اللقاء

اللقاء

14 0

في الصباح...

طرق تيام على الباب وهو يقول معجّلًا وقد ارتدى بنطالا أسودا مع قميص أبيض رافعا كميه إلى المرفق:

_تقوى، سنتأخر عن الجامعة، أسرعي!

أجابته وهي تفتح الباب بابتسامة مشرقة:

_ها أنا ذي جاهزة.

تفقد حجابها وعباءتها السوداء بعينين حانيتين، وقد لاحظ رائحة عطر تنبعث من ملابسها، فقال معاتبًا بعد أن عبس وجهه الباسم:

_أوضعتِ عطرًا؟

نظرت له متعجبة من ردّة فعله ونبرته المعاتبة، ثم أردفت باستغراب وهي تشم ملابسها:

_أرائحته سيئة؟

نفى وهو يدفعها برفق نحو غرفتها مجددًا:

_ليست هذه المشكلة، بدّلي ثيابك بأخرى غير معطّرة، ثم سأخبرك في السيارة لماذا، حسنا؟

أومأت بغير رضا مقوسة شفتيها بسخط، ودخلت تبدّل ملابسها، في حين ذهب هو إلى السيارة وانتظرها هناك مفكرا في الطريقة التي سيشرح لها بها دون تنفيرها.

بعد ستة دقائق تقريبًا...

فتحت تقوى الباب وصعدت في مقعد الراكب الأمامي، وألقت السلام ثم ألقت كلماتها معتذرة عن تأخرها:

_آسفة على التأخير.

_لا بأس، المهم رضى الله.

رفعت حاجبها الأيمن في عدم فهم:

_هاه؟

_العطر... (علّق مختصرًا).

_ما باله؟ وما شأن العطر برضى الله أو سخطه؟

_القصة ليست في العطر ذاته، بل الخروج به.

ألقى بنظرة سريعة على وجهها فلاحظ اهتمامها وتركيز عينيها في وجهه دون أن يتلاشى استغرابها، فتابع قائلا:

_عندما ترشين عطرًا ويشمه رجل أجنبي عنك، تُكتبين عند الله زانية!

خرجت آخر كلماته بنبرة حادة تخللها بعض الحزن على بنات المسلمين اللاتي لا يهتممن بهذا الأمر... وأيضا حملت بعض الخوف والغيرة على أخته.

أعاد جمع كلماته المبعثرة وفسّر لها بهدوء حتى لا تفهم الدين على هواها ويقنعها الشيطان بأنه دين قيود وحرمان فتعود لانتكاستها:

_عندما تمرين جانب رجل غريب عنك فإن عطرك سيجذبه، لا شك في ذلك، وهذا يسبّب الفتنة، فإذا نظر لك فإنه زنا.

نظرت له بصدمة:

_النظر فقط زنا؟!

_دعيني أكمل حديثي، سأخبرك بحديث رسول الله -صلى الله عليه وسلم- مع شرحه لتفهمي كلماتي، حسنا؟

أومأت بهدوء، فتابع:

_يقول الرسول -صلى الله عليه وسلم- : «كل عين زانية، والمرأة إذا استعطرت فمرّت بالمجلس فهي كذا وكذا، أي زانية». رواه الترمذي.

وشرح الحديث:

«كل عين زانية»: أي إذا نظر الرجل إلى امرأة لا تحل له، وقيل: إن كان على شهوة فهو زنا العين، لقول الرسول  -صلى الله عليه وسلم- : «زنا العين النظر».

أما شرح الجزء الثاني:«والمرأة إذا استعطرت»: أي وضعت العطر عليها ثم خرجت من بيتها، «فمرّت بالمجلس»: أي الذي به رجال، «فهي كذا وكذا، يعني زانية»: أي متعرّضة للزنا، متسبّبة فيه.

حيث جعلت الرجال يشرفون للنظر المحرّم إليها، وهو زنا النظر، ولربما تطوّر الأمر إلى الزنا الحقيقي.

نظر لها بجدية واستطرد بنبرة لينة معاتبة:

_هل فهمتِ الآن؟ الله لا يحرّم أمرًا إلا لشدة ضرره على عبده.

كانت تنظر له بدهشة، ليس لنبرة صوته أو انفعاله -بعض الشيء-

ولكن لشيء واحد لم تفهمه حتى الآن؛ سؤال أخفته طويلًا ولم تره النور ليُجاب عليه قبل الآن؛  إذ سألته باهتمام وعيناها تتابعان وجهه:

_لمَ تربط كل شيء بالإسلام؟

أجابها ببساطة ولم يحتج للتفكير:

_لأني مسلم.

استطرد موضحًا:

_الإسلام هو أسلوب حياة، منهج يُتّبع، به نعيش قرب الله، نستشعر وجوده، نحيا قربه علّنا ننال رضاه ونفوز بالجنة.

أوقف السيارة أمام جامعتها ثم ابتسم مطبطبا على رأسها:

_عليك معرفة الله جيدًا.

أومأت له بهدوء ثم نزلت من السيارة بعد أن استأذنته وودّعته متمنية له التوفيق

.

•••

«تقوى»

توجهت نحو محاضرتي بنشاط على عكس العادة، أظن أن الأمر يرجع للأوضاع التي تحسّنت فقد حدث الكثير خلال الأمس، هاتف جديد، جلست مع شاهين وعرفت شيئا يخصه لقد كان مشاغبا في الثانوية!

تناولت الكعك مع شقيقيّ، وسجلني أبي في حلقة تحفيظ، حتى أنه كان فخورا بي مثل أمي!

ماذا سيحدث تاليا يا الله؟ أستبقى جميع أيامي هكذا؟ أرجو ذلك حقا...

ها هي جُمان تلوّح لي، تسبقني دائمًا في القدوم.

متحمّسة بأخبارها أنني سأحضر إلى الحفلة التي دعتني لها... لا بد أنها ستطير فرحا فهي المرة الأولى التي سنلتقي فيها خارج الجامعة.

اقتربت منها وسلمت عليها بحيوية جعلتها مصدومة -لا ألومها-

ضحكتُ عندما تحسّست حرارتي بوضع كفها على جبيني وسألتني بنبرة لا تخلو من القلق:

_هل أنتِ بخير؟ أتشعرين بمرض ما؟

أبعدتُ يدها بلطف وقلت عابسة:

_أنا بخير (نظرت لساعتي) بدأت المحاضرة بالفعل، لنذهب...

علقت على كلماتي بنبرة مازحة:

_ليست محاضرة الأستاذة منال!

رمقتها بنظرات مؤنبة وأمسكت يدها، ثم ولجنا المبنى مسرعتَي الخطى.

دخلنا القاعة بعد معاتبة قصيرة من الأستاذة فرح.

حسنًا، إنها المفضلة لدى قسمنا؛ إذ إن أسلوبها اللبق ولطافتها، وأيضًا صرامتها في بعض الأوقات، كانت بالنسبة لنا اهتمامًا صادقًا كأم ترعى بناتها.

جلست جانب جُمان في أعلى المدرجات لكوننا لم نجد مكانًا آخر فارغًا.

كانت المحاضرة هادئة دون فواصل من جُمان، فهي تعشق هذه المادة وأستاذتها كذلك، لذا لم تهمس لي بأحاديثها كما المعتاد.

أما أنا فقد كنت حقا شاردة في كثير من اللحظات، أفكر في المستقبل، لا أدري إن كان الأمر طبيعيا، لكن شعور السعادة هذا، والاطمئنان يقلقني أكثر مما يريحني، فكما يقال من اعتاد القلق ظن الطمأنينة كمين، ولكن... سأحاول أن أتفاءل، كل شيء سيكون بخير؛ هذا ما يخبرني به تيام دائما.

بعد المحاضرة:

التقينا بأريام، فتاة هادئة وذات حديث مريح، وهي في عامها الأول بعد العشرين، أي أنها تكبرنا بعام، فأنا وجُمان كلتانا في عامنا العشرين، في سنتنا الثانية في جامعة العلوم.

_كيف كان يومكما؟

أجابتها جُمان بحماس:

_إنه أفضل أيامي، بدأنا بمحاضرة الأستاذة فرح!

لاحظتُ ابتسامة رضا على وجهها، فالآستاذة فرح هي من أقارب أريام، ومن الجميل أن تسمع عنها ما يسر... نحن جميعا نحب أن نسمع المديح عن الأشخاص الذين نعرفها وإن كان بيننا وبينهم مشاكل -أحيانا- فمن الذي سيعجبه أن يسمع ذما عن شخص يعرفه أو تربطه به صلة الدم والنسب؟

هبّت نسمة لطيفة قطعت الصمت الذي التفّ خيطه حولنا لوهلة، ثم أردفت جُمان بنبرة لا تقل حماسًا عن سابقتها، ويبدو أنها تذكّرت شيئًا:

_صحيح! حفلة الحفيدة الأولى لعائلتنا ستكون نهاية الأسبوع، ستحضران أليس كذلك؟

نظراتها المتأملة جعلت من أريام تومئ لها بالموافقة فهي تعرف أن عائلتها لن تمانع لطيب سيرة عائلة جمان، لتنظر لي تلك المتحمسة بمثل نظراتها السابقة وعيناها تبرقان أملا، فخطر ببالي أن أمازحها قليلًا، لذا ارتديت قناع العبوس وأجبتها بنبرة حزن كاذب:

_في الحقيقة، رفض والدي عندما أخبرته.

لاحظتُ الانفعال في سؤالها الذي اندفعت به بتلقائية:

_لماذا؟ الرجال سيذهبون لمنزل عائلة زوجة أخي، ونحن سنكون داخل منزل أخي، لا يوجد اختلاط بيننا!

لم أستطع منع ضحكتي من الخروج إثر انفعالها العفوي، وعلقت:

_أمزح، أمزح، لم أتحدث مع أبي بعد، لكن عندما أخبرتُ أخي الأكبر أخبرني أن والدك هو شيخه في المسجد.

_حقًا؟

أومأت متابعة:

_نعم، وقال إن أبي لن يمانع.

ضربت كفيها ببعضهما حبورًا:

_مرحى! إذًا سأرسل لكم العنوان عندما أعود للمنزل، فهاتفي قد فرغت بطاريته ونسيت شحنه قبل قدومي.

في كلية الذكور... نهاية الدوام

_حسنًا، أراكما ليلًا، كما اتفقنا احفظا ما قرأناه جيدًا.

علّق حيدر على كلمات مصعب بملل لشدة إلحاح صديقه بذات الكلمات منذ أن رآهما:

_حاضر  حاضر، لقد حفظت السور فور أن عدت منك أساسًا؛ لذا توقف عن تذكرينا وكأننا مهملان!

نظر له برهان بشك:

_أشك في أنك حفظت حقا.

زفر مصعب بضيق:

_حتى في هذا تتشاجران؟

أجاب حيدر متهكمًا:

_لم تُصنَّف كل أحاديثنا كشجارات؟

سرح بخياله مفكرًا في إجابة فلم يجد، لذا التزم الصمت وقد ظهرت ابتسامة صغيرة على شفتيه.

ضرب برهان ظهريهما بخفة مغيرًا مجرى الحديث:

_في نهاية الأسبوع سنقيم حفلة ترحيب بماريّة، لا تحتاجان دعوة للحضور، فأنتما من العائلة.

علق مصعب مترددًا:

_سأحاول الحضور، لكن لدي عمل إضافي نهاية الأسبوع.

عاتبه برهان متضجرًا:

_يوم واحد لن يؤثر!

أكد عنه حيدر:

_صحيح. (استطرد مازحًا) لا تقلق، لا يوجد اختلاط.

وكزه مصعب معاتبًا:

_توقف عن هذا!

ضحك حيدر، في حين أردف برهان باهتمام وقد لمع في ذهنه تساؤل ما:

_مصعب، ألي بسؤال؟

_تفضل.

سأله بحذر:

_هل أنت سعيد في حياتك؟

تعجب الآخر من السؤال الذي طُرح فجأة، لكن سرعان ما أجاب مع ابتسامة هادئة على ثغره وأطلق لنفسه عنان التعبير بصدق:

_راضٍ. (نظرا له باهتمام) أمري مدبَّر منذ وُلدت، وكل أمر المسلم خير، فلم لا أكون سعيدًا؟ (نظر للأعلى مع شبح ابتسامة حزينة) حسنًا... تمر بي لحظات ضِيق لكنها تُفرَج بإذن الله!

اكتفى حيدر بالصمت، فكل ما يجيده هو التهكّم واستفزاز صديقيه، أما العاطفة فلا يعرف منها غير اسمها،  في حين تبسّم برهان مربتًا على كتف صديقه:

_اسمع يا مصعب، إن احتجت أي مساعدة فلا تتردد في إخبارنا... نحن عائلتك كما تعلم!

مساء عند برهان

كان مريحا بجسده على السرير مغمض العينين والسماعات في أذنيه يستمع لبعض الأغاني الحديثة ليغوص داخل أفكاره...

شرده بذهنه مفكرا في حياته وسأل نفسه «ما هدفي في هذا العالم؟ لم أعيش؟ ما الذي يجب أن أحققه؟ الحصول على المال؟ أموال أبي تكفيني طوال حياتي، العمل؟ لم أعمل وكل شيء عندي؟

إن كان كل ما حولي يسير كما أريد فماذا سأفعل أنا؟ الجلوس والمشاهده فقط؟ ألهذا خلقت؟

 (توقف عن التفكير للحظة متأملا تساؤله الأخير) 

صحيح لم خلقت مرتاحا أحصل على كل ما أريد؟ أهذا دائم أم أن شيئا ما ينتظرني؟»

اعتدل وجلس، فتح هاتفه وأغلق مشغل الأغاني، ثم فتح أحد المواقع الخاصة بالمقاطع القصيرة وأخذ يمرر بملل، فقد أزعجته الأفكار التي تراوده، وحدث نفسه قائلاً:

(ما دمت في نعيم فلِمَ أفتح أبواب الجحيم بأفكاري؟)

أكمل مشاهدة المقاطع القصيرة، التي كلها أغانٍ ومجون، حتى ضاق ذرعاً منها، فأغلقها، ثم خرج من غرفته ونزل إلى الطابق الأرضي.

كان منزله فاخراً، قصراً من الخارج وعالماً آخر من الداخل.

كان ذو طابقين: الطابق الأرضي به غرفة الضيافة الواسعة ذات جلسة عربية مرتفعة باللون الأبيض المائل للفضي، مع ستائر فضية اللون وسجاد أبيض ناعم. أما المطبخ فكان واسعاً، وقد فُصل بفاصل صغير مكوِّناً مكاناً للطهي، غلب اللون الرمادي على أثاثه. والقسم الثاني كان لتناول الطعام، حيث استقرت طاولة مستطيلة طويلة بثماني كراسٍ بترتيب: أربعة متقابلون، واثنان متقابلان.

كما بُنيت صالة جانبية لها بابان: الأول يفتح داخل المنزل، والثاني خارجه.

وآخر ما في الطابق هو الخلاء: الحمّام الخاص بالضيوف، ذو الأرضيات البيضاء ذات الخطوط الرمادية والنقش الرقيق.

دخل برهان إلى المطبخ، وعيناه تستقران على الرخامة قرب الغاز¹، فقد لمح صحناً مغطى بكيس بلاستيكي، تقدم نحوه فوجد به بعض قطع الكعك، غسل يديه وأخذ واحدة، ثم عاد لغرفته بعد أن أعاد الغطاء لمكانه.

عند حيدر...

كان يجلس في الصالة أمام جهاز التكييف، واضعاً المصحف أمامه يراجع حفظه.

انتابه الحماس لإتقان ما عليه، فكلمات برهان الساخرة زادت من تصميمه في الحفظ أكثر، ليثبت له أنه مخطئ... وأنه حقا يحفظ بجد ولا يعد الأمر مجرد إمضاء للوقت.

دخلت عليه والدته فابتسمت للمشهد الذي تراه، شعرت كأنها في حلم، فمن النادر أن تجد شاباً هذه الأيام مهتماً بحفظ القرآن... تحديدا ابنها حيدر الذي كانت ترى بعده عن الدين مهما نصحت.

عندما لاحظ وجودها أغلق المصحف ووضعه على الطاولة، ثم وقف وخطا نحوها مقبِّلاً جبينها كما اعتاد منذ صغره، لتبتسم بحنوٍّ وعيناها معلقتان في المصحف.

_ أرجو أن أراك حافظاً لكتاب الله قريباً.

ضيق عينيه ونظر لها لوهلة مستنكراً من دعائها، فهو يشك في قدرته على حفظ الربع، فكيف به كاملاً؟ يبدو أن حماسها فاق حماسه أضعافا!

استطردت داعية ربها:

_ أسألك يا مجيب الدعاء أن تجبر خاطر من علَّم ابني حرفاً من كتابك، كما جبر هو بخاطري.

تفاجأ من دعائها لكنه أسعده، وقد تذكر مصعب وما يعانيه من مشقات العيش فهو يعمل بجد ولا معين له.

سأل أمه علّها تملك جواباً يشبع فضوله:

_ أماه، لدي سؤال قد تملكين له جواباً.

_ تفضّل يا فلذة كبدي.

ابتسم لكلماتها وباح لها:

_أخبرتك سابقاً أن مصعب يتيم الأبوين، صحيح؟

أومأت بحزن، فتابع:

_ لكن ليس هذا فحسب، فهو يعيش وحده دون معين ولا أنيس... لذا أتساءل في نفسي أحياناً: إن مرض، من يعتني به؟ يعمل ويدرس ويذهب للمسجد ولا يشتكي، بل يدرّسني أنا وبرهان دون انزعاج!

زفر بضيق:

_ بيت القصيد، وسؤالي الشريد هو: لماذا، ورغم كل ظروفه، يزداد عبادةً لله وقرباً منه؟ ألم يفكر مثلاً أن الله لا يحبه، لذا كتب له كل هذه الظروف في حياته؟ وكل هذا الشقاء والتعب؟

عاتبته على كلماته التي غُلّفت بسوء الظن بالله، قائلة:

_كيف تقول هذا يا حيدر! اتقِ الله في كلماتك!

رمقها باستغراب من انفعالها، فتنهدت بحزن، تجيبه على سؤاله:

_يا بني، إن الله إذا أحب عبدا ابتلاه، فإذا صبر أجَرَه ثوابا، ولأن الله لا يرضيه إلا الخير، فإنه لا يبتلينا لكرهه لنا كما تظن، بل هو أعلم بنا منا، فالإنسان يا بني، عندما تضيق به الدنيا وتُغلق جميع الأبواب في وجهه، لن يجد غير باب الله مفتوحاً، ولن يجد أنيساً له ككلمات خالقه، الذي هو أدرى بحاله منه، وما بعد الصبر إلا الفرج.

استقرت كلماتها داخل فؤاده، أراحته إلى حدٍّ كبير، لا يدري: أهو لصدق الكلمات، أم لصدق صاحبها وقربه منه؟

في مكان آخر... عند تيام

كان متكئاً على سريره، يحملق في سقف غرفته مبتسماً، حتى سمع طرقاً على الباب، فأذن لصاحبه بالدخول، فإذا بتقوى، توأم روحه وأخته الكبرى، تلج للداخل.

نظر لها بحماس وهو يعدّل عوده ليجلس، ويشير لها أن تجلس قربه:

_تعالي، تعالي... لم نتحدث اليوم!

نظرت له مبتسمة بهدوء وجلست جانبه، فاستطرد يسألها باهتمام:

_كيف كان يومك؟ الجامعة؟ الخلوة؟

_ لا شيء جديداً في الجامعة، سوى أنني أخبرت جمان عن مقدرتي على الذهاب لحفلهم، لأن جدّ المولودة هو شيخ شاهين، وقد سعدت بذلك.

_ ماذا عن الخلوة؟

أجابت بحماس بدا جلياً في نبرة صوتها:

_ اختبرتني المعلّمة في كل محفوظي، وأعطتني "الحجرات".

_كاملة؟ (سأل متعجباً).

_ نعم، نعم!

حدّق فيها بشك، معلّقاً:

_ أراك متحمسةً للحفظ عكس السابق.

ابتسمت بهدوء وأفضت إليه بالسبب:

_ألم تخبرني أن أعرف الله؟ مذ بدأتُ أتقرّب من الله أكثر، تحسّنت حياتي وانشرح صدري.

تنهد وعلى شفتيه ابتسامة هادئة، فسألته معربة عن استغرابها:

_ما بالك تتنهد؟

ضحك مجيباً بخفة:

_تعرفين شعور القلق لفترة طويلة؟ ألن تطلقي تنهيدة راحةً عندما يزول؟

_ أقلق أنتَ؟ ممّ؟

بعثر شعرها مغيراً مجرى الحديث:

_دعك من هذا (عبس مازحاً)، لم تسأليني عن يومي!

أغمضت عينيها بقوة متذكرة ذلك، واندفعت قائلة:

_حدّثني عنه!

_حسناً، بعد الجامعة ذهبت للمسجد وسردت على شيخي سورة الإسراء.

صمت معلناً إتمام حديثه، فضيّقت عينيها بتذمّر:

ـ حدّثني مفصلاً لا موجزاً!

ـ حاضر، أمرك! (ضحك)  عندما ذهبت للمسجد لقيت شيخي، لم يطلب مني إعادة الاختبار في النصف، فقد أخبره مصعب أنني لم أخطئ بفضل الله (لاحظ نظراتها الفخورة فابتسم متابعاً) لذا، عندما أخبرته أني جهزت سورة الإسراء، طلب مني سردها ففعلت هذا كل شيء.

لم تسأله عن الجامعة، فهي تعلم أن لا شيء يحدثها فيه عنها، إذ أنه يحضر المحاضرات ثم يعود للمنزل فلا أصدقاء له هناك ولا يحب تكوين صداقات مع أحد لأن كل محيطه من الشباب الطائشين.

علقت على كلماته:

ـ يبدو أن شيخك يحترم ذاك الشاب جداً.

أومأ لها:

ـ له سُمعة حسنة بين الناس.

مازحته قائلة:

ـ صاحِبْه!

تبسم مردفاً بنبرة هادئة:

ـ يمكنكِ القول أنني فعلت. (اتكأ على السرير شابكاً يديه تحت رأسه) الصديق الثاني!

تفاجأت من جملته الأخيرة وسألته معاتبة بتذمر:

ـ من الأول، لمَ لم تخبرني عنه؟

ـ أنتِ!

أشارت لنفسها بإصبعها وقالت في محاولة الاستيعاب:

ـ أنا؟

قهقه مجيباً:

ـ نعم، أنتِ.

قالت بعفوية:

ـ لكنك أخي!

ـ أليس الإخوة أصدقاء أيضاً؟

شعرت لوهلة بحماقة تفكيرها إن أجابت بلا، لذا لم تجبه، وغيرت الحديث لسؤال، فهم من نبرة حديثها أنها جادة في معرفة جوابه:

ـ دائماً كنتَ تتجنب تكوين صداقات، لكنك تبدو سعيدا بمعرفة مصعب. ألأنه معك في المسجد؟

أجاب مبتسماً:

ـ أرى فيه الصديق الصالح الذي لطالما تمنيت أن أجده؛ صاحبا يسحبني في طريق الحق إن ضللت، ويعينني على الطاعة، ويذكرني بربي إن غفلت.

كانت تنصت باهتمام، فسألها ليشدها لحديثه أكثر:

_ أتعلمين ماذا قال الحبيب المصطفى عن الصديق الصالح؟

نفت، فأقام جذعه جالسًا بمحاذاتها، ساردًا لها الحديث الشريف:

_ يقول صلى الله عليه وسلم: [مثل الجليس الصالح والجليس السوء كحامل المسك ونافخ الكير؛ فحامل المسك إما أن يحذيك، وإما أن تبتاع منه، أو تجد منه ريحًا طيبة، ونافخ الكير إما أن يحرق ثيابك، وإما أن تجد منه ريحًا خبيثة] (صحيح البخاري).

استطرد موضحًا:

_ الأول ينفعك ولا يضرك، والثاني ضرره لاحقك لا محالة ولو بالقليل، ولم يكتب لي الله أن أجد صاحبًا صالحًا قبل هذا، أعرفتِ الآن لم أتجنب تكوين الصداقات؟

أومأت ثم علقت بامتنان:

_ حصلت على ثلاث معلومات اليوم: حرمة العطر عند الخروج، حديث الجليس الصالح، هذان منك.

_ والثالث؟ (سأل مستغربًا).

_ حروف القلقلة جُمعت في «قطب جد»، أخبرتني عنها المعلمة.

ابتسم:

_ هل أضيف لك معلومة أخرى؟ (أومأت فتابع) إذا أردتِ حفظ حروف الاستعلاء (التفخيم) فاحفظي جملة «خص ضغط قظ»؛ أما حروف البينية التي تكون بين الرخاوة والشدة فهي «لن عمر».

علقت بسعادة:

_ خمس معلومات لليوم.

من جهة أخرى... في منزل مصعب.

_ هل حفظتما جيدًا؟

أومأ كلاهما بنشاط.

_ من يبدأ؟

اندفع حيدر قائلًا بحماس:

_ أنا.

ابتسم مصعب في حين أمال برهان رأسه قليلًا وعيناه تثقبان صاحبه منتظرًا ثمار هذا الحماس.

باشر حيدر القراءة دون بسملة أو استعاذة، فنبهه الآخر:

_ استعذ بالله وبسمل أولًا، لا تستعجل (ابتسم نهاية كلامه).

أومأ الآخر بعفوية، وبدأ يسرد مجددًا، وما إن أكمل حتى مدحه رفيقه بهدوء:

_ أحسنت يا حيدر، حفظ متقن ما شاء الله! (التفت لصديقه الآخر متابعًا) دورك يا برهان.

قال بثقة:

_ جاهز.

باشر يتلو بسرعة، فقاطعه مصعب:

_ تمهّل في القراءة، بهدوء، لا تسرع.

_ حاضر.

تابع قراءته ببطء بعض الشيء حتى انتهى، فتبسم مصعب مادحًا:

_ أحسنت أيضًا! (قلب نظره بينهما) بارك الله فيكما!

نظرا له باستنكار من كلمته الأخيرة، وعلق حيدر بنبرته المتهكمة:

_ لا تتصرف برسمية.

قطّب حاجبيه مستغربًا:

_ أين الرسمية في قولي؟

نطقا معًا:

_ جملتك الأخيرة.

_ بارك الله فيكما؟

أوما كلاهما بسرعة وعفوية، فضحك على تصرفاتهما وأردف:

_ ليست برسمية، أستخدمها بشكل اعتيادي، أفضلها على كلمة «شكرًا».

نظرا له بصمت وهزا رأسيهما بإيماءة متفهمة، فيبدو أنهما لم يتأقلما بعد مع شخصية مصعب رغم معرفتهما الطويلة به.

في نهاية الأسبوع...

شعر تيام بيدين تضغطان على عينيه برفق، فأبعدهما بلطف وهو يلف وجهه للخلف مع باقي جسده ببطء:

_ تبدين متحمسة. (ضحك بخفة).

أكدت على كلماته بنبرة لا يشوبها شيء غير السعادة وهي تعدل لفة حجابها:

_ إنها المرة الأولى التي أذهب لحفل كما تعلم.

أومأ بابتسامة هادئة يواري بها الحزن الطفيف الذي أحدثته كلماتها:

_ لنذهب.

_ حاااضر!

توجها نحو السيارة، وعندما جلست تقوى ووضعت كيس الهدايا على حجرها، سألها تيام متعجبًا:

_ متى اشتريتها؟

_ عند عودتي من الخلوة أمس، أخذني شاهين للتسوق فاخترت شيئًا بسيطًا.

_ وما هو؟

_ فستان للطفلة.

هز رأسه متفهمًا، ثم علّق بغيرة مصطنعة وهو يضغط على البنزين لينطلقا للوجهة:

_ هل تفضلين شاهين عليّ؟

رمقته بازدراء، ثم أشاحت بنظرها إلى النافذة مجيبة بهدوء وعيناها تتابعان الطريق:

_ أنت رقم واحد في حياتي سابقًا وحاضرًا ولاحقًا!

ارتسمت ابتسامة جانبية على ثغره، واكتفى بصمت، في حين استمرت هي في التحديق في الطريق حتى وصلا للعنوان، فنظر لها بعد أن أوقف السيارة قائلًا:

_ متأكدة من أن العنوان صحيح؟

أومأت ثم نزلت...

في ذات المكان، أمام المنزل...

كان الأصدقاء الثلاثة يقفون جانب سيارة برهان يتبادلون أطراف الحديث عن الدراسة والحفظ وغيرها، حتى لاحظوا توقف سيارة حمراء غامقة ونزول فتاة منها.

أبعد مصعب ناظريه بسرعة، غاضًا بصره، في حين لم ينظر حيدر من الأساس واستمر يروي لمصعب عن مقدرته في حفظ كمية أكبر من الصفحات؛ أما برهان، فعندما لمح ملامح الفتاة المتوجهة للمنزل وخفض بصرها، شعر أنه رآها في مكان ما، لكن لم يدم نظره طويلًا عندما وكزه مصعب الذي لم يعجبه تصرف صديقه.

لاحظ ثلاثتهم أن السيارة لم تتحرك، وكأنها تطمئن على الفتاة أولًا، حينها ألقى مصعب نظرة على السائق فإذا به شخص مألوف، ليقول متعجبًا:

_ تيام!

نظر له رفيقاه باستغراب، فتابع وهو يتوجه نحو السيارة شارحا بابتسامته الهادئة:

_ إنه صديق جديد لي.

عندما اقترب نزل تيام وعلامات الذهول تغزو محياه:

_ السلام عليكم... مصعب!

صافحه الآخر بحرارة مبتسمًا:

_ وعليكم السلام، لم أتوقع رؤيتك هنا.

بادله الابتسامة مفسرًا سبب وجوده:

_ تمت دعوة أختي للحفل لذا أحضرتها... ماذا عنك؟

أشار مصعب لصديقيه قائلًا:

_ دعاني صديقي... تعال، سأعرفك عليهما.

علق بتردد:

_ أَلا بأس بذلك؟

وكزه على كتفه بخفة وأومأ، ثم أخذه حيث يقف الآخران ونظرات مستفهمة تتطاير حولهما فمصعب لم يخبرهما عنه.

قال يعرفه لهما مبتسمًا بهدوء:

_ إنه تيام، صديقي الجديد، تعرفت عليه في المسجد.

ابتسما له، ثم صافحه حيدر باحترام معرفًا:

_ أنا حيدر، سعدت بلقائك.

تبسم تيام، ولما رفع نظره تجاه برهان الذي مد يده مصافحًا لم يستطع إخفاء التفاجؤ في عينيه، وما زاد صدمته قول الآخر:

_ أهلًا بك، أنا برهان.

حاول إخفاء صدمته، وتمتم بصوت خفيض:

_ برهان.

نظروا له باستغراب، فتبسم متداركًا الموقف بغباء:

_ اسم جميل.

علق حيدر بنبرته التهكمية:

_ وهل حيدر اسم سيء؟

أمسكه برهان من شعره، في حين شعر مصعب بإحراج شديد لتصرفه، ليضحك تيام قائلًا:

_ كلا... مصعب، حيدر، برهان؛ كلها أسماء جميلة.

استطرد مستأذنًا:

_ سعيد بلقائكم... عن إذنكم.

قبل أن يغادر، سأله برهان بنبرة حذرة وهو يشيعه بنظره:

_ عذرًا، تيام، ما اسم والدك؟

ابتسامة جانبية مرت على ثغره حملت بعض السخرية التي لم ينتبه لها أحد، وقد لف ظهره مغادرًا ولوح لهم بيده مودعًا:

_ عبد الرحمن... اسمي تيام عبد الرحمن.

ــــــــــــــــــــــــــــــ

احممم كيف كان الفصل؟

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

عندما تعود إليه

المؤلف البروء
2025/12/27 مكتملة
قائمة الفصول (12)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة