الفصل السادس عشر:حد النار

الفصل السادس عشر:حد النار

11 0

ساد الممر الخلفي للقصر صمتٌ خافق،كانت الأضواء الخافتة تنعكس على السلاح الناري المرفوع ببرود في يد الرجل ذي الوشم الأسود، بينما كان حارسٌ آخر يقف خلفه.

​—"كنا بانتظارِكما... ولكنكما تأخرتما في السقوط في الفخ" قالها الرجل بصوت حاد يرن في الممر.

​لم تنتظر روز إجابة، بل شعرت بجسد ليو يتحرك ليغطيها بالكامل ويمحو أي زاوية مكشوفة باتجاهها.

​—"ليو هل أنتَ أحمق؟... السلاح موجه نحو صدرك مباشرة!" همست روز بصوت يرتجف بالخوف وهي تلتصق بظهره.

​نطق ليو بصوت خفيض وحازم للغاية دون أن يلتفت إليها:

— "اخفضي رأسكِ ولا تتحركي خطوة واحدة للورا، يا روز."

​وبسرعة بديهة فائقة، ركل ليو المزهرية البرونزية الضخمة الموضوعة بجانب الجدار بكل قوته؛ تحطمت المزهرية الثقيلة بصوتٍ حاد على الأرض الرخامية، وتطايرت أجزاؤها الخزفية نحو أقدام الرجلين لتربكهما لثانية واحدة.

​استغل ليو ذلك الكسر الزمني، واندفع إلى الأمام؛ أربك الحارس الأول بلكمة حادة وسريعة على الفك أطاحت به أرضاً، ثم اشتبك في صراع قريب مع الرجل الموشوم المتمسك بسلاحه.

​—"أنت تلعب في الساحة الخاطئة يا سيد ليو"صرخ الرجل الموشوم وهو يحاول تثبيت الفوهة.

​رد ليو وهو يلوي معصم الرجل بقوة:

—"وأنت دخلت أرضاً لن تخرج منها حياً إذا مسست شعرة واحدة منها!"

​تدحرج المسدس على الأرض بعيداً أثر التواء معصم الرجل،لكن الرجل الموشوم سحب خنجراً قصيراً من حزامه وغرسه باتجاه صدر ليو! تفادى ليو الضربة التي كانت تستهدف قلبه ببراعة، لكن حد الخنجر الحاد شق جدار معطفه الجلدي واستقر في ذراعه الأيسر، ليقطعه بجرح عميق وتنزف منه الدماء بغزارة ملطخة قميصه الأبيض.

​—"ليو!" صرخت روز برعب وهي ترى الدم المتتدفق.

​تجاهل ليو الألم كلياً وكأنه لم يشعر به، وضغط بقبضته اليمنى على رقبة الرجل حتى فقد وعيه وسقط أرضاً بجانب صاحبه.

​التفت ليو نحو الطاولة الصغيرة في الممر، وبعينين ثاقبتين رصد بطاقة الذاكرة (USB) المربوطة بالحاسوب المركزي والتي تحتوي على العقود المالية المسربة؛ سحبها بلمح البصر، ثم أمسك بيد روز المرتجفة بسلاسة وشدها ونطق بصوت حاد يقطعه التنفس المتسارع:

—"لا وقت لامتصاص الصدمة يا روز! الخطوات القادمة في الممر الرئيسي تتزايد، هيا بنا!"

تسلل الاثنان عبر باب الخدمة الخلفي المؤدي إلى كراج القصر الخارجي، كانت الأمطار تهطل بغزارة، وصوت الرعد يزمجر في سماء المدينة السوداء.

​قفزا إلى سيارة ليو السوداء، وانطلق بها ليو بسرعة هائلة يتجاوز الشوارع المبتلة والتصادمات المحتملة، بينما كانت أضواء سيارتين مظللتين تلاحقهما عبر المرآة العاكسة.

​كانت روز تلتفت للخلف بارتباك شديد، وتنظر ليد ليو اليمنى المتمسكة بالمقود بنوع من الهلع وهي تراه يضغط على أسنانه للسيطرة على السيارة رغم نزيف ذراعه الأيسر.

​—"إنهم يلاحقوننا يا ليو! اتركني أغير التوجيه أو أطلب المساعدة من ريو!" قالت روز بنبرة مضطربة.

​رد ليو ونظره مثبت على الطريق بكل ثبات:

—"ريو يؤمن خط المخبز ولورا معه، لن ندخلهم في مطاردة مكشوفة، ثقي بي، أنا أعرف أين نذهب."

​استغل ليو معرفته العميقة بأزقة المدينة القديمة، ودخل في منعرجات ضيقة ومهجورة تحت زخات المطر الغزيرة حتى استطاع تضليل السيارات وقطع أثرهم بالكامل.

​أوقف ليو السيارة أخيراً خلف مبنى مهجور يعود لمستودع قديم كان يتدرب فيه والمموه كلياً عن أعين ساي ورجاله.

​أنزل ليو رأسه على المقود بجهدً واضح، وأنفاسه المتصاعدة تحجب زجاج السيارة الداخلي، بينما قطرات الدم المتتدفقة من ذراعه بدأت تتساقط على جلد المقعد.

ترجلت روز من السيارة فوراً دون اهتمام بقطرات المطر الغزيرة، وأسرعت لفتح باب المقعد الخلفي، وسحبت ليو بصرامة وحذر ليدخل ويجلس في المساحة الواسعة.

​أخرجت روز حقيبة الإسعافات الأولية الموجودة في السيارة، وشعورٌ بالغضب العارم والممتزج بالخوف الشديد عليه يتأجج داخل صدرها.

​بدأت تقص قماش القميص الملطخ بالدم حول جرحه بأصابع ترتجف بشدة، وكلما رأت عمق الجرح تزايد اضطرابها وارتباك أنفاسها.

​نطقت روز بصوت حاد،يقطعه صوت البكاء المكتوم:

—"أنت أحمق يا ليو! أحمق ومتهور بدرجة لا تطاق ولا يمكن السكوت عن تهوركَ إطلاقاً!"

​عقد ليو حاجبيه باستغراب وهو ينظر إليها، ونطق بصوت رخيم ومتعب لكنه هادئ:

—"روز... الوثائق في حوزتنا ونجونا من الفخ، ما الذي يجعلكِ تغضبين بهذه الطريقة الهستيرية؟"

​رفعت روز عينيها البراقتين بالدموع الغاضبة ونظرت في عينيه العسليتين مباشرة، ونطقت بانفعال يخرج من أعماق قلبها:

—"ما يغضبني هو أنك تضحي بنفسك وبجسدك في كل مرة وكأن حياتك لا قيمة لها! ألم تفكر فيما كان سيحدث لو كان الخنجر أعلى ببضع سنتيمترات؟! هل تعتقد أن نجاتي تكون ذات قيمة أو معنى إذا حدث لك شيء بسبب حمايتي؟!"

​ساد صمت مهيب داخل السيارة، لا يقطعه إلا صوت المطر الذي يضرب السقف والزجاج الخارجي.

​أخذ ليو يتأمل ملامحها المتوردة من الغضب والخوف، ودموعها التي تتساقط على كفيها وهي تطهر جرحه بالمطهر الطبي بتركيز وحذر شديدين. كانت حركة يديها الرقيقتين وهي تلف الضمادة البيضاء حول ذراعه تفيض بلمسات حنونة للغاية تخالف كلماتها الغاضبة.

​ظل ليو يتأمل وجهها الناعم بذهول هادئ ونظرات عسلية عميقة، ولم ينبس بكلمة واحدة طوال فترة معالجتها له. كان صمته وتأمله المستمر وعيناه اللتان لا ترمشان يربكان روز بالكامل ويجعلان نبضات قلبها تتسارع بصورة جنونية.

​—"لماذا تنظر إليّ هكذا بدلاً من الاعتذار عن تهورك؟" همست روز وهي تشد طرف الضمادة بخفة وتتجنب نظراته.

​لم يجيبها بالكلمات؛ بل مد يده السليمة برفق شديد، وأمسك بخصلة ناعمة من شعرها المنسدل على وجهها، وبدأ يلفها ببطء وهدوء حول أصبعه، وعيناه مثبتتان على عينيها البراقتين في العتمة.

​ثم نطق بصوت خفيض، رخيم، يدندن به كالهمس الدافئ:

​—"Yeah, you're beautiful, so you don't need to try..."

(نعم، أنتِ جميلة فلا داعي للمحاولة...)

​—"Oh, my dear, your features look so heavenly..."

(يا عزيزتي ملامحكِ تبدو وكأنها سماوية...)

​—"The eyes don't lie..."

(العيون لا تكذب...)

​—"The eyes don't lie..."

(العيون لا تكذب...)

​—"Say that you are mine..."

(قولي أنكِ ملكي...)

​توقفت حركة روز بالكامل، وتجمدت أنفاسها في حنجرتها عند سماع كلماته ونبرة صوته الهادئة. ارتفعت حرارة وجنتيها بالكامل، وتلاقت عيناها بعينيه العسليتين في لحظة اعتراف صامت.

​أزاح ليو الخصلة خلف أذنها برفق، ونطق بنبرة حنونة:

—"غضبكِ عليّ أجمل من كل هدوء العالم يا روز... ودموعكِ هذه تخبرني بما تحاولين إخفاءه خلف برودكِ"

​ارتبكت روز وغطت وجهها بيديها لثوانٍ لتخفي خجلها الشديد، ثم نطقت بصوت خفيض ودافئ:

—"أنت لا تطاق يا ليو... تستغل ارتباكي لتتهرب من ويلات تهورك."

​ابتسم ليو ابتسامة جانبية ساحرة:

—"بل أستغل اللحظة لأخبركِ بالحقائق التي لا تكذب بها عيناكِ."

بعد أن استقرت أنفاسهما وهدأت العاصفة الخارجية، أخرجت روز حاسوبها المحمول المقاوم للماء وشغلت بطاقة الذاكرة (USB) التي جلبوها من قصر الحفل.

​بدأت روز بإدخال رموز التشفير القانونية لمطابقة العقود المسربة بالبيانات المالية، وكان ليو يجلس بجانبها في المقعد الخلفي، يستند بكتفه على كتفها، ويتابع الشاشة بتركيز حاد.

​—"البيانات بدأت تظهر وتنفك شفراتها..." قالت روز وهي تقرأ السطور المتتابعة بسرعة وذكاء،سجلات الشحنات... التحويلات البنكية... والجهات الممولة لـ ساي.

​وفجأة، توقفت يد روز عن الكتابة على لوحة المفاتيح، واكتست ملامح ليو بالجمود وتجمد الدم في عروقهما.

​ظهر على شاشة الحاسوب عقد توريد أسلحة وتصفية حسابات قديم يعود لتاريخ ليلة مقتل والد روز بالضبط... وتحت بند "الآمر المباشر بالتنفيذ للعملية والغطاء القانوني"، لم يكن اسم ساي هو الموجود، بل كان التوقيع الرقمي يعود لـ (النائب العام للمدينة شخصياً،لشخص الذي يتولى إدارة ملف القضية ويقدم نفسه كحامي لـ روز ومؤسستها منذ سنوات)

​اتسعت عينا روز برعب وذهول، وسقطت يدها على المفاتيح، ونظرت إلى ليو بصوت يرتجف:

—"ليو... هذا... هذا الرجل هو من كان يوجه والدي ويوهمنا أنه يلاحق القتلة! الحامي القانوني للمدينة... هو القاتل الحقيقي بأوامره!"

​شد ليو قبضته بقوة وعيناه العسليتان مثبتة على الحاسوب:

—"اللعبة انتهت للأبد يا روز... والآن عرفنا الأكذوبة الكبرى واليد التي تحرك ساي في الظلام!"

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

القدر المحتوم

المؤلف Ruby<5
2026/10/03 مكتملة
قائمة الفصول (21)
الفصل 1: الفصل الأول:ما قبل العاصفة
2026/10/03
الفصل 2: الفصل الثاني:زوايا التصادم
2026/10/03
الفصل 3: الفصل الثالث:تقاطع الاقدار تحتَ سقفِ واحد
2026/10/03
الفصل 4: الفصل الرابع: شرارة قبل العاصفة
2026/10/03
الفصل 5: الفصل الخامس:خطوة في مسافة النار
2026/10/03
الفصل 6: الفصل السادس:طيفُ في ظلالَ الشكِ
2026/10/03
الفصل 7: الفصل السابع:بين صخب الملاهي وظلال السقوط
2026/10/03
الفصل 8: الفصل الثامن:في دهاليز الخطر والظلال
2026/10/03
الفصل 9: الفصل التاسع:خبايا الخطوط المشبوهة
2026/10/03
الفصل 10: الفصل العاشر:العاصفة المكشوفة وظلال التعب
2026/10/03
الفصل 11: الفصل الحادي عشر:متعة الاستراحة
2026/10/03
الفصل 12: الفصل الثاني عشر: رحلة إلى الظلال
2026/10/03
الفصل 13: الفصل الثالث عشر:خطة غير متوقعة
2026/10/03
الفصل 14: الفصل الرابع عشر: ظل في الظلام وصدمة المستند
2026/10/03
الفصل 15: الفصل الخامس عشر: همس الأقنعة
2026/10/03
الفصل 16: الفصل السادس عشر:حد النار
2026/10/03
الفصل 17: الفصل السابع عشر:وعد الخنصر
2026/10/03
الفصل 18: الفصل الثامن عشر:شرارة التحدي
2026/10/03
الفصل 19: الفصل التاسع عشر:تسليم الوثيقة
2026/10/03
الفصل 20: الفصل العشرون والأخير:ظلال العاصفة
2026/10/03
الفصل 21: ~ الخاتمة ~
2026/10/03

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة