بداية توبة

بداية توبة

13 0

في غرفة اكتسى جدرانها البياض في حين كان أثاثها بلون رمادي كاللجين¹، تخلل بعضه زرقة ملكية أعطت الغرفة طابعا فخما.

على السرير الذي افترش بغطاء أزرق ملكي، اتكأ حيدر على الحائط -الذي فصلته عنه وسادة- بصمت، يحملق في سقف الغرفة، مقلبا نظره بين الثريا والحائط، كان يسترجع ذكرياته مع نضال، منذ لقائهما الأول، حتى لقائهما الأخير، ولم يكن لينسى آخر جملة قالها له ضاحكا «تبدو بصحة جيدة حيدر، لست ذات الشخص منذ أسبوعين، كنت أخافك وقتها»  وذاك لأن حيدر كان سريع الغضب ومع الهالات التي تسبب بها السهر إثر صعوبة النوبة، ظهر كشخص مخيف لمن يراه، ومع صوته الغاضب الذي يطلقه كلما رأى ما لا يعجبه، كان يبث الخوف في قلوب من حوله؛ حتى أن بُرهان لم يعد يخوض معه أحاديثا من باب المزاح كي لا يزأر فيه؛ أما مصعب فلم تختلف معاملته كثيرا غير أنه أصبح أكثر صبرا معه عند السرد، فقد كان يضيق صدر الآخر بسرعة بمجرد أن يخطئ خطأ واحدا... مع ذلك قد تجاوز بُرهان كثيرا، فهو الآن قد وصل سورة الرحمن فقد كان كلما غضب أو رغب في وضع لفافة تبغ بين أسنانه كان يحفظ آية ثم يجمع ما حفظ ويسرده على مصعب، في حين لم يكن بُرهان قد أنهى سورة نوح بعد.

شعر بضيق ينخر فؤاده الذي لم يتجاوز فقد رفيقه بعد، فتوجه بآلية للملجأ الذي كان يلجأ إليه طوال الشهر، إلى سجادته، إلى ربه، وقف يُلملم شتات قلبه قبل أن يرفع يديه مكبرا، تاركا وراءه كل شيء، صابا جُل تركيزه في صلاته، في ملاذه الآمن، تغير، وهو يعلم هذا جيدا، لم تعد تهمه الدنيا بقدر ما صار ينبذها، تغير شكلا، وفكرا، وفعلا، انشرح صدره، وتسلل نور الإيمان لينير ظلمة فؤاده، كل ذرة داخلها صارت تطلب منه الثبات، تترجاه ألا ينتكس، ألا يبتعد عن هذا الطريق بعد أن أتاه أخيرا، كان شهرا متعبا ومريحا في الوقت ذاته، تعلق قلبه بالله أشد تعلق حتى ما كاد يصدق نفسه، لم يكن يتوقع أن أثر القرآن على قلبه سيكون بهذه القوة، لقد هداه الله بكلامه.

مصعب، ونضال لم يخبراه عن فائدة القرآن عن عبث، فهما ليسا من النوع الذي يقول كلاما لم يرَ أثره بعينه.

سجد متذللا لربه، داعيا لنفسه بالثبات، ولصديقه بالرحمة وجنة الفردوس الأعلى، دعى بقلب خاشع، يرجو استجابة دعائه.

أنهى صلاته ثم أخذ المصحف الذي وضعه على مكتبه، فابتسم بحزن فاتحا إياه، فهو هدية من نضال لتشجيعه على حفظ القرآن، كان الوقت قصيرا لُتُزرع تلك الثقة العمياء ولكن عندما تكون صُحبة صالحة فإن أول حديث بينكما يبدو وكأنه لم يكن الأول بل سبقته الكثير من الأحاديث والحكايا.

جلس على سريره متربعا وفتح على سورة الرحمن ليراجع محفوظه، فلم يتبقى الكثير على موعد حلقته ولم يكن يرغب في تفويتها تحت أي طارئ، استعاذ وبسمل ثم أخذ يُرتل بصوت هادئ، ملأته، السكينة رغم الحزن الذي يُلقى عليه بين الحين والآخر.

ما إن أنهى مراجعة سورته حتى توجه للخلاء -أكرمكم الله- وغسل وجهه بالماء البارد عله ينتعش قليلا.

بعد ذلك توجه نحو الطابق السفلي فوجد والديه هناك يتحدثان، وقد التقط من حديثهما بعص الكلمات فهم من خلالها أنهما يتحدثان عن عائلة نضال ويمدحانها، فقد اتصلت حنان بزوجها وأعلمته بما جرى فذهب لوالد نضال وعزاه في ابنه داعيا له بأطيب الأدعية.

تقدم نحوهما وقبل رأسيهما باحترام، واستأذن ليغادر لولا صوت والده الذي قال مُصبرا:

_إنه قضاء الله يا بني، كلنا ميتون، مات أشرف الخلق فمن نحن لنعيش في هذا الفناء؟  ثم إن الموت في زمن الفتن رحمة بنا يا حيدر.

ابتسم الآخر بتكلف وهز رأسه موافقا كلمات والده ثم غادر ولسانه يردد الدعاء بالرحمة لصديقه، فهذه ليلته الأولى في القبر وظلمته.

ركب السيارة وتوجه نحو منزل مصعب، مشاعره لم تكن متناقضة، فالحزن لا يناقض السكينة، والدموع لا تعني الاعتراض، بل إنها رحمة من الله أن أنزل على قلبه السكينة ولم بجزعه بفاجعة صديقه.

من جهة أخرى، داخل منزل مصعب...

_ألا ترى أن حيدر قد تغير؟

أجابه مصعب مبتسما:

_لدرجة لا يمكنني الجزم أنها حقيقة.

تابع بعينين مغمضتين بلطف وكأنه يستشعر كلماته بقلبه:

_الله يهدي من يشاء، اصطفاه الله بالهداية؛ إنها أعظم هدية قد يحصل عليها العبد!

أطبق عليهما صمت مهيب انشغل فيه فكر بُرهان بكل ما يجري، حديثه مساءً مع تيام، ضميره الذي استيقظ فجأة، أو ربما كان يتأهب لذلك من زمن، وقلبه الذي بدى يطالبه بتذوق حلاوة القرب من الله، كل ذرة في كيانه تُطالبه بذلك، ترجوه أن يسلك ذات الطريق، أن يلحقك صديقيه، سأل في قرارة نفسه «أهذا ما يُسمى بصحوة القلب؟ أهذه هي الهداية؟»

قطع حبل أفكاره صوت طرق على الباب، فأشار لمصعب أن يبقى مكانه وأنه سيذهب ليفتح عنه، إذ رغب في ممزاحة صديقه وافتعال شجار صغير  فقد اشتاق لذلك حقا.

فتح الباب وقبل أن يقول شيئا لاحظ وجه صديقه المنطفئ، سكونه بدا غريبا جدا بالنسبة لبُرهان، أما حيدر فقد اغتصب ابتسامة صغيرة ودخل بعد أن ألقى السلام ليرده الآخر فاغرا فاهه مصدوما، ثم تبعه حيث غرفة الجلوس.

سلم حيدر على مصعب كذلك، ثم جلس بصمت فسألاه معه وقد أوجسا في نفسيهما قلقا انعكس على صوتيهما:

_هل أنت بخير؟

أومأ بهدوء مجيبا:

_الحمد لله.

شعر بُرهان برغبته في الانفجار، الصراخ في وجه الذي أمامه بسبب هدوئه الغريب فجأة، فأخذ يهزه بعنف ونبرة غاضبة استقرت في صوته:

_ما بالك حيدر؟!  أتحسب الهدوء يناسبك؟

لم يعلق الآخر وقد اعتلته ابتسامة صغيرة ساخرة أو ربما مرة... جعلت ابتسامة أكبر حجما ترتسم على ثغر بُرهان الذي ابتعد قائلا بارتياح:

_نعم هكذا.

اكتفى الآخر بالصمت فسأله مصعب باهتمام وقد لاحظ الضيق عليه:

_ماذا جرى؟

أراح بجسده للخلف رفع رأسه للأعلى حتى لامست مؤخرة رأسه مسند الأريكة، ثم أردف بصوت متعب مع ابتسامة حزينة محاولا كبح دمعة ترقرقت في عينه:

_فقدت شخصا عزيزا علي... هذا كل ما في الأمر.

نظر له بذهول، ثم تمتم مواسيا:

_رحم الله فقيدك!

لم يستطع قول شيء آخر لكن بُرهان سأله بحذر:

_رحمه الله، هل هو من العائلة؟

_بل صديق...

ذُهل الآخران، فآخر ما توقعاه أن يكون لحيدر صديق غيرهما، بل ولم يخبرهما عنه أساسا، لاحظ حيرتهما فاسترسل بهدوء، بنبرة لم يعد فيها أي حماس:

_لقد ساعدني في ترك التدخين، أردت تعريفكما عليه غدا، لكن أجله كان أسبق.

لم يعرفا ماذا يقولان فأردف مغيرا دفتي الحديث:

_هل أبدأ السرد؟  جهزت سورة الرحمن كاملة.

ابتسم مصعب بهدوء ولم يكن منه سوى أن أومأ بهدوء وبدا يستمع لتلاوة صديقه الهادئة، كلاهما أنصتا له، تحسنت قراءته، وازدادت خشوعا عن بداية تعلمه... وفي هذه المرة بالذات، كان في صوته حزن دفين، جعل في تلاوته شيء غريب.

أنهى سرده دون توقف فقد حفظها جيدا وما إن أكمل حتى أثنى عليه مُصعب:

_طيب الله أنفاسك، أحسنت.

_وإياك، هل يمكنني أخذ سورة القمر كاملة؟

علق بُرهان معترضا بتذمر:

_هكذا ستسبقني بسور كثيرة!

شقت ابتسامة صادقة طريقها إلى شفتي حيدر وقال ببعض السخرية:

_اِلحق بي إن استطعت بُرهان

رمقه الآخر بازدراء رغم أنه كاد يطير فرحا داخله لرؤية صديقع الذي يعرفه جيدا:

_سألحق بك وسترى.

تابع وهو ينظر لمصعب بثقة:

_سأسرد نوح ثم سآخذ القلم والملك معا!

ضحك الآخر بخفة، وقد سره تنافس صديقيه على حفظ كتاب الله، كان في فترة ما يتمنى أن يتحداه أحد في ذلك، لكنه تحدى نفسه،  شيطانه، وهواه، وحفظ القرآن في خمس سنوات.

أشار لحيدر أن يقرأ سورة الطور من المصحف وهو سيصحح له إن أخطأ في حكم أو حركة، فبدأ الآخر يقرأ وقد انشرح صدره بعد لقاء رفيقيه، فقد كانا دواء دائه... حتى في أصدقائنا يختار الله لنا من نرتاح معهم، من يكون وجودهم راحة وأمانا لقلوبنا.

أنهى قراءته فباشر بُرهان السرد وقد علت شفتاه ابتسامة سعيدة وهو يقرأ، حتى انتهى فقرأ من المصحف سورتي القلم والملك كما فعل حيدر.

وقبل أن ينويا المغادرة أردف مصعب بابتسامة هادئة:

_لدي خبر أشارككما به.

نظرا له باهتمام فتابع سارقا نظرة تجاه حيدر وتابع بحذر:

_لا أدري إن كان وقتا مناسبا لذلك...

علق الآخر بابتسامة هادئة:

_أخبارك نسعد بسماعها في كل وقت.

أومأ برهان  مؤكدا فنظف مصعب حلقه ثم ألقى بالخبر عليهما وهو يحك مؤخرة رقبته بطرف مشيرته وعيناه تنظران للأرض بجانبية:

_خطبتُ قبل أيام... أخفيت الأمر حتى أتأكد من موافقة العائلة ووصلتني الموافقة اليوم.

تهلل وجهيهما وأخذا يباركان له، فسأله بُرهان باهتمام:

_وما العائلة التي كتب الله لك الانضمام لها؟

ابتسم مجيبا:

_عائلة ****

تفاجأ بُرهان وقال مثنيا على تلك العائلة:

_ونعم الاختيار، ولكن كيف حدث ذلك؟

أجابه بهدوء:

_حسنا، شجعني شيخي على ذلك ودلني على العائلة لأفاجأ أنها عائلة مازن زوج شقيقتك...

_والله لن تجد عائلة تصاهرها كتلك العائلة.

اكتفى الآخر بابتسامة فعلق حيدر بهدوء وشبح بسمة صغيرة مر على شفتيه:

_كتب الله لك الخير في حياتك يا صديقي.

وقف مغادرا:

_عن إذنكما، سأذهب الآن.

سأله مصعب بقلق:

_هل ستكون بخير؟

أجابه بنبرة حملت بعض السخرية:

_تتعامل معي وكأنني طفل يا مصعب، أنا أكبر منك يا رجل.

ثم غادر بعد أن ألقى السلام ليقول برهان بهدوء:

_لم أرى الحزن على وجه حيدر كما رأيته اليوم.

علق مصعب بهدوء وعلى ثغره ابتسامة مطمئنة:

_كُل مُر سيمر، وحيدر أقوى من أن تهزمه بعص الظروف والابتلاءات.

_صدقت.

استرسل مغادرا:

_حسنا يا صديقي، أراك غدا، أعدك سأسرد السورتين معا وسأصل لحيدر وأتجاوزه.

أنهى كلماته بحماس ثم غادر، فضحك الآخر بخفة وتوجه الخلاء، توضأ، ثم فرش سجادته في المصلى الصغير وصلى ركعتين دعا فيهما لنفسه ما شاء الله أن يدعوه، ثم دعا لصديقيه بالهداية والثبات، وكذلك لصديق حيدر بالرحمة.

من جهة أخرى...

كانت تقوى تسير في الغرفة بحماس وهي تنتظر عودة شقيقها من عمله، فلما أحست بوقع خطواته تقترب من غرفته التي كانت بجوار غرفتها، فتحت بابها ببطء وأطلت من خلفه وهي تشير له أن يأتي، فالجميع نائم الآن، وأي صوت قد يسبب استيقاظهم.

دخل والاستغراب يكسو ملامح وجهه فسألها بتقرب:

_ماذا يجري؟

قالت بهمس:

_ألقِ السلام أولا!

ضحك بخفة وأردف:

_السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

_وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته، كيف كان العمل؟

_على أفضل حال

ابتسم بلطف وقد أخفى عنها حديثه مع بُرهان، فهو أساسا لم يخبرها أنهما يعملان معا فقد خاف أن تعود للتعلق به مجددا وتبتعد عن الله.

انتشلته من شروده بحماس لم يتبدد رغم همسها:

_لدي خبر أشاركك إياه!

نظر لها بترقب فجلست على حافة السرير ليجلس بجانبها سائلا:

_بشري!

بدأت بإلقاء مقدمة صغيرة بسعادة وكأنها المعنية بما ستحكيه:

_حسنا، لطالما أخبرتني أن الله يختار لنا الخير في حياتنا، وما قد نراه شرا هو خير وإن لم نره صحيح؟

أومأ بهدوء، فتابعت مفصحة له عن ما تفكر به:

_واليوم رأيت هذا بأم عيني!

_وماذا جرى لتكوني متحمسة بهذا الشكل؟ 

أجابته وقد هدأت قليلا:

_جُمان خُطبت...

قاطعها معاتبا قبل أن تكمل كلماتها:

_ولم تخبرينني؟ ليس من اللبق تحديثي عن صديقتك يا تقوى.

رمقته بازدراء وأجابت مفسرة:

_من خطبها هو شخص يهمك أمره، إنه صديقك مصعب!

تابعت دون أن تترك للشقيقها فرصة التعليق:

_كما سمعت عنه منك أنه شخص جيد يخاف الله، لذا أنا سعيدة لأن الله عوضها!

اكتفى بابتسامة صغيرة ثم قال بعد أن طبطب على رأسها:

_أرأيت؟  الله لا يترك عبده، الابتلاء هو اختبار لنا، وكأنه مقياس استحقاقنا للنعم التي تنتظرنا، لذا علينا الصبر دائما والثقة أن كل أمرنا خير.

هزت رأسها برضى على تلك الكلمات فسألها بترقب وكانت عيناه تخطفان النظر لوجهها بحثا عن تضايق من سؤاله:

_تقوى، بعد حديثي ذاك اليوم معك، هل تضايقتِ مني؟

نفت بثقة:

_كلا، لو كنت مكانك سأفكر في الأمر ذاته، رغم أنني والله لم أعلم بأن زوجة مازن هي أخت برهان أساسا...

صمتت لوهلة تجمع الكلمات قبل أن تلقيها على مسامع تيام:

_ثم إنني لن أخفي الأمر عنك، ولا حتى عن شاهين، أتعلم لم؟ 

هز رأسه نافيا فأجابت:

_لأنني اقتنعت، بل وتيقنت أنني دون الله لا شيء، وإن ظننت أنني بعودتي لمحادثة بُرهان سأرتاح فأنا مخطئة جدا، فلا راحة لي بعد أن جربت القرب من الله.

أراحته كلماتها وكانت بمثابة الماء البارد الذي يروي عطش الظمآن في جوف الصحراء.

أطبق عليهما صمت قصير قطعه تيام بقوله وهو يقف مغادرا:

_نامي الآن، منذ بدأت العمل وأنت تسهرين كي تحادثيني بعد عودتي فما عدتِ تنامين كثيرا.

رمته بنظرات متذمرة ثم علقت مبتسمة:

_حسنا... تصبح على خير أخي!

_ليلة سعيدة.

غادر من عندما مبتسما، وهو يدعو الله لها بالثبات والتفقه في دين الله أكثر، فقد أسعده الحال الذي وصلت إليه شقيقته من قرب من ربها.

عند بُرهان...

كان يقف فوق سجادته، يحملق فيها بشرود، اتخذ القرار، سيجرب القرب من الله، سيجرب شعور صديقيه!

سيبتعد عن الأغاني والمسلسلات، سيبدأ صفحة جيديدة بيضاء، يملأها بشخصه الجديد.

هذه المرة، لن يصلي بالكوثر والإخلاص، بل سيصلي بنوح والحاقة، لن يركع ويسجد كنقر الديك، بل سيتأنى ويطمئن، سيصلي تعبدا، بقلب صادق هذه المرة، بنية خالصة لله، بفؤاد يتمنى الهداية والصلاح.

كبر وبدأ الصلاة، قرأ دعاء الاستفتاح ثم الفاتحة وبعدها الحاقة، ركع فسبح الله العظيم بعد أن اطمئنت جوارحه، وتابع التأني في صلاته حتى وصل السجود، فألصق جبينه وأنفه بالأرض مسبحا ربه الأعلى، ثم دعاه بصدق «اللهم اهدني وأصلحني»  وكرر هذا الدعاء برجاء في كل سجداته.

فلما فرغ من صلاته، آوى إلى مضجعه ورأى الساعة فإذا بعشر دقائق قد مرت كأنها دقيقة.

ابتسم، وشعر بانشراح صدره، اطمأن واطمأنت جوارحه، أغمض عينيه سامحا للنوم أن يداعبها بلطف بعد أن عقد العزم على التوبة وترك المعاصي والذنوب.

في غرفة حيدر...

جلس متربعا في منتصف سريره، شاردا في اللا شيء، يتذكر آخر لقاء له بنضال، قبل ثلاثة أيام...

العودة للماضي:

أخذ يحملق بعنينه البنيتين في هاتفه بتضجر ونفاذ صبر بانتظار صاحبه الذي تأخر عنه ساعة على الموعد المتفق، كاد يتصل به إلا أنه لمحه قادما برفقة شقيقته الصغرى سارّة، فذهب صوبهما ثم ألقى السلام وقرص خد الفتاة قائلا بلطف:

_هل أنتِ من أخرته؟

حدقت في شقيقها ببراءة ثم أعادت نظرها لحيدر قائلا بنبرة طفولية:

_آسفة.

بعثر شعرها مبتسما ثم نظر لصاحبه وتصافحا، ليقول نضال ببشاشة:

_تبدو بصحة جيدة حيدر، لست ذات الشخص منذ أسبوعين، كنت أخافك وقتها!

رمقه ببرود ثم توجها نحو المقعد ليجلسا تاركين سارّة تلعب مع الأطفال أمام ناظريهما.

حل عليهما صمت طويل قطعته كلمات حيدر وقد كان سارحا مع أفكاره:

_هِيه نضال.

_أبشر.

_ألديك أصدقاء؟

ابتسم مجيبا وعيناه تتابعان أخته:

_نعم، واحد.

تابع وقد استقرت عيناه على وجه صاحبه:

_يجلس جانبي الآن... أنت يا حيدر!

_تمزح؟ ظننتك محاطا بالأصدقاء يا رجل!

تنهد نضال بضيق قائلا:

_الصُحبة رزق يا صاحبي، ولم يرزقني الله بها إلا يوم عرفتك.

ابتسم حيدر حتى ضاقت عيناه واكتفى بالصمت لعدم معرفته ما يقول.

ــــــــــــ

اللجين: الفضة

كيف كان الفصل؟

نضال أثر في حيدر كثيرا...

وبرهان يبدو أنه قد عزم على التغير أخيرا...

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

عندما تعود إليه

المؤلف البروء
2025/12/27 مكتملة
قائمة الفصول (12)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة