_أشعر أن الحياة تبتسم لي!
حدق فيها تيام بانتباه فاستطردت تقص عليه يومها:
_في بداية اليوم تأخرت على محاضرة الأستاذة منال-وأنت تعلم كم هي صارمة بهذا الشأن- ولكن لحسن حظي أنها لم تأتي...
ثم عندما ركبت السيارة في العودة صدمت أنه شاهين وليس أنت وبعد ذلك تحدث معي وأعطاني الهاتف!
ليس هذا فحسب بل لو رأيت نظرات الرضى على وجه والدي عندما حثتني أمي على الحفظ! (ضحكت بسعادة) حقا أنا مسرورة!
ابتسم الآخر بهدوء وسألها:
_أتعلمين من السبب؟
أجابته دون تفكير طويل وقد لمعت عيناها بعفوية:
_أنت!
_كلا...
رفعت أحد حاجبيها وتحدثت مجددا:
_جميعكم؟
نفى مجددا فلاحظ ازدياد الحيرة على ملامح وجهها ليقول مبعثرا شعرها بخفة:
_الله!
_الله؟ لا أفهم!
فسر بنبرة دافئة تناسب مجرى الحديث:
_نحن وسائل فقط، الله سبب سعادتك يا تقوى، لقد هيأ لك كل الأسباب لإسعادك اليوم، عليك أن تشكريه.
سألته بحيرة:
_كيف أشكره؟ هل أقول شكرا لك يا الله؟
تسللت ضحكة صغيرة من بين شفتيه مجيبا:
_نعم، ولكن هل عبارة شكر واحدة تكفي؟
أجابته ببلاهة غير مقصودة:
_هل أكررها؟
لم يستطع كتم ضحكته وهو يجيبها:
_كلا كلا! لا أقصد هكذا (رمقته بتذمر فشرح) اسجدي شكرا له، احمديه على ما أنعم به، إن الله يستحق الثناء.
سألته بعفوية فالحديث عن الله ذكرها بكلماته دائما التي تحثها على التقرب من الله والتعرف على دينها أكثر:
_كيف أصبح قريبة من الله؟
تفاجأ من سؤالها وخفق فؤاده فرحا به مجيبا إياها بكلمات سريعة خشية أن تختفي حروفه فجأة:
_تعرفي عليه، من هو الله؟ تعرفي على دينه الذي أنزله، على أنبيائه وعباده، على خاتم النبيئين محمد ﷺ وصحابته.
تسللت علامات الضياع لتغزو ملامحها وقد لاحظ شقيقها السؤال الذي يرغب بالخروج من حلقها فأجاب عنه قبل أن تنطق به:
_ابدئي بما يرتاح له قلبك، فكلها أمور تقربك من دينك، وكلما تقربتِ من دينك أحببتِ الله أكثر.
ابتسم واقفا:
_حسنا عن إذنك... تصبحين على خير.
سألته بشك:
_ستنام الآن، ليس من عادتك النوم في هذا الوقت.
_لدي امتحان في النصف غدا؛ لذا سأنام باكرا لأستيقظ فجرا وأكمل المراجعة.
_أتمنى لك التوفيق.
هز رأسه بامتنان:
_لا تنسيني من صالح دعائك (غادر)
استلقت على سريرها وحملقت في السقف بينما غرقت في حبل أفكارها:
«تقوى»
تيام على حق، ربما علي أن أتعرف على الله أكثر، فأنا لا أعلم شيئا عن الدين، أجهل في ديني كل شيء، لا أعرف عن الإسلام شيئا غير اسمه، وعن الإيمان غير لفظه، ولم أعرف ما اليقين بالله؟ تلك الكلمات التي لطالما رددها تيام!
بعد المشكلة بدأ تيام يتقرب مني وبفضل الله ثم هو بدأت أحافظ على صلاتي ولكن كعادة لا كعبادة؛ جسد يتحرك بلا روح تشعر، لم يكن حبا في الصلاة ولكن لأنني لم أكن أجد ما أفعله غير ذلك، فكنت أشغل وقتي بكل ما هو متاح.
حقا للنية دور مهم، فلم أذق طعم الصلاة ولا راحتها إلا عندما نويتها حقا كعبادة لله تقربا منه، نويت بقلبي وكل جوارحي أني هذه المرة سأصلي، لا لأتخلص من عبء فرض علي، بل لأرتاح فقد كان تيام محقا... الصلاة راحة!
أظنني قد تشجعت أخيرا لأتعلم عن ديني، لأتعرف عليه عن كثب، وأعرف ما هو الطريق الذي أسير فيه؟
وبشكل أوضح لأستشعر الانتماء الذي حدثني عنه أخي!
ولكن... هل يمكنني ذلك؟ بعد كل سنين البعد هذه؟
.....
ابتسمت بهدوء ثم توجهت للخلاء-أكرمكم الله-، توضأت ثم عادت لغرفتها وارتدت عباءتها وخمارها الذي أسدلته على أكتافها وارتدت جوربا يستر قديمها ثم فرشت سجادتها وكبرت...
عند السجود، دعت بكل ما يحويه ذهنها، دعت بكل صدق أن ينير الله طريقها، أن يكتب لها الخير ويجبر فؤادها، ودعته أن يجعل الشاب -الذي لم تصل معرفتها به سوى لبضع شهور- من نصيبها... لكنها هذه المرة سبقت دعاءها بما حدثها به تيام: «اللهم إن كان في خير فاجعله من نصيبي وإلا فأنسينيه يا رب!»
خلال اليوم التالي...
توجه تيام نحو المسجد بعد الجامعة ودخل سامحا لعينيه بالبحث عن شيخه فلم يجده؛ لذا تقدم من أحد الرجال الذين يراهم دائما مع شيخه وسأله بأدب:
_السلام عليكم يا عم، هل الشيخ إبراهيم موجود؟
ابتسم الآخر بوقار مجيبا الشاب:
_وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته، لا، والله، لم يأت اليوم بسبب ظرف طارئ، هل أنت أحد طلابه يا بني؟
ظهر الاحباط على وجهه فقد جلس منذ الامس يتجهز لهذا الامتحان:
_نعم.
لاحظ الرجل إحباط تيام فربت على كتفه مشيرا إلى إحدى زوايا المسجد حيث يجلس شاب في مقتبل العمر يدرس طفلا صغيرا:
_ يمكنك عرض سردك على الشاب هناك وسأتصل بإبراهيم وأعلمه بذلك، فقط أخبرني ما اسمك يا بني؟
ابتسم معربا عن امتنانه:
_تيام عبد الرحمن، بارك الله فيك يا عم
استأذن وذهب نحو الشاب.
جلس مقابله جانب الطفل الصغير وأنصت يستمع لهما بتركيز فهو يحب الاستماع لقراءة غيره والملاحظات التي يعقبها المعلم عله يستفيد منها.
_ ذال، أخرج طرف لسانك قليلا (تحدث الشاب بهدوء)
_ دااال (أطال في مدها بطفولية بسبب تعبه من إعادتها)
تنهد الآخر على عناد الطفل الصغير وقال في محاولة جديدة لإفهامه تحت أنظار تيام الذي وجد نفسه يقولها في سره.
_ذال وليست دال، نحن نقول الذين انظر (اخرج طرف لسانه) الذين (وكررها عدة مرات) أعد...
أعاد الطفل مجددا وقد شرد بذهنه فالأطفال ذو تركيز محدود:
_ ﴿ صِرَٰطَ ٱلَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ ٱلْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا ٱلضَّآلِّينَ ﴾
بعثر الشاب شعر عمر بقوة وهو يقول بفخر ممزوج بالجدية:
_أحسنت هكذا
ضحك الطفل بسعادة وهو يقول:
_أشكرك يا شيخ (ثم وقف بسرعة وركض نحو والده الذي ينتظره جانب احد الرجال)
نظر الشاب لتيام وقال بابتسامة هادئة:
_تفضل، بم أساعدك يا اخي؟
_في الحقيقة لدي امتحان في النصف؛ من الكهف حتى الناس وشيخي لم يحضر فأخبروني انه بإمكاني السرد عليك، إن لم تمانع.
_ بالطبع لا مانع (تابع بلطف) ألي أن أعرف اسمك؟
_ تيام (ابتسم بهدوء)
_ ما شاء الله اسم جميل، أنا مصعب، سعيد بمعرفتك.
مد يده مصافحا فصافحه الآخر ثم استطرد قائلا:
_ إذا هل أنت جاهز؟
أومأ له فاستعاذ وبدأ يساله في مواضع متفرقة حتى أكمل له، فما إن قرأ كلاهما دعاء ختام المجلس «سبحانك اللهم وبحمدك، أشهد أن لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك» وقفا مغادرين خارج المنزل.
سأل مصعب مبتسما بهدوء وقد ارتاح قلبه للآخر:
_كم عمرك تيّام؟
_تسعة عشر عاما... وأنت؟
_واحد وعشرون يا صديقي.
ابتسم تَيّام لآخر ما نطق به مصعب ولم يعلق.
من جهه اخرى...
في إحدى المطاعم الراقية في المدينة جلس برهان وحيدر يستمتعان بكأسي عصير باردين.
_هل شاهدت المقطع الذي أرسلته لك؟
أجاب بملل مع نبرته التهكمية المعتادة:
_نعم ولكني مدمن، فمقطع قصير كهذا لن يجعلني أتوقف.
ما إن أنهى جملته حتى أدخل يده لجيب بنطاله ليأخذ لفافة تبغ لكنه رفع عينيه يتفقد المكان فوجد الكثير من اللائحات التي تمنع التدخين
قال متهكما:
_ لهذا اخترت هذا المطعم؟
ضحك على رد فعل صديقه ونفى قائلا:
_ كلا، انظر حولك هل توجد فتاة في المكان؟
رفع حاجبه وهو يجيب بعد أن جال ببصره حوله:
_ لا، ليس وكأنك تكرههن (انهى جملته بنبره ساخرة)
تجاهل الآخر آخر كلمات حيدر وفسر سبب قدومهما إلى هنا:
_ أقنعت مصعب أمس بالخروج معنا لكنه احتج بأنه يكره الدخان وأيضا لا يحب أن يذهب للأماكن المختلطة (قالها بسخرية وتابع) لذا أزلت كل حججه بمطعم يمنع التدخين ويفصل الذكور عن الإناث بطابق لكل جنس.
سأله باستنكار:
_ لم تكن تهتم بإرضاء الآخرين، ماذا جرى لك فجأة؟
هز كتفيه غير مبال:
_ لاحظت أنني كثير الخروج معك فأحببت التقرب من مصعب كذلك.
صمت لوهلة وشابك يديه على الطاولة قبل أن يكمل بجدية:
_ صحيح أننا نختلف كثيرا في أفكارنا معه لكنه صديقنا ورغم كل شيء إلا أنه دائما ما يتنازل عن حقه كفرد من صداقتنا الثلاثية؛ لذا يمكننا التنازل أيضا صحيح؟
تفاجأ حيدر من الكلمات التي خرجت من فيه صديقه وقال مبتسما:
_ معك حق
_هاه؟ منذ متى تجيبني بنبرة غير نبرة التهكم تلك؟ بل وتوافقني الرأي!
قال الاخر متهكما:
_ ظننتك قد استعدت عقلك بالتحدث بعقلانية
أجابه برهان بذات النبرة:
_ ليس وكأنني من يضايق مصعب بالتدخين
_ ما شأن هذا؟ ثم كأنني أنا من يضايقه بالحديث عن الأغاني والفتيات!
انفعل الآخر معلقا:
_ أخبرتك أنني لم أعد أحادثهن؛ كان ذلك من الماضي!
_ لكنك لا تتوقف عن النظر لأي فتاة تمر جانبك وتخترقها بعينيك!
شد الآخر على قبضته بقوة فأكمل حيدر بلهجته المغيظة لبُرهان:
_ لا تبدا نقاشا تعلم أنك خاسره
وقبل أن يعلق، اقترب منهما مصعب الذي سمع شجارهما وأمسك رأسيهما وقربهما لبعضهما لتنتج عن ذلك ارتطامة مؤلمة لكليهما.
أبعد يديه وجلس معاتبا بنبرة هادئة لكن يمكن ملاحظة الغضب فيها:
_توقفا عن معايرة بعضكما بذنوبكما
رمقاه بنظرة متذمرة وأردف برهان بتضايق:
_كن أكثر لطفا، أشعر أن عقلي ابتعد عن مكانه إثر الضربة
_ بل أجزم أنه عاد لمكانه الصحيح (علق حيدر)
تحدث مصعب بنبرة يائسة من صديقيه:
_عادت حليمة إلى عادتها القديمة.
نظرا لبعضهما وانفجرا ضاحكين على صديقهما المسكين.
ابتسم هو بخفة واستطرد:
_ إذا أما من جديد في حياتكما؟
أجابا بملل في الوقت ذاته:
_ كلا
علق مصعب بهدوء وهو يأخذ كوب العصير من النادل:
_ لم لا تجربان شيئا جديدا؟
أجاب برهان باهتمام:
_كماذا؟
_ العمل أو حفظ القرآن مثلا
تحدث حيدر دون تفكير:
_لم نعمل والمال لدينا ولا نحتاج جهدا لأخذه؟
ضربه برهان بقدمه من أسفل الطاوله ليوازن كلماته فاستدرك وقال مفسرا:
_لا أقصد شيئا بكلامي والله!
ضحك مصعب قائلا:
_ أعلم أعلم! ماذا عن حفظ القران؟
أجاب حيدر هازا كتفيه:
_ لا مانع لدي، لكن لا أعدك بالالتزام والذهاب للمسجد.
_لا بأس سنجد حلا، ماذا عنك برهان؟
أجاب بتذمر:
_ليست فكرة سيئة لكني وكما تعلم لا أحب الأماكن المزدحمة.
قبل أن يتحدث مصعب لمعت في ذهن حيدر فكرة ألقى بها فورا وكأنه يخشى نسيانها:
_ لم لا تدرسنا أنت في منزلك؟
أكد برهان على كلمات صديقه:
_ هذا عين الصواب، ما رأيك مصعب؟
هز رأسه موافقا:
_إن كان هذا يدفعكما للحفظ فلا بأس.
سأله حيدر متذكرا:
_ولكن كيف ستوازن بين الجامعة والمسجد والعمل وتحفيظنا؟
ابتسم الآخر بهدوء واضعا كأس العصير على الطاولة بعد أن ارتشف منه قليلا:
_ سأجد طريقة لذلك
حدقا فيه لثوان باستغراب وتساءلا في نفسيهما «لم يصر على ذلك؟» ثم سأله برهان:
_ ما الأوقات التي تكون فيها في المنزل؟
فكر قليلا ثم أجاب:
_ مساء في الساعة الرابعة والخامسة، وبعد منتصف الليل.
تفاجآ من ذلك فهذا يعني أنه غالب الوقت مشغول.
هم برهان أن يعترض على فكرة التحفيظ قائلا:
_ أنت بالكاد تجد وقتا لنفسك يا رجل كيف تريد تحفيظنا؟
نهره حيدر عندما لاحظ التضايق على وجه صديقهما الذي يبدو أنه ظن عدم رغبتهما في ذلك وبحثهما عن أعذار
_ اهدأ (نظر لمصعب متابعا) متى تنام عادة؟
_الثانية بعد منتصف الليل.
علق حيدر بإعجاب:
_هل يمكننا إذا القدوم عند منتصف الليل؟
_ بالطبع...لا مانع من ذلك.
لم يكن برهان سعيدا فهو يشعر أنه يضغط على صديقه فقط؛ إذ أنه ليس جادا جدا في رغبته في الحفظ، لكنه لم يرد رفض اقتراح الآخر فكلما طلب منه شيئا يتعلق بالدين كان يحتج ويطرح الشيطان عليه سبل الفرار.
تصافح حيدر ومصعب متفقين على الموعد وقد كان وجه الثاني يشع سعادة وسرورا لم يدوما كثيرا عندما أتاه اتصال من مديره فانخلع قلبه ليرد بتردد:
_السلام عليكم ورحمه الله...
_ وعليك السلام يا مصعب، كيف حالك؟
_الحمد لله في نعم، وأنت سيد حكيم؟
_لله الحمد والمنة (تم تساءل قلقا) أكل شيء على ما يرام يا بني؟ ليس من عادتك التأخر عن العمل.
نظر الشاب لساعة يده ليشهق عندما وجدها السابعة والنصف مساء وقد تأخر ساعة ونصف عن موعد عمله فأردف معتذرا:
_آسف جدا، سآتي حالا.
_ انتبه لنفسك السلام عليكم
أغلق الخط.
علق برهان في نفسه مع ابتسامة استقرت على ثغره «لبق الحديث» في حين قال حيدر مازحا:
_ أجزم أنك نادم على جلستك معنا اليوم.
ابتسم الآخر نافيا بسرعة:
_ البتة، سأدفع الحساب... لا تهتما له في، أمان الله (غادر)
أراح حيدر بظهره للخلف وشابك يديه خلف راسه قائلا بابتسامة هادئة:
_لا تبدو فكرة الحفظ سيئة فنحن لا نفعل شيء غير التسكع والنوم والدراسة.
_ ربما
رفع الآخر حاجبه الأيمن وعلق باستنكار:
_ ألا ترغب في ذلك؟
تنهد:
_ ليس الأمر وكأنني لا أرغب لكني أخشى إتعابه، أنا وأنت نعيش في ترف يا حيدر، لكن ظروف مصعب مختلفة
اخترقت هذه الكلمات جسد الآخر وشعر بصدقها لكنه كعادته لا يحب إبداء أي مشاعر عاطفية على وجهه لذا وقف قرب صديقه وضربه على ظهره حتى كاد يخرج له قلبه وقال مشيحا بنظره عنه:
_ إياك أن تقول هذا أمامه، ظروفه هي التي جعلت منه رجلا يمكن الاعتماد عليه.
ابتسم برهان ثم أردف بتذمر بسبب الألم الذي سببه الآخر:
_أحيانا تتحول لحكيم، لكن لا شيء يناسبك كالنبرة المتهكمة
شعر الآخر كأن خلاياه التهكمية قد حفزت وقال:
_ لا تندم لاحقا
ليلا...
وقفت تقوى في المطبخ بتوتر تقلب حدقتيها بين كومة الأواني المتسخة وبين الكعكة المحترقة
تسللت الدموع إلى عينيها وكادت تترك لهن حرية النزول لولا صوت شاهين الذي قال بنبرة باردة وعيناه تتجولان في الفوضى:
_ ما الذي فعلته؟
أجابته بتلعثم:
_ أردت صنع كعكة صغيرة لكن خرجت الأمور عن السيطرة.
لم يستطع منع نفسه من التبسم على تصرفاتها الطفولية ولكن فور أن لاحظ نظراتها المستغربة تنحنح بهدوء قائلا:
_ أزيلي الفوضى التي سببتها.
تابع مغادرا:
_ سأخرج لشراء بعض الأغراض، سأشتري كعكة في طريقي ( ذهب)
رمشت عدة مرات بصدمة وهمست:
_ لم أصبح لطيفا فجأة؟
ابتسمت وبدأت بتنظيف المكان:
_ يبدو أن تيام على حق، عندما تعود إلى الله يفرج عنك ضيقك ويذهب حزنك.
كانت ترتب المطبخ في خفوت دون إحداث ضجة كي لا توقظ والديها النائمين فالساعة قد اقتربت من منتصف الليل وهما ينامان بعد صلاه العشاء.
ما إن أكملت التنظيف حتى خطر ببالها أن تعد بعض الشاي لها ولشقيقيها فقد فكرت أنهما مشغولان بعمل ما؛ لذا كنوع من رد الجميل وتقوية الرابطة الأخوية بين ثلاثتهم قررت أن تعد شايا أخضر بالنعناع مع الكعكة
خلال انسجامها في عملها لم تلاحظ شقيقها الأصغر الذي يقف منذ دقيقتين ينظر لها بحيرة، فهو يشعر وكأنه مخدوع بما حوله إثر التغير المفاجئ لشقيقيه
_ ماذا تفعلين؟ (سألها باهتمام)
التفتت له مفزوعة:
_منذ متى وأنت هنا؟
ضيق عينيه مفكرا:
_ ثلاث دقائق ربما
_ لم أنتبه (ابتسمت وهي تضع الشاي في الفناجين) كما ترى أعد بعض الشاي لثلاثتنا.
رفع حاجبه باستنكار واقترب منها بخطوات سريعة واضعا كفه على جبينها متحسسا حرارتها قائلا بقلق:
_ هل أنت مريضة؟ أراك تهذين قليلا!
أبعدت يده بتذمر قائلة بنبرة مؤنبة وملامح عبوسة:
_ أنا بخير، هل لأني أريد أن أتغير أبدو كمن تهذي لشدة الحمى؟
ضحك بخفة متراجعا عن كلماته:
_ كلا، كلا، فقط تعجبت!
قبل أن تعلق دخل شاهين وهو يحمل الكعكة وبعض التسليات،
أردف تيام مازحا وهو يقلب عينيه بين الشاي وبين الكعكة والتسليات:
_ هل تخططان من ورائي؟
لم يجبه شقيقه واكتفى بوضع الأغراض قرب فناجين الشاي ثم وجّه كلماته لأخته مغادرا:
_أحضري لي حصتي عندما تنتهين (غادر)
عبست وشعرت أن كل ما خططت له صعب المنال بل قد يصل إلى المستحيل
«تقوى»
كل ما أردته أن نتصرف كأشقاء، أن نجلس معا، نتسامر، نتناقش، أن نكون أقرب، لكن يبدو أنني لم أفهم بعد أن هذا غير ممكن
....
اقترب منها شقيقها وربت على كتفيها بكلتا يديه قائلا بثقة مطمئنا لها:
_قطعي الكعكة ورتبي الأشياء كما تحبين، ودعي أمر ذلك البارد لي (أنهى كلامه بابتسامة واثقة)
نبست بضيق:
_ ما دام لا يريد فلا تضغط عليه.
رمقها بازدراء وغادر ليتحدث مع شقيقه
ابتسمت بتلقائية عندما علمت أنه لن يغير رأيه، وسيفعل أي شيء ليسعدها لذا رتبت كل شيء على طاولة الكعك، والشاي، والمكسرات والمقرمشات، ثم أخذت هاتفها والتقطت بعض الصور للذكرى.
عند الآخرَين
دخل تيام لغرفة شاهين بعد أن أذن له وأردف بتأنيب:
_ ماذا ستخسر إن جبرت خاطرها ولبيت رغبتها؟
_ما الذي تتحدث عنه؟ أتريد مني شيئا غير الكعك؟
ضرب الآخر رأسه في الحائط قائلا بيأس:
_ تتصرف كالأخرق أحيانا.
_ زِن كلماتك تيام! (علق بحدة)
ابتسم:
_آسف آسف (تابع ممازحا) سيدي ننتظرك في غرفة الطعام.
_ ألم أخبرها أن تحضر الكعك لي هنا؟
زفر الآخر بضيق ونفاد صبر:
_ إنها تريدك معنا أتفهم؟ (أنهى كلماته بنبرة غاضبة)
تعجب الآخر ولم يتمكن من إخفاء تفاجئه من انفعال شقيقه:
_لم الغضب تيام؟ (أردف مستنكرا)
_ لست غاضبا! (كان التناقض جليا في كلماته ونبرة صوته)
ابتسم شاهين وتقدم نحو شقيقه:
_لا تغضب (تجاوز باب الغرفة ثم هم بالنزول من الدرج) هيا تعال، مالك واقف هكذا؟ الأميرة تنتظر (أنهى كلماته بسخرية)
تنهد تيام محدثا نفسه:
_لا أفهم هذه العائلة حقا
توجها نحو شقيقتهما، كانت تجلس على أحد الكراسي، أمام الطاولة شاردة الذهن.
استغرب شاهين عندما لمح الهاتف بعيدا عنها وسأل:
_ما دمت وحدك لم لا تستخدمين الهاتف؟
أجابته باستغراب:
_ ألم تقل أن علي تسليمه لك عند منتصف الليل؟
أوما بتعجب ثم جلس مقابلها وكذلك فعل تيام الذي سألها باهتمام وهو يتذوق الكعكة:
_كيف كان يومك الأول في حلقة التحفيظ؟
أجابت مبتسمة وقد كان الحماس واضحا في صوتها:
_عندما أخبرت المعلمة أنني أنهيت جزء الذاريات ومعه سورة ق تفاجأت وأيضا قالت أن تجويدي ممتاز!
_أحسنتِ! (علق بفخر)
كان شاهين يستمع لهما بصمت مع بعض التفاجؤ من أخته التي لم يرها بهذه العفوية في حديثها من قبل، ربما غار قليلا من تيام لقربه منها... ربما!
تغيرت تعابير وجهه عندما ارتشف رشفة من كوب الشاي وقال بعبوس وهو يعيد الفنجان لمكانه:
_ ماذا وضعت في الشاي بدل السكر؟
نظرا له باستغراب وارتشفا قليلا ليقولا معا:
_مالح!
ضحك الشابان في حين احمرت خجلا متمتمة:
_ حرقت الكعكة ثم وضعت الملح في الشاي يا إلهي!
واساها شقيقها الأصغر مبتسما:
_ عندما قدت السيارة لأول مره ضربتها في حائط جارنا حاتم.
شاركهما شاهين بتلقائيى وهو يتذكر أحد المواقف القديمة:
_ أما أنا عندما كنت في المرحلة الثانوية سألنا الأستاذ من منا يعرف القيادة، فرفعت يدي -من باب التفاخر- فطلب مني تحريكها للجهة المقابلة لأنه مشغول، ولأنني مبتدئ في ذلك خفت أن أسبب ضررا للسيارة فعندما أردت نزع المفتاح من مكانه أبى لذا نزعته بقوة فكسر (قال بتضجر) والآن كلما التقينا يناديني ملك القيادة (أنهى كلامه بسخرية)
علق تيام ضاحكا:
_جميعنا أخطانا في تجاربنا الأولى.
بعد كلماته حلت غمامة ألقت بمطر الصمت عليهم لدقائق قبل أن تقول تقوى بتردد وكأنها تقتنص فرصة للحديث عن هذا:
_شقيق صديقتي رزق بفتاة، سيقيمون حفلة ترحيبية بها فدعتني صديقتي للحضور (توترت) أسيوافق أبي إن أخبرته أم يجب أن أنسى الأمر؟
أجابها شاهين بنبر باردة لكنها لم تخلو من بعض اللين والاهتمام فيها:
_ ما اسم عائلة صديقتك؟
_إنها ***(أجابت بعد تفكير)
لم يستطع إخفاء دهشته وهو يسأل أخته:
_ لديها شقيق اسمه مازن؟
أومأت مستغربة:
_ نعم، إنه والد الطفلة، أتعرفه؟
أجابها بعد أن عاد لطبيعته الهادئة:
_لا أعرفه هو، بل والده.
سألته بعفوية:
_ تعرف والد جمان؟
_نعم، إنه شيخي في المسجد.
علقت بسعادة:
_إذا لن يمانع أبي؟
_ لا أظن أن هناك ما يجعله يمانع.
_رائع!
لم يفهم شاهين سبب سعادتها الغامرة لكنه لم يهتم على عكس شقيقه تيام الذي أسر في نفسه:«رؤيتها وقد عادت لها طاقتها تشعرني بالارتياح، إنها المرة الأولى التي يمر بها اليوم دون أن أرى الحزن قابعا في عينيها، لا شيء يسعدني أكثر من رؤيتها فرحة يكسوها الحبور».
من جهة أخرى...
كان مصعب قد عاد لتوه من العمل واشترى في طريقه بعض الحلويات والعصير.
جلس في غرفة الجلوس يراجع محفوظه حتى سمع طرقا على الباب فعلم أنهما صديقاه.
فتح لهما مرحبا بوجه بشوش وبينما هم ذاهبون لغرفة الجلوس قال برهان وعيناه تجوبان المكان:
_إنها المرة الأولى التي أدخل منزلك
_وأنا (وافقه حيدر)
ابتسم مصعب معلقا:
_ ليس فخما ولا راقيا كمنزليكما
_ أغلق فاهك! (تحدث حيدر بعد أن استفزه استنقاص صديقه من نفسه)
وكزه بُرهان وألقى عليه بنظرة حادة ثم قال متأملا المكان بعد أن جلسوا في غرفة الجلوس:
_ من الجميل أن تملك بيتا خاصا بك وحدك.
قصد المواساة بكلماته لذا لم يرد مصعب إفساد الجوي وفتح صفحة كئيبة عنوانها الوحدة؛ لذلك التزم الصمت في بادئ الأمر ثم قال مغيرا مجرى الحديث:
_ هل أنتما مستعدان لأول حلقة قرانية؟
أوما كلاهما ثم سأله حيدر:
_هل الحفظ صعب؟
نفى الآخر مبتسما:
_كلا، يحتاج مداومة فقط، كما أنه يساعدنا في حياتنا اليومية.
_ كيف؟ (تساءلا معا)
_ إنها بركة القرآن، ستفهمان كلامي قريبا -إن شاء الله-
لم يهتما لذلك كثيرا لذا لم يلحا عليه ليخبرهما.
_لنبدأ، سأُقراكما الفاتحة ثم الناس حتى الكافرون اتفقنا؟
هزا رأسيهما ببعض الملل لكنه عاتبهما قائلا بحزم:
_اقرآ بنية خالصة لوجه الله وإلا فلا فائدة من ذلك!
أومأ كلاهما له مجددا لكن هذه المرة بانتباه حتى لا يغضباه، فتبسم وبدأ تدريسهما.
ـــــــــــــ
ادعموني بإعجاب💙
ـــــــــ
البروء