مواجهة

مواجهة

16 0

حاول بُرهان فتح حديث مع تيام إذ قال بهدوء مع ابتسامة صغيرة مر طيفها على شفتيه:

_منذ متى تعمل هنا؟

أجاب بهدوء وهو يرتب الكراسي والطاولات بانتظام:

_بالأمس بدأت.

ألقى بُرهان نظرة متفحصة للمكان فلم يجد أحد سواهما لذا سأل مستغربا:

_ألا يعمل أحد هنا؟

_اليوم لا أحد سوانا ومصعب، وغدا هناك اثنان غيرنا.

_هكذا إذا (سأل مجددا) لم لم يأت أي زبون بعد؟

أجابه بنفاذ صبر مشيرا إلى لافتة علقت في الباب من الخارج:

_ألم تقرأ «مغلق»  عندك دخولك؟

شعر ببعض الخجل عندما لاحظ التضايق على وجه الشاب الآخر، ليقول بهدوء:

_كلا، لم أره.

لحسن حظه دخل مصعب وقتها، كان يلهث بقوة حانيا ظهره وواضعا كفيه على ركبتيه يلتقط أنفاسه.

اقتربا منه والخوف تلبسهما ليقول برهان بنبرة لا يشوبها شيء كالقلق:

_ما بك مصعب؟

أجابه بابتسامة صغيرة وهو ينظم أنفاسه بعد أن جلس على الكرسي الذي أحضره تيام:

_أنا بخير، لا تقلق، تأخرت لظرف صغير فاضررت للإسراع والقدوم ركضا كي أقدم لكما المساعدة.

ابتسم تيام وربت على كتفه بهدوء:

_استرح يا أخي، لقد رتبت كل شيء بالفعل، تبقى فتح المطعم وتجهيز الوجبات.

_بارك الله فيك (تابع متسائلا)  ألم يأت المدير بعد؟

نفى كلاهما فاستطرد مفكرا:

_لعله مشغول.

سأل بُرهان باهتمام:

_إذا ما هي وظيفتي؟

_ساعد تيام في العصائر، ليهتم هو بأمر الوجبات فقط.

علق بحذر:

_وماذا ستفعل أنت؟

أجاب ضاحكا:

_سأكون النادل بالطبع (نظر لساعته وتابع بلهجة عملية)  علينا فتح المطعم بسرعة.

أومأ تيام وغير لافتة المكان ثم توجه صوب عمله.

قال برهان بدهشة محدثا صديقه وعيناه تجوبان المطعم الصغير:

_قبل أن ينضم لك تيام، أكنت تقوم بكل شيء وحدك؟

_كلا، كان معي ثلاث شباب، ولكن لقلة زبائننا تركوا العمل، بعد ذاك حاولت مع المدير التغطية على النقص لدينا حتى أتى تيام ثم أنت، لعل الله قد كتب لهذا المكان أن يستمر رغم كل الظروف.

أومأ الآخر متفهما فاستطرد مصعب بنشاط:

_هيا هيا، إلى العمل.

من جهة أخرى...

جلس نضال على الكرسي الخشبي في الحديقة، حيث وجد حيدر أمس، وشرع ينظر في وجوه المارة عله يراه فقد انتابه اليأس في أمر قدوم الشاب، لكنه سمع صوته من خلفه فالتفت بدهشة.

_السلام عليكم.

_وعليكم السلام، كدتُ أفقد الأمل من قدومك!

_المعذرة، اضررت لشراء بعض الأشياء لأمي.

ابتسم نضال بهدوء:

_لا عليك (تابع بلطف)  لم تخبرني باسمك.

تحدث بهدوء مادا يده ليصافحه:

_حيدر

صافحه بحرارة:

_تشرفت بلقائك!

ثم أشار له أن يجلس ففعل وباشر السؤال بنبرة هادئة مزجت ببعض البرود:

_إذا كيف ستساعدني؟

_الأمر قد يكون صعبا في البداية لكنك تملك العزيمة القوية صحيح؟

أجاب مترددا وقد بدأ يتخلى عن حذره في الحديث:

_ليس تماما، بالأمس صبرت حتى بعد منتصف الليل ولم أعد أحتمل فدخنت ثلاث لفافات في ساعة، وقبل قدومي دخنت واحدة...

أطلق نضال ضحكة صغيرة ضايقت حيدر لذا فسر سببها بهدوء مع ابتسامة حافظ عليها:

_تذكرني بنفسي يا حيدر، عندما حاولت ترك التدخين انتابتني نوبة من العصبية الشديدة كسرت فيها بعض أغراض المنزل من تحف وأثاث حتى طردني أبي يومها!

نظر له مصدوما فتابع ضاحكا:

_عدت في اليوم التالي لأجد أن أمي قد خبأت كل الأشياء القابلة للكسر.

صمت قليلا واسترسل بنبرة هادئة وأكثر اتزانا ورزانة:

_ليس بالضرورة أن يحدث معك مثل ما حدث معي، كما أنني كنت مدمنا بشدة ولسنوات طوال، أي ضعف مدتك.

تحدث حيدر بذهول:

_وكيف تركته؟

_بالتوقف المفاجئ، مدته أقصر لكن أعراضه الجانبية أقوى.

واصل شارحا بعد أن لمح اهتمام الآخر:

_عندما تتوقف عن التدخين فجأة فإنك ستصاب بأعراض جانبية شديدة، كرغبة ملحة في التدخين، والعصبية المفرطة، بالإضافة لأعراض أخرى كالصداع وفقدان الوعي والأرق... إلخ.¹

لكنها مع ذلك لا تستمر لمدة طويلة على العكس عندما تتركه بالتدريج، صحيح أن الألم أقل وطأة عليك لك  سيستمر طويلا لأن عقلك اعتاد على جرعات متباعدة من النيكوتين لذا سيأخذ وقته ليعتاد عدم الحصول على ما يريد.

_تبدو مطلعا على الأمر عن كثب.

أومأ فسأله باهتمام:

_ماذا تفعل عندما تغضب؟

ضحك معلقا:

_هل ستصدقني إن أجبتك؟

_لم لا؟

_لأنك قد ترى ذلك غريبا.

_كلا، أخبرني.

_باختصار، كنت كلما انتابني الغضب عددت للعشرة ثم حفظت آية من كتاب الله حتى ختمت القرآن في عامين.

لم يستطع حيدر منع نفسه من التعليق بنبرته التهكمية:

_يبدو أنك سريع الغضب بطبعك!

_لا يمكنني نكران هذا.

ابتسم حيدر بهدوء:

_من الرائع تمكنك من حفظ القرآن كاملا في فترة قصيرة كهذه، ما شاء الله!

_ليس صعبا لمن يداوم عليه.

_تتحدث مثله.

أمال برأسه متسائلا:

_من هو؟

ابتسم:

_صديقي.

استطرد بجدية وثقة:

_سأجرب تركه وأتحمل الأعراض مهما بلغت شدتها!

وضع نضال يده على كتف الآخر قائلا بنبرة واثقة:

_أثق بقدرتك على ذلك، فأنت تملك العزيمة، لذا اطلب من الله الإعانة، وصدقني... لا شيء سيساعدك من التخلص من أي عادة سلبية في حياتك، كما يفعل القرب من الله.

اكتفى حيدر بابتسامة وهز رأسه موافقا على كلمات الشاب دون النطق بكلمة، ثم استأذن وغادر بعد أن تبادلا رقميهما واتفقا على تكرر لقاءاتهما.

عند وصوله للمنزل، سلم على والدته مقبلا جبينها ثم أردف بنبرة مازحا:

_أماه، خبئي كل ما يُحتمل كسره.

_لم؟

ضحك مجيبا:

_عزمت على ترك التدخين، وسمعت أن لذلك ثمنا ومنه الغضب فأخشى أن أكسر ما لديك من أثاث.

ابتسمت والدته بسعادة وضمته لصدرها ولسانها ما بين حمد على عطاء الله ودعاء لابنها بالهداية والثبات.

من جهة أخرى...

ليلا، في غرفة شاهين.

كان يجلس على كرسي مكتبه الرمادي في حين جلس تيام وتقوى على حافة السرير قبالته وكأنهم في اجتماع ما، ليقول الأخ الأكبر بنبرته الهادئة ملقيا الخبر على مسامعهم:

_تخرجي بعد أسبوع.

استرسل بذات النبرة عندما لاحظ انتباههما معه:

_أحتاج مساعدتكما.

ذهلت تقوى فالأمر بالنسبة لها غريب، في حين ابتسم شقيقها الأصغر بهدوء سائلا باهتمام:

_فيم؟

أجاب:

_التجهيزات، تعلمان أنها أول مناسبة في منزلنا منذ ولادتك تيام، أيضا... عندما حدثت أمي قالت أنها تنوي دعوة جميع صديقاتها... وأنا كذلك سأدعو بعص أصدقاء الجامعة والعمل.

سأله تيام بعفوية مشيرا لنفسه ولأخته:

_ونحن؟ هل يمكننا دعوة أصدقائنا كذلك؟

أجابه بنبرة ساخرة مستفسرة:

_لم تسألني؟

رد تيام بنبرة شقيقه نفسها:

_لأنه تخرجك؟

أخرج نفسا صغيرا وقال بنبرته المعهودة:

_يمكنكما طبعا.

أنهى كلماته ليتجه بصره نحو تقوى التي تستمع بصمت لكنها سعدت في قرارة نفسها:

_لم لا تشاريكننا الحديث؟

توترت وهي تجيبه:

_لا أعلم ماذا أقول.

رمقها بسخرية في حين علق تيام بنبرة ودودة:

_ألديك اقتراحات للتنظيم مثلا؟

حدقت في السقف مفكرة وأخذت تجيبه بهدوء وعيناها لا تتزعزان عن سقف الغرفة وكأنها تتخيل ما تقوله:

_لست متأكدة إن أعجبكما الأمر ولكن من الممكن أن تكون الحفلة ليلا، الذكور خارجا في الحديقة الأمامية يجلسون على طاولات بأربع كراسي، وأسراب الضوء تتعلق بالسور الداخلي وتتدلى من الأشجار في منظر بديع!

أضواء خافتة مع أحاديث طويلة وتهنئات، حلويات وعصائر طازجة، إنها أشبه بحفلات الخيال!

استفاقت من شرودها ونظرت لهما وقد توردت وجنتاها خجلا عندما لاحظت التعجب على وجه شاهين بسبب كلماتها العفوية والانسيابية التي لم يشهدها من قبل، في حين بعثر تيام شعرها بفخر، فقد كان يعاملها كأخته الصغرى ليس وكأنها تكبره بعام كامل.

سألها شاهين مستفسرا وقد أعجبته الفكرة:

_ماذا عن النساء؟ ما التنظيمات التي ستكون لهن؟

أجابت بعفوية وقد تخيلت كل شيء:

_سيكُنّ في الداخل، سنعلق البالونات وبعض الزينة بدل أسراب الضوء التي في الخارج، ولن نحتاج لطاولات فصديقات أمي لسن كثيرات، وأنا لن أدعو غير صديقتيّ  جمان وأريام.

علق بشك بعد أن وضع في مخيلته كل ما قالته شقيقته:

_هل يمكننا تنظيم كل هذا قبل التخرج؟

أجاب تيام بثقة:

_بإذن الله، نعم، بلا شك، فالحلويات سنشتريهم بدل صنعهم في المنزل كي نختصر الوقت، أما التجهيزات الأخرى فستكون صباح يوم التخرج.

وقفت تقوى مستأذنة بعد أن وضعت هاتفها قرب شاهين:

_عن إذنكما، تصبحان على خير (غادرت)

قال تيام مبتسما:

_لا بد أن قلبها يرفرف فرحا الآن

رمقه الآخر بطرف عينيه وسألها متهكما:

_لا تقل أن ذلك لأنني أخذت برأيها؟

ضحك مجيبا:

_نعم، لهذا السبب.

_فتاة غريبة!

_بل أنت لا تفهمها.

سكت لبرهة وتابع بنبرة جدية على عكس عادته المرحة:

_على كل حال، لدي حديث أريد مشاركته معك.

نظر له بهدوء فاسترسل متذمرا:

_لكن عدني ألا تتصرف بحماقة، حسنا؟

ألقى عليه بنظرة حادة معلقا ببرود:

_ألا تستطيع وزن كلماتك تيام؟

قهقه مجيبا:

_آسف

زفر شاهين بضيق:

_اختصر وقل ما لديك.

تحدث الآخر بهدوء:

_حسنا، الأمر يخص تقوى بطريقة ما، فعندما أخذتها يومها لذاك الحفل الذي دعتها إليه صديقتها، القتيت بصديق لي هناك صدفة، ثم عرفني على صديقيه، وكان أحدهما...

صمت لولهة وكأنه يخشى متابعة جملته فقال شاهين ببرود:

_بُرهان بسام، الفتى الذي كانت تحادثه هي صحيح؟

صدمة قوية تلبست ملامح تيام وهو يسأله بقلق لم يفلح في إخفائه:

_كيف عرفت؟ (تابع متذكرا أن شاهين من أعادها من الحفل)  هل التقيته يومها؟

أجابه بنبرة لا تقل برودا عن سابقتها:

_كلا، لمحته واقفا يحدث مازن عندما ذهبت لإعادة تقوى.

سأله بتوجس:

_ألم تغضب؟

حدق فيه باستغراب:

_لم قد أفعل؟ ليس وكأنها ذهبت له هو!

تابع متهكما:

_ثم أنني لم أعد أهتم، لم تعد تقوى صغيرة لا تفقه الحلال من الحرام

_هل ستفقد ثقتك بها مجددا؟

أجاب بهدوء وقد أشاح بنظره بعيدا وعلى وجهه طيف ابتسامة صغيرة قد لا ترى بوضوح:

_مضى على تلك الحادثة أربع سنوات كاملة، لا أظن تقوى قد تتذكره أساسا.

استرسل بهدوء عندما لاحظ شرود شقيقه الأصغر:

_يبدو أنك لم تتحدث معها في الأمر.

_لم أستطع

علق متهكما:

_وترى نفسك قريبا منها؟ إن كان الأمر بهمك حقا فواجهها ولا تخف جرح مشاعرها، هذا أفضل من أن تتلاشى ثقتك بها.

انفعل تيام قائلا:

_يستحيل أن أفقد ثقتي بها!

ابتسم شاهين بهدوء ولم يعلق، في حين غادر أخوه الأصغر متضايقا من جملته الأخيرة «هذا أفضل من أن تتلاشى ثقتك بها»

استلقى شاهين على مضجعه مفكرا في حمق الكذبة التي كذبها، فقد كان يعلم أن شقيقه سيعرف الحقيقة عندما يواجه تقوى وتخبره أن لا أحد كان بالجوار عندما أتى شاهين لأخذها، لكنه بالطبع لن يقول أنه بحث عن العائلة التي تزوج منها مازن وسأل عنهم ليكتشف أنها عائلة برهان الذي كانت تحادثه شقيقته.

أخذ يستغفر ربه لكذبه على تيام حتى أخذ النعاس منه كل مأخذ.

أما عند تيام...

فقد أرهقه التفكير فيما يحدث، لم يعد يفهم أيا مما يجري حوله، هل حقا بدأت تتلاشى ثقته بأخته؟  وهل كانت تقوى تكذب بشأن الدعوة فقط لترى برهان؟ ماذا عن شاهين؟ أكان صادقا في كلماته حقا؟ ورؤيته لبرهان ولم يغضب؟

بدا كل شيء قابلا للشك عنده، شعر وكأن الجميع يخفون عنه أسرار جما.

في غرفة تقوى...

جلست على مقعدها أمام المكتب تراجع سورة «محمد» التي ستسردها غدا، وما إن انتهت حتى باشرت بدارسة مقرراتها لأول امتحان الذي لم يتبقى على قدومه سوى بضع أيام.

شعور الراحة الذي يكتنفها لا يمكن وصفه ببضع كلمات، وأراهن أن البلاغة وحدها عاجزة عن وصف مشاعر هذه الفتاة التي ترى كم أن الله يسعدها، كم هيأ لها من سبل الفرح، كم أعاد لها من الاطمئنان في روحها... حتى أنها ما عادت تتذكر برهان كثيرا في أفكارها، ليس نسيانا، بل لأنها سلمت جل أمرها للذي بيده مقادير كل شيء.

في أيام قلال فقط شعرت بعظمة هذا الدين، بالسكينة التي يمنحها لمن يسير في دربه.

ربما شعرت أخيرا بالانتماء الذي حدثها عنه تيام ذات مرة.

✿✿✿

تسللت أشعة الشمس الذهبية معلنة بدء يوم جديد...

لم تنم تقوى بعد صلاة الفجر، بل راجعت محفوظها للمرة الأخيرة ثم أخذت ورقة وقلم وجلست عل سريرها تخطط لحفل تخرج شقيقها الأكبر.

لم تكن واثقة تماما من أنه سيلقي نظرة-ولو عابرة- على ما خططت له لكن الأمل الذي بات يرافقها ما يفتأ أن يطمئنها أن كل شيء سيكون بخير.

نظرت لساعتها لتجد أن وقت الجامعة قد حان، ارتدت حجابها وجهزت نفسها ثم نظرت في المرآة لترى انعكاس صورتها، حينها أتتها فكرة لم تتوقع أن تطرأ على يالها يوما، وهي أن ترتدي النقاب!

ابتسمت لفكرتها وغادرت الغرفة دون أن تضع الأمر بجدية داخل عقلها.

التقت بتيام وهو يهم بالنزول من السلالم، فسلمت عليه وسألته بنشاط قد بات مألوفا عنها في الفترة الأخيرة:

_أنت من سيوصلني؟

نفى مبتسما وهو يجيبها بينما يسيران نحو الباب الرئيسي للمنزل، ليتجاوزاه ويتوجها نحو السيارة:

_كلا، سيوصلنا شاهين، فلديه ما يقوم به لذا سيحتاج السيارة.

أومأت متفهمة ثم مازحته قائلة:

_ألا تنوي شراء سيارتك الخاصة؟

أجابها ضاحكا بعد أن قرص خدها:

_سأقبلها كهدية من أختي العزيزة.

رمقته بسخرية:

_من يسمعك يظنني أملك خزائن عزيز مصر!

سألها باهتمام متجالها الحديث الأول:

_هل قرأتِ قصة نبي الله يوسف؟

_كلا، قرأت هذه الجملة على الانترنت لتعبيرها عن الغنى.

استرسلت بابتسامة وهي تصعد السيارة:

_ما رأيك أن تقصها علي بعد عملك؟

ضيق عينيه بشك:

_هل يمكنك انتظاري حتى منتصف الليل؟

هزت كتفيها ببساطة:

_لم لا؟

عند حيدر

فتح عينيه بتعب وصعوبة لشدة ثقل رأسه إثر الصداع الذي ألم به، كما ظهرت الهالات السوداء جليا تحت عينيه لأنه لم ينم سوى ساعتين فقط وربما أقل.

وقف يجر قدميه خلفه ببطء وهو يقاوم رغبته في وضع لفافة تبغ بين شفتيه لكنه تذكر كلمات نضال بأن عليه الصبر فتحامل على نفسه ليتوضأ ثم يحفظ آية من المصحف فشعر ببعض الراحة.

بدل ملابسه وخرج نحو المطبخ ليجد والدته هناك فقبل رأسها بصمت وكأن بركانا خامدا سينفجر مع أول كلمة تخرج من بين شفتيه.

حدقت فيه بقلق وسألته بعد أن لاحظت الإرهاق الشديد الذي اتخذ من وجهه موطنا:

_هل أنت بخير يا بني؟

_نعم أمي «أجاب بهدوء»

التزمت الصمت بعد إجابته فقد حدثها أمس عن كل الحديث الذي دار بينه وبين نضال حول التوقف المفاجئ عن التدخين وقوة مضاعفاته.

مدت له قطعة خبز دهنت بمربى البرتقال مع عصير طبيعي من صنع يديها لمعرفتها بحبه الشديد العصائر الطبيعية.

أخذهما منها شاكرا بابتسامة صغيرة ثم ودعها ليخرج متجها للجامعة.

زحام الطريق وصوت مزامير السيارات الغاضبة لتأخرها، صوت الباعة الصاخب، حتى أصوات الحيوانات بدت مزعجة وعالية جدا بالنسبة له، فهي تزيد من صداع رأسه الذي لا يطاق.

وصل أخيرا للجامعة فوجد صديقيه يجلسان على إحدى الكراسي في الساحة الواسعة.

اقترب منهما وسلم عليهما فردا السلام ثم علقا معا بنبرة تجمع بين الدهشة والقلق بسبب ملامحه وجهه التي أوضحت ضيق مزاجه:

_ماذا أصابك حيدر؟

أجاب بابتسامة ساخرة:

_مضاعفات ترك التدخين.

شهق برهان قائلا بنبرة ترفض تصديق ما وصل مسامعه:

_أكنت جادا في حديثك؟

ثقبه بنظرة حادة ولم يجبه ثم صوب نظره نحو مصعب قائلا بهدوء:

_هل يمكنني زيادة كمية السرد؟

أجابه بهدوء وحذر:

_بالطبع، هذا يعتمد على مقدرتك في الحفظ.

أنهى كلامه بابتسامة صغيرة فأومأ حيدر متفهما ثم أطبق صمت ثقيل على ثلاثتهم قبل أن يغادر كل منهم نحو محاضرته.

نهاية الدوام في كلية الفتيات...

خرجت تقوى وجمان من آخر محاضرة لهما لليوم لتلتقيا بأريام التي انتهت منذ مدة لكنها لم تعد للمنزل لأن تقوى أخبرتهما أن لديها ما تقوله لهما.

فلما اجتمع ثلاثتهن قالت جمان بحماسها المعتاد فسرعة التخطي لديها -كما تقول تقوى- تجعلك تدعو بالحصول على مثلها:

_إذا ما الأمر تقوى؟

أجابتها بنبرة لا تقل عن حماسها وعيناها تراقبان السيارات المارة علها تلمح سيارة شقيقها:

_تخرج أخي الأكبر بعد أيام، وأنتما مدعوتان للحضور طبعا.

ابتسمت أريام بهدوء:

_مبارك له.

لتقول جمان مثلها ثم تضيف بعد ذلك مؤكدة:

_بالطبع سنحضر.

استرسلت بسعادة:

_إنها المرة الأولى التي سنذهب لمنزلك، أكاد أحترق حماسة!

ضحكتا بخفة لتقول تقوى ممازحة:

_أجلي حماسك للحفل سيدتي.

نظرتا لها بترقب فقالت بثقة:

_سأكون المسؤولة عن تنسيق كل شيء، ستتفاجآن بذوق صديقتكما المذهل.

ضحكت جمان معلقة:

_متحمسة جدا!

اكتستها حمرة خفيفة بسبب بعض الخجل الذي تسلل لها:

_إنها المناسبة الأولى في بيتنا منذ وقت طويل.

عند منتصف الليل، جلست تقوى بانتظار عودة شقيقها فقد وعدها أن يحدثها عن قصة نبي الله يوسف، كانت متشوقة لذلك جدا لدرجة أنها عندما سمعت صوت خطوات وقفت لشدة حماسها، فابتسم عندما رآها لا زالت مستيقظة تنتظره في الصالة.

سلم عليها ثم جلس على الأريكة مريحا بجسده عليها  فسألته شقيقته باهتمام:

_كيف كان العمل؟

_الحمد لله، ازداد عدد الزبائن قليلا.

تابع مستغربا:

_لم لم تنامي بعد؟

رمقته بتذمر وأجابت معاتبة:

_لقد وعدتني بقص قصة نبي الله يوسف عليه السلام.

ضرب جبينه متذكرا:

_نسيت الأمر، حسنا، سأحدثك باختصار اتفقنا؟

_لم الاختصار؟

أجاب بهدوء:

_لدي حديث آخر أريدك فيه، وقد تأخر الوقت كما ترين، وأيضا إن لم أخبرك اليوم فستمضي ليلة أخرى طويلة لشدة الأفكار المتزاحمة في عقلي.

أمالت برأسها قليلا وأخذت تحدق فيه باستغراب ولكن سرعان ما ابتسمت وأومأت بتفهم ليبدأ هو بقص عليها ما جرى مع يوسف عليه السلام:

_في بادئ القصة كان نبي الله يعقوب يحب ابنه يوسف حبا جما، وكان يفضله على إخوته.

قاطعته بنبرة فضولية:

_نبي الله يعقوب أبو يوسف عليه السلام؟  نبي أب نبي؟

أجاب مبتسما:

_نعم، ونبي الله يعقوب ابن إسحاق عليه السلام، وإسحاق ابن خليل الله إبراهيم عليه السلام، وإبراهيم هو عم نبي الله لوط.

ذهلت من المعلومة الجديدة التي أضيفت لصندوق معلوماتها الصغير، في حين عاد هو لسرد القصة:

_كان إخوة يوسف يغارون منه لتفضيل أباهم إياه عليهم فكادوا له كيدا وأخذوه معهم بحجة تركه يلعب ثم ألقوه في البئر.

شهقت من الصدمة وقد تجمعت الدموع في عينيها تأثرا:

_كيف مكنتهم قلوبهم من ذلك؟

تابعت بقلق جلي على وجهها وكأن القصة قد حدث في هذا الوقت لأحد تعرفه حق المعرفة:

_وماذا حدث له بعد ذلك؟

_أخذوا قميصه بعد أن لطخوه بدم كذب ليس بدم نبي الله يوسف، ثم أعطوه لوالدهم وهم يتباكون قائلين أن الذئب قد أكله.

تابع بهدوء:

_أما عند يوسف فقد كان داخل البئر فمرت قافلة وقام أحد رجالها برمي دلو داخل البئر بغية الحصول على الماء لكن الله كتب ليوسف التمسك بذلك الدلو... بعد ذلك قامت تلك القافلة ببيعه بأبخس الأثمان زهدا فيه فاشتراه عزيز مصر.

لاحظ اهتمامها وتركيزها معه فاسترسل:

_كبر يوسف عليه السلام وكان به من جمال الخلق نصفه، فراودته امرأة العزيز عن نفسه فاستعصم واختار رضى الله، ولأنها زوجة عزيز مصر أمرت بزجه للسجن.

_هذا ظلم!

_دعيني أكمل يا تقوى، لكل شيء حكمة.

أومأت فتابع:

_دخل السجن وكان فيه فتيان، فقصا عليه رؤياهما وقد أكرمه الله بتأويل الأحلام ففسرها لهما، ثم بعد ذلك خرج أحد الرجلين من السجن وكان الملك وقتها قد رأى رؤية عجز الكهنة والسحرة عن تأويلها وقالوا ما هي إلا أضغاث أحلام، فأخبر الذي نجى من السجن الملكَ بأمر يوسف فأحضروا نبي الله وفسر رؤية الملك.

ثم جبر الله قلبه بأن جعله أمين خزائن مصر.

ابتسم بلطلف وهو ينظر لساعته:

_للقصة بقية، يمكنك البحث عنها.

كاد يغادر لكنها استوقفته بسؤالها:

_ماذا عن الحديث الآخر؟

توتر قليلا فقد نسيه تماما:

_هل يمكننا تأجيله للغد؟  أشعر ببعض الإرهاق.

نظرت له بشك وقالت بحزم:

_كلا، أخبرني الآن!

تنهد مستسلما ثم جلس مجددا وأردف بارتباك:

_بخصوص برهان.

رفعت حاجباها بدهشة لعدم توقعها جملته:

_ما به؟

تردد قليلا قبل أن يجيبها:

_عندما أوصلتك لتلك الحفلة كان هناك.

تسمرت مكانها وكأن الوقت توقف بعد كلماته، صدمت لدرجة انعقد لسانها فلم تكن تتوقع وجوده هناك أساسا، ثم عادت لوعيها عندما مر ببالها أن شقيقها قد ظن أن سبب ذهابها هو لقاؤه فانقبض قلبها لمجرد التفكير وانتظرت إكمال حديثه وعيناها مثبتتان في وجهه:

_حسنا... لا أنوي إساءة الظن بأكثر شخص أثق به في حياتي، ولكن فقط طمئني فؤادي وأجيبي على سؤالي «أكنت تعلمين بوجوده وقتها؟»

نفت بسرعة كمن دبت الكهرباء في أوصاله، فقد كان ظنها في محله، كما أنها الآن فهمت سؤاله يومها، فهمت لماذا سألها إن كانت تعرف شخصا غير جمان هناك.

تابع بهدوء:

_ألم تريه عندما أخذتك؟ أو عندما ذهب شاهين لإعادتك؟ ألم تريه واقفا مع مازن؟

أجابت بدهشة فقد فقدت قدرتها على الاستيعاب لوهلة:

_كلا، وأيضا... لم يكن هناك أحد عندما أتاني شاهين.

حدق فيها مصدوما مستدركا ما قاله شاهين وسأل نفسه «أكذب علي؟ لم؟»

أفاقه صوتها الهادئ المعاتب من شروده:

_أكنت تشك بي؟

آلمه سؤالها لكنه التزم الصمت كأنه يؤكد على كلماتها لذا تابعت بابتسامة حزينة:

_تيام، عليك أن تعلم جيدا أنني سلمت أمري لله، وهو أعلم بما فيه خير لي؛ ألم تخبرني بهذا سابقا؟

أجاب بخجل وقد بدأ ضميره ينهشه لسوء ظنه:

_بلى

مر شبح ابتسامة هادئة على شفتيها واكتفت بالصمت في حين ضمها إليه معربا عن ندمه:

_أعتذر لأنني أسأت الظن بك، آسف.

أبعدته بلطف وابتسمت هامسة:

_تعرف أنني بل أغضب منك تيام (تابعت بتذمر)  فقط لا تعدها.

ــــــــــــــــــــــــــــــ

ادعموني بإعجاب 💙

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

عندما تعود إليه

المؤلف البروء
2025/12/27 مكتملة
قائمة الفصول (12)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة