تنفست المدينة هواءً بارداً مع اشتقاق ساعات الصباح الأولى، لكن برودة الجو لم تكن لتضاهي حرارة الصراع الصامت المتصاعد في أروقة برج "ألترا فيجن". بعد الحصول على الأدلة والشريط المالي من الحي الجنوبي، أدرك ساي أن الحصار القانوني يكتمل حوله، فبدأ بتحريك أوراقه الأخيرة محاولة سحب أكبر مستثمري الشركة لصفه قبل الجلسة الحاسمة.
وصلت دعوة خاصة إلى مكتب ليو لحضور عشاء عمل مغلق ومصغر في أحد أفخم الفنادق الاستثمارية، يجمعه برجل الأعمال الشهير "السيد فابيان"أكبر المستثمرين الأجانب والورقة الرابحة التي يسعى ساي للسيطرة عليها عبر نشر الشائعات والتشكيك في نزاهة ليو إدارةً وقانوناً.
أغلق ليو الملف المالي بخفة، وتطلع إلى ريو الواقف أمامه:
— "فابيان لا يحب القيل والقال، بل يحترم الحقائق والرجال الذين يتقنون حماية استثماراتهم. سنحضر هذا العشاء، ولكنني لن أذهب كمجرد رئيس مجلس إدارة يدافع عن نفسه."
التفت ليو نحو مكتب روز، ونطق بنبرة حازمة تنضح بالتحدي:
— "سترافقينني يا روز.. بصفتكِ الشريكة والمستشارة القانونية الرئيسية. حان الوقت لنظهر لهذا المستثمر قوة التحالف الذي يقود هذه الشركة."
ابتسمت روز بثقة وثبات، وعدلت أوراقها:
— "كن على ثقة يا أستاذ ليو.. لن أترك له مجالاً ليشك بين الحق والباطل."
مع حلول المساء، ارتدت روز إطلالة تجمع بين الفخامة والأناقة الشتوية القاطعة، تعكس حضورها القانوني الصارم وشخصيتها الجذابة.
تألقت روز بـ توب صوفي باللون العاجي الناعم، فوقه تنورة قصيرة أنيقة باللون الأسود الداكن، ومكتملة بمعطف صوفي طويل وفاخر باللون الأسود، مع جوارب شفافة داكنة وحذاء ببوت عالي من الجلد الأسود الفاخر يمتد حتى الركبة، وقفازات جلدية سوداء أنيقة.
أما ليو،ارتدى بدلة سوداء رسمية فاخرة، بقميص أبيض ناصع، وعقدة عنق سوداء كلاسيكية.
ترجلا من السيارة أمام المدخل الرخامي للفندق. وقف ليو بجانب الباب وفتح ذراعه بوقار، مبتسماً ببريق عسلي دافئ:
— "تبدين صارمة وساحرة في الوقت نفسه يا محاميتي.. المعطف والقفازات الجلدية يعطيان انطباعاً بأنكِ قادمة لإغلاق صفقة أو توقيع حكم إعدام قانوني."
عدلت روز قفازها الجلدي بنعومة وقالت بابتسامة:
— "بل الاثنين معاً يا ليو.. أنيقة في المظهر، وقاضية في الطرح."
أخذت بيده وثبتت قدميها، ليدخلا القاعة المخصصة للعشاء.
جلس السيد فابيان في مقدمة الطاولة، ورجل أعمال آخر من المقربين لشقيق ليو يراقب الحظور بنظرات توتر.
رحب فابيان بـ ليو بحرارة:
— "أهلاً سيد ليو.. أسمع الكثير من الناس في السوق هذه الأيام حول الحسابات الداخلية لشركتكم، وكدتُ أقتنع بأن الاستقرار المالي لديكم بات موضع شك."
جلس ليو بوقار، مشيراً بيديه نحو روز التي جلست بجانبه بثقة:
— "السيد فابيان.. الأقاويل بضاعة المفلسين، أما الشركات الكبرى فتبنى على المستندات والقوانين. أود أن أعرفك على الآنسة روز، رئيسة الفريق القانوني والشريكة الاستراتيجية في التحقيق الداخلي."
نزعت روز قفازيها الجلديين ببطء، وأخرجت من حقيبتها ملفاً مجلداً يحتوي على النسخ الموثقة من الشريط المالي وكشوفات الحسابات المزيفة التي حاولت الإدارة السابقة إلصاقها بـ ليو.
وضعت روز الملف أمام فابيان ونطقت بنبرة واثقة:
— "سيد فابيان.. بصفتي المستشارة القانونية المسؤولة، تؤكد البيانات الموثقة رسمياً أمامك أن برج 'ألترا فيجن' لم يشهد أي اختلاس تحت إدارة السيد ليو. المحاولات التي سمعت عنها كانت تلاعباً فردياً تم تحجيمه وتفكيكه بالكامل عبر ثغرات تم إغلاقها قانونياً. السجلات أمامك تتحدث بلغة الأرقام لا الشائعات."
تفحص فابيان المستندات بذهول وتقدير كبير، ثم نظر إلى ليو ثم إلى روز بابتسامة إعجاب:
— "مذهل.. لم أرد رؤية ملف بهذا الترتيب والوضوح من قبل. سيد ليو، إن كان لديك حليف قانوني يبطل الحيل بذهن حاضر وثبات كهذا، فإن استثماراتي في أمان تام معك."
رفع ليو كأسه بابتسامة جانبية واثقة ونظر نحو روز بامتنان:
— "هذا هو السبب الذي يجعلني لا أتنازل عن وجودها بجانبي يا سيد فابيان."
انتهى العشاء بنجاح ساحق؛ حُسم موقف فابيان بالكامل لصالح ليو، وأغلق الباب نهائياً أمام ساي لكسب أي حليف استثماري.
في طريق العودة داخل السيارة، ساد جو من الراحة الممزوجة بالانتصار. التفت ليو نحو روز، ليجدها تنزع معطفها الأسود وتضعه على ركبتيها بمرونة.
نطق ليو بصوت خفيض ودافئ:
— "طرحكِ أمام فابيان كان بمثابة ضربة قاضية يا محاميتي.. لم يجد مساحة للشك لثانية واحدة."
ابتسمت روز واستندت بظهرها، ونظرت إليه بتحدٍّ ومداعبة:
— "أنا أعمل بدقة يا أستاذ ليو.. ولكن لا تنسَ أنك وعدتني سابقاً ب مكافأة إذا أغلقت هذه الصفقة لصالحنا."
أوقف ليو السيارة عند شاطئ الكورنيش المضيء قبل إيصالها للمنزل، والتفت إليها بالكامل وعسليتاه تتأملان وجهها في الضوء الخافت:
— "المكافأة ليست مجرد كلمات يا أرنبتي الشرسة.. المكافأة هي أنني أدركتُ الليلة أنني لا أستطيع خوض أي معركة قادمة بدونكِ."
احمرت وجنتا روز بخفة تحت أضواء الشارع الشتوية، ونظرت في عينيه بصدق ودفء:
— "وانا لن أتركك تخوضها بمفردك يا ليو.. نحن شريكان حتى النهاية."
ابتسم ليو ابتسامة ساحرة واقترب بيده ليزيح خصلة شعر شاردة على وجهها ونطق بصوتٍ رخيم:
"لا أستطيع تخيل يومٍ واحدٍ بدونكِ يا محاميتي، أنتِ أرنبتي الذكية واللطيفة، وكل يومٍ أغرقُ في سحركِ أكثر."
رمشت بذهول لثوانٍ، وتحوّلت نظراتها بين كلماته المكتوبة ووجهه، وكأن عقلها يحاول استيعاب ما قاله للتو. ارتفعت حرارة وجنتيها بسرعة لتشتعلا باللون الأحمر، واضطربت أنفاسها وهي تحاول الحفاظ على ثباتها المعتاد كـ "محامية" لا تهزها المفاجآت.
نظرت إليه بتوتر مضحك، ثم عدلت جلستها وحاوت إخفاء ابتسامة خجولة تسللت إلى شفتيها رغماً عنها، وقالت بصوت نبرته متصنعة الجدية لكنه يرتجف قليلاً:
— "أولاً... المادة الأولى في قانون 'محاميتك' تنص على أن هذه التصريحات المفاجئة غير قانونية وتسبب إرباكاً غير متوقع للطرف الثاني! وثانياً... من هي الأرنبة بالتحديد؟!"
اتسعت ابتسامته بنصرٍ خفيف وهو يراقب ارتباكها المحبب وخجلها الذي فشلت في إخفائه، ثم مال بنصفه العلوي نحوها قليلاً، لتقلّ المسافة بينهما، مستمتعاً بنظراتها المتوترة.
انخفضت نبرة صوته لتصبح أكثر دفئاً وعمقاً، وقال بهدوء ثقةٍ يملأ عينيه:
— "القانون الذي لا يحمي قلبي من سحركِ هو قانونٌ غير معترفٍ به في عالمي يا محاميتي. أمّا عن 'الأرنبة'... فهي أنتِ تماماً عندما تحاولين التظاهر بالصلابة بينما وجنتاكِ تصرحان بعكس ذلك تماماً."
ثم أمال رأسه قليلاً، متأملاً ملامحها المخضلة بالخجل، وقال لنفسه بصمت وهوَ ينظر في عينيها مباشرة:
"كم هيَ ظريفة..."
ارتفعت حرارة وجنتيها أكثر حتى شعرت أنهما تشتعلان، وتراجعت بظهرها إلى الخلف لتلتصق بظهر المقعد، محاولةً بكل طاقتها أن تبتعد عن خط ناره ونظراته الدافئة التي كادت تقتلع ما تبقى من ثباتها.
أشاحت بوجهها نحو النافذة الجانبية كي تهرب من عينيه، ورفعت يدها لترمم خصلات شعرها بارتباك واضح، متظاهرةً بأنها تعدل هيئتها بينما في الحقيقة تحاول فقط أن تفعل أي شيء يلهيها عن تسارع دقات قلبها.
ابتلعت ريقها بصعوبة، وقالت بنبرة خافتة يحيطها الخجل، دون أن تجرؤ على النظر إليه مباشرة:
— "أنت... أنت مستغل ماهر للظروف يا ليو! ركّز في قيادتك للطريق أفضل لك ولحياتنا، ولا تدعني أرفع عليك دعوى قضائية بتهمة الإرباك المتعمد!"
لكن بالرغم من حدةً كلماتها،ضحك ليو بخفة أهتز لها صدره وقال وهوَ يعدل جلسته ويحكم قبضته على مقود السيارة:
"حسناً حسناً كما ترغبينَ يا محاميتي"
توقف ليو بسيارته امام عمارة روز، واستدار بنصفه العلوي نحوها وامسك يدها ونظر في عينها بعمق،كان الهوى البارد القادم من جهة البحر يمسح زجاج السيارة الدافيء بقطرات الندى الخفيفة، بينما استقرت يد ليو القوية على يد روز الرقيقة المحاطة بنعومة بالقفاز الجلدي. ساد الشارع الهادئ صمتٌ مهيب لا يقطعه سوى أنفاسهما المتناسقة.
تأملت روز عينيه العسليتين اللتين أذابتا كل الرسميات المعتادة بين مدير ومحاميته، وشعرت لأول مرة أن السور العالي الذي بنته حول قلبها ينهار ببطء أمام صدق نظراته.
نطقت بصوت دافئ ينساب كالهمس، برغم نبرة الكبرياء التي لا تفارقها:
— "نعرف كلينا أن ما ينتظرنا في الأيام القادمة ليس مجرد جولة قانونية يا ليو.. شقيقك لن يصمت بعد أن خسر فابيان والدعم الاستثماري، والمواجهة القادمة ستكون في قلب مجلس الإدارة."
ابتسم ليو ابتسامة جانبية بثقة هادئة، ولم يلتفت عن عينيها، بل ضغط بيده على كفها بدفء وثبات:
— "دعيهم يخططون في الظلام كما يشاؤون يا محاميتي.. ما دام لديّ عقلُكِ الصارم في المحاكم، وركلتُكِ القاتلة في الأزقة، وقبل كل شيء.. وجودكِ بجانبي، فلا توجد قوة في هذه الشركة تستطيع زحزحتنا."
ضحكت روز بنعومة خفيفة وهي تهز رأسها وتستعيد كبرياءها المرح:
— "يبدو أن أستاذ 'ليو سميث' الملاكم الشهير ومدير الأعمال الصارم أبحرت به الرومانسية الليلة أكثر من اللزوم.. أين ذهبت نبرة الجدية والتقارير المالية؟"
اعتدل ليو في جلسته بوقاره المعهود ورفع حاجبه بابتسامة مستفزة تحاكي أسلوبها:
— "الجدية والتقارير محفوظة للغد عند الثامنة صباحاً في المكتب يا أرنبتي الشرسة.. أما الليلة، فلدي كلُ الحق في الاحتفال بانتصار خططت له امرأة استثنائية مثلكِ."
ارتبكت روز بخفة وحاولت سحب يدها بنعومة، لكن ليو رفع يدها بلطف شديد وطبع قبلة دافئة وسريعة على ظهر يدها قبل أن يطلق سراحها، ويعدل جلسته.
عند وصولهما إلى مدخل المبنى، ترجلا معاً تحت ضوء الفانوس الخارجي الدافئ.
وقفت روز وهي تلف معطفها الأسود الطويل حولها لتقي نفسها برودة الليل، ونظرت إليه وهي ترفع شعرها الأسود بعيداً عن وجهها:
— "تصبح على خير يا ليو.. ولنبدأ المعركة الحقيقية غداً."
أمسك ليو باب سيارته، ونظر إليها بنظرة عميقة تنضح بالحماية والتقدير:
— "تصبحين على خير يا أرنبتي.. ارتاحي جيداً، فأنباء انتصارنا الليلة ستصل لشقيقي مع شروق الشمس."
تابعت روز خطوات سيارته وهي تبتعد في الشارع العريض حتى اختفت أضواؤها الخلفية. صعدت إلى شقتها، وألقت بجسدها المجهد على الأريكة، وهي تنزع قفازيها الجلديين وتتأمل مكان لمسته.
وفي تلك اللحظة بالذات.. أضاء هاتفها الموضوع على الطاولة برنة رسالة نصية قصيرة من رقم مجهول!
فتحت روز الرسالة بفضول، لتجد جملاً جافة وقصيرة كُتبت باللون الأسود:
"تظنون أنكم فزتم برهان 'فابيان' والأدلة الماليّة.. لكن اللعبة الأكبر لم تبدأ بعد. انظري خلفكِ جيداً يا سيادة المحامية."
قطعت روز تنفسها وهي تقرأ الرسالة مرتين، واشتدت قبضة يدها على الهاتف بحدسٍ صارم؛ فالظل الذي يختبئ خلف ساي بدأ يتحرك فعلياً، والصفحة القادمة ستحمل مواجهة لا ترحم.
Ruby<5