعًا هي ملقتش حد تترمى عليه تاني غير باسل، وجت وعملت حوار إنها كانت فاقدة الذاكرة. ابتلعت حياة ريقها ثم جاوبته: -بس دا حرام وظلم، وباسل مينفعش يفضل مخدوع فيها بالشكل دا ! نفى توفيق برأسه قبل أن يردف إليها: -باسل مبقاش يحبها زي الأول ياحياة، دا باين أوي على طريقته معاها، أنتِ متعرفيش باسل زمان كانت معاملته مع مي دي عامله إزاي، ومع ذلك انا عايزها تفضل مكملة في كذبها وغشها، وعايزة هو اللي يكتشف حقيقتها القذرة بنفسه، علشان لو حد فكر يحكيله كل دا، مش هيستوعب. أومأت حياة برأسها، ليكمل توفيق حديثه مرة أخرى: -بس انا طالب منك طلب واحد ياحياة !! خليكي جنب باسل، أوعي تسيبيه، خصوصًا في الوقت اللي هيعرف فيه حقيقة مي، لأنه وقتها، هيكون جسم من غير روح، هيبقا تقريبًا متدمر، علشان كدا عايزك تقفي جنبه، وتسنديه، مهما كان برضو أنتِ مراته. أومأت حياة برأسها سريعًا: -حاضر ياجدُه، متقلقش. بعد أن أنهت حديثها مع توفيق، صعدت لغرفتها، غير قادرة على إستيعاب كل ماقاله لها، ولا قادرة على إستيعاب ماسيفعله باسل عندما يعلم كل هذا. وقع نظرها على إطار صورة لهم في زفافهم موضوعه على الخزانة الصغيره الموضوعه بجانب السرير، فأمسكت بها تتأمل ملامحه، وابتسامته، وتمسح بأصابعها على وجهه بابتسامة حزينة. *** في صباح اليوم التالي استيقظت حياة تجهز حالها، ثم ذهبت نحو غرفة نادر لتيقظه، لتجد باسل يقبله قبل أن يذهب للعمل، عندما رآها إعتدل في وقفته ثم حدثها بابتسامة: -صباح الخير. ابتسمت حياة ابتسامه خفيفة: -صباح النور ! تقدم نحوها باسل وهو ينظر لملامحها بتمعُن، شعر بأن هُناك شيء قد حدث: -مالك ياحياة؟ لم تعلم بماذا تجاوبه، ولكنها إكتفت بأنها اقتربت منه وعانقت عناق طويل وقوي، كان باسل لا يعلم سبب هذا العناق، كان متفاجئ أيضًا، ولكنه ابتسم على لطافتها، وبادلها العناق.
رنَـا محمود