(الفصل السابع وعشرون) ليكمل باسل حديثه: -وإذا كان على طلاقك، ف دا قرار أنا أخده من أول ماعرفتك على حقيقتك محدش أصلاً يعرف عنه حاجه، حتى حياة، لإني باختصار مينفعش أسيب واحدة زيك على ذمتي، لأن باسل بيه الغريب ميلقش بيه واحدة تكون على ذمته غير حياة. ضحكت مي بقهر وهي تنظر لحياة، ثم وجّهت حديثها نحوها: -وأنتِ يا أستاذة؟ لسه عايشة ليه ها؟ هما مش كانوا بيقولوا إنك كنتي تعبانه وهتموتي؟ مموتيش ليه وريحتينا منك، ليه؟ جاوبتها حياة بهدوء: -دي حاجه في إيد ربنا يا مي، مش عشان عايزاني أموت يبقا هموت. ليتحدث بعدها الجد توفيق لينهي هذا النقاش: -إسمعي يا مي، وجودك في البيت هنا هيشبهه، لأنك خلاص مبقيتيش واحدة مننا، إتفضلي خدي بعضك وإمشي مكان ماجيتي، ورجلك متدخلش من بوابة البيت دا تاني، فاهمة؟ ضغطت مي على أسنانها بقوة من شدة الغضب ثم وجّهت حديثها نحو باسل: -بقا هي كدا؟ تمام ماشي.. ماشي ياباسل وحياة كل دمعة نزلت مني بسببك لأندمك على اللي عملته دا، وبكرا تقول مي قالت، مش هسيبك تتهنى يوم واحد، ولا أنت ولا اللي ما تتسمى اللي واقفة جنبك. كانت قاصدة بكلمتها حياة، بعد أن أنهت كلمتها غادرت، ليعاود الجميع الجلوس مرة أخرى. لتتحدث مودة بغضب: -وبعدين بقا؟ هو إحنا مش هنخلص من البت دي ولا إيه؟ جاوبها باسل بابتسامة خفيفة واثقة: -إعتبرينا خلصنا خلاص، متشغلوش بالكم بيها. ابتلعت حياة لعابها وهي تتذكر كلماتها، إنها تشعر بأن تلك مي ستأذيهم بطريقة ما. *** في مبنى ما كان يوجد بها شقة، ذات أضواء ضئيلة، يجلس أمام التلفاز رجل في أواخر الثلاثينات، ذو بشرة سمراء، نحيل وطويل القامة ذو شعر أسود متصفف، شعر بأصوات أمام باب الشقه، فتقدم بهدوء نحوه ليفتحه، ليتفاجئ بـ مي تقف أمامه موجهه نحوه مسدس، ليُصدم من فعلتها: -أهلاً أهلاً إبراهيم بيه !! كان إبراهيم هو الشخص الذي خانت باسل معه وتركها وهرب، إبتلع إبراهيم لعابه، ثم حاول أن يجاوبها: -م... مي! حبيبتي؟! كويس إنك عرفتي مكاني وجيتي أنا دورت عليكي كتير و... قاطعت حديثه وهي تدخل للشقة وتقفل الباب ورائها، ومازالت توجه نحوه السلاح: -دورت عليا؟ ماتبطل كدب بقا ياحقير، دا أنا اللي لفيت عليك العالم كله علشان أعرفك إني حامل في إبنك ياواطي، وأنت كل اللي همك نفسك وبس، أول ماحسيت إنك في خطر أول حد فكرت في هو نفسك، مكنتش أعرف إنك أناني كدا. -لا يامي متفهمنيش غلط، انا... لتقاطعه مي مرة أخرى: -متحاولش تبرر أي حاجة عشان انا عارفة اللي فيها، أنا مش جاية أعاتبك، أنا جيالك تساعدني في حاجه يمكن تخليني في يوم من الايام اسامحك. -حاضر، هساعدك في كل اللي عايزاه، نزلي بس المسدس دا وأقعدي نتكلم بالعقل. بالفعل مي أنزلت السلاح، وجلست أمامه تشرح له ماذا تريد منه. *** في اليوم التالي كان الجميع يتناولون الفطور في الحديقة ليسمعون شخص ما يدق بوابة المنزل، فوقفت حياة واتجهت نحو البوابة لترى من، لتجد شخص يمسك بيده كُتب ويرتدي نظارات طبية، و يرتدي ملابس نظيفة وعلى مايبدو شخص محترم، ولكن كان هذا الشخص هو إبراهيم، إبتسمت حياة بلطف وهي تسأله: -أهلاً وسهلاً، مين حضرتك؟ ابتسم إبراهيم قبل أن يجاوبها: -أهلاً بيكي يافندم، أنا الدكتور وليد، دكتور تخاطب ومتطوع في المدرسه اللي فيها الطفل نادر، تطوعي هو إني بختار كذا طفل مصابين بالتوحد وبقعد معاهم كذا جلسة لحد مايكون في تحسُن، من غير مُقابل. في البداية شكت حياة في أمره ولكنها جاوبته سريعًا: -جزاك الله كل خير والله، بس أنا مامت نادر، وزي ماتقول كدا الدكتورة بتاعته، ف إحنا مش في إحتياج خدمتك. -يافندم حاولي تفهميني أنا.. قاطع حديثه باسل الذي أتى وهو يسأل باستغراب: -في إيه ياحياة؟ -الأستاذ دا دكتور تخاطب إسمه وليد ومتطوع في مدرسة نادر، وكان عايز يساعده بكذا جلسة تخاطب. ابتسم باسل ثم جاوبه: -أهلاً وسهلاً بيك، دا شرف لينا طبعًا، ولكن للأسف إحنا لفينا ب نادر على دكاترة كتير، ومجابوش أي فايدة. جاوبه إبراهيم وهو يحاول إقناعه بشتّى الطُرق: -طب مفيش مشكله يافندم، حضرتك ممكن تجربني مرة واتنين ولو محصلش تقدم في حالته، معتش هتشوفني. حك باسل خلف رأسه بتفكير، ثم جاوبه: -تمام مفيش مشاكل، هتبدأ معاه من إمتى؟ إبتسم إبراهيم بخبث وقد نجحت خطته بالدخول بينهم. *** نعود لجلسته مع مي عندما شرحت له ماذا حدث معها في منزل باسل الغريب، ليضحك إبراهيم وهو يسألها: -يعني روحتي كدبتي ع الناس تاني، وعملتي حوار إنك حامل منه، دا غير حوار إنك موتّي واتفضحتي في العيلة، وجاية لي أساعدك في إيه مش فاهم؟ تنهدت مي ثم أمسكت هاتفها وفتحت صورة لحياة، ووجهتها نحو إبراهيم: -دي مراته التانيه واسمها حياة، هي اللي كشفتني وهي اللي عملت كل دا بيننا، ومكرهنيش غير بسبب حبه ليها، كل اللي انا عايزاه منك إنك تدخل وسطهم إزاي معرفش، وتلف حوالين البت دي وتاكل بعقلها حلاوة، وتبعدها خالص عن باسل، إزاي برضو معرفش أهم حاجه إن باسل يكرهها ويبعد عنها، ويرجع لي أنا، هتعرف تعمل كدا؟ إبتسم إبراهيم ابتسامة خبيثة وهو يأخذ من يدها الهاتف ويتفحص صورة حياة: -سهلة وبسيطة. *** في اليوم التالي أتى إبراهيم لمنزل باسل بشخصية وليد، رحب به الجميع وبدأ في جلسته مع نادر، الذي كان غير مرتاح معه في البداية، ثم سرعان ما تجاوب معه، كان لإبراهيم صديق طبيب تخاطب فتعلم منه بعض الحيل الذي يستعملها مع نادر حتى يستجاب له. أتت نحوهم حياة بكوب من الشاي لإبراهيم وكوب من الحليب لنادر، إبتسمت وهي تعطي لإبراهيم الشاي: -إتفضل يادكتور. -شكرًا جدًا. كانت سترحل ولكنه استوقفها: -مدام حياة! إستدارت حياة مجددًا: -ايوا؟ -هو حضرتك والدة نادر بجد؟ نظرت حياة لنادر بابتسامة: -ايوا والدته جاوبها إبراهيم وهو يعدّل وضعية نظاراته: -غريبة، مع إن اللي يشوفكم أنتِ والأستاذ باسل ميقولش إنكم متجوزين خالص. عقدت حياة حاجبيها ثم سألته: -إزاي مش فاهمه؟ حمحم إبراهيم ثم جاوبها: -يعني.. علاقتكم... متوترة شوية!! رفعت حياة إحدى حاجبيها ثم جاوبته بغضب: -بعد إذنك شوف شغلك ومتدخلش في اللي ملكش فيه، تمام؟ تركته وغادرت، ليبتسم إبراهيم ابتسامة جانبية وهو يتمتم بصوت منخفض بينما يشاهدها تغادر: -تؤ تؤ تؤ، شكلنا هنتعب جامد معاكي ياحلوة. *** عاودت حياة الدخول إلى المطبخ تفكر بحديث ذلك الوغد، ماذا يقصد بحديثه؟ وكيف يعني علاقتهم متوترة؟ كيف علم بالأساس؟ هل هُم بالفعل واضح عليهم بأنهم علاقتهم معظم الأحيان مليئة بالتوتر؟ حاولت أن لا تشغل بالها بتلك التفاهات، فهي مجرد تُرهات يقولها شخص لا يعلم عنهم شيء. أما هُم بالأساس، علاقتهم وطيدة، مليئة بالحُب والشغف حتى ولو معظم الأحيان يشوبها بعض التوتر والأحزان والمعاناة، لا بأس بكل ذلك إنها فقط سجية الحياة، ليست دائمًا كالماء الصافي، وليست دائمًا كالموج الهائج.
رنَـا محمود