(الفصل الخامس عشر) ذهب الجميع لينام، أما مودة، فظلت جالسة مكانها بحديقة المنزل، تُفكّر بـ إياد، ذلك الشخص الذي سرق قلبها منذ سنوات، ويعذّب فؤادها بعدم مُبالاته لها. كانت تجلس على مقعد أمام طاولة صغيره، ترفع رأسها للسماء وتتأمل النجوم، وتشكي لها شوقها. فيخرج الآخر يشعل سيجارته وينفث هواءها قبل أن يلاحظها جالسة، فيذهب يجلس أمامها، كان هذا هو إياد، ليسألها بابتسامة: -الجميل لسه سهران ليه؟ لتتوتر مودة، ثم تعتدل في جلستها: - عادي ! مش عايزة أنام، وأنت سهران ليه. -كدا كدا انا مبنامش دلوقتي ، متعود على السهر بسبب شغل الشركة. أومأت مودة بابتسامة، ليدوم الصمت بينهم عدة دقائق، قبل أن يتحدث إياد ليقطع هذا الصمت: - إيه الأخبار بقا مش ناوية تتخطبي؟ نظرت له مودة بحزن ودهشة ممزوجين معًا : -اشمعنا؟ قالتها وهي تميل برأسها، ليجاوبها الآخر: -هو إيه اللي اشمعنا، عايزين نفرح بيكي . -مش لما نفرح بيك الأول ! أنت الكبير. ليطفئ إياد سيجارته ثم ينظر إليها: -هتبقي مبسوطه وأنتِ شايفاني بخطب؟ مش هتزعلي؟ ابتلعت مودة ريقها بتوتر ثم أردفت إليه: -قصدك إيه، وانا إيه اللي هيزعلني؟ ابتسم إياد ابتسامة خفيفة: -أنتِ عارفة قصدي إيه كويس يا مودة ! كله عارف إنك بتحبيني من واحنا صغيرين، بس برضو كله عارف إن انا منفعكيش، وإنك تستاهلي حد أحسن مني، انا عايش بقضي يومي بالعافية يا مودة، مابين إقساط لجهاز أختي، وعلاج لأمي، ولإيجار بيتنا، يعني يادوب المرتب اللي بيطلعلي من الشركه يقضي كل دا، غير كل دا بقا أنتِ أكتر واحدة عارفة إني نسوانجي وعيني زايغة، وأنتِ واحدة جميلة وقلبك رقيق يامودة، اللي ياخدك لازم يكون بيعرف يقدّر النعمة اللي معاه وميظلمهاش ولا يجرحها. ضحكت مودة وهي تحاول كتم دموعها: -أنت غريب أوي على فكرة !! محسسني إني بقولك يلا اتجوزني، أنت اللي فتحت الموضوع دا أساسًا، انا متكلمتش في حاجه. -علشان انا قلبي بيوجعني كل مرة بشوف نظرتك ليا وقت مابتشوفيني يامودة، بحس إنك بتقوليلي عبّرني بقا وحس بيا، أنت معندكش دم؟ وعلى قد ما أقدر بحاول مبينش ليكي إني لاحظت نظرتك دي، بس خلاص معتش ينفع أقف أتفرج عليكي وأنتِ بتتعذبي كل يوم بسببي ومتكلمش، إحنا الأحسن لينا إننا نفضل أصحاب زي ماطول عمرنا أصحاب يامودة، ينفع؟ "أصدقاء؟ يالها من كلمة مؤذية حين يسمعها قلبٌ عاشق، كيف لقلبي أن يكون صديق لمن هو مُتيَّم به؟ كيف للمقتول أن يكون صديق لقاتلهُ برأيك؟!". أنهى إياد كلامه، وهو يميل برأسه ينتظر إجابتها، لتجاوبه هي بحزن: - انا مقدّرة إهتمامك بمشاعري يا إياد، بس للأسف انا مش هعرف أكون صديقة ليك، بس أقدر أكون أخت صاحبك .. زي ما أنت هتكون صاحب أخويا المفضل .. مش أكتر ولا أقل .. تصبح على خير. أنهت الأخرى جملتها، ثم تركته ونهضت متجهه نحو غرفتها، أما الآخر فتنهد وظل ينظر إليها وهي تختفي شيءٌ في شيء. *** اليوم هو آخر يوم لهُم بمطروح، فبعد تناولهم للفطور، قامت حياة ل اللعب مع نادر كعادتهم، فظل باسل جالسًا ينظر إليهم بابتسامة، لتجلس بجانبه شادية وهي تنكزه في كتفه: -ها .. الصنارة شبكت ولا لسه؟ لينظر إليها باسل ثم يجاوبها بمزاح: -صنارة إيه يا شوشّ؟ -ياولا .. صنارة إيه؟! على أساس مش عارف قصدي؟ دا الحب هيطلع زي الشرارة من عينك. ضحك باسل وهو يعاود النظر إلى حياة: - والله مش عارفه ياخالتو دا حب ولا مجرد إعجاب، حاسس قلبي باظ، معتش بيعرف يفرق بين الحب والإعجاب، الله يرحمك ياباسل ياغريب، كنت زمان مقطع السمكة وديلها. ضحكت شادية على كلماته، ثم جاوبته وهي تربت على ظهره: -انا عارفة انا بقولك إيه ياباسل، أنت حبيتها ياواد ! فاكر لما قولتلك قبل فرحكم إنك هتحبها يعني هتحبها؟ هو مين يعرف حياة وميحبهاش.. إدي نفسك فرصة ياحبيبي ! وعبّر لها عن مشاعرك، انا واثقة إنها هي كمان بتبادلك المشاعر، الدنيا لسه قدامك ياحبيبي، لازم تحب وتتحب، وتعيش الحياة اللي أنت اتحرمت منها بدري. ابتسم باسل ثم نظرت لشادية: -اللي فيه الخير يقدمه ربنا ياحبيبتي . بعد الغداء ودّع الجميع شادية وعائلتها، ثم صعدوا في السيارات متجهين نحو القاهرة ثانيًا، فجلست حياة بجانب باسل، ثم في الخلف جلس نادر ومودة وأشرقت، طيلة الطريق كان ينظر باسل لحياة ويبتسم، خصوصًا عندما يتذكر حديث خالته شادية. في سيارة خالد كانت تجلسه معه جميلة وزوجته عفاف، لتتحدث بغضب موجهه حديثها نحو زوجها: - شوفت الخيبة اللي انا فيها؟ شوفت بنتك؟ قال إيه بتقولي إنها صرفت نظر عن الجواز من باسل، وإنها خلاص استسلمت ومعدتش هتجري وراه. لينظر خالد لإبنته جميلة ثم يبتسم: -والله عين العقل يابنتي، بكرا إن شاء الله ربنا هيرزقك بواحد يعوضك عن حبك لباسل. لترفع عفاف حاجبيها بدهشة: - عين العقل؟ هو أنت وبنتك تعرفوا العقل؟ انتوا عايزين تجننوني ولا إيه؟ لتتحدث جميلة بتعب على ملامحها: -خلاص ياماما بقا بالله عليكي !! إرحميني. لتصمت عفاف بغضب وهي تضغط على أسنانها. في سيارة باسل كانوا مودة وأشرقت ونادر يركزون على هواتفهم، فنظر باسل إلى حياة التي تنظر من النافذة، لتشعر بعدها بيد باسل تحتضن يدها الموضوعة بجانبه، لتتفاجئ من فعلته ثم تنظر له بدهشة، كان الآخر مركّز على الطريق بابتسامة، بينما يضغط على يدها الموضوعة بيده، نظرت حياة إلى الجالسين ورائهم ثم عاودت النظر إليه، حاولت فلت يدها ولكنه لم يدعها. وبعد وصولهم أمام بوابة منزلهم، نزل الجميع من السيارات، ثم دخلوا من البوابة، ممسكين بحقائبهم، بعدما نزل باسل من السيارة، أمسك بيد حياة مرة أخرى، ليدخلوا من البوابة سويًا مع العائلة، عند دخولهم تفاجئوا بحارس المنزل يقف مع فتاة قصيرة الشعر يتحدث معها: -أهُم توفيق بيه وعيلته وصلوا. تفاجئ الجميع عند رؤيتهم لهيئة تلك الفتاة، خصوصًا عندما أدارت وجهها، فعندما نظرت إليهم وجّهت نظرها نحو باسل، ثم ركضت نحوّه وهي تبكي لتحتضنه: -باسل !! وحشتني أوي، وحشتني أوي ياحبيبي. ترك باسل يد حياة بصدمة، لتفتح مودة فمها بدهشة: -مي !! ظل باسل واقفًا لا يستوعب ما حدث، كان ردة فعل الجميع صدمة وذهول. ليمسكها باسل من ذراعيها وينظر لوجهها: -أنتِ.. أنتِ عايشة؟؟ إزاي؟؟ لتنظر له الأخرى بعيون باكية: -هشرحلك كل حاجه ياحبيبي ! ثم وجّهت نظرها نحو نادر الممسك بيد حياة، لتجلس على ركبتيها وتحتضنه: - وحشتني أوي ياروحي، وحشتني ياقلب ماما. إبتعد نادر من عناقها، وتخبئ وراء حياة، التي كانت تقف بصدمة هي الأخرى، لتعاود مي الوقوف مرة أخرى وتنظر لحياة باستغراب: -أنتِ مين؟ لتتلعثم حياة وهي تجاوبها : -انا... انا.. ليقطع باسل حديثها: -دي حياة.. ثم صمت قليلاً قبل أن يكمل حديثه: -مراتي. عقدت مي حاجبيها ثم سألته: -إيه؟ مراتك؟ أنت اتجوزت ياباسل؟ معقول ! لتتحدث حياة مسرعًا: -متخافيش !! هو متجوزنيش عشان بنحب بعض.. بجانب إن انا مراته، انا كمان اللي بعتني ب نادر. لترتخي ملامح مي، ثم تجاوبها: -أه.. خدامة يعني؟ ميّل باسل رأسه ثم أردف إليها: -إيه اللي أنتِ بتقوليه دا يا مي؟ حياة مش خدامة، حياة مراتي على سُنة الله ورسوله، وبتاخد بالها من نادر، عشان هي الوحيدة اللي عرفت تتعامل معاه.
رنَـا محمود