انتهت ليلة الملاهي الحافلة بتوتر خفي خلف المشاعر؛ حيث افترق ليو وروز عند منتصف الليل، ليعود كل منهما إلى عالمه وهو يحمل في ذهنه ألف سؤال وسؤال. كانت الحقيقة تقترب بخطوات حثيثة، والدائرة تتضيق حول الخيط المتورط في قضية شركة "ألترا فيجن".
مع إشراقة صباح اليوم التالي، التقى ليو وروز مباشرة عند محكمة العدل. كان اللقاء رسمياً وحاسماً؛ دخل الاثنان إلى القاعة المغلقة للقاضي المكلف بالتفتيش المالي والمراجعات القضائية.
جلس القاضي خلف طاولته الخشبية الضخمة، يقلب أوراق الملف المفصل الذي أعدته روز بدقة متناهية. ساد الصمت لعدة دقائق، يقطعه فقط صوت تقليب الصفحات.
رفع القاضي نظره وتطلع إلى ليو ثم إلى روز، وقارب بين يديه قائلاً بصرامة:
— "المستندات التي قدمتموها تشير بوضوح إلى خرق الملايين عبر شركة 'ألترا فيجن'، لكن التواقيع الإلكترونية المحفوظة هنا منقوشة بشفرة خاصة لا يمكن فكها إلا من خلال السجل المالي المباشر الموجود لدى الأطراف الوسيطة. والأطراف الوسيطة لا تتواجد في الأحياء المالية الفاخرة يا سيد سميث.."
عقدت روز حاجبها بتركيز وتساءلت:
— "ماذا تقصد سيادة القاضي؟ أين نجد تلك السجلات؟"
أردف القاضي بنبرة حذرة:
— "في حي 'الأزقة المظلمة' بالطرف الجنوبي للمدينة.. هناك يوجد المقر المالي السري الذي تُدار منه هذه الصفقات المشبوهة. لكن المكان شديد الخطورة ويمتلئ بالخارجين عن القانون. إن أردتم الحصول على الوثائق الأصلية التي تعفيكم وتدين المتورط الحقيقي، فعليكم جلب السجل المخفي بنفسكم من هناك."
تلاقت نظرات ليو وروز؛ فرأى في عينيها الزرقاوين شرارة إصرار وتحدٍّ لا تلين، بينما غلفت عينيه العسليتين هيبة جادة ومظلمة.
قبل التوجه إلى ذلك المكان الخطير، بدلا ملابسهما ليتناسبا مع طبيعة المهمة الليلية الحذرة.
تألقت روز بإطلالة تجمع بين الأناقة الرسمية والعملية الجريئة؛ ارتدت قميصاً أنيقاً باللون الأزرق الداكن بفتحة ياقة أنيقة وتصميم محبوك عند الخصر مع أكمام منفوخة ناعمة، ونسقته مع بنطال قماشي أسود واسع وعال الخصر، وانتعال حذاء كلاسيكي بكعب عالٍ باللون الأزرق الداكن الساحر. وزينت معصمها بساعة يد ناعمة ذات حزام جلدي أسود وشاشة مربعة، بينما انسدل شعرها الأسود الفاحم على كتفيها بحرية تتناغم مع زرقة عينيها الحادة.
أما ليو، فظهر بحضورمهيب؛ ارتدى توب أسود بياقة مرتفعة دافئة يبرز بنيته العريضة، فوقه معطف أسود طويل وفاخر ينسدل بوقار، وبنطال أسود حاد القصة مع حذاء بوت أسود أنيق ومريح للمشي. وكان يرتدي في معصمه ساعة فضية فاخرة ذات قرص أسود أنيق.
وصلت سيارة ليو إلى أطراف الحي الجنوبي المظلم. كانت الشوارع ضيقة، والأضواء الخافتة تنعكس على الأرضية المبتلة، بينما تتوارى الأشكال المريبة بين ظلال البنايات القديمة.
ترجلا من السيارة بخطوات ثابته. كانت روز تسير بثبات وحذر وهي تتأمل الأزقة، بينما كان ليو يمشي بجانبها، يلقي بنظرات حادة تثبط عزيمة كل من يفكر بالاقتراب.
دخلا مبنى قديماً صعدا فيه عبر درجات حجرية متآكلة حتى وصلا إلى باب حديدي ثقيل. دفعه ليو بقوة، ليدخلا إلى صالة واسعة خافتة الإضاءة، يلتف فيها مجموعة من الرجال ذوي الملامح القاسية والوشوم الواضحة، يترأسهم رجل ذو بنية ضخمة يجلس خلف طاولة خشبية مستهلكة.
وقفت روز بثبات وقالت بنبرة قانونية حازمة:
— "نحن هنا للمطالبة بالسجل المالي المباشر لشركة 'ألترا فيجن' لعام 2023."
ضحك الرجل الضخم بنبرة ساخرة، ونهض من كرسيه متقدماً خطوتين. نظر إلى روز بتقييم وقح، وارتسمت على وجهه ابتسامة خبيثة:
— "محامية جميلة بملابس فاخرة تدخل جحرنا؟ ألا تظنين أنكِ أخطأتِ العنوان يا سيدتي؟ مكانكِ ليس هنا.."
خطا الرجل ومعه اثنان من رجاله نحو روز بأسلوب تهديدي حثيث.
وفي جزء من الثانية، وقبل أن تتخذ روز وقفتها القتالية، تحرك ليو كالصاعقة!
قبض ليو معصم روز بقوة فولاذية حاسمة، وسحبها للخلف ببراعة ليجعلها بالكامل خلف ظهره، محصناً إياها بجسده ومعطفه الأسود الطويل كدرع لا يُخترق!
تغيرت ملامح ليو العسليتان بالكامل؛ انطفأ الدفء منهما وحلت محلهما نظرة مظلمة. قبض يده الأخرى بحزم، ونطق بصوت خفيض وحاد كحافة الخنجر جعل المكان يسود فيه الصمت:
— "إياكم وأن تخطوا خطوة واحدة أخرى.. أو ترفعوا أعينكم نحوها."
احتد الجو واشتعل التوتر؛ تقدم أحد الرجال محاولاً الهجوم، لكن ليو تفادى ضربته بحركة خاطفة وسريعة، وسدد له لكمة متقنة في البطن أطاحت به أرضاً في ثوانٍ،
انقبض فك زعيمهم رعباً من السرعة والقوة الهائلة، وراجع حساباته فوراً فور رؤية الإصرار القاتل في عيني ليو.
قال ليو بنبرة آمرة لا تقبل النقاش وهو يضيق عينيه:
— "أعطونا الملف والسجلات الأصلية الآن.. ونحن نغادر، وإلا ستحولون هذا المكان إلى حلبة لن تخرجوا منها أحياء."
بعد دقائق من الضغط والتوتر الشديد، اضطر الزعيم تحت تهديد ليو وحضوره المرعب لإحضار الصندوق الخشبي المخفي، واستخراج السجل المالي الأصلي وختم التدقيق المتورط فيه الخائن.
أخذ ليو السجل بيده، وأمسك بـ روز مجدداً ليقودها بثبات ونظراته الحادة معلقة على الجميع حتى خرجا بأمان إلى الأزقة الخارجية.
أثناء طريق العودة في السيارة، كان الهدوء يسود المكان. كانت روز تجلس في المقعد المجاور، تمسك بالسجل المالي وتتأمل الطريق، لكن أفكارها كانت تغلي بما حدث داخل ذلك المقر.
التفتت روز نحو ليو، وقالت بنبرة عتب:
— "لماذا فعلت ذلك يا ليو؟ لماذا سحبتني خلف ظهرك بتلك الطريقة؟ لقد تدرّبتُ سنوات على الكاراتية والدفاع عن النفس، وكنت أستطيع حماية نفسي والتعامل مع أولئك الأوباش بمفردي!"
أوقف ليو السيارة عند جانب الطريق تحت أضواء الشارع الخافتة. التفت إليها ببطء، وأسند يده على عجلة القيادة، ونظر في عينيها الزرقاوين بنظرة عميقة، حادة، وتحمل دفئاً مكتوماً أسكت غضبها فوراً.
اقترب ليو منها ببطء، وانخفضت نبرة صوته لتصبح رخيمة وخفيضة جداً:
— "أعلم ببراعتكِ في الكاراتية يا محاميتي.. وأعلم أنكِ قادرة على حماية نفسكِ من العالم أجمع."
توقف لثانية، ونظر إلى وجهها المحمر بخفة تحت إضاءة السيارة، ثم أردف بنبرة جادة ومستفزة:
— "لكن طالما أنكِ برفقتي وتحت حمايتي.. لن أسمح لعينٍ قذرة أن تنظر إليكِ بوقاحة، ولن تسمح يداي لشرورهم أن تمسكِ. وظيفتي هي حمايتكِ، حتى وإن كان ذلك يحمي العالم من شراستكِ يا أرنبتي الشرسة."
احمرت وجنتا روز خجلاً شديداً من كلامه المباشر ونظراته الدافئة التي اخترقت حصونها. أدارت وجهها نحو النافذة متصنعة متابعة الشارع لكي تخفي ابتسامتها وحرجها، ونطقت بصوت خفيض:
— "أنت رجل متسلط ومستفز يا ليو.."
ابتسم ليو ابتسامة جانبية ساحرة، وشغّل محرك السيارة واصل طريقه في العتمة.
وصلت روز إلى منزلها بعد ليلة حافلة بالمخاطر والمشاعر المتضاربة. أبدلت ملابسها وارتدت ثوب نوم مريحاً باللون الأبيض الناعم، وتركت شعرها الأسود الفاحم لينسدل على كتفيها. ارتمت على سريرها وهي تحمل السجل المالي، لكن أفكارها كانت شاردة بالكامل في كلمات ونظرات ليو داخل المقر المظلم.
وفجأة.. أضاء هاتفها الموضوع على الطاولة الجانبية بإشعار رسالة نصية.
سحبت روز الهاتف، وارتسمت على شفتيها ابتسامة تلقائية لم تستطع إخفاءها عندما رأت اسم المرسل.
ليو:
"هل وصلتِ بسلام يا أرنبتي الشرسة؟ أم أنكِ ما زلتِ تخوضين معارك وهمية مع أشباح الطريق؟"
ضيّقت روز عينيها بابتسامة تحدٍّ، وعدّلت جلستها على السرير لتجيب بسرعة:
"وصلتُ بسلام منذ وقت طويل يا أستاذ ليو. ولعلمك، أشباح الطريق أسهل بكثير من التعامل مع غرورك المستفز!"
لم تمضِ ثوانٍ حتى وصلها الرد، وكأن الهاتف لم يغادر يده:
"الغرور هو ما أبقاكِ سالمة الليلة يا محاميتي.. ضعي السجل المالي جانباً واخلدي للنوم، عيناكِ الزرقاء الحادة تحتاج لرست كافٍ لنبدأ مواجهة الغد."
عضت روز على شفتها الكرزية بخجل، وشعرت بدفء غريب يجتاح صدرها من اهتمامه المبطّن خلف السخرية، فردت:
"لا تقلق على عينيّ، بل قلقك يجب أن يكون على الملفات التي سنفككها غداً.. شكراً لك على كل شيء حدث الليلة، ليو."
ساد الصمت لبرهة، وظلت روز تتأمل شاشة الهاتف حتى أضاءت مجدداً برسالة أبطأت ضربات قلبها:
"تصبحين على خير يا أرنبتي.. نلتقي في الصباح."
وضعت روز الهاتف على صدرها، وابتسامة دافئة تزين ملامحها الناعمة. أغمضت عينيها الزرقاوين وهي تستشعر أمان كلماته، واستسلمت للنوم تدريجياً والهاتف بين يديها، بينما في الطرف الآخر من المدينة، كان ليو يجلس في شرفة شقته المظلمة، يتأمل شاشة هاتفه وينتظر انقطاع اتصالها، متأكداً أنها نامت بسلام بعد ليلة لم تكن تشبه أي ليلة مضت!
Ruby<5