خيّم الهدوء على البرج الإداري لـ "مجموعة سميث" بعد يوم شاق مليء بتفكيك العقود المالية المعقدة والتدقيق الشديد. وفي ختام ذلك الأسبوع المنهك، كان ليو يقف عند مكتبه يعدل أزرار معطفه، بينما كانت روز تلمجم ملفاتها بتركيز متعب.
ارتدى ليو معطفه الطويل باللون البيج، تحته توب أبيض ناعم وبنطال أسود حاد القصة. خطى بخطوات واثقة وناتئة ونظر إلى روز بنظرة ذات هيبة وبرود:
— "كفى تدقيقاً لهذا الأسبوع يا محاميتي.. ارتدي معطفكِ، نحن ذاهبان إلى مدينة الملاهي."
اتسعت عينا روز بذهول وصدمة، ورفعت رأسها بحزم:
— "مدينة الملاهي؟! هل تمزح معي يا ليو؟ نحن وسط أزمة مالية وتدقيق في قضايا بمليارات، ولستُ طفلة لكي تأخذني للعب!"
اقترب ليو منها بثبات، متكئاً على طرف مكتبها، ونظر إليها بابتسامة جانبية خفية ومستفزة:
— "عقلكِ المجهد لن يفيد القضية بشيء الليلة.. يحتاج العقل المشتت لجرعة من التسلية ليُعيد ترتيب أفكاره الشرسة.. أم أن أرنبتي تخاف من الألعاب المرتفعة؟"
اشتعل كبرياؤها الناري كالشعلة، وقامت فوراً وهي تعدل ياقتها بعنف:
— "أنا لا أخاف شيئاً يا أستاذ ليو! وسأثبت لك أنك أنت من سيتوسل للنزول أولاً!"
في مدينة الألعاب والتسلية، كانت الأضواء الملونة تتألق وتنعكس على أحجار الرصيف، وصوت الضحكات والموسيقى يملأ المكان بدفء ساحر.
تألقت روز بإطلالة جذابة وراقية جداً؛ ارتدت قميصاً أسود بأكمام طويلة وياقة بيضاء كلاسيكية بربطة شريطية سوداء أنيقة عند العنق، مع تنورة بيضاء طويلة وواسعة ذات كسرات راقية محددة بحزام جلدي رفيع، وانتعلت حذاءً أنيقاً بلونين (أسود وأبيض) بكعب متوسط. كان شعرها الأسود الفاحم المنسدل تتحرك مع نسيم الليل الدافئ، وزرقة عينيها تلمع بشغف.
تشاركا التجول بين منصات الألعاب، حتى توقفا عند كشك الملاكمة الترفيهية ومكابس قياس قوة الضربة. وقفت روز بثبات، والتفتت إليه بشرارة تحدٍّ وغمزة استعراضية:
— "هل نختبر قوتك يا ملاكمنا السابق؟ أم تفضل أن أعلمك كيف تُسدَّد اللكمات الدقيقة؟"
ضحك ليو بنبرة خفيضة ورخيمة، ومَدّ لها القفاز وهو يتكئ بكتفه على إطار المنصة:
— "المجال لكِ يا أرنبتي الشرسة.. أريني ما لدى لاعبة الكاراتيه أمام الملاكمة!"
عدّلت روز وقفتها الرياضية ببراعة، وسددت لكمة خاطفة وقوية بالكرة الجلدية! ارتفعت المؤشرات الضوئية بسرعة وسجلت أعلى نقاط التحدي وسط صفير الجمهور. التفتت إليه بحماس وضحكة صافية أسرَت قلبه تماماً:
— "دورك الآن يا ليو.. حاول ألا تخسر أمام محاميتك!"
ابتسم ليو بوقار، واقترب ببطء ليقف خلفها مباشرة، وسدد لكمة هادئة ومتقنة طيرت الرقم القياسي وسجلت الحد الأقصى للجهاز، ثم التفت إليها بنظرة واثقة ومستفزة حبست أنفاسها.
أثناء تجولهما، وصلا إلى جزء جانبي هادئ من المهرجان أُعدّ كحديقة مصغرة للحيوانات والطيور الأليفة المفتوحة.
تسمرت روز في مكانها فور دخولها المنطقة، وانقبضت ملامحها بالكامل واندفعت الشحوب إلى وجنتيها. كانت تملك فوبيا شديدة ومكتومة من الحيوانات والطيور، لكن كبرياءها منعها من الاعتراف بذلك أمام ليو.
وفجأة.. خرجت بطة بيضاء كبيرة من حافة البحيرة الاصطناعية، ورفرفت بجناحيها وهي تفرد رأسها وتتجه نحو روز مباشرة بصوت صاخب!
فقدت روز كل شجاعتها وقوتها في ثانية واحدة؛ صرخت صرخة مكتومة، وشهقت بذهول متراجعة للخلف، وفي لحظة لا إرادية اندفعت واختبأت بالكامل خلف ظهر ليو! أمسكت بقماش معطفه البيج بقوة بيدين ترتجفان، ودفنت رأسها بين كتفيه مستنجدة بصلابة جسده.
توقف ليو لثانية متفاجئاً بالكامل، ثم التفت ببطء لينظر خلفه؛ رأى المحامية الشرسة التي تتحدى كبار مدراء الشركات تلتصق به كطفلة خائفة وتبحث عن الأمان في ظله!
ابتعدت البطة بهدوء، بينما بقي ليو واقفاً. انحنى قليلاً برأسه ونظر إليها بابتسامة جانبية دافئة لم تخلُ من السخرية اللطيفة:
— "تتحدين الملاكمين وتخشين بطة صغيرة يا أرنبتي؟"
رفعت روز رأسها بسرعة محمرة الخدين من شدة الخجل والارتباك، وسارعت بإفلات معطفه وتعديل هندامها متصنعة الجدية:
— "أنا لم أختبئ! فقط.. فقط حذرتك كي لا تطير عليك!"
ضحك ليو بصوت خفيض ودافئ أذاب كل الحواجز، ممتناً لهذه اللحظة التي كشفت له جانباً أنثوياً رقيقاً ومخبأ خلف دروعها الصلبة.
لتتجاوز ارتباكها، أشارت روز نحو "لعبة الصينية الدوارة"، وهي لعبة دائرة كبيرة مجهزة بكراسي محيطية تهتز وتدور بقوة.
صعدا معاً وجلسا على المقاعد المتقاربة. أخذت اللعبة تدور باهتزازات حادة وسريعة تجعل الجميع يفقدون توازنهم وسط ضحك وصراخ الحشود. كان ليو يجلس بثبات جبل لا يتزعزع، بينما كانت روز تحاول الحفاظ على اتزان تنورتها الواسعة وحذائها بكعبها المتوسط.
وفجأة! أحدثت اللعبة اهتزازاً مباغتاً وعنيفاً جعل قدم روز تنزلق تماماً لترتطم وتتهاوى!
في تلك اللحظة الخاطفة، مدّ ليو ذراعه وسحبها بقوة ونعومة متناهية لتقع بالكامل في حضنه وعلى صدره! طوّق خصرها بيده ليردعها عن السقوط أو الارتطام.
توقفت حركة الزمن بالنسبة لروز؛ وجدت نفسها سقطت ومستقرة في أحضانه، يدها تستند على ياقة معطفه البيج، ووجهها على بعد سنتيمترات قليلة جداً من وجهه. تلاقت زرقة عينيها بعمق عينيه العسليتين في قرب حبس الأنفاس. كانت أنفاسهما المتسارعة تتداخل، وضربات قلبه المنتظمة تصطدم بمسمعها وسط الأضواء الدوارة.
"هل أنتِ بخير يا محاميتي؟" همس ليو بنبرة خفيضة وعميقة جداً لم يخفِ فيها دفء اهتمامه وخوفه عليها.
اشتعل وجه روز بالكامل احمراراً وخجلاً شديدين، واندفعت حرارة الارتباك إلى وجنتيها الصافيتين. سارعت بجمع شتات نفسها والابتعاد قليلاً فور تخفيف اهتزاز اللعبة، وهي تخفض عينيها الخجلتين إلى الأرض متصنعة المتابعة بينما قلبها يخفق بشدة.
بعد الخروج من اللعبة الدوارة، اتجها معاً نحو ممشى النافورة المضاءة. كان هواء الليل قد أصبح أكثر برودة، فلاحظ ليو ارتجاف يد روز الخفيف وهي تلم شريط ياقة قميصها، دون أن تتفوه بكلمة كي لا تظهر ضعيفة أمامه.
توقف ليو فجأة، وبحركة هادئة ورزنة خلع معطفه، ووضعه على كتفيها ببطء، محيطاً إياها بدفئه ورائحته العطرية الفاخرة التي تسللت لجوارها.
نظرت روز إليه بذهول وخجل:
— "ليو.. لا داعي لهذا، الجو ليس بارداً لهذه الدرجة!"
رد ليو وهو يسحب معصمها بنعومة لتضع كفيها داخل جيبي المعطف الواسع:
— "اصمتي يا محاميتي.. لا أريد أن تمرضي وأضطر لسماع شكاوكِ في المكتب غداً."
توقفا عند كشك للحلويات، واشترى ليو لها غزل البنات وردي اللون. أخذت روز تأكل منه بطفولية وعفوية ساحرة أزالت دروعها الرسمية تماماً، وكانت تبتسم بحرية تحت الأضواء المتلألئة.
أمضيا بضع دقائق يجلسان على مقعد خشبي دافئ مطل على النافورة الموسيقية. كانت قطرات الماء المتطيرة تعكس ألوان الضوء، والتفت ليو إليها مبتسماً بنبرة خفيضة وصادقة:
— "لقد كان أسبوعاً شاقاً يا أرنبتي.. لكن رؤية ابتسامتكِ الحقيقية الليلة كانت تستحق كل هذا التعب."
ارتبكت روز ونظرت إليه بنظرة طويلة مليئة بالمشاعر الخفية التي بدأت تتسلل إلى قلبها دون استئذان.
وقبل أن تنطق روز بأي رد، وقعت عيناها بفجائية على شاب طويل ووسيم يقف بالقرب من بوابات المغادرة، يمتلك ملامح حادة وشعراً داكناً مصففاً ببراعة، وينظر حوله وكأنه يبحث عن شخص ما.
اتسعت عينا روز بصدمة وفرحة عارمة لم يسبق لـ ليو أن رآها على وجهها من قبل! وقفت فوراً وألقت غزل البنات جانباً، وهرولت بخطوات سريعة نحو الشاب دون حتى أن تنتبه لليو!
وفجأة.. وامام أنظار ليو المصطدومة، رفعت روز يديها ووضعتها حول عنق الشاب، وارتمت في أحضانه بعناق دافئ!
في تلك اللحظة التقطت عين ليو المشهد؛ وتجمد في مكانه كأن صاعقة ضربت أرض الملاهي. انطفأت الابتسامة الدافئة من عينيه فوراً، وتحولت ملامحه العسلية الدافئة إلى جدار من الجليد والبرود. انقبض فكه بقوة، ارتسمت على شفتيه ابتسامة تهكمية حادة وهو يضع يديه في جيبي بنطاله الأسود، ومشى نحوهما بخطوات ثقيلة وحادة كالسيف، ينضح بحضور مرعب يفرغ المكان من حوله.
كان الشاب يبتسم بحنان، ويداعب شعر روز وهو يضحك:
— "روز! ألم أخبركِ أنني سأعود هذا الأسبوع من السفر؟ كيف حالكِ يا صغيرتي؟"
التفتت روز وهي ما زالت تمسك بيده، ولاحظت التحول المرعب والسريع في شكل ليو ونظراته الجليدية القاتلة التي تكاد تفتك بالشاب. بلعت ريقها وسارعت بابتسامة توضيحية لتدارك المواجهة النارية:
— "ليو.. دعني أعرفك، هذا ليث! أخي الكبير الذي كان مسافراً لإتمام أبحاثه الهندسية خارج البلاد!"
توقف ليو على بعد خطوة واحدة فقط. عند سماعه كلمة "أخي"، انقبضت حواجبه بخفة، وتبددت ظلمة الغيرة والشك تدريجياً ليرتسم حرج خفي ومستتر خلف نبرته الباردة والرزينة.
عدّل ليو وقفته بوقار وهيبة ملوكية، ومدّ يده لمصافحته بثبات:
— "أهلاً بك يا سيد ليث.. أنا ليو سميث."
نظر ليث إلى يد ليو الممدودة، ثم إلى معطف ليو البيج الفاخر الذي ما زال يلتف حول كتفي أخته روز! ابتسم ليث بذكاء وفهم اللعبة فوراً، وصافحه بقوة وثبات رجل:
— "أهلاً بك يا أستاذ ليو.. سمعت عنك الكثير وعن القضايا المعقدة التي تديرها مع روز. شكراً باعتنائك بـ أختي في غيابي."
أرجع ليو نظره نحو روز بطرف عينيه، وارتسمت على شفتيه ذات الابتسامة المظلمة والمستفزة التي تُعيد التوتر بينهما:
— "لا شكر على واجب يا سيد ليث.. فـ محاميتي تحتاج دائماً إلى من يرعاها ويكفّ الطيور والبط عنها في الأوقات الحرجة!"
اشتعل وجه روز خجلاً وغضباً من تلميحه الساخر أمام أخيها، وسددت له نظرة حادة كالسيف، بينما تعالت ضحكات ليث العالية، ليُغلق الفصل على تحالف جديد وضباب من المشاعر التي أصبحت أكبر من أن يُسيطر عليها!
Ruby<5