ندم

ندم

15 0

ألقى عليه بنظرة متفحصة من رأسه حتى أخمص قدميه قائلا بنبرته التهكمية:

_لا ييدو ذلك!

ابتسم معلقا:

_كان ذلك قبل عام ونصف تقريبا.

حدق فيه حيدر لوهلة ثم سأله باهتمام وقد بدأت نبرته المعهودة تتلاشى:

_كم أدمنته؟

_أربع سنوات...

_ضعف المدة التي قضيتها!

_ هل تصدقني الآن؟

أجاب بشك صريح وهو يضيق عينيه الحادتين:

_ليس تماما، لكن لم تساعدني وأنت لا تعرفني؟

تسلل شبح ابتسامة حزين على ثغره وأجاب مشيرا لصدره:

_نعم لا أعرفك، لكني أعرف ألمك جيدا (نظر له بجدية)  لا أريدك أن تصل إلى ما وصلتُ إليه!

ظهرت أمارات الاستغراب على ملامح حيدر وأردف بنبرة حذرة وشيء من الفضول لمع في عينيه:

_وما الذي وصلت إليه؟

قال بضيق:

_أُصبت بسرطان الرئى -عافاك الله- (ابتسم)  لكن الحمد لله فقد اكتشفته في المراحل الأولى وأجريت عملية ناجحة لاستئصاله؛ لذا لا أريد أن يشعر أي شخص بذات الألم الذي لقيته.

لم يعلق حيدر على كلمات نضال لسوء معرفته بطرق المواساة كلها فاستطرد الآخر قائلا بهدوء ولطف:

_القرار يعود لك.

هز رأسه:

_سأفكر في الأمر.

تبسم نضال والتفت مغادرا:

_سأنتظرك هنا في مثل هذه الساعة غدا، إن لم تأتِ سأعرف أنك رفضت (لوح له) في حفظ الله.

راقبه الآخر وهو يغادر مبتعدا عنه باتجاه أخته الصغرى سارّة التي تلعب مع باقي الأطفال.

ظهرت ابتسامة صغيرة على وجه حيدر:

_يبدو لي أن الأمر ليس مستحيلا... لا بأس بالمحاولة!

علق مسترجعا الحديث بينهما وقد علته ابتسامته الساخرة:

_لم أخبره باسمي ولم يسأل!

ليلا.. في منزل بُرهان.

كان المنزل مزينا بشتى أنواع الزينة، وقد عُلق البالون في المدخل وتوزع أمام الباب في الممر الطويل المؤدي للصالة، في حين وقف بُرهان ممسكا باسطوانة طويلة، عند لفها بقوة ينتج صوت فرقعة ثم تطلق قصاصات صغيرة ملونة.

وكانت والدته وبشرى تجلسان قرب مارية على الأريكة وأمامهما طاولة مستطيلة زجاجية ذات أقدام ذهبية استقرت فوقها كعكة كبيرة بيضاء كتب عليها بالشوكولاتة «عودا حميدا»، وصحون بيضاء مسطحة مرتبة فوق بعض، مع أشواك وسكينة كبيره لقطع الكعكة، بالإضافة إلى عصير المانجا الطازج الذي أعدته بشرى بحب لهذه المناسبة.

نزل بارق من السلالم يجفف شعره البندقي -كشقيقه- بمنشفة صغيرة بيضاء وعلق بصوت هادئ وعيناه تتجولان في المكان:

_ يبدو كل شيء جاهزا، ألا حاجة لي إذا؟

أشار له برهان بيده قائلا بابتسامة متشوقا للقادم:

_بلى، أحتاجك (اقترب بارق فأعطاه المفرقعات الأخرى متابعا حديثا) قف مقابلي وعندما يدخل أبي سنضغط عليها  معا لتمطر بالقصاصات الملونة.

رد بزفير يائس من شقيقه الأكبر على تصرفاته التي تبدو طفولية بالنسبة له:

_ لا بد أنها فكرتك.

ضحك الآخر وحرك مشيرته بمعنى «لا» ثم ضيق عينيه قائلا بابتسامة منتشية:

_تؤ تؤ تؤ (نظر لأخته)  بل فكرتها.

ارتطم كف بارق بوجهه بيأس ثم هز رأسه بتحسر:

_لا أعلم متى تكبران حقا!

عبست أخته وقالت معاتبة:

_ما التصرف الطفولي الذي قمنا به سيد بارق؟

أجابها مشيرا بإصبعه لكامل المنزل:

_ما كل هذه الزينة؟ ليس وكأنها أول عودة لأبي من سفره!

مازحه برهان:

_خانك ذكاؤك هذه المرة أخي العزيز؛ فنحن سنعيد الاحتفال مع أبي الذي فاتته الحفلة الخاصة بمارية!

لم يتمكن بارق من التعليق على كلمات شقيقه إذ سمعوا صوت طرق على الباب فاستطرد الآخر هامسا واضعا مشيرته على شفتيه:

_هششش!

أُطفئت جميع الأضواء وبقيت فقط أضواء خافتة لفوانيس صغيرة مع أسراب أضواء ملونة اختلطت مع الزينة المعلقة، تتابعت نداءات والدهم وعندما لم يجد أي استجابة أمسك المقبض الفضي الذي تسللت برودته لتمتزج ببرودة يده ثم ضغط عليه برفق للأسفل ففتح قليلا ليستغرب من ذلك فلطالما نبههم على التأكد عند إغلاق الباب بإحكام ليلا.

فتح الباب -دون أن يرتطم ببارق- مستغربا من عدم إشعال الأضواء، ولم يلاحظ شيئا رغم الإضاءة الخافتة بسبب عدم ارتداء نظارته فلديه ضبابية الرؤية منذ صغره

جر حقيبة سفره الضخمة خلفه ثم دخل ببطء يسير عبر ممر قصير يصل المدخل بصالة الضيافة الكبيرة وبينما كان يخطو بحذر داس على بالون كان على الأرض فانفجر مُصدرا صوتا قويا لتفتح بُشرى الضوء بالتزامن مع إطلاق المفرقعات لبرهان وبارق مصدرين بفعلهم مفاجأة غير متوقعة لوالدهم الذي تسمر لوهلة يقلب نظره بين وجوههم في حين تسللت يده لجيبه ثم أخرج نظارته وارتداها فاتضح كل شيء أمامه

تسلل إلى مسامعهم صوت بكاء الرضيعة مفسدا تلك اللحظة، فضمتها والدتها بحنان وأخذت تهزها كي تهدأ حتى تلاشى بكاؤها شيئا فشيئا فقال برهان ليعيد انتباههم لحفلتهم الصغيرة:

_عودا حميدا أبي

ثم قبل جبينه وعانقه بلطف وكذا فعل بارق وعندما اقتربت منه بشرى مع ابنتها ضمهما معا قائلا بصوت حنون:

_جعلها الله صالحة بارة بك يا ابنتي

ابتعدت عنه وقبلت جبينه ثم تركت الطريق لوالدتها التي عانقته فشعور الحنين يكسوها فلما ابتعدت قبل رأسها قائلا بفخر:

_ أديت واجبك على أكمل وجه بارك الله في عمرك!

كان شوقهم لرؤيته هذه المرة أكثر من أي وقت مضى فقد غاب عنهم قرابة عام كامل لذا قال برهان ملطفا الأجواء مازحا:

_ أبي متحيز للجنس الآخر

رمقته أمه وشقيقته بنظرات معاتبة في حين ضحك والده:

_أفي هذا عيب؟

عبس برهان فعلق بارق ساخرا:

_ تستحق ذلك

رمقه متصنعا حدة:

_لم تبدو سعيدا برد أبي؟ أحسبت نفسك معهما؟

ثم قهقه بفخر وهو ينظر لعيني شقيقه التي تبدي البرود ظاهريا لكن يمكنه الجزم أن باطنه يغلي غضبا.

تنهد والدهما قائلا بهدوء بلهجة جدية بعض الشيء:

_لم تعودا صغيرين لتتصرفا هكذا، اعقلا!

ابتسمت بشرى معلقة:

_لا تقلق يا أبي، أمام الناس هما الأعقل على الإطلاق، لكن الشخص مهما بلغت رزانته لن يكون إلا صغيرا مع والديه.

_لا أوافق (رد بارق باعتراض طفولي)

ضحكت:

_وهذا خير دليل!

تحدثت والدتهما مؤنبة:

_عاد والدكما لتوه من السفر، لا تضايقاه.

كان بُرهان سيطلق بعض الكلمات من باب المزاح لولا نظرة حادة لم يعهدها من أمه أخرسته وجعلته يطبق شفتيه بصمت وعيناه تراقبان والده الذي أسند ظهره على الأريكة وقال مشيرا لحقيبته:

_بثنية هل لك أن تقربيها مني؟

أجابت زوجته باحترام:

_أبشر.

قربتها له فانحنى قليلا ثم فتحها كاشفا عن محتوياتها، ثم أزاح كومة الملابس في الواجهة تحت عيونهم المترقبة كالأطفال الذين ينتظرون هداياهم، بعد ذلك أخرج صندوقا صغيرا مغلفا باللون الوردي الفاتح وصندوق آخر بحجم متوسط على شكل مستطيل مغلف باللون البني العتيق، وكيسا هدايا متوسطان باللون الأبيض، ثم أخيرا كيس هدايا أصغر من سابقيه بقليل ذو لون أزرق غامض.

كانت أبصارهم قد استقرت على تلك الأكياس والصناديق، فأمسك باسم أحد الكيسين الأبيضين وقد كتب على قصاصة صغيرة ملصقة به اسم «بشرى»  ثم أمسك الصندوق الوردي الصغير الذي كتب عليه «الأميرة مارية»  وأعطاهما لابنته التي ابتسمت بامتنان:

_ما كان هذا ضروريا يا أبي.

اكتفى بابتسامة صغيرة وهو يعطيها علبة هدايا عندما فتحتها وجدت بها ساعة جلدية سوداء ليقول والدها بهدوء:

_لم أعرف ذوق مازن فأحضرت له هذه علها تنال رضاه.

_بارك الله لنا فيك!

هز رأسه بصمت ثم مد الكيس الأبيض الثاني لزوجته قائلا:

_أرجو أن يعجبك.

لمعت عيناها وهي تخرج الهدية التي كانت عبارة عن طقم شاي ذو ست فناجين وإبريق وحاوية للسكر، وكذلك الصحون الصغيرة وملاعق زجاحية صغيرة الحجم للسكر، كان لون الطقم يميل للأبيض القريب من الذهبي وقد ارتسمت على الحواف العليا للفناجين ذات الفوهة الواسعة إطار من الزهور الحمراء.

علقت بإعجاب:

_جميلة ما شاء الله.

ابتسم برضى قبل أن يعطي الكيس الأخير الذي كتب عليه بُرهان لابنه الأكبر الذي فتحه بحماس لينظر ما بداخله قائلا بنبرة لا تخلو من السعادة:

_عطر!  (استطرد بلهجة شابها الاستغراب)  ومحفظة جلدية؟

أومأ والده فتابع مستفهما:

_لم؟

_ستعلم بعد قليل.

زفر بغير رضا فوكزه شقيقه الأصغر بمعنى «لا تتصرف هكذا»  لكنه لم يهتم وحدق في يدي والده وهو يسلم الصندوق البني لبارق الذي أردف بهدوء:

_بارك الله فيك يا أبي.

ابتسم والده معلقا:

_ألن تفتحها؟

بادله الآخر الابتسامة الهادئة ذاتها فقد ورثها منه  ثم أجاب وهو يحرك الصندوق الذي بين يديه لأعلى وأسفل كمن يزنه:

_كلا... لا أجزم لكنني واثق أن ما بداخلها حزمة كتب صحيح؟

ضحك والده بخفة وأومأ فقاطع حديثهما صوت شهقة بشرى وهي تنظر لسنسال صغير بين يديها من الذهب الخالص كتب في وسطه «مارية»  ثم نظرت لوالدها بنظرات معاتبة:

_أبي، ما كان عليك اشتراء هدايا باهظة الثمن، يكفي الألعاب التي مع السنسال... ثم إن عودتك هي أعظم هدية حصلنا عليها.

علق على كلماتها بهدوء:

_إنها حفيدتي الأولى، تستحق أكثر من ذلك (نظر للحجاب متابعا)  ألم تعجبك هديتك؟

انفعلت بعفوية:

_بل أعجبتني جدا! نوع القماش ممتاز وملمسه رائع، ممتنة لك أبي!

_سعيد أن الهدايا نالت رضاكم (نظر لبرهان ممازحا) باستثناء أحدهم.

فهم الآخر أن الحديث موجه له فقال متذمرا وهو يقلب المحفظة الجلدية بين كفيه:

_بل أعجبني العطر جدا فأنت تعلم ذوقي جيدا في العطور يا أبي، لكني لا أفهم لم اشتريت لي محفظة رغم علمك أن لدي العشرات دون أن أستخدمهم.

رد والده بنبرة تشي بالكثير رغم غموضها:

_لأنها ستكون حافظة لتعبك.

ضيق برهان عينيه بعدم فهم فأردف والده مفسرا:

_إلى متى ستعتمد على غيرك؟

_لا أفهم!

_أكره استخدام المقارنات ولا أظنه الوقت المناسب لذلك، لكن انظر لبارق، إنه يعتمد على نفسه في كل شيء حتى مصروفه.

علق الابن الأكبر مقلبا عينيه بملل:

_باختصار تريدني أن أعمل؟

أجابه بجدية:

_نعم.

هم بالاعتراض قائلا:

_لكن لم؟ هل نمر بضائقة مالية؟ لا، إذا لم أتعب نفسي في حين يمكنني الحصول على المال متى أردت ذلك؟

كانت كلماته المنفعلة كفيلة بإثارة غضب والده الذي قال بحدة دون أن يرفع صوته:

_وهل ستعيش طوال حياتك تحصل على مال والدك؟ كيف ستصبح رجلا ورب أسرة إن بقيت كالأطفال تريد كل شيء وأنت مرتاح البال؟

انكتمت الأنفاس عند آخر كلماته فلم تشهد العائلة حدته هذه منذ زمن طويل، وفكرة انفعاله رغم أنه لم يرهم منذ وقت دلت على تفكيره الطويل في الأمر، لم يكن أحد ليتعرض فهو على حق، الجلوس وحده لن يمنح الإنسان ما يريد.

تابع بنبرة أقل حدة لكنها أرعبت قلوبهم لمجرد سماعها فكيف بحدوثها؟

_ماذا إن متُّ؟ ماذا ستفعل وقتها يا بُني؟

شعر بُرهان أن كلمات والده الأخيرة نزلت عليه كصاعقة، لم يكن ليتخيل فقدان والده، فرغم أنه شاب عنيد عاق في كثير من الأحيان إلا أنه يعلم جيدا عدم مقدرته على فقدان والديه.

بعد صمت ثقيل ألقى عباءته عليهم تحدث بُرهان بنبرة تبدي الكثير من الندم تحت ستارة من الهدوء وهو يهم بالمغادرة:

_آسف (غادر)

تنهدت والدته بحزن على تصرفاته في حين لم تجد بشرى غير الصمت فعلا تلزمه.

تحدث بارق بهدوء وعيناه تراقبان السلالم حيث صعد أخوه منذ ثوان:

_هداه الله.

ابتسم باسم معلقا بهدوء وعلى وجهه علامات رضى لم تكن ظاهرة لحظة وجود ابنه الأكبر:

_بدأ يتغير (نظروا له مستغربين) لم يكن يعتذر سابقا، بل كان يصر على موقف ويزيد في عناده (ضحك بخفة) لم أرَ نظرة الندم هذه منذ أن كان طفلا.

أما عند برهان...

كان يتحرك في غرفته بانفعالية، نادما على رفعه لصوته على والده فقد كان يريد أن يصبح ابنا بارا يفخر به والداه لكنه في كل مرة لا يتمكن من ضبط أعصابه وينفجر صارخا بالرغم أن الأمر لا يستحق ذلك في كثير من الأحيان.

وقف لبرهة منصتا للصوت الذي بدا بعيدا عن أذنيه لكن يمكنه الجزم أنه رنين هاتفه.

جال بعينيه في المكان فلم يجده لذا تتبع الصوت حتى استقر أمام سريره وعيناه مثبتتان على كيس الهدايا ذاك فالتقطه وأخرج منه هاتفه.

وما إن رأى المتصل حتى صاح منفعلا:

_يا إلهي نسيت هذا تماما!

فتح الخط بسرعة قائلا:

_آسف مصعب، نسيت أن لدي سردا!

تنهد الآخر:

_السلام أولا يا بُرهان.

صر على أسنانه متضجرا:

_السلام عليكم، لا تتصرف كأمي!

_وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته، تحية الإسلام هي تحيتنا التي نعتز بيها فكفاك تذمرا يا صديقي.

لم يتمكن من منع نفسه من إظهار ابتسامته بسبب صديقه الذي لا يمل ولا يكل من التأنيب والتذكير، ويحرص على تقريبه من الدين بكل ما لديه من جهد.

_حاضر حاضر.

علق مصعب بهدوء:

_على كل حال، ما سبب غيابك؟

تذكر بُرهان انفعاله على والده فقال بنبرة هادئة حاول إخفاء تضايقه داخلها:

_عاد والدي من السفر، فنسيت حتى الاتصال بك.

ابتسم مصعب:

_حمدا لله على سلامته، حسنا لا بأس، غدا نعوض ما فاتنا إن شاء الله، اتفقنا؟

اعترض الآخر بعفوية متذمرا:

_سيفوتني حيدر!

ضحك رادا بلطف:

_حسنا أرسل لي حفظك في رسالة صوتية وسأرسل لك تلقين السور التالية، حسنا؟

أجاب برضى:

_نعم

_عن إذنك إذا.

_في حفظ الله، أشكرك على كل شيء.

_هذا أقل ما يمكنني فعله بُرهان، سعادتي تكمن في رؤيتكما تتسابقان على حفظ كتاب الله.

ودعه وأغلق الخط ليلقي بُرهان بجسده على السرير بعد أن وضع كيس الهدايا على مكتبه.

أغمض عينيه في محاولة تصفية ذهنه لكن النوم تمكن منه بسرعة.

عند مصعب...

_ماذا قال؟  هل سيأتي؟

نفى الآخر مجيبا:

_لا، عاد والده من السفر فلم يتمكن من الحضور.

علق حيدر متهكما:

_ولِم لَم يعلمنا؟

تابع هازا كتفيه مقلدا ومتقمصا شخصية مصعب:

_لا أعلم، ربما نسي.

استطرد بسخرية:

_أليس هذا ما تريد قوله؟

ضحك الآخر مجيبا:

_بلى، هل تقرأ الأفكار؟

قال بثقة مازحا:

_بالبطع (تابع ضاحكا)  أفكارك فقط!

رمقه بتذمر لثوان ثم سأله بهدوء وقد اقترن حاجبيه في استغراب:

_بالمناسبة، حيدر لم تحضر الدخان معك صحيح؟

رد مستغربا:

_نعم، كيف عرفت؟

أجاب مبتسما وهو يشير إلى جيب بنطال صديقه:

_عادة تتحسس جيبك كثيرا حتى يأتي وقت سرد بُرهان فتستأذن وتخرج لتدخن، لكن اليوم لم تفعل.

_تحولت لمحقق فجأة.

_أنا وبرهان كلانا انتبه لذلك، لذا...(تحدث بجدية أكبر)  ما بك؟

ابتسم حيدر مجيبا بهدوء عكس طبيعته:

_ألم أقل أنني أريد أن أتغير؟

_بلى

_والتدخين هو الخطوة الأولى (تنهد)  لا أدري إن كنت سأنجح.

ضرب مصعب كتفه بقبضته بخفة قائلا بثقة:

_يمكنك ذلك حيدر، تذكر أنك في فترة ما لم تكن مدخنا، لذا وكما عشت دونه سنين طوال يمكنك تركه، لا تصدق من يقول أن الإدمان لا علاج له.

أومأ الآخر متفهما ثم استأذن وغادر فقد دقت ساعته معلنة دخول الواحدة بعد منتصف الليل.

وما إن غادر حتى فتح مصعب هاتفه فلم يجد أي رسالة من بُرهان فأرسل له رسالة نصية «عندما تنهي عملك لا تنسى السرد»  ثم سجل له السور التي عليه سردها مع حيدر وأرسلها.

خلال اليوم التالي، في كلية الذكور...

ما إن جلس الأصدقاء الثلاثة حول الطاولة في الكافيتيريا حتى سأل مصعبُ برهانَ مستغربا:

_انتظرت سردك أمس، لِم لَم تفعل؟

أجاب الآخر مطئطئا رأسه قليلا بخيبة:

_نمت

علق حيدر مستفزا إياه:

_إذا سأسبقك.

ثقبه بُرهان ببرود:

_في أحلامك، سأسرد حفظ الأمس واليوم معا.

ابتسم مصعب بلطف وقال وهو يزيح الكرسي قليلا:

_سأشتري بعض العصير البارد لنا، لن أتأخر.

أومأ كلاهما بابتسامة امتنان، وما إن غادر حتى انقلب وجه حيدر وتحدث بجدية أكبر مخاطبا رفيقه الذي لم يفلح في إخفاء ملامح وجهه التي تعكس الضيق القابع داخله:

_ما بك؟

رفع برهان نظره تجاه السائل بحذر قائلا:

_ما بي؟

أردف حيدر متهكما:

_لست طفلا لتتصرف معي بهذه الطريقة سيد بُرهان (تابع بنظرة حادة)  ما الذي أصابك؟ لست على طبيعتك اليوم!

تقمص الآخر ملامح الارتياب وعلق بنبرة صديقه التهكمية:

_من الذي ليس على طبيعته اليوم؟ أهو أنا أم أنت؟

_أنت طبعا!

_ليس وكأنك تبدو طبيعيا جدا.

قال حيدر بنفاد صبر:

_وما الغريب فيّ، يا سيد؟

أجاب وهو يرمقه بطرف عينيه:

_لم تدخن اليوم مطلقا، حتى أنني مستغرب من عدم تحولك لوحش غاضب بعد!

قهقه حيدر ساخرا ثم حدق في بُرهان بنظرات حاة معلقا على كلماته:

_عندما أقول أنني سأتغير فلا شيء سيحدث غير ذلك يا صديقي.

صمت لبرهة ثم تابع صارا على أسنانه وقد بدأ الغضب يأخذه:

_والآن هل ستخبرني ما بك؟

تهرب بُرهان من ذلك ونظر لصديقهم القادم في يده صينية عليها كؤوس العصير:

_أتى مصعب.

رمقه بازدراء ثم صمت حتى جلس مصعبا معهما مجددا ووضع لكل واحد عصيره المفضل أمامه.

تحدث حيدر ببرود:

_والآن سيد بُرهان قل ما عندك!

نظر مصعب لصديقه بعدم فهم لما يجري فقال بُرهان متأفئفا:

_أخبرتك أني بخير.

علق حيدر غاضبا:

_لا تلعب بأعصابي! تحدث وإلا سكبت ما في الكأس على رأسك!

هدأه مصعب مربتا على كتفه بهدوء:

_لكل إنسان أسرار لا يمكنه البوح بها حتى لأعز أصدقائه.

رد الآخر متهكما:

_أوه حقا؟  وكأنني لا أعرف بُرهان، هو فقط يحب استفزازي ورؤيتي أفقد السيطرة على غضبي ثم يتحدث بما يزعجه... هكذا هو مذ كنا في المرحلة الثانوية!

ثم عدل جلسته وشرب عصيره دفعة واحدة رغم نظرات مصعب المؤنبة إلا أنه تجاهلها وقال بعدم اكتراث:

_حسنا، لا تريد الحديث؟ لن يرغمك أحد!

تنهد بُرهان قائلا وهو يحدق بكأسه شاردا:

_حسنا حسنا، سأخبرك لا تغضب!

ضحك حيدر بانتصار ونظر لمصعب قائلا:

_أخبرتك.

اكتفى الآخر بالصمت إذ لم يعرف ما يقوله وتوجه باهتمامه لبرهان الذي قال بهدوء:

_تعلمان أن علاقتي بوالديّ متوترة في كثير من الأحيان.

أومأ الآخران بصمت فتابع شادا على قبضته اليسرى بقوة:

_وكل هذا بسببي، أنفعل عليهما دون داع، أغضب وأستمر في عنادي على شيء أعلم أنه ليس في مصلحتي.

ضغط على الكأس برفق وتابع بصدق:

_أريد أن أبرهما، أن أكون ابنا صالحا، لكن... لا أعرف كيف أضبط نفسي.

لاحظ الصمت المطبق على صديقيه بعد أن أكمل حديثه فقال في محاولة تلطيف الجو ممازحا حيدر:

_ألم تصر علي لأتحدث؟ أعطني حلا!

قبل أن يقول حيدر أي شيء قال مصعب بشرود وقد استقرت نبرة حزينة في صوته الهادئ:

_عاملهما كأنه اليوم الأخير الذي تراهما فيه.

نظرا له مستغربين من كلماته قبل أن يعيا أن هذه الحديث نكأ جرح مصعب الذي فقد والديه ليهم بُرهان بالاعتذار لولا قوله مسترسلا:

_اسمع يا صديقي، إن أردت التغير فاعقد العزم على ذلك، فإنك ستتعثر مرة واثنتين وعشرا، ستزحف في الطريق زحفا، ثم مشيا كالأعرج ربما، وثم تمشي مستقيما، ثم ركضا... هكذا تدريجيا، فلا تيأس وتترك للشيطان مكانا في قلبك فينال منك.

نظر في عينيه متابعا بجدية:

_إن أخطأت اعتذر، وإن طلبا منك شيئا لا تعترض، فأنت لا تدري...(ابتلع ريقه بصعوبة) من يطرق ملك الموت بابه أولا!

أخفى حزنه خلف ابتسامة هادئة:

_أتمنى أن كلماتي ساعدتك ولو قليلا.

ابتسم بُرهان بعفوية قائلا:

_بارك الله فيك!

تبسم مصعب وقد أسعدته هذه الكلمات في حين قال حيدر ممازحا ليزيل الثقل الذي كساهم لثوان:

_بقيت أنا لم أقلها (رفع نظره للأعلى متجنبا النظر لهما) بارك الله في صحبتنا!

غُمر فؤاد مصعب حبورا وهو يرى أن دعواته في جوف الليل حيث لا يسمعه أحد قد بدأت تجاب.

أرخى الصمت سدوله عليهم قبل أن يزيلها بُرهان بكلماته:

_مصعب، هل هناك مكان شاغر للعمل في المطعم الذي تعمل به؟

ذُهل مصعب وأجاب بتلقائية:

_نعم!

ثم سأله هو وحيدر بشك:

_هل تنوي العمل هناك؟

أومأ فشهق حيدر مصدوما:

_أنت؟ عدو العمل يريد أن يعمل؟!

رمقه ببرد مجيبا:

_احفظ لسانك قبل أن أقطعه (تابع بجدية موجها اهتمامه نحو مصعب)  هل يمكنك إعلام مديرك؟

_لم لا؟

استرسل مبتسما:

_حيدر، لم لا تأت معنا أيضا؟

كانا يتوقعان منه ضحكة ساخرة في أقل تقدير لكنه أجاب بهدوء وهو يريح بجسده مسندا ظهره على الكرسي:

_أود ذلك، لكن لا يمكنني في الوقت الراهن، لدي التزامات أخرى.

نظرا له مستغربين فاستطرد متصنعا غموضا في نبرة صوته:

_إنها مفاجأة!

حاولا التفكير في أي شيء قد يلتزم به حيدر لكنهما يعلمان يقينا أن الذي أمامهما لا يستمر على شيء لساعات فكيف بأيام؟

أردف حيدر ضاحكا:

_إنه أكثر شيء يسعدكما بخصوصي!

تبادلا النظرات ليقول مصعب:

_هل ستلتحق بخلوة؟

نفى فسأل بُرهان بنبرة متشككة لاستحالة الأمر في نظره:

_أللامر علاقة بترك سم النيكوتين؟

رمقه بامتعاض قبل أن يجيب بثقة مؤكدا:

_نعم نعم!

زاد استغرابهما وسألا معا:

_كيف؟

_سر!

علق بُرهان متهكما:

_لا تفكر في إدمان شيء آخر!

ثقبه بنظرة حادة:

_لن أفعل!

تحدث مصعب صارا على أسنانه:

_أنتما!

صوبا بصرهما تجاهه فقال بلطف مصطنع:

_هلا توقفتما عن هذا؟

أجابا بسخط:

_حاضر.

بعد عودة بُرهان من الجامعة...

دخل المنزل قبل أن يقلي السلام بصوت عال، ثم توجه إلى غرفة الجلوس حيث كان والداه يحتسيان الشاي فتسمر مكانه قليلا لتقول والدته بحنانها المعهود:

_هل أحضر لك فنجانا؟

نفى بسرعة ثم شد على قبضتيه بقوة في محاولة إخراج اعتذار جيد من ثغره الذي لم يخرج سوى كلمة واحدة:

_آسف.

ذهلت والدته ولم تفهم ما جرى لابنها فجأة في حين نظر زوجها له قائلا بهدوء مستفسرا وهو يرتشف بعضا من فنجان الشاي الدافئ:

_علام؟

تردد قبل أن يجيب:

_على كل شيء...

_الكلمات وحدها لا تفيد، أثبت صدقها بالأفعال.

أومأ بُرهان بهدوء قائلا بعفوية مع ابتسامة صغيرة:

_سأبدأ العمل منذ اليوم.

ابتسم والده ثم هز رأسه إيجابا فسعد ثم استأذن منصرفا.

_ألم يكن قبول اعتذراه بلطف أمرا محمودا؟

_عليه أن يتعلم كيف يصلح أخطاءه، الاعتذار كالترميم الذي يمكن كسره مجددا لكن الفعل هو البناء الذي لا ينكسر إذا ضربته ريح عاصفة.

مساء... في العمل.

وصل تيام للعمل قبل مصعب فاستغرب لذلك ورجح أن الآخر مشغول بأمر ما، لكنه سمع صوت خطوات تقترب ظنها لمصعب فالتفت فإذا بالصدمة قد غزت محياه، وفرق شفتيه مذهولا بنبرة تشي بالدهشة:

_بُرهان؟

تسمر الآخر مكانه متعجبا ثم قال بابتسامة صغيرة:

_أوه، تيام، السلام عليكم، كيف حالك؟

مد يده مصافحا فصافحه الآخر محاولا التصرف بطبيعية:

_وعليكم السلام، الحمد لله وأنت؟

_الحمد لله (تابع بنبرة حذرة)  لم أتوقع رؤيتك هنا.

رد الآخر بهدوء وقد سحب يده برفق من يد بُرهان:

_ولا أنا (اغتصب ابتسامة كاذبة)  جمعنا الله مجددا.

_نعم (علق بهدوء)

لم يكن تيام يطيق رؤية برهان إلى حد ما فلا زال يحمله بعض الحزن الذي كسر تقوى سابقا، في حين كان برهان يعلم قطعا أن الآخر يعرف بحقيقته فرد فعله يوم لقائه به في حفلة مارية أوحت بذلك، لكنه بعكسه لم يحمل نحوه أي ضيق فهو لم يصله الحزن الذي شعرت به الفتاة التي أوقعها في شباكه سابقا غير أنه نادم على ماضيه ذاك.

ــــــــــــــــــــــــــــــ

ادعموني بإعجاب 💙

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

عندما تعود إليه

المؤلف البروء
2025/12/27 مكتملة
قائمة الفصول (12)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة