الفصل السادس:طيفُ في ظلالَ الشكِ

الفصل السادس:طيفُ في ظلالَ الشكِ

10 0

مع حلول الأسبوع الثاني من الأشهر الثلاثة المحددة، انتقل نطاق العمل رسمياً إلى قلب مقر "مجموعة شركات سميث". لم يعد مخبز إيف الهادئ ملجأً يتفادون فيه أنظار الموظفين، بل أصبح على روز أن تخوض تجربة العمل اليومي داخل المفهوم المباشر لليو سميث وفي عقر داره.

​في تمام الساعة الثامنة والنصف صباحاً، دخلت روز إلى البرج الإداري الضخم. كانت تنضح بحضور آسر يفرض احترامه على كل من يمر بجانبها.

​رفعت شعرها الأسود الفاحم بأسلوب نصف مرفوع يبرز زرقة عينيها الحادة وملامح وجهها المحددة بشفاه كرزية ناعمة.

صعدت روز إلى الطابق الأعلى، حيث أُعدّ لها مكتب خاص يقع ملاصقاً لمكتب ليو مباشرة، يفصل بينهما جدار زجاجي عازل للصوت ذو زجاج نصف شفاف يمكن التحكم بإعتامه.

​وعندما مرت أمام مكتب ليو، رأته يجلس خلف طاولته الفخمة. كان شعره البني الغامق مصففاً بانتظام، وعيناه العسليتان تتفحصان ملفاً إلكترونياً على الشاشة الكبيرة.

​رفع ليو رأسه ببطء عندما أحسّ بوجودها، وتلاقت عيناه العسليتان بعينيها الزرقاوين عبر الزجاج. ارتسمت على شفتيه ابتسامة جانبية خفيفة ومستفزة، وأومأ برأسه برود، بينما اكتفت روز بنظرة جادة وهادئة قبل أن تدخل مكتبها وتبدأ بفحص الأوراق المكدسة.

مرت الساعات متواصلة، وساد الهدوء أروقة الطبقة العليا، باستثناء حركة الأوراق وصوت النقر المنتظم على شاشات الحاسوب. كانت روز قد تعمقت في الأرشيف المالي للسنوات الخمس الماضية، وتحديداً في عقود الشراكة الخاصة بقطاع التطوير العقاري.

​وفجأة.. توقفت يد روز عند عقد معين يحمل ختماً حرارياً قديماً وتوقيعاً غير مألوف.

​ضيّقت روز عينيها الزرقاوين بتركيز شديد. الأرقام المذكورة في العقد لم تكن متطابقة مع الكشوفات المصرفية المحولة من الحساب الرئيسي للشركة. هناك فارق مالي ضخم كُسِر على شكل دفعات متفرقة لشركة استشارية مجهولة الهوية في الخارج!

​— "هذا ليس خطأً حسابياً بسيطاً.." همست روز لنفسها بنبرة يملؤها الشك، "هذه عملية تحويل مموهة جرت قبل ثلاث سنوات!"

​أخذت الملف بيديها، ونهضت بخطوات حاسمة اتجهت بها مباشرة نحو باب مكتب ليو. دفعت الباب ودخلت دون تردد، وعيناها تشتعلان بشغف المحامي الذي وجد الخيط الأول للحقيقة.

رفع ليو عينيه إليها بتفاجؤ خفيف من اقتحامها الناري، وأسند ذراعيه المكسوتين بقماش بدلته السوداء على الطاولة، مرتسماً على وجهه ذلك الهدوء المستفز:

— "أرى أنكِ ما زلتِ تتجاهلين قواعد الاستئذان يا أرنبتي الشرسة.. ما الأمر؟"

​احمرّت وجنتا روز غضباً من اللقب، وسددت له نظرة حادة كالسيف:

— "إياك أن تناديني بهذا الاسم السخيف يا ليو! واترك الاستئذان جانباً، وانظر إلى هذا! عقد الشراكة مع شركة 'ألترا فيجن' عام 2023.. التحويلات المالية المدونة هنا لا توجد لها أي فاتورة ضريبية أو استلام رسمي في سجلاتكم! هناك مبلغ يتجاوز الأربعة ملايين دولار اختفى في حساب وهمي! هل ستخبرني الآن أن هذا أيضاً مجرد 'تدفق استثماري عادي'؟"

​تغيرت ملامح ليو فوراً. اختفت الابتسامة التهكمية المعتادة، وتحلت عيناه العسليتان بحدّة وسواد مفاجئين. سحب الملف بيده، وبدأ يقرأ الأرقام والتواقيع بدقة متناهية.

ساد صمت ثقيل في الغرفة لعدة دقائق. كان ليو يقرأ، وروز تقف أمامه بثبات، تراقبه لتكتشف إن كان متورطاً شخصياً في هذه التحويلات المشبوهة أم أن هناك شيئاً خفياً يحدث داخل شركته.

​أغلق ليو الملف بقوة أحدثت صوتاً جافاً، ثم نهض من كرسيه، وغطى ظله على الطاولة. نظر إليها بنظرة عميقة وخالية تماماً من العبث:

— "هذا التوقيع.. ليس توقيعي، ولم يصدر عن مكتبي الإداري."

​عقدت روز حاجبها بتهكم خفيف:

— "بالطبع ستسعى لنفي صلتك به.. العقد يحمل ختم 'مجموعة سميث' الرسمي يا أستاذ ليو، وأنت المدير التنفيذي المسؤول عن كل ورقة تخرج من هذا البرج!"

​اقترب ليو منها ببطء، ووقف على بعد خطوات قليلة منها. انخفضت نبرة صوته لتصبح حادة كحافة الخنجر، لكنها حملت نبرة استخفاف لطيفة:

— "استمعي إليّ جيداً يا أرنبتي.. أنا أدير هذه المؤسسة بصرامة، ولا أسمح بمرور دولار واحد دون علمي. هذا العقد تم تمريره في الفترة التي كنتُ فيها خارج البلاد لإجراء عملية جراحية بعد مباراتي الأخيرة في الملاكمة!"

توقفت روز لثانية، والاندهاش ظهر في عينيها. "عملية جراحية؟ مباراته الأخيرة؟".. تذكرت المشهد القديم الذي رأته في صالة الملاكمة السرية.

​أكمل ليو وهو ينظر في عينيها مباشرة:

— "هناك خرق داخلي في شركتي.. شخص ما استخدم اسم المؤسسة لتمرير هذه الأموال، وتستغلين أنتِ هذا الخرق لتتهميني شخصياً!"

​سحبت روز نفساً عميقاً، متوازنة بين واجبها المهني وشعورها الفطري بالصدق الذي ينبع من كلامه:

— "سواء كان خرقاً داخلياً أم تصرفاً منك، فالنتيجة واحدة أمام القضاء يا ليو. هذه الثغرة قائمة بالفعل، وإن لم نكتشف من يقف خلفها، ستكون شركتك في موقع الاتهام المباشر."

​تأملها ليو لثوانٍ طويلة، وعيناه العسليتان تتفحصان ملامحها الشرسة والذكية. خطى خطوة إضافية نحوها، ونطق بصوت خفيض وبارد تحمل نبرته اعترافاً ضمنياً بقوتها:

— "إذن.. يبدو أننا أصبحنا في نفس الخندق يا محاميتي. أنتِ تريدين كشف الحقيقة لتثبتي براعتكِ القانونية، وأنا أريد كشف الخائن الذي عبث باسم شركتي."

​في المساء، أُغلقت أبواب البرج وغادر معظم الموظفين، باستثناء مكتب الإدارة العليا.

​طلب ليو من ريو الانضمام فوراً إلى الاجتماع المغلق داخل المكتب. حضر ريو وهو يرتدي إطلالته الرسمية السوداء الداكنة الأنيقة، وعيناه الخضراوان تحملان الجدية لأول مرة.

​— "التحويلات جرت عبر حسابات فرعية لـ 'مجموعة سميث' في شرق أوروبا يا ليو.." قال ريو وهو يقلّب الصفحات على الشاشة الإلكترونية، "المستندات حُذفت من النظام الرئيسي، لكن الآنسة روز استخرجت النسخة الورقية المنسية من الأرشيف المالي القديم."

​التفت ريو نحو روز بابتسامة احترام حقيقية:

— "عمل ممتاز يا حضرة المحامية.. لو اعتمدنا على التدقيق العادي لما انتبه أحد لهذه التفاصيل."

​ردت روز بثبات ووقار:

— "هذا واجبي.. والآن يجب أن نصل إلى الحساب المباشر الذي استلم هذه التحويلات."

​كان ليو يقف عند النافذة العملاقة المطلة على أضواء المدينة اللامعة تحت المطر. التفت ببطء، وألقى بنظره نحو روز التي كانت تجلس على الأريكة الجلدية وبجانبها المجلدات المفتوحة.

"ابتداءً من الغد.." قال ليو بنبرة جازمة وهو يضع يديه في جيبي بنطاله الأسود، "لن تقتصر مراجعتكِ على الأوراق المتاحة هنا. سترافقينني إلى الحسابات الفخمة والمقر الفرعي المغلق في الحي المالي. سنعمل معاً خطوة بخطوة."

​رفعت روز عينيها الزرقاوين إليه، وقالت بابتسامة تحدٍّ واثقة:

— "موافقة يا أستاذ ليو.. لكن تذكر، إن قادني الخيط إليك في النهاية، لن أتردد ثانية واحدة في تقديمك للقاضي."

​اقترب ليو منها، وانحنى قليلاً متكئاً بيده على ظهر الأريكة بالقرب من كتفها، وارتسمت على شفتيه ذات الابتسامة المظلمة والمستفزة:

— "وإن قادنا الخيط إلى براءتي بالكامل يا أرنبتي الشرسة.. فستكونين مدينة لي باعتذار رسمي، وربما بشيء آخر."

​احمرّت وجنتا روز بخفة من قربه الشديد ومن نبرته الواثقة، لكنها لم تتراجع، بل نظرت في عينيه بثبات وقالت بتحدٍّ:

— "لننتظر ونرَ من سيعتذر لمن أولاً يا ليو!"

خرج ريو من المكتب وهو يبتسم بخبث ولطف، تاركاً إياهما في المساحة الفاصلة بين الشك والتحدي، ليتهيآ للخطوة القادمة!

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

القدر المحتوم

المؤلف Ruby<5
2026/10/03 مكتملة
قائمة الفصول (21)
الفصل 1: الفصل الأول:ما قبل العاصفة
2026/10/03
الفصل 2: الفصل الثاني:زوايا التصادم
2026/10/03
الفصل 3: الفصل الثالث:تقاطع الاقدار تحتَ سقفِ واحد
2026/10/03
الفصل 4: الفصل الرابع: شرارة قبل العاصفة
2026/10/03
الفصل 5: الفصل الخامس:خطوة في مسافة النار
2026/10/03
الفصل 6: الفصل السادس:طيفُ في ظلالَ الشكِ
2026/10/03
الفصل 7: الفصل السابع:بين صخب الملاهي وظلال السقوط
2026/10/03
الفصل 8: الفصل الثامن:في دهاليز الخطر والظلال
2026/10/03
الفصل 9: الفصل التاسع:خبايا الخطوط المشبوهة
2026/10/03
الفصل 10: الفصل العاشر:العاصفة المكشوفة وظلال التعب
2026/10/03
الفصل 11: الفصل الحادي عشر:متعة الاستراحة
2026/10/03
الفصل 12: الفصل الثاني عشر: رحلة إلى الظلال
2026/10/03
الفصل 13: الفصل الثالث عشر:خطة غير متوقعة
2026/10/03
الفصل 14: الفصل الرابع عشر: ظل في الظلام وصدمة المستند
2026/10/03
الفصل 15: الفصل الخامس عشر: همس الأقنعة
2026/10/03
الفصل 16: الفصل السادس عشر:حد النار
2026/10/03
الفصل 17: الفصل السابع عشر:وعد الخنصر
2026/10/03
الفصل 18: الفصل الثامن عشر:شرارة التحدي
2026/10/03
الفصل 19: الفصل التاسع عشر:تسليم الوثيقة
2026/10/03
الفصل 20: الفصل العشرون والأخير:ظلال العاصفة
2026/10/03
الفصل 21: ~ الخاتمة ~
2026/10/03

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة