الفصل العشرون والأخير:ظلال العاصفة

الفصل العشرون والأخير:ظلال العاصفة

11 0

مرّ يومان على تسليم الوثيقة لرئيس هيئة التفتيش القضائي. كان الوقت يمرُّ بطيئاً وثقيلاً كالجبال على روز في شقتها. كانت تتنقل بين الغرف بملابسها المنزلية المريحة قميص ناعم باللون الوردي الهادئ وسروال أبيض واسع فضفاض.

يحاصرها الملل وتقتلها ثواني الانتظار البطيئة،رفعت هاتفها بعد أن أضناها المكوث بمفردها، واتصلت على رقم ليو.

​جاء صوته الرخيم عبر السماعة بعد رنتين:

"محاميتي؟ هل حدث شيء طارئ؟"

​تنهدت روز وهي تعبث بأطراف شعرها، وقالت بنبرة يملؤها الضجر:

"لا شيء طارئ يا ليو... لكن الشقة أصبحت خانقة للغاية، والوقت لا يتحرك إطلاقاً. أعلم أنك مشغول بجمودك وأعمالك في الشركة، ولكن... هل يزعجك إن أتيتُ إلى مكتبك؟ أريد فقط تغيير هذا الروتين الميت."

​ساد الصمت للحظات على الطرف الآخر، قبل أن تصدر منه همهمة خفيفة تتخللها نبرة رضا:

"لستُ مانعاً يا طبيبتي... ارتدي شيئاً مناسباً وسأرسل لكِ السائق فوراً."

​ابتسمت روز، وسارعت إلى خزانة ملابسها لترتدي فستاناً أزرق سماوياً ناعماً بأكمام بيضاء طويلة ومزينة بأربطة دقيقة، مما منحها مظهراً رقيقاً وأنيقاً.

​عند وصولها إلى البرج الاستثماري الضخم الخاص بشركة ليو، استقبلتها السكرتيرة بوقار وأرشدتها إلى مكتب ليو . كان ليو يجلس خلف مكتبه الخشبي الداكن، يرتدي كنزة ذات ياقة عالية بيضاء فوقها سترة أنيقة باللون البني الكلاسيكي وسروالاً أسود مخصراً، يبدو بكامل أناقته.

​جلست روز على المقعد الجلدي المقابل له، واكتفت بمراقبته وهو يقلّب المعاملات بتركيز شديد.

​توقفت حركة ليو، ورفع بصره إليها بابتسامة جانبية خفيفة:

"هل أتيتِ لتغيير الجو يا أنسة روز، أم لتمارسي هواية التأمل الصامت في خطوط وجهي؟"

​احمرّ وجه روز فوراً، وردت بعصبية لطيفة:

"أنا لا أتأمل وجهك يا سيد ليو! أنا فقط أتساءل كيف لشخص يعيش وسط كل هذه التهديدات والحروب القانونية أن يتابع صفقات العمل بهذه البرودة!"

​رد ليو وهو يوقع إحدى الأوراق:

"البرودة هي التي تجعل الشخص يتخذ القرار الصحيح في الوقت المناسب... بعكس الحماس العاطفي الذي يجعلكِ تهاجمين الحراس في المطر."

​رفع نظره نحوها وأضاف بأسلوب ساخر:

"أم أنكِ اشتقتِ للتسلل والهروب معي في منتصف الليل؟"

​رمقته روز بنظرة حادة:

"اشتقتُ للحركة فقط! ثم إنني لو علمتُ أن التواجد معك في هذا المكتب سيعني الاستماع لغرورك المعتاد، لفضلت البقاء متصلبة بين أرائك الشقة!"

​ضحك ليو بنبرة خفيفة:

"ولكنكِ أتيتِ على أي حال... لأن السكون يقتلكِ، وبوجودي تصبح الأمور أكثر جاذبية، أليس كذلك؟"

​وقبل أن تصب روز غضبها عليه، اهتز هاتفها باتصال من إيف.

​"روز! أهلاً بكِ.. هل أنتِ مشغولة الآن؟" رن صوت إيف المستعجل عبر السماعة: "لدينا طلبات كثيرة وطارئة في المخبز اليوم، ورفوف المعجنات ممتلئة والزبائن يتزايدون، وريو مشغول في التوصيل. هل يمكنكِ المجيء لمساعدتي قليلاً؟"

​ردت روز بابتسامة متلهفة للقيام بأي شيء:

"بالتأكيد يا إيف! أنا قادمة فوراً، لا تقلقي إطلاقاً."

​أنهت المكالمة ووقفت وهي تستعد للمغادرة، لكنها تفاجأت بـ ليو يغلق القلم الذي بيده وينهض من مقعده بكل هدوء، واضعاً هاتفه في جيب سترته:

"انتظري محاميتي... سآتي معكِ."

​رفعت روز حاجبيها باستغراب شديد:

"تأتي معي؟! لكنك في وسط اجتماع ورقي وأعمال ضخمة في الشركة!"

​ابتسم ليو وهو يتجاوز مكتبه بخطوات واثقة:

"الأوراق لن تطير يا روز... ولكنني لن أترككِ تتجولين بمفردكِ في الوقت الحالي. ثم إنني أريد أن أرى كيف ستديرين أمور المخبز بمهاراتكِ القانونية."

​سارت بجانبه في الممر وقالت بتحدٍّ:

"سأديرها أفضل منك بكثير يا ليو، على الأقل أنا أعرف كيف أتحدث مع الناس بلطف دون أن أنظر إليهم وكأنني أصدر حكماً قضائياً بالإعدام!"

​رد ليو وهو يفتح باب المصعد:

"اللطف لا يصنع الكعك المثالي يا روز... بل الانضباط الدقيق. وسنرى من منا سيحصل على الثناء اليوم."

في المخبز الدافئ المليء برائحة الفانيليا والخبز الطازج، رحبت بهما إيف بامتنان كبير قبل أن تهرع لتلبية باقي الطلبات. وقفت روز خلف المنصة وأمسكت بمئزر الطبخ الأبيض، ثم التفتت إلى ليو الذي كان واقفاً بجمود ونظر إلى المئزر المخصص له بنظرة رفض قاطعة وسخرية خفيفة.

​قالت روز وهي ترفع المئزر أمامه بابتسامة تحدٍّ:

"ما بك تتراجع؟ عليك ارتداء المئزر أيضاً إن كنت ستساعدنا!"

​رد ليو بنبرة رفض قاطعة:

"أنا لا أرتدي هذه الأشياء يا روز."

​اقتربت روز منه بثقة وجرأة فريدة، وقالت:

"لا يوجد خباز بدستور المخبز بدون مئزر! اقترب وقليل من التواضع لن يضر غرورك العالي."

​رفعت يديها ولفّت الحبل حول عنقه، ثم امتدت يداها حول خصره لتربط الحبل من الخلف. وفي تلك اللحظة رفعت عينيها لتجد وجهه قريباً جداً منها؛ كانت عيناه العسليتان تتأملان تفاصيل وجهها بتركيز غريب، ونظراته تخترق ملامحها بالكامل.

​شعرت روز بحرارة شديدة تسري في وجنتيها، وتداركت موقفها بسرعة بالإبتعاد خطوة إلى الخلف وهي تشد الحبل بارتباك:

"هـ..هكذا أفضل.. يمكنك البدء الآن."

​انحنى ليو قليلاً قاطعاً المسافة بينهما، وارتسمت على شفتيه ابتسامة استفزازية خفيفة، ثم همس بنبرة ساحرة:

"قللي من أرتباكِ يا محاميتي... وإلا ستحرقين العجين بالكامل قبل أن نبدأ العمل."

​شحذت روز نظراتها بغضب طفولي وردت:

"من يرتبك؟! راقب عملي فقط وستعرف من منا العبقري هنا!"

​مرت الساعتان التاليتان في تزيين قطع الحلوى وترتيب الرفوف.

حاول ليو تزيين إحدى الكعكات بدقة مبالغ بها وكأنهُ يبني عمارة، جعلها تبدو كأنها مجسم تكتيكي،نظرت روز إلى الكعكة وانفجرت بالضحك:

​"يا إلهي، ليو! هل هذه كعكة شوكولاتة أم خريطة بناء مسلحة؟! كيف سيأكلها الزبون؟"

​نظر ليو إلى كعكته بجدية مصطنعة، ثم التفت إليها وقال:

"هذا يدعى النظام والتناسق الهيكلي يا روز... شيء يفتقده خطكِ القانوني تماماً."

​"خطـي قضايا قانونية وليس هندسة معماريـة يا سيد ليو!" صرخت روز بمرح.

​رد ليو وهو ينظر إلى يديها المغطاتين بالطحين:

"حسناً يا صاحبة الخط القانوني، انظري إلى قالب الفانيليا الذي بين يديكِ... إنكِ تضعين الكريمة وكأنكِ تسجلين ملاحظات جنائية استعجالية!"

​اقتربت روز منه بجرأة وقالت:

"على الأقل القالب الخاص بي يبدو شهياً ولطيفاً! أما قالبك فيحتاج إلى ترخيص بناء قبل بيعه!"

​وفجأة، رفع ليو إصبعه الملتحف بقليل من الطحين الأبيض، ووضعه ببطء على طرف أنفها!

​تجمدت روز ونظرت إلى أنفها بصدمة، بينما ابتسم ليو بنصر ومرح:

"الآن أصبحتِ تشبهين أرنبة خبازة بحق."

​"أنت شخص مستفز... وبلا حدود!" مسحت روز أنفها بغضب لطيف وهي تتوعده، ثم أخذت القليل من الشوكولاتة بإصبعها ومسحتها على وجنته بمهارة وسرعة!

​توقف ليو لثانية، ونظر إليها بحاجب مرفوع، بينما قالت روز بضحكة ناعمة:

"الآن أصبحنا متعادلين أيها المدير المغرور!"

​ابتسم ليو برقة نادرة، وهو يمسح وجنته بكل هدوء:

"حسناً يا أرنبتي... سأسامحكِ فقط لأننا في المخبز."

بعد انتهاء العمل غادرا ليو وروز المخبز، كان الليل قد ألقى بساوده على المدينة،أقترح ليو على روز أن أن تذهب معه لشقته ليتناولا العشاء معاً ترددت روز قليلاً لكنها وافقت، استقرا في سيارة ليو متجهين نحو شقة ليو.

​قالت روز وهي تنظر إلى انعكاس أضواء المدينة على الزجاج:

"تخيل لو رآك موظفو شركتك قبل قليل وأنت ترتدي المئزر وعليك الطحين والشوكولاتة... أعتقد أن أسهم الشركة ستتغير فوراً!"

​ابتسم ليو بابتسامة جانبية وهو يمسك بمقود السيارة:

"أسهم الشركة تبنى على القوة الميدانية يا روز... ثم إن الرائحة الملتصقة بملابسي الآن رائحة كعك، وهذه تهمة سأتشاركها معكِ طوال الليل."

​"رائحة الفانيليا أفضل بكثير من نبرتك الجادة، صدقني!" ردت روز بغضب طفولي.

​نظر إليها ليو لثوانٍ بنبرة أكثر جديّة:

"بالمناسبة يا روز... لاحظتُ سيارة تدور حول أطراف المخبز منذ ساعة. يبدو أن ساي استغل اتصالكِ بمساعدة شبكات التتبع لمطاردة موقعكِ. هاتف إيف أو هاتفكِ كانا مرصودين."

​اتسعت عينا روز بقلق:

"ماذا؟! وهل تركناهم يتتبعوننا حتى شقتك؟!"

​رد ليو بثقة وهدوء شديد:

"بالتأكيد... دعينا نجلبهُ في ملعبه المفضّل، أردتهم أن يحضروا إلى شقتي تحديداً، حيث تتوقف كل قواعد لعبتهم السخيفة."

​وصل كلاهما إلى الشقة الحديثة والأنيقة، وسادت أجواء من الدفء أثناء إعداد العشاء.

​وقفت روز وهي تقطع الخضار وقالت:

"ليو... هل تظن أن هيئة التفتيش ستصدر قرار الاعتقال بحق ساي بالفعل بعد انتهاء الأسبوع؟"

​توقف ليو عن تحريك المقلاة، ونظر إليها بصلابة ودفء:

"الوثيقة التي استخرجناها لا تترك مجالاً للشك يا روز. ساي والنائب العام انتهيا قانونياً... المسألة مسألة أيام فقط ليقع السقف فوق رؤوسهم."

​قالت روز ببعض القلق والصدق:

"أنا لا أخاف على نفسي يا ليو... أنا أخاف عليك أنت. إصابتك السابقة لم تتلاشئ من ذاكرتي بعد."

​اقترب ليو خطوة منها، وقال بصوت رخيم يملؤهُ الدفء:

"أنا لا أسقط بسهولة يا طبيبتي... وطالما أنكِ بجانبي، فلن يتجرأ أحد على لمس شعرة واحدة منكِ، وجودكِ في حياتي غير كل شيء وصنع لي سبباً إضافياً لأكون أشد قوة."

​تلاقت أعينهما لثوانٍ طويلة وتوردت وجنتا روز بخفه، ساد فيها صمت عميق ودافئ...

​وفجأة... تحول الهدوء إلى كابوس صامت!

​توقفت إشارة الهاتف تماماً على الشاشة، رأى ليو انعكاس أحمر خفيف ليزري يمر عبر حافة الشرفة المقابلة! وفي الثانية التالية، انطفأت أضواء الشقة بالكامل! واختفت أصوات الشارع الخارجية لتستبدل بصرير خطوات متسارعة ومحترفة تحيط بمدخل الشقة والشرفة!

​اتسعت عينا روز بالخوف، وارتجفت يداها وهي تترك السكين من يدها:

"ليو.. ما هذا؟ هل هم... رجال ساي؟!"

​قال ليو بصوت خفيض للغاية وهو يسحبها خلف ظهره:

"اششش... اهدئي ولا تبتعدي عني خطوة واحدة."

​سمعا دوي كسر القفل الخارجي وصوت أقدام المقتحمين المسلحين يتدافعون للداخل! كان ليو يعلم أن خوض معركة مع عددً ليس بقليل بالأسلحة في مكان مغلق يضع روز في خطر، وأن الوقت قد حان لاستخدام الحل الأخير...

​بلمح البصر، امتدت يد ليو القوية وسحبت روز من خصرها بقوة عارمة، ليلتصق جسدها بصدره تماماً!

​شهقت روز من الصدمة والارتباك:

"ليو! ماذا تفعل؟! هم في الصالة!"

​رفعت رأسها لتنظر إلى عينيه العسليتين اللتين كانتا تلمعان في الظلام ببريق حاد، غير طبيعي، ويشع بنور ذهبي خفيف.

​وضع ليو يده الأخرى خلف رأسها، وانحنى نحو أذنها ليقول بصوت خفيض و مطمئن:

"لا تقلقي يا روز... سأشرح لكِ كل شيء لاحقاً، فقط... أغمّضي عينيكِ الآن!"

​"ولكن—"

"أغمضيهما فوراً وثقي بي!" قطع كلماتها بهمس آسر.

​أغمضت روز عينيها بغريزة نابعة من ثقتها به. وفي كسر من الثانية، سرت في جسدها موجة قوية من انعدام الوزن ودوار غريب تتخلله هزة كهرومغناطيسية وصوت رنين خفيض كأن الهواء يُشق ويُطوى حولهما!

​اختفت الشقة، ورائحة الطعام، وصوت المقتحمين تماماً في ومضة خاطفة من الضوء... لتترك الشقة فارغة بالكامل ومظلمة أمام رجال ساي الذين اقتحموا المكان واجمين ومذهولين دون أن يجدوا أي أثر أو ظل لهما!

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

القدر المحتوم

المؤلف Ruby<5
2026/10/03 مكتملة
قائمة الفصول (21)
الفصل 1: الفصل الأول:ما قبل العاصفة
2026/10/03
الفصل 2: الفصل الثاني:زوايا التصادم
2026/10/03
الفصل 3: الفصل الثالث:تقاطع الاقدار تحتَ سقفِ واحد
2026/10/03
الفصل 4: الفصل الرابع: شرارة قبل العاصفة
2026/10/03
الفصل 5: الفصل الخامس:خطوة في مسافة النار
2026/10/03
الفصل 6: الفصل السادس:طيفُ في ظلالَ الشكِ
2026/10/03
الفصل 7: الفصل السابع:بين صخب الملاهي وظلال السقوط
2026/10/03
الفصل 8: الفصل الثامن:في دهاليز الخطر والظلال
2026/10/03
الفصل 9: الفصل التاسع:خبايا الخطوط المشبوهة
2026/10/03
الفصل 10: الفصل العاشر:العاصفة المكشوفة وظلال التعب
2026/10/03
الفصل 11: الفصل الحادي عشر:متعة الاستراحة
2026/10/03
الفصل 12: الفصل الثاني عشر: رحلة إلى الظلال
2026/10/03
الفصل 13: الفصل الثالث عشر:خطة غير متوقعة
2026/10/03
الفصل 14: الفصل الرابع عشر: ظل في الظلام وصدمة المستند
2026/10/03
الفصل 15: الفصل الخامس عشر: همس الأقنعة
2026/10/03
الفصل 16: الفصل السادس عشر:حد النار
2026/10/03
الفصل 17: الفصل السابع عشر:وعد الخنصر
2026/10/03
الفصل 18: الفصل الثامن عشر:شرارة التحدي
2026/10/03
الفصل 19: الفصل التاسع عشر:تسليم الوثيقة
2026/10/03
الفصل 20: الفصل العشرون والأخير:ظلال العاصفة
2026/10/03
الفصل 21: ~ الخاتمة ~
2026/10/03

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة