ذكرى

ذكرى

19 0

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

قبل أن نبدأ أول فصولنا في هذه الرواية أرجو أن تضغطوا على القلب في الأعلى فذلك يدعمني👈🏻👉🏻

ولا تنسوا التعليق بين الفقرات رجاء 🤧

...

..

.

ارتفع صوت شهقاتها رغم محاولتها كتمانها، بكت بحرقة كأنها تبكي لأول مرة، انسابت دموعا على خديها كشلال ذو تيار قوي ترك أثره على وجنتيها المحمرتين.

في غرفتها الصغيرة ذات الطراز الكلاسيكي باللون الرمادي الفاتح تخلله بعض الوردي الهادئ المائل إلى البنفسجي.

جلست على سريرها تضم ساقيها لصدرها وتحشر رأسها بينهما حتى لا يسمع صوت بكائها سامع.

كلما شعرت برغبة في البكاء وترك العنان لحزنها أن يظهر، أطفأت الأنوار وأخذت مجلسها المعتاد: سريرها، فغرفتها كل ما تبقى لها في هذه الحياة، أو هكذا ظنت هي فمنذ ذلك اليوم وهذا حالها...

العودة للماضي:

عادت تقوى إلى المنزل فرحة بانتهاء آخر يوم لها كطالبة في المرحلة الثانوية، متحمسة لتخبر صديقها الذي لم يكن بالنسبة لها مجرد صديق  بل أكثر من ذلك لكنها كانت تقنع عقلها أن هذه علاقة أصدقاء كالأخوة فقط، تلك الكذبة التي اُبتليت بها الفتيات المسلمات.

كانت متحمسة لتخبره بما جرى في يومها الأخير، دون أن تعلم ما ينتظرها...

دخلت وألقت السلام بصوت عال ملأه الحبور معلنة عن وصولها، ثم توجهت نحو غرفتها بحماس لم تفلح في إخفائه كل خطوة بالنسبة لها هي زيادة حماس لإخباره... ولكن ما إن دخلت حتى فجعت بما رأت، تقدمت بخطوات مترددة تتمنى أن ما تراه مجرد كابوس!

في منتصف سريرها ذو الغطاء الأبيض؛ استقر هاتفها مهشما، فُصلت أجزاؤه كأن أحدهم قد رماه بكل قوته على الحائط ودون أية رأفة.

ركضت بسرعة والغضب يسبقها إلى غرفة الجلوس حيث جميع العائلة هناك... وقفت أمامهم وهدرت بصوت غاضب لم تستطع كبحه بعد أن أخذت دموعها مجراها:

_من فعل ذلك؟! (أشارت لهاتفها المكسور)

أتاها صوت شقيقها الأكبر، بنبرته الباردة دون رفع نظره عن هاتفه:

_أنا.

حدقت فيه بصدمة ونظرت لوالدها بعينين مترجيتين تنتظر منه معاتبة أخيها لكنه أخرج كلماته كسكاكين حادة اخترقت فؤادها المفطور:

_أخبري حبيبك أن يصلحه لك!

اتسعت بؤبؤتاها وفتحت عيناها على مصرعيهما معربة عن صدمتها مما سمعت، ابتلعت ريقها برعب محاولة استيعاب ما يجري حولها.

قلبت بصرها بينهم بصدمة، وجه شاهين كان خاليا من أي تعبير وكأنه ليس من حطم هاتفها، يمكنك الشعور بغضب والدها الذي يكاد يحرق ما حوله كبركان ثائر، واستقر على أمها شبح حزين؛ أما شقيقها الأصغر تيام فلم يجد ما يقوله سوى نظرات الخيبة التي كانت تُقرأ في عينيه.

استطرد والدها بنبرة محذرة لاذعة:

_لا أريد رؤية وجهك، انصرفي!

لم تتحمل سماع كلمة أخرى فغادرت نحو غرفتها بخطى سريعة، ليتبعها تَيّام متجاهلا نظرات شاهين الثاقبة التي يمكن فهم مقصدها «لا تتبعها!»

ضمت ركبتيها لصدرها وحشرت رأسها داخلهما وبكت بحرقة، بمرارة، بكاء قطع نياط قلب شقيقها، بكت لشعورها بأنها فقدت كل شيء، فقدت هاتفها مصدر سعادتها الوحيد... لن تعود قادرة على مراسلة صديقها، لن تخبره عن يومها، لن تشكي له برود شقيقها الأكبر، لن تفضفض له عن شعورها بالوحدة!

ربت تيام على ظهرها لتهدأ فهو يعلم جيدا شدة حساسية أخته وتأثرها بأبسط الأمور، ولم يخفَ عليه أن تصرف شاهين خطأ وقاس جدا فقد كان بإمكانه استخدام اللين والنصيحة، أن يحتويها كأخ متفهم لا أن يضع حاجزا بينه وبينها، لا أن يطعن قلبها بأفعاله ويترك به ندوبا لا تختفي مهما مر الزمن وطال.

سألها بهدوء محاولا استخراج الكلمات بلطف كي لا يزيد بكاءها:

_لم أرسلت له صورك؟

كانت نبرة الخذلان تكسو كلماته رغم محاولته إخفاءها...

لم يسألها عن سبب عدم إخباره عن علاقتها هذه، ولم يغضب لأنها أخفت عليه الأمر، لكن ما آلمه هو ثقتها العمياء بغريب لا يحل لها.

أجابته بصوت تخنقه العبرات:

_كلها بحجابي!

_لكنه ليس بسبب مقنع  (تحدث بهدوء)

رفعت رأسها وقالت مدافعة عنه وكأن قلبها لم يرضَ بقول شقيقها:

_إنه شخص جيد!

تنهد بضيق وابتسم محدثا إياها:

_أنت ثمينة جدا، والشباب في هذا الزمان لا يخافون الله، ولو  كان جيدا كما قلتِ لما طلب صورك بل لما حدثك أساسا... قد تكون الأمور جيدة لأنك ترينها بعينيك النقيتين يا تقوى.

صمت قليلا وقال بهدوء وكأنه يخشى ردة فعلها:

_أتعلمين؟ عندما رأى شاهين صور الشاب التي تحتفظين بها، قرر البحث عنه وتحذيره من مراسلتك مجددا، لكن لحسن الحظ أمي أوقفته وإلا كان من الممكن أن يرتكب به جريمة.

راقب تعابير وجهها التي لم يتخللها سوى الحزن والصدمة لذا ربت على كتفها مذكرا:

_تقوى، الله لم يحرم مثل هذه العلاقات إلا لحكمة، قد تجهلينها الآن، لكنك ستعلمين لاحقا أن هذا ابتلاء من الله، ولتعلمي أن الله إذا أحب عبده ابتلاء ليذكره بالرجوع إليه.

عودة للحاضر...

بتذكرها لآخر كلمات تيام بدأت تهدأ وكأن كلماته بلسم يداوي جروحها، تذكيره لها بالله كان أشبه بطوق نجاة يقذفه نحوها دائما.

في كل مره تظن أن الحياة ضدها؛ يقف هو وكأنه يقول لها أنه بجانبها، لم يتغير عليها بسبب ما حدث قبل ثلاث أعوام بل ازداد قربا منها وحاول تقريبها من الله أكثر، لم ينسىها في صلاته قط، دائما كان لها نصيب من دعائه.

رفعت رأسها ومسحت دموعها بيدين مرتجفتين ثم وقفت على قدميها لتتوازن ثم توجهت ببطء للخلاء -أكرمكم الله- توضأت وعادت لغرفتها...

فرشت صلايتها وارتدت ملاءتها ثم وقفت لتجرب الصلاه برغبة اللجوء إلى الله، برغبة تفريج همها، لا مجرد أداء حركات روتينية اعتادت فعلها في الصلاة المفروضة.

رفعت يديها مكبرة «الله أكبر!» نعم، فالله أكبر من كل شيء، من همومها، حزنها، وضيقها، ليتها فقط استشعرت ذلك منذ زمن طويل، ليتها تعلقت بالخالق لا بالمخلوق.

صلت ركعتين، ثم جلست على سجادتها تدعو الله أن يفرج همها، ويزيل كربها، ويربط على قلبها.

بكت وهي تدعو عندما تذكرت صديقها كيف كان يستمع لها، تذكرت كيف تحمل تقلباتها المزاجية، وكيف واساها عندما أخبرته أنها لا تملك أصدقاء، وأنه صديقها الوحيد.

حدثته عن كل ما يزعجها، واتمنته على أسرارها، كانت ترفض أن شخصا مثله يمكن أن يكون سيئا، على الأقل ليس معها!

تنهدت بضيق ثم وضعت ملاءتها وسجادة الصلاة في مكانيهما، وجلست على سريرها شاردة الذهن حتى سمعت طرقا على باب غرفتها، فمسحت دموعها وأذنت له بالدخول؛ كانت تعلم أنه تيام لا غيره.

جلس بجانبها ومسح على شعرها قائلا:

_ مجددا؟

_لا أستطيع نسيانه، عرفته لأشهر فقط ولكنها كانت أجمل أشهر في حياتي (ردت بضيق)

نظر لها قليلا بعينين مشفقتين ثم تبسم وقال وهو يضم يديها بين يديه:

_ من تعلق بمخلوق عذبه الله به تعلقي بالخالق فقط أيتها الجوهرة... وأيضا تلك الأشهر التي تحسبينها الأجمل ما هي إلا متعة لحظية صدقيني، فالجميل هو الحلال لا الحرام.

ألقت إليه بنظرات غير راضية واكتفت بالصمت، فتحدث مغيرا مجرى الحديث حتى لا يفتح أوجاعها مجددا:

_ هل أنهيت حفظ ما تبقى لك من سورة ق؟(أومأت فتابع) إذا باشري السرد، كل لي آذان صاغية.

بدأت تسرد عليه محفوظها بنبرة منطفئة هادئة فقط لتهرب من أفكارها، فمنذ عامين تقريبا بدأ تيام يدرسها القرآن، لم تعارض فلم يكن لديها ما تفعله في يومها غير الدراسة والبكاء.

تستيقظ، تذهب للجامعة، تعود، تبكي حتى تجف دموعها، تحفظ ما عليها سرده، ثم تسرده على شقيقها، تساعد أمها في أعمال البيت، تم تراجع مقررات الجامعة، وبعدها تنام ودموعها على خدها؛ هذا كان روتينها اليومي دائما.

حاولت الخروج من حزنها لكن دون جدوى، فإن كان سبب حزنها يرافقها كيف تتخلص منه؟ حاولت جاهدة التغير، التقرب من والدها وشقيقها الأكبر، لكنها بالمقابل كانت تقابل بالبرود فقط؛ فقد انعدمت ثقتهما بها.

لم يمنحاها فرصة أخرى رغم أن كل إنسان يستحقها...

أشعارها أنها ارتكبت ذنبا عظيما لا تغفره حتى التوبة!

أظهرا لها الإسلام بصورة قاسية، جعلتها تكره حياتها، وتكره دينها... ليس فقط بسبب تلك الحادثة، بل حتى تجاهلهما القاسي عليها، وكأنها غير مرئية؛ لذا كانت في كل ثانية تمر من حياتها تنتظر ملك الموت ليطرق بابها.

أنهت محفوظها فأثنى عليها تيام كما اعتاد دوما، أراد تشجيعها، كان واثقا أن شفائها يكمن في قربها من ربها؛ لذا بدأ معها رحلة حفظ القرآن عله يشرح صدرها وينير ظلمة قلبها.

_ أحسنت، أحسنت! باسم الله ما شاء الله!

لم تعلق على كلماته، فقد كان عقلها يتذكر كلمات والدها اللاذعة هذا الصباح وهو يخبرها عن انعدام ثقته بها.

سألته سؤالا احتفظت به كثيرا لنفسها، لكنها أخيرا أطلقت سراحه لينطلق حرا يحلق في الأفق:

_ أبي، وشاهين، هل يكرهانني؟

فرغ فاهه من الصدمة وهربت الكلمات من  لسانه، كيف يراودها سؤال كهذا؟

لاحظت صدمته فتابعت ملقية عليه همومها:

_ إن كانا يحبانني لم يتجاهلانني؟

أجابها بهدوء بعد تفكير كأنه يزن كلماته جيدا قبل إخراجها:

_ لا يوجد أب يكره ابنته، ولا أخ يكره شقيقته، هما فقط يريدان منك أن تكوني قوية لا تحتاجين أحدا.

شدت على قبضتها بقوه وعلقت بابتسامة ساخرة حزينة:

_ لا يبدو الأمر كما تقول، فشاهين يتجنبني دائما، وأبي كلما رآني يقول أنني لا أستحق الثقو التي منحي إياها ويقول أنني أفتقر للأدب لأنني حدثت فتى غريبا!

لم يجد ما يقوله، فسألته بجدية وعيناها تراقبان وجهه:

_هل تكرهني يا تيام؟

رمش مستوعبا كلماتها ليقول  مستنكرا بانفعال:

_هل تمزحين؟ كيف تفكرين في سؤال كهذا؟

نقر بمشيرته على جبهتها مستطردا بنبرة متذمرة شابها التأنيب:

_إياك أن تعيدي هذا السؤال مجددا!

زفر بضيق متابعا:

_هل كلمة أحبك كافية؟

ابتسمت بعفوية وأومأت، فتنهد وأرخى بجسده مستلقيا:

_ أحبك تقوى، أخبرتك... لا يكره الأخ أخته أبدا، ربما يكون باردا معها أو جارحا، لكن أن يصل الأمر للكره فهذا مستحيل!

لم تعلق على كلماته فقط شبح ابتسامة صغيرة مر على ثغرها...

أرخت بجسدها للوراء قليلا مستندة على يديها وسألته بشرود:

_من أين تحصل على يقينك؟

أجاب دون تفكير:

_القرآن

نظرت له بحيرة ففسر:

_ كلما قرأت أكثر وتعمقت شعرت أنه يخاطبني.

_القرآن؟!  (سألت بتعجب)

أجابها مصححا بلطف:

_ بل الله، فالقران كلامه؛ لذا أشعر أن خالقي يخاطبني، وكأن الآيات تحكي عني.

تابعت كلماته باهتمام صادق وكأنها تحاول حفظها.

_ أتعلمين؟ لو سُئلت عن كلمة واحدة أصف بها كلام الرحمن... لقلت «مواساة!»

في كثير من المواضع والآيات يواسينا الله، يخبرنا ألا نحزن وأنه معنا، ألا نخاف فهو يسمعنا ويرانا.

تقوى، إن الله لا يطلب منا غير عبادته، ولا يكلفنا فوق طاقتنا، أرسل الحبيب المصطفى بهذا الدين لينير طريقنا لا ليظلمها، نحن فقط لم نرَ الإسلام كما رآه الأنبياء والصحابة!

قاطعته:

_هل يجيب الله الدعاء؟

ابتسم وتلا:

_قال تعالى ﴿ وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِى عَنِّى فَإِنِّى قَرِيبٌ ۖ أُجِيبُ دَعْوَةَ ٱلدَّاعِ إِذَا دَعَانِ ۖ فَلْيَسْتَجِيبُوا۟ لِى وَلْيُؤْمِنُوا۟ بِى لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ ﴾  البقرة (186)

سألها:

_هل فهمت؟

أجابت باعتراض:

_لكن قد ندعوه كثيرا ولا يستجيب لنا!

_لاستجابه الدعاء طرق ثلاث (شكل الرقم بأصابعه)  فإما أن تجاب دعوتك التي ناجيته بها، وإما أن يدفع الله عنك بها شرا، وإما أن يدخرها لك في الآخرة، وما أعظم الثالثة عندما تأتيك كجبر في ذلك اليوم العظيم!

سألته بعفوية:

_إن دعوت الله أن يجمع بيني وبين بُرهان حلالا هل سيستجيب؟

علق بشك:

_ألم تقولي أنكما مجرد صديقين؟

توردت وجنتها خجلا ولم تجد مبررا فاختارت الصمت وانتظرت تعليقه...

تنهد بهدوء:

_ إن الله إذا أراد شيئا يقول كن فيكون... الله وحده يعلم ما الخير الحقيقي في حياتنا؛ لذا لو كان فيه خير سيأتيك الله به ولو كان في آخر بقاع الأرض.

وقف مغادرا:

_ تقوى تذكري...(أخذ نفسا وتابع بجدية) التعلق بغير الله عذاب، والدعاء دون يقين بالإجابة، هو حرث في البحر.

غادر تاركا إياها غارقة في بحر أفكارها، شعرت إثر كلماته وكأنها رشفت من ماء الأمل العذب بعد طول قحط اليأس..

كلماته أيقظت بعضا منها، جزءا مظلما داخله بدأ يتشقق ليتسلله نور الهداية.

من جهة أخرى

جلس شاهين على حاسوبه يعد تقريرا مفصلا عن أحد الأمراض، كما طلب منهم أستاذهم، فشاهين في سنته الأخيرة في كلية الطب.

سمع طرقا خفيفا على باب غرفته، فأذن لصاحبه ليدخل تيام بخطى ثابتة، جلس على حافة السرير، ودخل في صلب الموضوع بنبرة هادئة:

_ألا تظن أن مدة العقاب طالت؟

أجاب الآخر دون رفع نظره عن حاسوبه:

_ لا وقت عندي لهذا الحديث، إن أتيت لتؤلم رأسي بكلامك، فاخرج من فضلك.

تجاهل  كلماته وأصر على موقفه قائلا:

_ فكر بمنطقية، نهجك هذا لن يغير شيئا.

تابع بنبرة حملت غضبا حقيقيا:

_ لو احتويناها كما يجب لما لجأت لغريب!

زفر الآخر بحنق تاركا حاسوبه، والتفت بكرسيه المتحرك إلى شقيقه، ولم ينبس بشيء فأكمل الآخر:

_دعني أسالك سؤالا (شابك أصابعه) هل تكره أختك؟

قوس حاجبيه بسبب ما وصل لمسامعه وقال:

_ كلا، يستحيل أن يكره الأخ أخته!

ابتسامة جانبية أخذت مكانها على ثغر تيام الذي باشر بسؤال آخر:

_ وهل تجاهلك لها لثلاث أعوام يعد حبا في قاموسك؟

أمال شاهين برأسه لليمين قليلا وقال بنبرة حادة وعينان ثاقبتان:

_اهتم بشؤونك تيام، أعلم ما علي فعله.

تنهد مغادرا:

_عنيد!

وخرج تاركا شقيقه في صراع داخلي.

حدث نفسه «ربما هو على حق»

تنهد عندما تذكر علاقته بشقيقته كيف كانت جيدة نسبيا، لم تكن قوية بل هادئة، ولكن لمَ تغير الأمر الآن؟

هو يعلم جيدا أنما يفعله خطأ، وأن عليه الوقوف إلى جانب أخته، لكن الذكور بطبعهم يرفضون المبادرة.

في مكان آخر

داخل أحد أشهر المقاهي في المدينة، في إحدى الطاولات قرب الحائط الزجاجي المطل على الشارع؛ جلس الصديقان يتبادلان أطراف الحديث مع قهوة مرة ومعجنات الشوكولاتة.

_لمَ لمْ يأتِ مصعب؟  ( تحدث الشاب ذو القميص الأبيض وهو يضع كوب القهوة على الطاولة)

ارتشف الآخر سيجارته وهو يجيب بتهكم:

_قال أنه لا يستطيع، لديه درس في المسجد يود حضوره.

أومأ الآخر غير مبالٍ ثم قال بضيق إثر رائحة الدخان:

_ حيدر ألن تكف عن التدخين؟ إن أردت تعجيل موتك فما ذنبي بحق؟

ضحك الآخر لتظهر صفرة أسنانه وتنبعث رائحة الدخان الكريهة من فمه وأجاب ساخرا:

_ أتخشى أن تشم حبيبتك رائحة الدخان في ملابسك؟

زفر بضيق وهو يرتشف آخر ما تبقى من قهوته:

_ حبيبة ماذا بالله عليك؟ أخبرتك أنني تركت اللهو مع الفتيات منذ سنتين!

علق حيدر بشك وعيناه أشبه بجهاز كشف الكذب:

_ برهان، لا تقل أنك جاد في ذلك.

هز كتفيه بملل مؤكدا:

_ بدأت أرى الأمر مملا، ثم أنني أصبحت سيئا في جعل الفتيات يثقن بي، جميعهن استغللن مالي (صمت قليلا وتابع) باستثناء تلك الفتاة.

سأله الآخر ساخرا:

_ التي هجرتك منذ ثلاث أعوام فجأة؟ آسر القلوب هربت فتاة من بين يديه، فليدون التاريخ ذلك.

تحدث بغيظ:

_لا تذكرني!  ( حدق في كوب القهوة متابعا) من الجيد ان مصعب ليس هنا وإلا انتهى بنا المطاف بمحاضرة طويـ...

قاطعه صوت رنين هاتفه فأخرجه من جيبه وقرأ اسم المتصل ليجيب وقد اعتلته علامات التضجر:

_ما الأمر أمي؟

أجابت معاتبة:

_ألق السلام أولا!

زفر بضيق:

_السلام عليكم

_ وعليكم السلام ورحمه الله وبركاته أين انت؟

نظر حوله:

_المقهى المعتاد

_متى ستعود؟

_لا أعلم، لم؟

أجابته بهدوء:

_شقيقتك في المشفى

اتسعت حدقتا عينيه، وشعر بالمكان يخنقه، وهو يسأل أمه بقلق بدا جليا في صوته، وحتى على تقاسيم وجهه:

_لم؟ ماذا جرى لها؟

ضحكت والدته بخفه مما أثار في نفسه ريبة تلاشت عندما سمع صوت شقيقته تجيبه بدلا عنها:

_ مبارك لقد أصبحت خالا.

لم يعي الأمر في البداية وأخذ يتأمل الفراغ بشرود، وعينا حيدر تراقبانه بصمت.

رمش محاولا استيعاب ما سمعه وقال بصوت يرفض التصديق:

_ هل أنت جادة؟

_ نعم، تعال بسرعة لترى ابنة أختك (استعجلته بتذمر)

_ما اسم المشفى؟

_إنه ***

ما إن سمع اسمه حتى أغلق الخط وهم مغادرا وهو يقول لصاحبه:

_ ادفع أنت هذه المرة من فضلك، أنا مستعجل (غادر)

زفر حيدر بحنق محدثا نفسه بعد أن ارتشف من دخانه مجددا:

_يتهرب دائما

دفع الحساب على مضض ثم غادر هو أيضا

من جهة أخرى

_ يعجبني اندفاعك الشبابي يا مصعب، أول الحاضرين دائما.

تحدث الرجل الذي بدا في منتصف الخمسين وهو يمسح على لحيته باهتمام وفخر.

أجاب مصعب باستحياء بسبب ثناء الآخر:

_ بارك الله فيك على طيب كلامك يا شيخنا، إنه لشرف لي أن أسمع هذه الكلمات منك.

ابتسم الآخر وهو يصافحه مودعا:

_ ما قلت إلا الحق يا بني، أتمنى لك التوفيق في أمان الله!

راقبه مصعب وهو يسير مبتعدا عنه حتى وصل سيارته واختفى بين زحام السيارات.

تنهد بعمق وتوجه لمنزله سيرا على الأقدام؛ إذ لم يكن بعيدا عن المسجد، سوى خمس دقائق ربما.

وقف أمام منزله وتأمله للحظات، لم يكن قصرا أو حتى فاخرا، بل كان بسيطا صغير الحجم نسبيا، يكفيه بلا ضيق؛ إذ أنه يعيش وحده بعد وفاة والديه بحادث سيري عندما كان في الثانوية، مضت أربع سنوات بالفعل على تلك الحادثة.

تقدم ناحية الباب الخشبي وفتحه بمفتاحه، ثم توجه نحو غرفته، أخرج ملابسه، قميص أخضر عسكري فاتح اللون، ذو أكمام نصفية، وسروال يصل إلى ما تحت الركبة بقليل ذو لون أسود.

وضع ثيابه على السرير، ثم أخذ حماما سريعا بعد ذلك، بدل ملابسه وجفف شعره، كما ترك الملابس المتسخة في الغسالة، وشغل جهاز التكييف في غرفة الجلوس، وتوجه نحو المطبخ، ليعد ما يزيل به جوعه.

هذه حياته: من بيته، إلى الجامعة، ثم المسجد، ثم البيت مجددا وفي الوقت الحالي العمل أيضا...

مع ذلك لم يعبر عن سخطه من روتينه المعتاد، بالعكس كان سعيدا بحياته الهادئة تحت رحمة الله.

كل شيء حوله يرضيه عدا شيء واحد يتمنى تغييره؛ ألا وهو بُعد صديقيْه عن الدين.

أحد أحلامه الصغيرة أن يشاركاه الذهاب إلى المسجد، أن يكونوا في درب القران معا، أن يسيروا في طريق الهدى متجاوزين العقبات برحمة الله.

لم يمل ولم يكل يوما من الدعاء لهما بذلك، فهو على يقين أن الله سيستجيب له عاجلا أو آجلا.

أنهى تجهيز غدائه وأخذه لغرفة الجلوس حيث شغل المكيف فخلال تواجده بالمطبخ كانت الغرفة قد بردت بالفعل.

سمى الله وباشر الأكل في صمت، لكن عقله يضج بالأفكار فقد قارب موسم الامتحانات على الدخول ولم يبقَ غير أسبوع يفصله عنها... كما أن باله مشغول بأمر العمل؛ هل سيستمر فيه أم أنه سيتوقف كسابقه؟

اليوم هو يومه الرابع في كطاه في إحدى المطاعم الصغيرة، دوامه جزئي منذ 6:00 مساء حتى منتصف الليل... صحيح أن الوقت مناسب جدا له لكنه يخاف أن يتوقف المطعم عن العمل فجأة لأن عدد العمال قليل، فيخسر المكان الوحيد الذي وجده ملائما لظروف دراسته والمسجد، فوقته يأتي بعد حلقة المسجد التي يدرس فيها؛ إذ أنه من الجامعة يذهب  لحلقة التحفيظ في المسجد، ثم يعود لمنزله لينال قسطا من الراحة قبل أن يتوجه إلى عمله.

أنهى طعامه فحمد الله، وأثنى عليه بما أنعمه، ودعاه أن يوفقه ويسدد خطاه، وألا يفتنه في دينه أو يتركه يضل...  ثم دعا بدعاء النبي -صلى الله عليه وسلم- : (اللهم يا مثبت القلوب ثبت قلبي على دينك)

غسل أواني طعامه سريعا ونشر غسيله ثم توجه نحو عمله باكرا كما اعتاد دائما.

في مكان آخر

وصل برهان إلى المشفى في وقت قياسي وكأنه يسابق الريح لشدة سعادته بالخبر.

طرق الباب، ودخل، فوجد أمه، وشقيقه، وزوج أخته هناك...

تقدم بخطى سريعة نحو شقيقته التي تمسك طفلتها متجاهلا جميع من في الغرفة.

أخذ يحدق في الفتاة التي لم يمضِ على وجودها ساعة في هذه الدنيا، ينظر لها بدهشة وكأنه لأول مرة يرى طفلا حديث الولادة.

تجلت ملامحه الطفولية وهو يسمع صوت بكاء الصغيرة وأمها تهزها برفق لتهدأ.

_ لقد قررت أنا وبشرى أن ندعك تسمي الحفيدة الأولى للعائلة.

خرجت هذه الكلمات من ثغر مازن مع ابتسامة هادئة موجها حديثه لبرهان وعيناه معلقتان بابنته بحنان.

قلب ناظريه بين أخته وزوجها وبين والدته وشقيقه بارق في عدم تصديق:

_حقا؟!

أومات شقيقته بهدوء ثم تبسم ثغرها مؤكدة:

_ نعم، فليكن اسما جميلا كاسم خالها (غمزت له)

تنحنح مبتسما ثم فكر قليلا قبل أن يقول:

_ماريّة؟

تبادل الزوجان النظرات في رضا وقالا معا:

_جميل!

ابتسم برهان بسعادة وقرب وجهه من الطفلة قائلا بلطف:

_أهلا بك بيننا، ماريّة!

كانت لحظة عائلية دافئة ينقصها والدهم فقط، فبسبب عمله هو كثير السفر، قد يمضي خارج البلاد شهرا، ويعود أسبوعا المنزل ثم يغادر مجددا، لكن بسبب عمله الشاق عاشت عائلته حياة فارهة لم يحتاجوا يوما لشيء، وكل ما يتمنونه يحصلون عليه.

تزوجت بشرى قبل سنتين من مازن عندما بلغت من العمر 26 عاما تاركة والديْها مع شابين متناقضين:

برهان، الأخ الأكبر، وهو الطائش الذي لا يبالي بشيء، ويبلغ من العمر 22 عاما.

الأصغر هو بارق، ذو التاسعة عشر عاما، طالب في كلية الآداب قسم اللغة الإنجليزية، شاب هادئ رزين، يُعتمد عليه، ولكنه يحب استفزاز شقيقه.

حاولت العائلة من صغيرها إلى كبيرها أن تؤثر على برهان وإبعاده عن طريق الضلال، لكن دون فائدة، فلم يكتب له الله بعد التوبة...

كانت والدته تدعو له في كل صلاة بالهداية والغفران، ففؤادها مفطور على ابنها الذي ضيع شبابه في اللهو، والدنيا وملهياتها، ولم يلتفت للآخرة أو العمل لها.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

وهكذا انتهى أول فصولنا 👀

أنتظر آراءكم!

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

عندما تعود إليه

المؤلف البروء
2025/12/27 مكتملة
قائمة الفصول (12)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة