ساد المطبخ هدوءٌ دافئ يقطعه صوت أواني الحساء الخفيفة واستقرار ملاعق الفضة على الطاولة. كانت روز تجلس قبالة ليو، تراقب بشيء من الارتياح بسبب أكماله لطبقه واستعادة وجهه للونه الطبيعي بعد زوال أثر الحمى.
أخذ ليو يمسح شفتيه بالمنديل الورقي، ونظر إليها بابتسامة خفيفة تفيض بالامتنان:
— "الحساء كان ممتازاً يا طبيبتي... يبدو أن مهاراتكِ القانونية ليست الشيء الوحيد الذي تبرعين فيه."
احمرت وجنتا روز بخفه، وحاولت إخفاء ابتسامتها عبر الامساك بكأس الماء:
— "هذا مجرد حساء خضار بسيط يا ليو، لا داعي للمبالغة. المهم أن تستعيد طاقتك بالكامل، لأننا أمام معركة طويلة ضد ساي والنائب العام."
توقفت روز عن الحديث فجأة حين اهتز هاتفها الموضوع على الطاولة. أضاءت الشاشة برقم مجهول وغير مسجل. عقدت حاجبيها باستغراب ومدت يدها لترد، لكن يد ليو امتدت بسرعة وغطت الهاتف بكفه قبل أن ترفعه.
نظرت إليه روز بتساءل، فرد ليو بنبرة هادئة ورخيمة لكنها تحمل تحذيراً:
— "اتركيني أجيب أنا يا روز... لا نأخذ المخاطر مع الأرقام المجهولة في هذه الأوقات."
ضغط ليو على زر الإجابة وفتح مكبر الصوت ببرود تام دون أن ينبس بكلمة، منتظراً أن يبدأ الطرف الآخر بالحديث.
جاء عبر الهاتف صوتٌ ضاحك بسخرية متكلفة، صوتٌ تعرفه روز جيداً وتكره نبرته المسمومة... إنه ساي.
— "مساء الخير يا أنسة روز... أتمنى أنكِ تستمتعين بوقتكِ مع أخي العزيز المريض." قال ساي بنبرة تهكمية، ثم تغيرت نبرته فوراً لتصبح جافة ومهددة: "أردتُ فقط أن أذكّركِ بأن اللعب مع الكبار في قضايا الأرشيف والوثائق القديمة سيكلفكِ ما لا تطيقين تحمله، والدي كان يعرف كيف ينهي ملفات المحامين المزعجين... وأنا أملكُ نفس أسلوبه. انسحبي قبل أن تجدي نفسكِ قابعةً خلف القضبان أو تحت الأرض."
قبض ليو على الهاتف بقوة حتى كاد يسحقهُ تحب أصابعه، واشتعلت عيناه العسليتان ببريق شرارة غضب لم ترهُ روز فيه من قبل. ارتفع جسده قليلاً عن المقعد، ونطق بصوتِ منخفض وحاد:
— "ساي..."
توقف الصوت الساخر على الطرف الآخر لثانية، وكأن ساي لم يكن يتوقع أن يكون ليو المجيب.
واصل ليو حديثه بنبرة حادة كالسيف:"تجرأ على كتابة حرف واحد أو توجيه كلمة تهديد أخرى نحو روز... وستكتشف أن الصبر الذي أظهرته معك بصفتك أخي قد انتهى للابد. الوثائق أصبحت في أيدينا، وما هي إلا أيام حتى ترى عرشك ومؤسستك تتداعى فوق رأسك. لا تقترب منها... أحذرك."
أغلق ليو الخط بوجه ساي فوراً ودون أن ينتظر إجابة، ثم ألقى الهاتف على الطاولة بحدّة.
كانت روز تنظر إليه بذهول، وقلبها يخفق بسرعة ليس من خوف التهديد، بل من الطريقة الانفعالية التي حماها بها ليو.
— "ليو... أنت لم تكن بحاجة لإغضابه بهذه الطريقة،" همست روز بقلق.
رفع ليو بصره إليها، وذابت نبرته الحادة لتستحيل إلى دفءٍ صادق:"بل كان عليّ ذلك يا روز. يمكنكِ أن تخوضي المعارك القانونية كما تشائين، لكن لن أسمح لأي أحمق بتهديدكِ طالما أنا أتنفس."
لم تكد تهدأ الأجواء في المطبخ حتى اهتز هاتف ليو هذه المرة، نظر إلى الشاشة ليرى اسم ريو.
رفع ليو السماعة:"نعم يا ريو؟"
جاء صوت ريو عبر الهاتف جاداً ومستعجلاً، محاطاً بصوت أجهزة ومعدات رقمية:
— "ليو... التتبع الاستخباراتي الذي وضعته على مقر قسم الأدلة الجنائية أعطى إشارة حاسمة للتو، هناك تحركات مشبوهة للنائب العام؛ يبدو أنه أرسل فريقاً خاصاً لمسح وإتلاف الأرشيف الورقي القديم المحفوظ في السيرفر السرّي بقسم الأدلة المغلق ليلة الغد! إذا لم نتدخل الليلة ونستخرج النسخة الأصلية للوثيقة، ستضيع أدلتنا للأبد."
عقد ليو حاجبيه بتركيز، واستعاد ذهنيته القيادية في ثوانٍ:"هل الموقع مؤمن بشكل كامل من طرفهم؟"
"المبنى محاط بكاميرات حرارية وحراس من شركة أمنية خاصة تابعة لـ ساي، سأكون هناك في التوقيت المحدد لفتح ثغرة رقمية في نظام الإنذار، لكننا نحتاج للتحرك فوراً."رد ريو بنبرة سريعة
زفر ليو زفيراً طويلاً، ومسح جبهته بيده وهو يتذكر جسده المنهك الذي بدأ يتعافى للتو، ثم نطق بابتسامة سخرية مريرة وهو يهمُ بالذهاب:
— "عظيم جداً... حتى لم يتركوني أتعافى بالكامل من مرضي اللعين!"
نهضت روز من مكانها بسرعة وأمسكت بذراعه السليمة: "إلى أين تذهب؟!قبل قليل لم تكن تستطيع أن تقف وحدك!جسدك بحاجة للراحة يا ليو!"
نظر ليو إليها بتمعن وابتسم بثبات:"الأدلة لن تنتظر تعافي جسدي يا روز، وهذه الفرصة لن تتكرر، بالإضافة إلى ذلك... ألم تعديني قبل ساعات أنكِ ستكونين بجانبي في كل خطوة؟"
صمتت روز لثوانٍ، ثم هزت رأسها بثبات وقالت:"إذاً سآتي معك، سأتولى الجانب الرقمي وفك الشفرات الأرشيفية من السيارة أثناء تسللك."
في منتصف الليل، استقرت السيارة المصفحة السوداء في أزقة مظلمة مطلة على الجانب الخلفي لمبنى الأدلة الجنائية القديم، كان المطر قد عاد ليهطل برفق، ومصابيح المبنى تعكس أضواء خافتة وباردة،
كانت روز تجلس في المقعد الخلفي أمام جهاز حاسوب محمول عالي التشفير، بينما يرتدي ليو سترة تكتيكية داكنة تحمي جرح ذراعه وتمنحه حرية الحركة.
— "نظام الإنذار الجانبي معطل الآن لمدة اثنتي عشرة دقيقة يا ليو" قالت روز وهي تقرأ البيانات السرية من الشاشة:"المكتب الأرشيفي يقع في الطابق الثاني خلف الباب الفولاذي. استخدم الشفرة الرقمية التي استخرجتها لك."
نظر ليو إليها عبر المرآة واكتفى بهزة رأس جادة:"أبقي على تواصل معي عبر السماعة... ولا تغادري السيارة تحت أي ظرف."
تسلل ليو بخفة رغم إجهاده الجسدي الخفيف، استغل الظلال المحيطة بالمبنى وتجاوز السياج الخلفي بمهارة، وصل إلى الباب الجانبي، وأدخل البطاقة التي أعطتها روز له لتفتح البوابة بصوت هادئ.
تحرك ليو داخل الممرات المظلمة، يتفادى المراقبة حتى وصل إلى القاعة الرئيسية للأرشيف، فتح الخزنة الحديدية بعد إدخال الرمز، واستخرج المجلد الأبنوسي القديم الذي يحمل التوقيع والختم الرسمي للنائب العام.
تحدث ليو عبر السماعة وهو يضع المجلد في حقيبته: "روز... الوثيقة في حوزتي، أنا متجه لنقطة الخروج.،
لكن صوت روز جاء مفزوعاً ومضطرباً عبر السماعة:"ليو! انتبه! هناك أربع سيارات سوداء وصلت للتو إلى الساحة الأمامية! الحراس ينشرون رجالاً في الممرات الجانبية... لقد كُشف أمر التسلل من نظام سيرفرات ساي! إنهم يغلقون المنافذ عليك!"
في تلك اللحظة بالذات، انطلقت أجهزة الإنذار الحمراء داخل المبنى، واشتعلت الأضواء، وسُمع صوت أقدام ثقيلة تندفع نحو الطابق الثاني!
تراجع ليو نحو زاوية الممر المظلم، وسحب مسدسه بيدً واحدة، مستعداً للمواجهة رغم تكاثر الأعداد وتطويق المخرج.
— "روز... أغلِقي السيارة وابتعدي عن المنطقة فوراً!" صرخ ليو عبر السماعة بصرامة.
ردت روز بنبرة سريعة وقلقله:"لن أذهب وأتركك يا ليو! ريو قريب من الموقع!"
فجأة، تحطم زجاج النافذة العلوية للقاعة الرئيسية بصوت مدوٍّ! هبط شخص بملابس سوداء كاملة وسرعة خاطفة، مستخدماً حبلاً طويلاً... إنه ريو!
أطلق ريو عدة قنابل دخانية مكثفة غطت الممر بالكامل بالضباب الأبيض، مما حجب الرؤية عن حراس ساي المسلحين وأربك حركتهم.
— "يبدو أنك تبحث عن المساعدة يا صديقي!" قال ريو بصوته البارد وهو يفرغ شحنة صدمة كهربائية في وجه أول حارس يتقدم نحوهم.
ابتسم ليو من خلف الدخان:"تأخرت دقيقتين يا ريو!"
— "الطرقات كانت مزدحمة برجال ساي... هيا، المخرج السقفِيّ جاهز!" رد ريو وهو يلقي بحبل التسلق نحو ليو.
استغل الاثنان حالة الضياع والدخان الكثيف، واستخدما الدرج الخارجي للطوارئ للوصول إلى السطح والقفز نحو الزقاق الخلفي للتسلل.
تراجعت أضواء السيارات المطاردة واختفت أصوات الصافرات في عتمة الليل الماطر. كانت روز تجلس خلف مقود السيارة المتوقفة في شاطئ الزقاق الهادئ على بعد مسافة أمان من موقع قسم الأدلة الجنائية، وقلبها يخفق برعب كطبول الحرب، وعيناها معلقتان ببداية الشارع عند الزاوية.
فجأة، انشق الضباب البارد عن ظلين متسارعين؛ تقدم ريو بزيّه الداكن وهو يؤمن الشارع بحذر، وبجانبه ليو خطواته ثقيلة قليلاً لكنها ثابتة، وحقيبة الوثائق في يده.
ما إن لمحت روز خياله وهو يترجل سالماً من العتمة مع ريو، حتى فتحت باب السيارة دون أي تفكير أو تردد. نزلت إلى الشارع والماء يرتطم بأقدامها، ونسيت كل قواعد الجمود والمفهوم المهني الخارجي.
خطت خطوات متسارعة نحو ليو، وقبل أن ينطق بأي كلمة أو يستوعب اقترابها السريع، رفعت روز قدميها قليلاً وألقت بجسدها بالكامل نحوه، ولفّت ذراعيها الناعمتين بقوة وثبات حول رقبته.
توقف ليو في مكانه مذهولاً، واستشعر ثقل جسدها الدافئ ورجفة كفيها خلف رأسه، بينما غطت رائحة عبير شعرها بالفانيليا نكهة الدخان والمطر. غاص وجهها عند كتفه، ونطقت بصوت مكتوم يرتجف بالدموع المحبوسة والارتياح:
— "أنت بخير... يا إلهي، لقد ظننتُ أنني سأفقدك هناك يا ليو!"
تلاشى ذهول ليو في ثوانٍ، وسادت في عينيه العسليتين موجة حنان دافئة أزاحت كل آلام جراحه وإجهاده. رفع يده وضم خصرها نحو صدره بذراع واحدة بثبات تام، محيطاً إياها، وهمس عند أذنها بصوت رخيم ودافئ:
— "أخبرتكِ من قبل يا محاميتي... لن أترككِ بمفردكِ، وأنا دائماً أفي بوعودي."
تراجع ريو خطوتين للخلف بإبتسامة هادئة ومبطنة، وأدار وجهه نحو الطريق لترك اللحظة لهما، بينما بقيت روز متمسكة برقبة ليو لثوانٍ طويلة، مدركة في أعماق روحها أن الخوف الذي عاشته الليلة لم يكن خوفاً على قضية والدها... بل كان رعباً صافياً من فكرة الحياة في عالم يخلو من وجود ليو بجانبها.
ابتعدت روز عن ليو ببطء شديد بعد أن استوعبت جرأة موقفها وعناقها القوي لرقبته أمام ريو وفي منتصف الشارع، استقرت قدمها على الأرض، وسرى الخجل في عروقها كالكهرباء، ليتحول وجهها بالكامل إلى اللون الاحمر القاني.
حاولت روز استعادة جمودها المعتاد بسرعة؛ عدّلت ياقة معطفها بأصابع ترتجف، ونظرت نحو الأرض بعيداً عن عينيه وهي تحاول تنظيم أنفاسها المتسارعة:
— "أـ أنا... اعتذر... كان تصرفاً غير مدروس ناتجاً عن ضغط العمل والتسلل المفاجئ فقط! لا تطبق عليه أي دلالات أخرى سيدي... أقصد...ليو!"
لم تخفَ محاولاتها الفاشلة في التغطية على توترها عن ليو، التفت إليها ليو كلياً، وظهرت على شفتيه ابتسامة جانبية ساحرة يملؤها الاستفزاز، ورفع حاجبه ونطق بصوت رخيم تهكمي:
— "أوه حقاً؟ ضغط العمل يجعل المحامية الصارمة تترك السيارة وتندفع تحت المطر لتعانق رقبتي بتلك القوة الشرسة؟ كدتُ أفقد تنفسي يا روز... وليس بسبب الدخان هذه المرة!»
اتسعت عينا روز بصدمة وخجل، ورفعت رأسها لتنظر إليه بعينين تشتعلان غضباً طفولياً:
— "ليو! أنت تستغل الموقف بطريقة مستفزة جداً! كنت خائفة من أن تكون قُتلت أو أصبت مجدداً، وهذا أمر طبيعي لأي شريك في القضية!"
اقترب ليو خطوة منها، وانحنى بجسده قليلاً نحو أذنها، وزمزم بصوت دافئ يفيض بالخبث:
— "شريك القضية يعافيكِ بكلمة شكراً... وليس بعناق دافئ يعيد لقلبي نبضه بعد يوم حافل بالحمى والمطارادات يا محاميتي."
احمرت وجنتا روز بدرجة أكبر، وجذبت حقيبتها بقوة نحو صدرها وهي تمتم بعصبية لطيفة:
— "أنت لا تطاق إطلاقاً! لن أعبر عن قلقي عليك مجدداً حتى لو حوصرتَ بجيشً كامل!"
قطع ريو المشهد وهو يطفئ جهاز اللاسلكي، ونظر للطرفين بابتسامة جادة ومبطنة، ثم نطق بنبرة هادئة:
— "إذا انتهت هذه المداعبات القضائية الشرسة تحت المطر... أقترح أن نبتعد عن هذه المنطقة فوراً، المخبز مغلق في هذا الوقت من الليل، وإيف تملك المفاتيح والمنطقة آمنة للراحة والتخطيط."
التفت ليو نحو ريو بنظرة فاحصة، ونطق بنبرة مليئة بالتلميح:
— "المخبز؟ في الثالثة صباحاً يا ريو؟ ألم تجد مكاناً آخر سوى المخبز المحاط برائحة الفانيليا وصاحبته الرقيقة؟"
تنحنح ريو بارتباك نادر وعدّل ياقة قميصه ووجه نظره نحو الشارع:
— "إيف تملك خط هاتف مشفر ومساحة خلفية آمنة لا تصل إليها إشارات ساي... هذا مجرد إجراء أمني."
تلاقت أعين ليو وروز لثوانٍ، وارتسمت على شفتيهما ابتسامة دافئة وساخرة في الوقت نفسه؛ فقد أدركا فوراً أن العلاقة بين ريو وإيف قد أصبحت أقوى في غيابهما.
وصل الثلاثة إلى المخبز الصغير عبر الباب الخلفي، كانت الأضواء خافتة جداً ورائحة الخبز الدافئ تملأ المكان، خرجت إيف من الغرفة الداخلية بملابس منزلية ناعمة، وعيناها متسعتان بقلق وهي ترى ليو وريو بملابسهما الداكنة وحقيبة الوثائق.
— "يا إلهي! ريو..سيد ليو..روز هل أنتم بخير؟ما الذي حصل؟!" هتفت إيف وهي تسرع نحوهم بوعاء ماء وقطع قماش نظيفة.
توجه ريو نحوها فوراً، وأخذ الأواني من يديها بنعومة ولطف:
— "نحن بخير يا إيف...لقد كانت لدينا مهمة بسيطة وأستخرجنا الوثيقة دون خسائر."
وقفت روز بجانب ليو، ونظرت لإيف وريو بابتسامة خبيثة وممتلئة بالتلميح، ثم قالت وهي تسند ذراعها على الطاولة:
— "أوه يا إيف... ريو يحرص على المخبز وأمنكِ أكثر من حرصه على الممرات التكتيكية لـ ليو! لم يتردد ثانية واحدة في اقتراح المخبز كمكانٍ آمن للراحة والتخطيط."
احمر وجه إيف فوراً بالكامل ونظرت للأرض بخجل شديد، بينما أضاف ليو بابتسامة ساحرة ونبرة هادئة:
— "أجل يا روز... حتى أنه أهدى للأنسة إيف قلادة زهرية محاطة بالفضة بحجة أنها 'شريحة استغاثة'... لا أعلم أن الشرائح الاستغاثية تصنع بتصاميم رومانسية فاخرة يا صديقي ريو."
اشتعلت إيف خجلاً وغطت وجنتيها بيديها، بينما وقف ريو متسمراً في مكانه، وحك رقبته بارتباك واضح وهو يحاول استعادة وقاره:
— "ليو... الأفضل أن نركز على فك تشفير الوثائق بدلاً من تحليل المقتنيات الشخصية!"
ثم التفت ريو نحو ليو وعيناه تلمعان بمكر وردّ الصاع صاعين:
— "ثم إننا إذا أردنا الحديث عن التعبير الصريح عن المشاعر... فيمكننا أن نسأل الأنسة روز كيف استقبلت ليو في منتصف الشارع أمام ناظريّ بالكامل!"
توقفت روز عن الضحك فوراً، واكتست ملامحها بالذهول والخجل!
انضمت إيف فوراً ونظرت لـ روز بعينين متسعتين وفضول مشتعل وهي تنسى خجلها السابق:
— "ماذا؟! روز... ماذا حدث بينكما؟! أخبريني فوراً!"
قال ريو بنبرة جادة ومصطنعة وهو يضع يديه خلف ظهره:
— "الآنسة روز تناسَت الأرصفة والمطر، وألقت بجسدها بالكامل لتعانق رقبة ليو بحرارة وجرأة كادت تجعل العملية التكتيكية تنتهي باحتفال عاطفي!"
صرخت إيف بمرح ونعومة وضمت يديها: «يا إلهي! روز الجادة والصارمة تفعل هذا؟! روز هذا اعتراف صريح!"
احمرت روز بدرجة غير مسبوقة، وأمسكت بكرسي الطاولة تحاول التخفي خلفه، ونطقت بصوت متلعثم يقطعه الخجل الشديد:
— "هـ هذا غير صحيح بالكامل! ريو يبالغ ويكذب! كان مجرد اندفاع أدرينالين لخوفي من إصابة ليو مجدداً!"
التفتت روز ونظرت لـ ليو تترجاه بعينيها لينقذها من الموقف، لكن ليو ابتسم بابتسامة جانبية مليئة بالمرح والاستفزاز، وانحنى بكتفه نحوها ونطق بصوت رخيم أمام ريو وإيف:
— "لا تحاولي الإنكار يا طبيبتي... الشهود موجودون، ورقبتي ما زالت تستشعر دفء ذراعيكِ حتى هذه اللحظة، والاعتراف بالمشاعر ليس جريمة يُعاقب عليها القانون."
تعالت ضحكات إيف وريو المكتومة في أرجاء المخبز، بينما غطت روز وجهها بالكامل بين كفيها وهي تصرح بنبرة غاضبة ولطيفة:
— "أنا أكرهكم جميعاً! وخاصة أنت يا ليو!"
ابتسم ليو وقال بنبرة حنونة للغاية:
— "وأنا أحميكِ دائماً يا أرنبتي الشرسة... والآن، دعونا نفتح الوثيقة التي كلفتنا عناقكِ كل هذا العناء."
تنهدت روز بخجل عارم، وتلاقت عينها بعيني ليو العسليتين وسط ضحكات ريو وإيف، وشعرت بأن عواصف الخطر أصبحت أسهل بكثير طالما هذا الأمان والدفء يحيط بها بين هؤلاء الأشخاص.
Ruby<5