مدمن آخر

مدمن آخر

13 0

_أخبرتك لا شيء مهما، كل ما في الأمر أن خطيبي اتصل بوالدي أمس، وأخبره عن فسخي خطوبتنا معللا بأنه لم يرتح للاستمرار معي (اهتز صوتها) وأنه لا يرغب في انتظار عامين آخرين حتى أتخرج.

اكتفت تقوى بالصمت وسألت نفسها:«ماذا علي أن وقول؟ كيف أواسيها؟» في حين استطردت جمان بصوت باكٍ تفضي لرفيقتها بما كسر قلبها

_ لست بحزينة لفقدانه هو بل على نفسي التي ضاع من عمرها عامان مخدوعة بشخص لم يكن ينوي الإكمال منذ البداية.

تابعت من بين شهقاتها:

_ لماذا يستمتع الرجال بكسر قلوبنا؟ ألعلمهم بهشاشتنا؟ أم لأنهم يعرفون سرعة التعلق لدينا والعاطفة التي هي فطرتنا؟

كانت كلماتها بمثابة وضع الملح على جروح لم تلتئم لدى تقوى التي تأذت كثيرا من والدها وشاهين، رغم أنها بدأت تتناسى تلك الذكريات القاسية إلا أنه يستحيل أن تنساها، فالندوب لا تختفي وإن وضعت عليها مراهم الصيدليات كلها.

سألت تقوى نفسها مجددا عندما لاحظت سكوت الأخرى بانتظار أي تعليق منها:«لو كنت مكانها وتيام مكاني ماذا كان سيقول؟ كيف سيواسيني وقتها؟» لم يدم تفكيرها طويلا وقد أتتها الإجابة وكأنه يحدثها لتقول:

_ ليسوا جميعا هكذا، أتفهم حزنك جيدا، ولكن يا جمان أنت أعلم مني بأن الله يختار لنا الخير دائما؛ لذا لو كان في خطيبك هذا خير لما أبعده الله عنك.

استطردت وعلى ثغرها طيف ابتسامة حزين إثر تذكرها برهان الذي بدأت تحاول نسيان كل الذكريات المتعلقة به:

_ لعل الله يجهز لك جبرا عظيما؛ لذا كفاكي بكاء على أمر كتبه الله، فأنت لا تعرفين أين الخير.

سكتت أخيرا وكأنها بتلك الكلمات كانت تواسي نفسها قبل صديقتها، انتظرت أي رد من الأخرى التي بدأت شهاقاتها تخفت شيئا فشيئا حتى سكن صوتها وأردفت بنبرة ممتنة هادئة تحاول التجلد فيها:

_ نعم، كل أمر المؤمن خير، شكرا لك تقوى (تبسمت بهدوء) أرجو أن يرزقني الله صحبتك في الجنة!

لم تعرف الأخرى بما ترد لكنها شعرت أن تلك الكلمات الصادقة زادت من كسر الجدار الذي يحيط قلبها حتى صار معدما إلى حد ما.

تحدثت بنبرة هادئة مودعة لها:

_حسنا جمان، كوني قوية اتفقنا؟ سأرسل لك ملخصا جهزته بالكامل بكل ما أخذناه اليوم، أرجو أن تطلعي عليه... عن إذنك.

كانت ستغلق لولا صوت الأخرى:

_ مهلا، أشكرك من أعماق قلبي

_حبا وودا جماني! (استأذنت وأغلقت)

ابتسمت وهي تضع الهاتف قربها ثم حملقت في الفراغ بشرود، بدأت الذكريات القديمة تترامى كصور أمامها، المحادثات الطويلة بينها وبين برهان بدت كفيديو يظهر أمام عينيها، رسائله النصية، الصوتية، وحتى صوره التي يرسلها لها...  كلها تظهر أمامها فجأة.

شعور الحنين يدني منها رويدا رويدا حتى وصلت للجزء الأكثر ألما في كل ذكرياتها، ذاك اليوم الذي فقدت فيه روحها، اليوم الذي عادت فيه من آخر أيام الثانوية فصدمت بهاتفها المكسور الذي احتوى كل ذكرياتها.

مكالمة جمان هذه كانت قاسية جدا عليها، فقد أعادتها للماضي، لوقت أرادت تناسيه كثيرا.

اغرورقت عيناها وفاض الدمع منهما، الآن فقط شعرت أن ظنها بشان عودة المياه إلى مجاريها لم يكن صحيحا، فلن يعود شيئا لمكانه وإن عاد فلن يعود إلا مهشما لا يصلح.

سيطر الشيطان بأفكاره عليها لضعفها، وأنساها كل ما بدأت به لتعود لربها، فبكت اعتراضا على ما جرى ورغبة منها في محادثة صديقها، لكنها لم تجرؤ على لمس هاتفها لتبحث عن حساب كان ملجأها يوما كما ظنت، شخص بالنسبة لها كان ملاذها لكنه لم يرها سوى رقم جديد يُزاد إلى عدد الفتيات الاتي حادثهن رغم إيمانه باختلافها.

قلبها يريد العودة لكن عقلها حقا ينوي التوبة؛ إنه صراع قاس بين قلب ضعيف وعقل يتجلد ويقاوم.

لفت بوجهها ليظهر بوضوح على المرآة انعكاسها القديم، دموعها التي لا تجف، أيعقل أن تقوى ستعود لظلمتها بعد أن رأت نور الإيمان؟  بعد أن عرفت الله؟ بعد أن جبر الله قلبها بإصلاح علاقتها بعائلتها؟ أتقابل نعمه بالعصيان؟

كان كل شيء فيها متناقضا جزء منها يحثها على العصيان والآخر يصيح بها أن «لا تفعلي!»

شعرت بصوت خطوات تقترب، فلملمت نفسها، ومسحت دموعها لكنها نسيت الطبطبة على قلبها فلم يتوقف نشيجه داخلها،

دخلت إلى حمامها وغسلت وجهها تداري أثر الدموع، ثم خرجت من غرفتها فلم تجد أحدا، اغتصبت ابتسامة كاذبة وتوجهت نحو الصالة حيث تجلس أمها وشقيقيْها.

وقبل أن تجلس أشار لها شاهين، ففهمت مراده وسلمته هاتفها دون اعتراض، فقد اعتادت على حملته التفتيشية فجأة ولربما اليوم كان بمثابة تذكير لها بألا تعيد كرتها، فماذا إن حدّثت برهانا وفتح أخوها الهاتف فجأة؟

خطف تيام نظرة إلى هاتفها الذي بين يدي الابن الأكبر، فلاحظ أنه سلمه لها دون أن يفتشه أساسا، غير أن يده كانت تتحرك موحية بذلك؛ لذا ابتسم تيام وفهم أنه يفعل ذلك فقط لإخافتها كي لا تذنب.

جلست بصمت بعد أن تسلمت هاتفها وقد لاحظ شقيقها الأصغر حزنها، لكن لم يرد التحدث أمامهما، فالتزم الصمت وأخذ يراقبها وهي شاردة بذهنها، حتى قطع كل هذا رنين هاتفها لتنقلب ابتسامتها الكاذبة لقلق خالص بعد قراءتها اسم المتصل:

_السلام عليكم، ما بالك لا تجيبين على اتصالاتي؟

أجابتها أريام بصوت هادئ مطمئنة لها:

_ وعليكم السلام آسفة على إقلاقك، لكن هاتفي نفذت بطاريته فوضعته في الشاحن ثم ذهبت لمنزل جمان (استطردت بحزن) بخصوص سبب غيابها هو حزنها الشديد على...

لم تكمل فعلقت تقوى بارتياح متناسية أنها لم تكن وحدها:

_ الحمد لله أنك بخير، نعم، أخبرتني بذلك، لن أطيل عليك، مع السلامة.

لاحظت الأخرى أن صديقتها لم تكن بخير لكنها لم ترد الإثقال عليها فردت:

_لا تقلقي، ستكون لخير، في حفظ الله.

أغلقت الخط ووضعت هاتفها جانبا لتسألها أمها باهتمام؛

_أكل شيء شيء على ما يرام؟

أومأت الأخرى بهدوء مخفية ما ضاق صدرها من ذكرى قديمة، ليقطع هذا الجو المتوتر دخول والدها بعد عودته من العمل، ألقى السلام فاستقبله الجميع باحترام.

جلس على الأريكة يريح جسده من يوم شاق فذهب زوجته للمطبخ وحضرت له كوب ماء ليتناوله منها شاكرا.

وبعد مضي بضع دقائق تحدث تيام موجها كلماته لوالده:

_ أبي، ألي بالقليل من وقتك؟

أومأ والده بهدوء وكان على وشك الوقوف لكن ابنه استطرد:

_ ارتح، لا بأس بالحديث هنا، فلا غريب بيننا، إنها مجرد استشارة في أمر ما.

قوس الأب ظهره للأمام قليلا مشابكا يديه على فخذيه ورافعا رأسه صوب ابنه حاثا له على الحديث:

_تفضل.

انتبهت تقوى لما سيقوله شقيقها، فقد شعرت بغرابة تجاه الأمر، في حين استرعى الأمر انتباه شاهين ووالدته كذلك، وتنقلت الأعين بين الأب وتيام الذي قال باحترام وابتسامة هادئة:

_ أردت إذنك ورضاك عني، فقد اخترت الاعتماد على نفسي وبدء العمل، لادخار المال وصرفه على نفسي فهل تأذن لي؟

نظروا له بتفاجؤ فهو لم يلمح للأمر سابقا، أو يتحدث عن رغبته في ذلك، في حين ابتسم والده بهدوء مجيبا:

_وهل وجدت عملا؟

_نعم، مطعم صغير في طريق المسجد

_توكل على الله.

تهلل وجه تيام لما سمع كلمات والده وحمد الله الذي يسر الأمر فقد كان يتوقع رفض الآخر متحججا بأن عليه التركيز على دراسته والمسجد لذا قال كمن يتعطش للتفسير:

_ في الحقيقة كنت أتوقع رفضك أو أنك ستقول اهتم بدراستك فقط الآن.

رد والده ببساطة:

_ أنت أدرى بنفسك يا تيام

قبل أن يعلق الشاب، شعر بهاتفه يهتز في جيب بنطاله، وعندما أخرجه ونظر للمتصل وجده رقما فقط؛ لذا رجح أنه مصعب فقال مستأذنا:

_ المعذرة.

غادر متوجها لغرفته ثم فتح الخط ليأتيه صوت مألوف عبر سماعة الهاتف:

_ السلام عليكم، كيف حالك الآن تيام؟ أنا مصعب.

ابتسم مجيبا:

_ وعليكم السلام ورحمه الله وبركاته الحمد لله بخير وانت؟

_الحمد لله

ضحك تيام بخفة قائلا:

_اتصلت في الوقت المناسب.

_أوه حقا؟  هل تحدثت مع والدك؟

_نعم، لم يعارض.

_الحمد لله، حسنا، سأحدث المدير عنك.

_أنت في العمل الآن؟

_نعم (تبسم بهدوء)  دوامي ينتهي عند منتصف الليل... لكنني فضلت الاتصال الآن.

_هكذا إذا... لن أطيل عليك، أراك غدا، في حفظ الله ورعايته

_في أمان الله يا صديقي.

«أغلق الخط»

ابتسم سعيدا بما يجري ثم تذكر تقوى، فخرج من غرفته ليجدها أمامه تنظر له بعينين مؤنبتين وتقول متوجهة إلى غرفتها:

_تعال، لدي ما أقوله لك.

تبعها مستغربا وقد تسلل بعض القلق داخله خشيه أن شيئا ما أصابها.

دخلا الغرفة فجلست هي على الكرسي بعد أن قربته لحافة السرير حيث يجلس تيام لتسأله مباشرة بهدوء:

_ماذا يجري؟

علامات استفهام دارت حوله فاستطردت بنبرة معاتبة أكثر انفعالا وأقل هدوءا:

_ما الذي تخفيه عني؟

ارتفع حاجباه في دهشة وأراح رأسه مع باقي جسده للخلف قليلا متكئا على يديه، وقال بنبرة متعجبة حائرة:

_ما الذي أخفيه عنك؟ منذ، متى أخفي عنك شيئا يخصني؟

ردت ساخرة:

_أوه حقا؟ سبب سؤالك الغريب أمس، ذهابك مبكرا للمسجد اليوم، ثم رغبتك في العمل فجأة!

تفرقت شفتاه لتنطلق إلى مسامع أخته ضحكة خافتة أتبعها بقوله مع محافظته على نبرته الهادئة:

_هل تبدو هذه التصرفات غريبة؟

علقت بتذمر:

_جدا!

اعتدل في جلسته مجيبا:

_لا أذكر أنني سألتك سؤالا غريبا أمس...

_لكنك سألتني إن كنت قد القتيت بشخص غير جمان، كنت تقصد شخصا ما ولكن من هو؟!

تذكر ذلك فقال متهربا:

_أسألت سؤالا كهذا؟  (رمقته بحدة) لا أذكر حقا!

_لا أصدقك، أنت تخفي أمرا.

لم يجبها وكأنه يؤكد على صدق كلماتها بسكوته، فتابعت بضيق:

_ماذا عن الأمرين الآخرين؟ أم ستصر على إخفائهما أيضا؟

أجاب مبتسما:

_أنت تدققين كثيرا تقوى، كل ما في الأمر أنني ذهبت للمسجد كي ألتقي بمصعب لسؤاله إن كان يعرف مكانا مناسبا للعمل.

نظرت له بشك فتابع بتذمر:

_أقسم بالله على ما أقول!

استرسل بهدوء:

_أما بالنسبة لرغبتي في العمل فلم تأتِ من فراغ لكني فكرت في ذلك كثيرا، فكما تعلمين لا شيء لدي لأفعله بعد عودتي من المسجد.

صمت قليلا ثم ألقى بنظرات معاتبة تجاهها:

_أظن أن سوء الفهم قد حُل، فهل لك أن تخبريني بما يحزنك؟

شعرت بأن الكلمات تتدافع لتخرج فمهما حاولت كتم ما بها، لن تستطيع فعل ذلك أمامه:

_هل تعدني أنك لن تكرهني؟

نظر لها معاتبا:

_بالله عليك أكرهتك يوما؟

نفت في حين تسللت بضع دمعات على خدييها:

_لا، لكني...(أطبق عليها الصمت لثوان فحثها على المتابعة) أشعر أنني شخص سيء!

ابتسم بجانبية فنظرت له بذهول وقالت بصوت مهزوز جُرح بردة فعل من أرادته أن يواسيها:

_لم تبتسم؟ أقلت مزحة بالله عليك؟

_كلا...(طبطب على رأسها مطمئنا) السيئون لا يشعرون بسوئهم.

نظرت له تعي كلماته فاستطرد محدقا في عينيها:

_باب التوبة مفتوح، عودي إلى الله مهما حدث، مهما أذنبتِ، فما دمتِ على قيد الحياة لديك فرصة للتوبة فانتهزيها فإن ملك الموت مكلف بأجل كتبه الله لك لا تعلمينه.

تمتمت بغصة غي حلقها:

_أشعر بالضعف.

_تقوي بدينك، القرآن درعك وسيفك تجاه الشيطان ونفسك، وحتى تجاه الحياة!

قاطعته بسؤال صادق:

_كيف تحافظ على قربك من الله؟!

ابتسم بهدوء مجيبا بعد أن أرخى بجسده على السرير وحملق في سقف الغرفة:

_أنا مثلك ومثل أي شخص يحاول القرب من الله يا تقوى، لا تظني أني قد وصلت لأقصى درجات العبادة، بل إني أحاول، أتعثر وأقف، أنتكس وأعود، أهجر القرآن يوما فتهجرني السكينة حتى أعود له، لأنني عرفت الله، والإنسان إذا عرف الله فإنه سيشعر بالنقص دائما، وأنه بعيد جدا عن الله فيسعى للقرب أكثر، بعكس من لم يعرف الله حقا، فذلك الشخص يظن أنه جيد فقط لأنه يصلي المفروضات-دون خشوع- ولا يعرف للقرآن طريقا ولا عن يعلم شيئا عن دينه غير الصلاة والصيام وما أكثر هؤلاء في مجتمعاتنا!

العبرة يا تقوى أننا جميعا نخطئ ونعود، نذنب ونتوب، هكذا نحن!

لاحظ ارتخاء ملامحها المتشنجة فاستطرد مذكرا لها:

_يقول ﷺ [كل بني آدم خطاء وخير الخاطئين التوابون] رواه الترميذي وأحمد وابن ماجه.

ابتسمت بعفوية وكأن حزنها تلاشى في لحظة:

_حفظت الحديث، سأضيفه لعدد الأحاديث التي حفظتها منك!

ضحك بخفة ممازحا لها:

_السيئون لا يحفظون الأحاديث أيضا.

حدقت فيه بعينين معاتبتين بينما ابتسم هو براحة لتقول له بعد أن تبدلت نظرتها لنظرة طفولية وقالت بابتسامة مشرقة:

_أشكرك على وقوفك جانبي!

بعثر شعرها:

_على الرحب!

صباح اليوم التالي...

«جمان»

استيقظت ببعض النشاط على عكس اليوم السابق...

ارتديت حجابي ثم التقطت هاتفي الذي استقر في منتصف المكتب منذ البارحة بعد اتصال تقوى... يا الله كم أراحتني مكالمتها!

كذلك قدوم أريام، أثبت لي كم أنا مهمة لها.

خرجت من غرفتي نحو غرفة الجلوس لأجد والدي يشرب قهوته الخالية من السكر، فسلمت عليه مقبلة جبينه ثم رسمت ابتسامة صباحية مشرقة:

_أنا جاهزة أبي!

يمكنني ملاحظة تلك الابتسامة الهادئة التي تستوطن ثغره دائما، وهو يجيبني بنبرة لا تقل هدوءا عن طبيعة شخصيته:

_حسنا بنيتي (أشار لمفتاح السيارة) اسبقيني، سأكمل قهوتي وألحقك.

_حاضر!

أخذت المفتاح ثم توجهت بخطى سريعة، فتحت السيارة الرمادية ثم صعدت وجلست في مقعد الراكب الأمامي.

وجهت نظري نحو باب المنزل منتظرة أبي بعينين حاضرتين وذهن غائب يفكر في القادم.

المستقبل القريب، صحيح، لم نخشاه؟ لم نضع له ألف حساب؟ أليس من كتب الماضي والحاضر كتب المستقبل أيضا؟ ثم أليس من تجاوز الماضي ويتجاوز الحاضر يمكنه تجاوز المستقبل؟ فلم القلق؟

كم نحتاج من حسن الظن بالله والايمان بالقضاء والقدر خيره وشره كي نطمئن للقادم؟

في الكلية...

_أراك أتيت باكرا تقوى.

ابتسمت:

_ نعم، أردت رؤية جمان قبل أن ندخل للمحاضرة، فهي محاضرة الأستاذة منال (ضحكت بخفة) لن تسمح لنا بالحديث.

علقت أريام ببعض الدهشة:

_ تبدين واثقة من قدومها.

_بالتأكيد فجمان ليست من النوع الذي يستقر الحزن في قلبها لوقت طويل (تابعت بنبرة مستهزئة) ليس مثلي على الأقل

عبست الأخرى مؤنبة:

_لا تقولي ذلك (صمتت لوهلة ثم تابعت متذكرة) بالمناسبة، ما بك أمس؟ لم تكوني بخير؟ (أنهت جملتها باستفهام)

شردت تقوى للحظات متذكرة ما جرى بالأمس فقالت بابتسامة هادئة:

_ داهمتني بعض ذكرياتي فقط (أكملت بصدق) لكني بخير.

علقت أريام بارتياح:

_ الحمد لله.

وفي لحظة صمتهما أتاهما صوتها المرح من خلفهما وقد تخلله التذمر:

_ما شاء الله! أتتحدثان من دوني؟

التفتتا ناحيتها بتفاجؤ لتتابع بالنبرة ذاتها:

_لم أراكما متفاجئتين؟ أتريان وحشا؟

لم تستطيعا إخفاء ابتسامتيهما لتقول أريام بهدوء:

_ حاشا لمثلك أن تكون وحشا

علقت تقوى مخفية ذهولها وهي تخاطب جمان:

_ ما شاء الله، كيف تخطيت بهذه السرعة؟ أعطني الوصفة يا فتاة!

ضحكت بخفة وهي تجيب:

_ألا يعرف الطبيب الوصفة التي يعطيها لمريضه؟

_ بالطبع يعلم لكن ما شأن هذا في سؤالي؟

وقبل أن تجيبها اتسعت حدقتا تقوى تعي المقصد وتقول بذهول مشيرة لنفسها:

_ أنا الطبيب؟

_ نعم نعم!

علقت مستنكرة:

_ لكن ما الذي قلته؟

التفت جمان من خلف الكرسي وجلست جانبها مجيبه لها عن سؤالها:

_ذكرتني بما نسيت، ألم تخبريني ألا أبكي على أمر كتبه الله؟ أليس الخير فيما اختاره الله يا طبيبتي؟

_ طبيب (تمتمت ثم تابعت مبتسمة) الفضل لله، ثم لطبيبي الذي ألهمني لقول تلك الكلمات، فلم تكن لتخرج من بين شفتي لولا أنني تأثرت بما يقوله دائما.

نظرا لها باستغراب لتشهق جمان من الصدمة:

_أكان معك أحد عندما اتصلت بك؟

أجابت:

_ كلا، كان حاضرا في ذهني فقط، فعندما أحزن يواسيني بمثل هذه الكلمات؛ لذا أول ما تذكرته كان بفضله بعد الله الذي ألهمني لقولها

سألتاها بفضول:

_من هو؟

ابتسمت بهدوء:

_أخي الأصغر تيام.

تحدثت بانفعال وهي تنظر لساعتها:

_يا ويلنا مضت ثمان دقائق على المحاضرة

ضحكت جمان ممازحة:

_جهزنا قبرينا بأيدينا

سحبتها من يدها وهي تقول:

_ لا وقت للمزاح جمان علينا الإسراع

عندما وصلتا إلى القاعة وجدتا الأستاذة تلقي محاضرتها فتسمرتا أمام الباب تنتظران كلماتها وهي تطردهما، لكنها ما إن لمحتهما حتى ابتسمت لتصدم الفتاتان مما تريانه وما زاد صدمتهما هو كلماتها الهادئة لكنها تحمل بعض العتاب:

_لم تأخرتما؟

لم تعرف جمان ما تقول في حين تحدثت تقوى باحترام ونبرة مرتبكة:

_ أنسانا الحديث أن ننتبه للوقت، آسفتان!

طأطأت الفتاتان رأسيهما بندم وقلق من الكلمات اللاذعة التي ستمر عليهما كوابل من المطر الشديد لكنها قالت بهدوء:

_لا تكررا ذلك ثانية، ادخلا.

دخلتا وعيونهما تتقلب بين وجوه الطالبات في القاعة التي لا تقل حيرة عن حيرتهما

جلستا في آخر المدرجات لتباشر الأستاذة استئناف المحاضرة حتى مضى الوقت وأكملت شرحها، وقبل أن تغادر تنحنحت قائلة بنبرة صارمة:

_ حسنا، وفقكن الله، إنها آخر محاضرة لكُنّ معي

تهامست الفتيات في صدمة بكلمات عدة مثل:«لم؟ ما السبب؟ هل هذا حقيقي؟ ألن نرها مجددا؟»

وقفت جمان سائلة بحذر:

_لم؟

ارتسمت ابتسامة هادئة على وجهها وهي تجيب:

_ظروف أخذت جُل وقتي

لم تترك لهن مجالا للحديث إذ قالت وهي تتوجه نحو الباب:

_ ادرسن بجد، في أمان الله

غادرت.

تبادلت تقوى وجمان النظرات حزنا، فمهما بلغت صرامتها تبقى المرأة التي درستهما عامين في الجامعة، حتى اعتادتا عليها وعلى شخصيتها كذلك.

مساء... عند حيدر

كان يجلس على أحد المقاعد الخشبية في حديقة عامة، يراقب بعض الأطفال وهم يلعبون بسعادة دون هموم تشقيهم،

كان يفكر في قراره الذي عزم عليه وهو ترك التدخين، لكن يده تسللت لجيبه بتلقائية مخرجة علبة الدخان والقداحة، كانت عيناه تتابعان الأطفال، بينما يداه تعدان سيجارته ليضعها في فمه، ثم يدخنها، فيشعر بألم في صدره مجددا، ليلقي الدخان بيده على الأرض بغضب، ويدوس عليها ونفسه تشعر بالعار لعدم استطاعته التخلص من هذا الإدمان.

لم يشعر بالشخص الذي كان يقف جانبه يراقبه بابتسامة هادئة حتى قال لافتا انتباهه:

_ تكرهه لكنك أدمنته صحيح؟

رفع حيدر نظره تجاه صاحب الصوت وقال بنبرة باردة:

_من أنت؟

أجاب بهدوء:

_نضال

علق الآخر بذات النبرة السابقة:

_ماذا تريد؟

_مساعدتك

نظر له بازدراء قائلا:

_عذرا؟

قبل أن يقول شيئا أتته طفلة بدت في السابعة من عمرها وقالت بتذمر عفوي:

_ أين ذهبت؟ لم تركتني وحدي؟

نزل لمستواها واضعا يده على رأسها مجيبا بحنان:

_آسف سارّة.

ابتسمت برضا ثم أشارت لحيدر الذي ابتسم بلطف عندما نظرت له ببراءة وهي تحدث شقيقها:

_أهو صديقك؟

عاتبها متهربا من الإجابة:

_سارّة، اذهبي وأكملي اللعب، سألحقك بعد قليل.

_حاضر!

ركضت باتجاه الألعاب في حين كان حيدر ينظر لها مبتسما فقد تمنى أن تكون له أخت صغيرة يداعبها ويقضي وقته معها.

أردف بعفوية:

_لطيفة، ما شاء الله!

ضحك نضال بخفة معلقا:

_إنها جامحة في المنزل

استطرد مبتسما بهدوء:

_ إذا هل أنت موافق؟

عاد لبروده وسأل بعينين ناعستين:

_علام؟

_ أن أساعدك في الإقلاع عن هذا السم

تذكر برهان كيف كان ينعت الدخان بالسم أيضا فابتسم ساخرا:

_ وكيف ستساعدني؟ ليس وكأنك تعرف معنى الإدمان!

أجاب بثقة:

_كنت مدمنا أيضا!

حاول حيدر إخفاء صدمته ونظر للذي أمامه باستهزاء فكيف يكون مدمنا في السابق دون أن يظهر عليه ذلك؟

_لا يبدو ذلك!

ــــــــــــــــــــــــــــــ

آراءكم؟

ما رأيكم بالشخصية الجديدة؟

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

عندما تعود إليه

المؤلف البروء
2025/12/27 مكتملة
قائمة الفصول (12)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة