جبر!

جبر!

14 0

بعد أيام...

عاد كل شيء إلى طبيعته، ربما ما اختلف هو تغير المكان الذي يجتمع فيه الشباب الثلاثة، فبدل أن يكونوا في منزل مصعب اختاروا الانتقال بين منزل حيدر وبُرهان، فمنزل مصعب صغير ولن تتمكن جمان من التحرك بأرياحية.

كما ازداد عدد زبائن المطعم الذي يعمل به مصعب وبرهان وتيام وقد انضم لهم حيدر كذلك لتشتد روابط العلاقة بينهم، ويزداد قرب تيام من حيدر، وبُرهان خاصة وقد بدأ ينظر له بنظرة الصديق لا نظرة العدو القديم التي يرمقه بها في كثير من الأحيان فقد كان تيام شخصا مختلفا جدا مع برهان، ليس ذاك الهادئ الحاذق وكأن الآخر قد ارتكب جريمة نكراء، لكنه لم يستطع تجاهل الأمر على أية حال.

في يوم هادئ، في أحد المطاعم جلس مصعب مع صديقيه الذيين تعرف عليهما في الجامعة، فلم يكن تيام معهما بسبب انشغاله بالدراسة فهو في سنته الأخيرة من الجامعة.

تحدث بُرهان بتلعثم يمكن بمجرد النظر لوجهه معرفة أنه تردد كثيرا قبل البوح بما يستقر داخله:

_لدي ما أشاركه معكما.

نظرا له باهتمام فقال مصعب:

_بُح، كلانا يصغيان لك.

ابتسم بتكلف وقال  وعيناه لا ترتفعان لينظر لصاحبيه، وكأنه يخشى رؤية رد فعلهما:

_أمي تُلح عليا كثيرا بالزواج، وقد أخبرتني عن بيت تثق بأهله وشجعتني بُشرى كذلك...

تهلل وجهيهما ثم علق حيدر مستغربا:

_ولم أنت متوتر؟

تنهد بضيق:

_لدي مشكلة قديمة مع تلك العائلة...

رفع نظره تجاه مصعب:

_الفتاة التي أنوي خطبتها هي شقيقة تيام.

حدق حيدر باهتمام لصديقه في حين ذُهل مصعب وقد أسعدته فكرة زواج بُرهان من شقيقة تيام لما لهذه العائلة من سمعة طيبة بين الناس، لكنه لم يفهم ما قصده صديقه بكلمة «مشكلة» وسأله بهدوء:

_ما المشكلة إذا؟

لم يجب في المرة الأولى ثم خطف نظرة لحيدر وقال بارتباك مطئطئا رأسه بخجل:

_لي سوابق مع الفتاة...

لم تتغير ملامح حيدر في حين صدم مصعب ولم يستطع منع نفسه من التفوه بسؤال خرج من فيهه بتلقائية حملت بعض الحدة:

_سوابق؟ ماذا تعني بذلك بُرهان؟

أجاب خجلا من نفسه، فتلك الذكريات باتت مزعجة له، ذكريات حديثه وعلاقاته مع الفتيات بدت الماضي الذي يكره تذكره:

_كانت من الفتيات الاتي أوقعتهن في شباكي.

تمنى في تلك اللحظة أن تنشق الأرض وتبلعه داخلها، فقد خاف كثيرا من رد فعل صديقه الذي لم يكن يتوقع هذا، حسنا كان يعلم أن بُرهان في الماضي كان فتى لعوبا مع ذلك فقد ترك ذاك الطريق منذ سنوات طويلة، لكنه لم يتوقع أن تكون إحدى ضحاياه-إن صح التعبير- هي شقيقة صديقه، وبالنظر لهذا فقد اتضحت الكثير من الأمور، الكثير جدا، النظرات الغامضة التي يتبادلها بُرهان مع تيام، الكلمات التي تكون أشبه بألغاز، يمكنه القول أنه فهمها الآن.

لم يضايقه إخفاء صديقه، بل شعر بالحزن عليه، فشعور الندم من أقسى المشاعر التي يحملها الإنسان داخله، اكتفى بالصمت ولم يعرف ما يقول، فتحدث حيدر بنبرة مؤنبة حملت بعض التأنيب مخاطبا بها صديقه:

_بُرهان، الماضي لن يُغيره شيء، والحاضر بين يديك، فلا تلتفت للماضي وركز فيما أنت فيه الآن.

قال الآخر معترضا:

_لكنهم لن يرضو بي، أعرف ذلك! 

علق مصعب بهدوء مبتسما:

_أحسن الظن بالله، فبيده الأمر كله، إن كان في ما أنت مقبل عليه خير لك سييسره الله بطريقة تذهلك، وإن كان شرا سيصرفه عنك فلا تحزن، وتذكر أن التائب من الذنب كمن لا ذنب له...

شجعه حيدر كذلك بقوله:

_توكل على الله يا صديقي، جرب الحديث مع تيام.

شهق الآخر من الصدمة وتوتر قائلا:

_مستحيل! أثق أنني سأرفض بأسوأ الطرق!

ألقى مصعب بنظرة خاطفة له وقال مبتسما:

_هل أفاتحه أنا في الأمر؟

شد الآخر على قبضته بتردد:

_علي حل الأمور وحدي

أردفا معا:

_إذا توكل على الله.

سألهما بتوجس:

_هل أتصل به الآن؟

أومآ له بحماس، فأمسك الهاتف بيد ترتجف وإن لم يلحظا ذلك، دخل على جهات الاتصال ثم سجل رقم الهاتف بعد أن مله مصعب على مسامعه، ضغط زر الاتصال، وانتظر الرد بصمت، ثم فتح الخط وسمع صوت تيام:

_السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، عذرا، من معي؟

أجاب متوترا:

_وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته، هذا أنا... برهان.

علق بتعجب:

_بُرهان؟ أهلا وسهلا، كيف حالك؟

_بخير والحمد لله، ألي بدقائق من وقتك؟

أجاب بشك:

_تفضل؟

صمت لوهلة وقلب نظره بين صديقيه فأومأ كلاهما مشجعين ليقول بهدوء وحذر يزن كلماته جيدا قبل إخراجها:

_أيمكنني التقدم لخطبة تقوى غدا؟

كتم تيام أنفاسه بصدمة عندما وصلت هذه الكلمات مسامعه، شعر أنه في حلم، ضحك بسخرية على نفسه، ربما يتوهم، فقال متأكدا مما سمعه:

_عذرا؟

استحى بُرهان وشعر أنه رُفض فورا لكنه قال في محاولة تثبيت رباطة جأشه:

_هل يمكنني خطبتها؟

عقد الآخر حاجبيه في حيرة، مستغربا، لم يكن يتوقع ذلك، لماذا طلب ذلك فجأة؟ ولم الآن بعد كل هذه السنوات؟

سأل بشك:

_لماذا؟

_هل أحتاج سببا؟

أجاب بضيق:

_أظن ذلك (تابع بمرارة)  ربما تريد ستذكرها بالماضي مثلا؟

دافع بُرهان معترضا بنبرة حادة خرجت منه دون قصد:

_لم أعد ذاك الفتى!

انتبه الشابان له فربت مصعب على كتفه فتابع بنبرة أقل حدة معتذرا:

_آسف على انفعالي، ولكني حقا لا أملك سببا أجيبك به.

اكتفى الآخر بالصمت، مفكرا في رد مناسب، فقد التمس الصدق في كلمات المتصل، لكنه كان خائفا على أخته، خائفا من فتح جرح قديم لها، لذا سأله بجدية:

_هل أنت جاد فيما تقول؟

تردد قليلا قبل أن يجيبه فقد شعر بأن خلف تلك الكلمات حزنا دفينا كان هو سببه:

_نعم، لم أكن جادا في قرار كهذا من قبل.

ابتسم تيام براحة وعلق:

_توكل على الله.

تهلل وجه بُرهان وقال مستئذنا:

_أراك غدا، في أمان الله.

أغلق والخطأ ونظر لرفيقيه حامدا ربه على تيسير الأمر له، فمازحه حيدر متهكما:

_أريت كيف أسأت الظن به؟

رمقه بتذمر ولم يجب في حين قال مصعب بهدوء:

_يسر الله أمرك...

من جهة أخرى...

ما إن أُغلق الخط حتى وضع تيام هاتفه جانبا ثم أخذ نفسها عميقا أتبعه بزفير حاد ثم خرج من غرفته، كان مشوشا قليلا لكن شيئا ما داخله كان سعيدا، سعيدا لأجل أخته فقط.

التقى بشقيقه الذي عاد للتو من عمله، فقال بصوت متردد:

_شاهين، ألي ببعض وقتك؟

ضيق الآخر عينيه مسغربا وأشار برأسه لغرفته قائلا بهدوء:

_تعال.

ذهبا لغرفة شاهين، وما إن جلسا حتى قال تيام بتردد:

_بخصوص تقوى

_ما بها؟

_أحدهم اتصل بي يطلب يدها.

أمال شاهين رأسه في استغراب:

_وما شأني؟ لست ولي أمرها.

زم شفتيه بامتعاض ثم أجابه بهدوء:

_بُرهان من طلب يدها.

رغم البرود الذي كان يكتسح وجهه لم يستطع إخفاء بعض الذهول الذي تسلل إلى ملامحه وعلق بشك:

_هل ستوافق تقوى؟

ابتسم قائلا:

_أهناك من يرد دعوة الله بعد أن أُجيبت؟

ابتسامة صغيرة تخللتها بعص السخرية على ثغر شاهين قائلا:

_يبدو أنني أجهل الكثير.

تابع بجدية أكبر:

_ما المطلوب مني؟

أجاب بحذر:

_هل أنت راضٍ بهذا؟

هز كتفيه غير مبال:

_إنها حياتها تيام، لا شأن لي بها، لم تعد صغيرة.

تهلل وجهه وقال بعينين متأملتين خيرا في الذي أمامه:

_أيمكنك مفاتحة أبي في الأمر؟ صحيح أنه لا يعرف بُرهان لكن لا أحبذ فكرة إخفاء الأمر عنه... فإن وافق يمكنني التحدث مع تقوى.

أومأ متفهما ثم حل بينهما صمت قصير حتى تسلل صوت المنادي ينادي لصلاة العشاء فأخذا يرددان خلفه اقتداء بسنة النبي صلى الله عليه وسلم... وما إن انتهى الأذان حتى انصرف كل منهما لشأنه، فذهب شاهين يحدث والده قبل بدء الصلاة، وذهب تيام يراجع بعض محفوظه من القرآن.

بعد صلاة العشاء...

كانت تقوى قد انتهت لتوها من الصلاة، ثم جلست تستعد للدراسة لولا صوت طرق الباب الذي منعها، فابتعدت عن كرسيها وتوجهت نحو الباب، فتحته فإذا بتيام خلفه... كانت تتوقع أنه هو فلا أحد غيره سيأتي.

ابتسمت وأشارت له بالدخول، فدخل وقد لاحظت الابتسامة على وجهه لتسأله بفضول وهي تميل برأسها يمينا وشمالا وكأنها تبحث عن شيء ما:

_ماذا جرى؟

أجابها مبتسما:

_أجاب الله دعاءك.

اتسعت حدقتاها بصدمة، ارتفع حاجباها في ذهول، فغرت فاها وتشنجت غير مصدقة، ترقرت الدموع في عينيها وهي تسأله:

_كيف؟

_غدا سيتقدم بُرهان لخطبتك.

نزلت دموعها وسجدت لله شاكرة، ثم التفتت إليه قائلة:

_لا أفهم؛ هل يتذكرني أساسا؟ وكيف اقتنع والدي؟ وشاهين؟؟

قص عليها ما جرى قي المكالمة بينه وبين بُرهان ثم حديثه مع شاهين وانتهى بحديث شقيقه الأكبر مع والده:

_بحسب كلام شاهين فإن أبي لم يبدي اعتراضا أبدا، حتى عندما أخبره بقصة برهان وأنه الفتى الذي كنت تحادثينه قال «القرار قرارها» 

احتضنت شقيقها بسعادة ولسان حالها يحمد الله على جبر خاطرها، كانت أسعد من أي وقت مضى، ليس فقط لأنه بُرهان بل لأن دموعها  ودعائها لم يضيعا عند الله، لقد استجاب الله لها!

الله -جل في علاه- لا يترك عبدا مكسورا، ولا ضعيفا، ولا يرد دعوة داع ولا سائل، فهو الله، الذي بيده ملكوت السماوات والأرض، الذي يقول للشيء كن فيكون.

لا تيأس من أمر ظننته مستحيلا فلا مستحيل بالدعاء، سلم أمرك لله يقينا، تقرب منه حبا، دع لذة الذنوب والشهوات المؤقتة، وتلذذ بالطاعات، بالقرب من خالقك، الذي يعرفك أكثر من نفسك.

بعد سنوات...

كانت تقوى تُعد كوب القهوة بينما تدور حولها ابنتها البالغة من العمر عامان ونصف وهي سعيدة لمقدرتها في المشي، تلهو هنا وهناك فشتت انتباه والدتها التي أمسكتها ووضعتها على المقعد ووضعت أمامها بعض الألعاب، وما إن التفتت للموقد حتى رأت إبريق القهوة وقد فاضت قهوته فانتفضت لذلك وركضت نحو الإبريق ثم رفعته من على النار وهي تزفر بضيق ليتسلل إلى مسامعها صوت ضحكة بُرهان فضيقت عينيها بغضب وقالت:

_ما دمت هنا كان عليك الاعتناء بجبر حتى لا تلهيني!

ابتسم بخفة قائلا وهو يقترب من ابنته التي كانت في عالم الألعاب الخاص بها:

_آسف آسف!

بعثر شعر ابنته البُني قائلا بنبرة معاتبة ممازحا ابنته التي لا تفهم ما يقول:

_عليك ألا تُغضبي ماما يا جَبر.

استرسل وقد لمع سؤال في ذهنه فالتفت لزوجته وقطب حاجبيه متسائلا:

_لم تخبريني... لم اخترتِ اسم جبر؟

أجابته مبتسما بعد أن نظفت المكان:

_لأن الله جبر قلبي كثيرا، فأردت تسميتها بـ جَبر لأتذكر نعم الله التي أغدقني بها.

النهاية.

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

عندما تعود إليه

المؤلف البروء
2025/12/27 مكتملة
قائمة الفصول (12)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة