كان الهدوء يُخيم على المخبز الصغير، بينما كان ضوء الفجر البارد يتسلل ببطء عبر الشقوق الزجاجية للستائر المنسدلة. سادت المكان رائحة العجين المخمر والمخبوزات الدافئة، ممزوجة بعبق الورق القديم للوثيقة الأرشيفية المبسوطة على الطاولة الخشبية الكبيرة.
في الزاوية المخصصة للمطبخ الداخلي، كان ريو يقف بجسده الضخم وسترته الداكنة، ممسكاً بوعاء إعداد القهوة المقطرة بتركيز شديد وعينين لا ترمشان، كأنه يخوض عملية تفكيك عبوة ناسفة! كان يزن كمية البن بدقة مفرطة، لكنه وضع ضعف الكمية المطلوبة ظناً منه أن "التركيز العالي" سيمنحهم طاقة أكبر للمواجهة.
شاهدته إيف وهي تمسح الطاولة القريبة، وابتسمت بنعومة وهي تقترب منه بخطوات خفيفة:
— "ريو... هل أنت متأكد من هذه الكمية؟ البن الداكن يحتاج إلى نسبة ماء أكبر، وإلا سيصبح—"
رد ريو بثبات ووقار أمني دون أن يلتفت إليها:
— "لا تقلقي يا إيف. هذه خلطة ميدانية مركزة تُستخدم في الساعات الحساسة لتنشيط الجهاز العصبي وإبقاء الحواس في قمة التركيز."
تنهدت إيف بابتسامة قتلتها اللطافة، وتركت له المجال.
بعد دقائق، وضع ريو أربعة فناجين صغيرة أمام الجميع على الطاولة. أخذ ليو الفنجان بصمت، ونظر إلى لونه الأسود الداكن المتفحم كأنه حبر آلي، ثم رفعه إلى شفتيه وأخذ رشفة واحدة...
في تلك اللحظة، توقفت حركة ليو بالكامل. تجمدت ملامحه، وارتفعت حاجباه بقوة محاولاً ابتلاع الرشفة دون أن يفقد هيبته المعتادة. وضع الفنجان على الطاولة بصوت استقرار جاف، ونظر إلى ريو بنبرة خالية تماماً من التعاطف:
— "ريو... هل هذه قهوة لإنعاش الحواس، أم عقار للتعذيب اعترف به التفتيش القضائي مؤخراً؟"
رفعت روز فنجانها بتوجس، وحين شمّت رائحتها النفاذة، أعادت الفنجان فوراً إلى مكانه وهي تنظر لـ ريو بصدمة:
— "يا إلهي ريو! هذه ليست قهوة، هذا سم نقيع! كيف تظن أننا سنقرأ الوثائق ونشرب القهوة بهذه المرارة؟»
احمرت وجنتا ريو بارتباك مكتوم، وتحركت يده نحو حزامه يعيد تعديله، ونطق وهو ينظر بعيداً:
— "المذاق ثانوي... المهم هو القيمة التنشيطية."
تقدمت إيف بسرعة، وسحبت الفنجان من أمام ليو وروز بكل لطف، ثم أبدلتهما بفنجانين من الشاي الدافئ المعطر بالهيل وقطعتين من كعكة الفانيليا الطازجة. ثم التفتت إلى ريو وأخذت فنجانه المُرّ، وأخذت منه رشفة صغيرة جداً وهي تتصنع الارتياح، ثم قالت بنبرة ناعمة ومشجعة:
— "بالعكس... القهوة لها نكهة حادة وقوية جداً، تعبر عن... انضباطك يا ريو. لكن ربما قطعة الكيك هذه ستجعلها متوازنة أكثر."
قدمت إيف قطعة الكيك لـ ريو، فتناولها برفق نادر، وغابت نظرته الصارمة لثوانٍ وهو ينظر إليها بخجل خفي، ونطق بصوت خفيض:
— "شكراً لكِ يا إيف... يبدو أن إعداد المخبوزات يحتاج خبرة أعلى من إدارة الميدان."
تلاقت أعين ليو وروز في تلك اللحظة، وارتسمت على شفتيهما ابتسامة ساخرة مليئة بالتلميح.
ساد الهدوء مجدداً حين فتحت روز المجلد الأرشيفي وأخرجت دفترها الخاص لبدء صياغة النقاط القانونية الأساسية قبل التوجه إلى النائب العام.
كانت تفرك عينيها بتعب شديد، ورأسها يكاد يلامس الصفحات بسبب النعاس الذي بدأ يهاجمها.
مال ليو بكتفه فوق الطاولة، واقترب منها ببطء، ثم سحب الدفتر من تحت يدها برفق خبيث. رفعت روز رأسها بعصبية وخصلات شعرها متناثرة على وجهها:
— "ليو! أعطني الدفتر! أنا أكتب العريضة التمهيدية!"
رفع ليو الدفتر عالياً بيده، ونظر إلى السطور بابتسامة استهزاء جانبية وساحرة، ثم نطق بصوت رخيم ومستفز:
— "عريضة تمهيدية؟ هل أنتِ متأكدة يا محاميتي؟ هذه الخطوط الملتوية تشبه خريطة للهروب من المزرعة، أو رسم طفل في الروضة! كيف سيقرأ القاضي هذا الخط المنكمش؟ هل ستحضرين معكِ مكبراً زجاجياً للقضاة؟"
اتسعت عينا روز بغضب طفولي، ووقفت بسرعة من مقعدها تحاول الوصول إلى الدفتر:
— "خط سيء لأنني لم أنم منذ أربع وعشرين ساعة وأعمل على قضيتك وقضية والدي! ثم إن الخط الجريء والواضح لا يصنع محامياً عبقرياً يا سيد ليو!"
انحنى ليو نحوها قليلاً وهو ما زال يرفع الدفتر، وزمزم بصوت خفيض وداكِن:
— "المحامي العبقري لا ينام فوق الأوراق الباردة كأنه كيس طحين في مخبز إيف... اذهبي واغسلي وجهكِ بماء بارد، قبل أن أضطر لكتابة البنود بنفسي وبخطي الفاخر الذي لا تستطيعين مجاراته."
جذبت روز القلم من الطاولة بغضب شادّ، وبدلاً من أن تأخذ الدفتر، رسمت بسرعة خطاً أسود كبيراً على ظهر كف ليو السليمة، وقالت بنبرة متحدية وهي تكتف ذراعيها:
— "هذا توقيعي على يدك لكي لا تتطاول على خطي مجدداً!"
توقف ليو ونظر إلى الخط الأسود على يده، ثم رفع بصره إليها بابتسامة متسعة يملؤها المرح، بينما ضحكت إيف بنعومة من خلف المنضدة على مناكفتهما الدائمة.
في الساعة السادسة صباحاً، اكتشفت إيف أن أكياس التغليف والعلب الكرتونية الخاصة بالمخبز قد نفدت بسبب استخدام الأوراق في كتابة الوثائق.
— "سأذهب إلى سوق البضائع القريب لاستيراد المستلزمات قبل أن يفتح المخبز أبوابه للزبائن،" قالت إيف وهي ترتدي معطفها.
وقف ريو فوراً من مكانه، وقال بنبرة لا تقبل الجدال:
— "سأرافقكِ، المنطقة المحيطة قد تكون مرصودة من رجال ساي، ولا يجوز خروجكِ بمفردكِ."
في السوق الشعبي القريب، كان المشهد طريفاً بامتياز؛ كان ريو يسير بجانب إيف بجموده المعتاد، يلتفت بحدّة نحو كل بائع خضار أو بائع جرائد وكأنه يقيم مدى خطورته، يفحص أكياس الورق الكرتونية بيده الصلبة وكأنه يفتش عن أسلحة مهربة!
ابتسمت إيف بلطف على تصرفاته المشدودة، وقادت خطواته نحو زاوية لبيع الملابس والأغطية الصوفية. وقفت أمام رف القبعات المحيوكة، وسحبت قبعة صوفية ناعمة باللون البيج الفاتح.
التفتت نحو ريو وقالت بابتسامة رقيقة:
— "ريو... ملامحك حادة جداً وجميع من في الشارع يلاحظون أنك رجل أمن. ارتدِ هذه لإخفاء طبيعتك."
قبل أن يعترض ريو، رفعت إيف يديها على أطراف قدميها، ووضعت القبعة الصوفية على رأسه وأصلحت أطرافها فوق أذنيه بثبات.
تجمد ريو في مكانه بالكامل! استقرت يداها عند جبينه، وغاب التعبير الصارم عن وجهه ليحل محله ذهول وخجل مكتوم جعل أذنيه تلتهبان بالاحمرار! كان يبدو بقبعته الصوفية اللطيفة وسترته العسكرية الضخمة كمزيج طريف للغاية من القوة والنعومة.
تنحنح ريو بصوت جاف، وعدّل القبعة بارتباك:
— "هـ هذا... إجراء تنكري جيد يا إيف... يقلل من كشف الهوية."
ضحكت إيف بنعومة، وأعطته جميع الأكياس المحملة بالمستلزمات الورقية ذات الشريط الوردي ليحملها، فتقبلها ريو بصمت مطيع وسار خلفها كحارس شخصي لطيف.
عند عودتهما إلى المخبز، كان ليو وروز قد أتما طباعة العريضة النهائية. التفت الجميع نحو ريو وهو يدخل حاملاً الأكياس الوردية ويرتدي القبعة الصوفية، فاستلقى ليو على الكرسي ضاحكاً بقهقهة مكتومة وساخرة:
— "ريو هل هذه خطة التمويه الاستخبارية الجديدة؟ القبعة الصوفية والأكياس الوردية تمنحك هيبة سيرتعد لها رجال ساي بالتأكيد!"
احمر وجه ريو، وألقى الأكياس على الطاولة بسرعة وهو يخلع القبعة:
— "نحن هنا للحديث عن خطة التسلل للمحكمة وليس لمناقشة أزيائي!"
تدخلت روز وهي تضحك أيضاً، ثم أخرجت حقيبة الملابس التنكرية التي أعدها ريو مسبقاً للوصول إلى قاعة الادعاء دون أن يكتشفهم حراس ساي والنائب العام.
ارتدى ليو نظارات طبية ذات إطار أسود سميك وقبعة بيسبول داكنة ومعطفاً واسعاً أعمى معالم سترة حمايته، بينما ارتدت روز معطفاً مطرياً فضفاضاً ونظارات شمسية عريضة وقبعة واسعة الأطراف.
وقف ليو أمام روز، ونظر إلى شكلها التنكري، ثم انفجر ضاحكاً بابتسامة مستفزة:
— "روز... أنتِ تبدين تماماً كطالبة مدرسة سرقت كعكة الفانيليا من المخبز وهربت! هل أنتِ متأكدة أن النائب العام لن يضحك عند رؤية هذه المحامية الصغيرة؟"
غضبت روز وسحبت وسادة صغيرة من الأريكة القريبة، وألقتها بكل قوتها نحو وجه ليو! لكن ليو بمهارته وسرعة أفعاله، أمسك الوسادة بيده السليمة في الهواء بكل بساطة، وضحك بنبرة دافئة ومستفزة:
— "تصويب سيء أيضاً يا أرنبتي الشرسة!"
صرخت روز بعصبية:"أنت شخص ينرفز الأعصاب، سأذهب للسيارة وأتركك هنا!"
ضحك الجميع في المخبز، وسادت أجواء من الألفة والدفء التي أنستهم رعب الليالي الماضية.
التفت ليو نحو إيف وريو، وأصبحت ملامحه جادة وواثقة وهو يضع يده على كتف ريو:
— "ريو... ابقَ مع إيف لتأمين المخبز والخطوط الرقمية. أنا وروز سنقدم الوثيقة الأصلية للتفتيش القضائي بنفسنا."
هز ريو رأسه بثبات:"علم يا ليو، الخطوط المشفرة تعمل، وأي تحرك لـ ساي سأبلغه لك فوراً."
خرج ليو وروز متسللَين من الباب الخلفي للمخبز، وانطلقت بهما السيارة عبر الأزقة الفرعية المظلمة تفادياً لأي مراقبة من رجال ساي والنائب العام.
وصل الاثنان بحذر شديد إلى البوابة الخلفية للمحكمة العليا. كانت الممرات الداخلية خالية وشبه مظلمة في ذلك الصباح الباكر، واستخدما تصريحاً خاصاً ومشفراً لدخول القاعة المغلقة التابعة لهيئة التفتيش القضائي.
استقبلهما رئيس الهيئة، المستشار العجوز المعروف بصلابته ونزاهته. فتح المجلد الأبنوسي ببطء، وأخذ يراجع الأوراق والختم الرقمي والتوقيعات بعناية فائقة.
عم السكون أرجاء القاعة لمدة عشر دقائق كاملة، لم يُسمع خلالها سوى حفيف الأوراق وصوت ضربات المطر الخفيفة على زجاج النافذة العالية.
أغلق المستشار الملف ببطء، ورفع بصره ونظر إلى روز ثم إلى ليو بنبرة جادة وقاطعة:
— "هذه الأوراق لا تعيد فتح تحقيق والدكِ المظلوم فحسب يا أنسة روز... بل تثبت تورط النائب العام وشبكة ساي في تزوير مستندات سيادية، لكن... بحكم حجم الأشخاص المتورطين والنفوذ المترابطة بين المؤسسات، لن يُحسم هذا الأمر بقرار عاجل في شاشة الأخبار."
عقدت روز حاجبيها بقلق:"ماذا تقصد سيدي المستشار؟"
رد المستشار بنبرة رسمية حازمة:"الملف يحتاج إلى التحقق الدستوري ومطابقة البصمات الأرشيفية عبر لجنة تفتيش سرية ومستقلة، هذه الإجراءات القانونية الدقيقة ستستغرق أسبوعاً كاملاً على الأقل، وربما عشرة أيام قبل أن نتمكن من إصدار أمر الاعتقال المباشر بحق النائب العام وساي، المخاطرة بإصدار قرار سريع دون اكتمال الخطوات الإجرائية ستعطيهم فرصة للطعن والهروب."
تنفس ليو بعمق، ونظر إلى المستشار بصلابة:"نحن نقدر حرصك الدستوري... المهم أن تظل هذه الأوراق تحت حراسة مشددة داخل الخزنة التفتيشية المغلقة حتى ينتهي الأسبوع."
أومأ المستشار بثبات:"الأوراق في أمان التفتيش المستقل، عودا إلى مكانكم، ولا تقوموا بأي تحرك علني طوال هذه المهلة."
خرجا من المبنى بنفس الهدوء، وعادا إلى السيارة كان المطر قد توقف، وظهرت خطوط الضوء الدافئة تشق الغيوم الرمادية.
جلست روز في المقعد الأمامي، وأسندت رأسها على زجاج النافذة، وزفرت زفيراً طويلاً يحمل مزيجاً من الراحة والتوتر المترقب:
— "أسبوع كامل من الانتظار... لا أعلم كيف سأمضي هذه الأيام دون أن أفكّر في خطوة ساي التالية."
التفت ليو نحوها وهو يتولى القيادة، وظهرت على شفتيه ذات الابتسامة الجانبية المستفزة:
— "أسبوع كامل؟ هذا خبر ممتاز يا طبيبتي... يعطيني وقتاً كافياً لتدريبكِ على كتابة خط قانوني مفهوم، وتصفية حساباتي مع جرأتكِ وعناقكِ تحت المطر دون أن تشغلكِ المذكرات القضائية!"
التفتت روز إليه كلياً وشعرها يتطاير، وصحت من تعبها فوراً بنظرة غاضبة ولطيفة:
— "ليو! هل تنوي جعل هذا الأسبوع كابوساً من الاستفزاز والازعاج؟! أقسم أنني سأعتزل كوني المحامية الخاصة بك وأتركك تواجه ساي بمفردك!"
ابتسم ليو أبتسامة دافئ جداً يملؤها الحنان الصادق، ونظر إلى الطريق أمامه ونطق بنبرة خفيضة ورخيمة:
— "لن تتركيني يا روز... لأننا بدأنا هذا الطريق معاً، وسننتظر هذا الأسبوع معاً حتى نغلق هذا الملف للأبد."
نظرت روز إليه بصمت، وذابت عصبيتها أمام صدق نبرته ودقّات قلبها الهادئة، وأدركت أن أسبوع الانتظار القادم، رغم قلقه وخطورته، سيكون أسهل بكثير طالما هو بجانبها.
Ruby<5