مدريد تستقبلني أم لا !! ❤️

مدريد تستقبلني أم لا !! ❤️

25 1

إنها مدريد يا سادة ! و أخيراً كنت قد وصلت . لقد درس والدي هنا و أختي الكبرى قبل أن تتزوج و تسافر و أمي التي تركتنا و رحلت و عمتي أيضاً . و ها قد حان دوري لأتخذ من هذه المدينة عريناً لي . أنا ليانا لوبيز ،فتاة في السادسة و العشرين من عمري أتيت لأبدأ حياتاً مستقلة . لم تخطر هذه الفكرة في بالي مسبقاً و لكن بعد أن كلمتني صديقتي روبينا و أخبرتني بأن الشركة التي ستقدم عليها تستقبل أيدي عاملة كثيرة نظراً لتغيير جذري في الطواقم اقتنعت بالفكرة و أعطيتها مجالاً لتسلل إلى دماغي و تأخذ حيزاً من وقتي. أخذ مني القدوم من مدينتي إلى هنا جرأة كبيرة و لو لم تكن روبينا صديقتي المقربة موجودة هنا لما أتيت على الإطلاق . كان أول ما حدث لي عندما وصلت إلى مدريد هو أنني تعثرت و أنا أترجل من الحافلة . يا لها من بداية . حينها  أخذ الجميع ينظر إلي و كأنني غراب في عش عصافير سنونو . مشيت في الشوارع علني أصل إلى وجهتي بدلاً من  أن أضطر إلى ركوب حافلة أخرى ،و هنا اصطدم بي رجل في أوائل الخمسين . لم أشعر بالخطر إلا عندما وضع يده على حزام حقيبة يدي و حاول شدها . هل ينتظر مني أن أستسلم و أصرخ مترجية إياه بتركي على قيد الحياة فقط لأنه يبدو كسلحفاة مشوية !! دفعته لارفع يدي و أصفعه "أبعد يدك أيها الرجل الأحمق " و مشيت مسرعة مبتعدة عنه ! لقد مر نصف ساعة منذ هذا الحدث الغريب و لكن الأغرب من ذلك أنني أخذت أفكر به الآن . مهلاً !! كيف لم أخف منه ؟؟ ماذا لو أخرج سكيناً و غرزها في أحشائي ،هل كنت سأتحدث هكذا بكل كبرياء و أنعته بالأحمق ؟! جلست على الرصيف العلوي حيث تمتد أزهار زينة كثيرة بلون أصفر و أحمر أشاهد الراحل و الآتي . كان الشارع يحمل في طياته الكبير و الصغير ،الملامح اللطيفة و الملامح القاسية التي أنهكتها الحياة أو ربما مدريد . رجل عجوز يمشي بجانب زوجته تتكئ عليه و تلف ذراعيها حول ذراعه . رومنسية مدريد !! ثلاث فتيات يبدو و كأنهن فتيات في المرحلة الثانوية . ربما لم يقاسين من الحياة ما قاسوه من كانوا في مثل عمرهن . شابان يبدو أحدهما مستعجلاً و الآخر منهك يحاول اللحاق به  . امرأة في أواخر الثلاثينيات تحمل ثلاثة أكياس ،و تبدو مستعجلة لتصل و تحضر الطعام لزوجها . أو ربما أطفالها . و حضرتي أنا ، ليانا لوبيز ، أجلس على الرصيف و لا أعلم لماذا ! هل علي أن أنتظر قدوم روبينا أم أكمل سيري بحثاً عن المكان الذي لا أعرف عنه شيئاً . * * * * * * * * * * * * زفرت ليانا بثقل ليقفز هاتفها باتصال من روبينا التي كانت تتذمر و تصرخ بها بأن تنتظرها لأنها ستأتي لتقلها مع صديق . روبي :أيتها العنيدة ،أخبرتك عندما تصلين اتصلي بي . _حسناً ،لقد حاولت إيجاد ... _لا تحاولي رجاء ،ابقي حيثما أنت أنا قادمة. كالعادة روبينا المتذمرة . زفرت ليانا براحة لتغمض عيناها و تستمتع بنسمة الهواء اللطيفة التي لفحتها بينما تنتظر روبي . نسمة لطيفة من مدريد ، يبدو و كأنها مبادرة لصك السلام بينهما. ! بين ليانا و مدريد ! نصف ساعة ليس أكثر ،ها هي روبي الآن تتقدم نحوها . روبي ذات الشعر الكستنائي ، العيون البنية و القوام الجميل . ابتسمت لتركض نحوها و تعانقها "لقد اشتقت لك، ليا " عانقتها هي الأخرى لتهمس عندما لاحظت رجلاً وسيماً يقف في الخلف محدقاً نحوهما بابتسامة لطيفة !!  "من هذا الرجل الذي يحدق بظهرك و كأنه كنز الون بيس ؟" ضحكت روبي لتبتعد عنها و تهمس من بين ضحكاتها الخافتة "عيب عليكي ،هذا جارنا صاحب المطعم " جارنا نحن !! هزت ليانا رأسها "جارنا صاحب المطعم قلتي لي " * * * * * * * * لم تأخذ الرحلة بالسيارة الكثير ،فقد وصلنا في أقل من نصف ساعة ،على عكس ما أخذ معهما عندما أتيا لاصطحابي . هذا الرجل ذو الحلة السمراء القاتمة حتما ً يبدو مغرماً بروبي . ألم ترى الطريقة الحالمة التي يحدق بها فيها أم أنها تدعي الجهل !! ضحك على شيء قالته روبي لم أسمعه أنا لأجد نفسي محتجزة عندما حدق بي كلاهما ينتظران مني .... أن ... أتفاعل ؟ ضحكت روبي لتقول "أعلم أن هذا الموقف يحرجك و لكنني لا أستطيع منع نفسي و عدم مشاركته مع الآخرين " مهلاً ؟! هذا الكلام ؟ عني أنا ؟ واو ،ها قد أتينا للفضيحة بأرجلنا العارية . حملقت بها بتهديد لأنني واثقة من هوية هذا المشهد . فهو المشهد الذي حدث في السنة الأخيرة في الجامعة حيث دفعت البروفيسور ظناً مني أنه الطالب الذي كان يغازل الفتيات بلا توقف . حدق بي ماتيلو هذا ،الرجل ذو الحلة السمراء الداكنة بنتظر مني ردة فعل و لكنه أبدى احترامه للموقف و أخفى أسنانه المصطفة ليركز على القيادة . * * * * * * * * * * كان منزل روبي هو الطابق الثاني فوق المطعم الذي يملكه ماتيلو . آهاااا إذاً لن نتخلص منه ، سيقفز أمام وجهنا كل عشرة دقائق فمنزله هو الجانب الآخر من المطعم . جلسنا في غرفتها الدافئة التي تحتوي على الكثير من الدمى القطنية الكبيرة منها و الصغيرة . لم أجد نفسي إلا و ارتميت بينها أحرك قدمي في الهواء لتضحك روبي و تهمس "يبدو أنك لا تحبين ماتيلو " توقفت عن الحركة لأرفع وجهي المطمور بين الدمى "من ؟ هذا الرجل ؟ " رفعت روبي حاجباها بتهديد "لا بل أنا " اتزنت في جلستي لأهمس "ليس هكذا و لكنه يبدو ملتصقاً قليلاً " ضحكت روبي لترمي دميتها الصغيرة التي كانت تتوضع على الرف بجانب رأسها لتحط بين يدي "أوه أحببتها ،سأخذها " و ها قد بدأنا جلسة النميمة خاصتنا ،قمنا بترتيب أغراضي و صنعنا بعض المأكولات اللطيفة التي يمكن أن تشاركنا جلستنا هذه . * * * * * * * * * * حل الليل و انتصف ، و سكنت الأصوات . في السماء اصطفت النجوم و في البحر سكنت الأمواج ما عدا بعض الأمواج المتمردة منها . كان الهواء يلفح بعض أجزاء مدينة مدريد ليلتف على أعمدة القصر الحجري . ذلك القصر ملك لعائلة مارتينز ،سمي بذلك كناية عن عقول و قلوب أصحابه ،فلو صحت الرواية جميعهم أحجار متحركة . يقال أنهم أبرد رجال مدريد ، و أكثرهم قساوة . المارتينز . **                          **                  ** كان القمر يبث خصلاته البيضاء على بعض الجدران و يتسلل بهدوء للداخل إلى بعض الغرف من خلال النوافذ . تحركت الستارة البيضاء بفعل الهواء ليصفع الباب خلفها و يمتد صوت الخطوات القاسية المصممة لافحاً ثنايا المنزل جميعها . لم تكن حلة واضحة بل كان شعراً أشقر يبدو خافت اللون بسبب الإضاءة الدافئة الخاصة بالليل . التفتت حدقتا هذا الرجل الخضراوان ليرى أن السكون كان قد أخذ نصيبه من المنزل ،لا شيء ،تماماً كتلك الليلة المشؤومة . الليلة الماطرة ،الباردة ،المغلفة بالوحدة و القاسية كقلب والدته . اقترب من الباب ليأتيه الصوت من أسفل الجهة الأخرى من المنزل ،فقد كان ظلاً أسود يقترب نحوه "إلى أين ؟ دييغو ؟" ظل ذلك الظل البعيد يمشي حتى اتضح للعين و الضوء ،رجل أبيض البشرة و ذو شعر بني فاتح ،رفع حاجباه بملل ليرف بعينيه العسلية "هاه ؟" رفع دييغو يده ليرجع شعره للخلف و يرمي بشبح ابتسامة خافتة "لمقابلة حسناوات مدريد ،أتأتي ؟" رفع ذلك الشاب يده ليحدق بساعته و لكنه لم يستطع أن يكمل كلامه عندما قاطعه دييغو مجدداً "الفتاة التي تنادي خوان خوان ليست موجودة ،أنت في مأمن " ابتسم خوان ليمد يده على الكرسي الذي أمامه و ينتزع المعطف الذي عليها "إذاً هيا بنا " * * * * * * * * * * ها قد عم الصمت مجدداً ، و اكتسح السكون كل غرفة في هذا القصر الكبير ،ما عدا حركة طفيفة في الجناح الأيسر . كان يقف بحلته القاتمة يحدق بالسيارة التي خرجت من البوابة الخارجية . أحمقان . التف بجسده ليدخل و يجلس على سريره الكبير . زفر بهدوء ليحدق بساعة الحائط ،الواحدة تماماً و لم ينم حتى لثانية واحدة . هذا القلق أخذ يكتسح كل عضو و كل خلية في جسده ،لم يستطع أن يغفو . لا يمكنه أن ينام بدون تلك الحبوب و لكنه لا يستطيع تجرعها الآن ،ماذا لو احتاجه لافيانو . اتكأ بذراعيه على ركبتيه ليزفر بثقل و يعود بذاكرته لتلك الشقراء الجميلة ،تلك الفتاة التي كانت تقفز بسعادة . تلك الفتاة التي كانت بعيدة عن متناول يديه و لم يظن أن له فرصة معها نظراً لأن ماتياس كان مغرماً بها . تلك الفتاة التي اكتشف أنها مغرمة به هو ،تحبه هو . عاد بذاكرته إلى تلك الليلة الباردة الممطرة حيث قالت له بعيون ملؤها الدموع "ستيفان ،ظننت أن مشاعري نحوك لم تكن أكثر من إعجاب متسائل و لكنني ،لكنني أحبك " هل حقاً قالت ذلك !! يا لسخرية القدر كانت أمامه و ليست ملكه لسنوات طويلة و لكنها عندما أضحت ملكه كان القدر السيء قد سرقها منه بعد سنة كاملة من زواجهما . توفيت بعد شهرين فقط من ولادة لافيانو . لافيانو !! عليه أن يطمئن على فلذة كبده الصغيرة . * * * * * * * * * أدار مقبض الباب بهدوء ليفتحه و يدخل و يقترب من السرير الصغير الذي يتوسط الغرفة . لافيانو صغيره اللطيف . ذلك الصغير الذي يملك بشرة والدته البيضاء المشعة بدلاً من البشرة الحنطية الخاصة بوالده ستيفان . و لكنه كان قد أخذ معظم ملامح ستيفان . الشعر البني كالشوكلا القاتمة و العينان السوداوان . مد يده ليمررها على جبين لافيانو ، و أخيراً لقد انخفضت حرارته . أخذ يتحرك هذا الصغير في نومه بتململ ليهمس "ما ما " ماما !! لم يشعر بوجودها و لا ليوم واحد فقد كان صغيراً عندما توفيت ، و لكنه طفل رائع . طفل يتفهم غيابها و يقول بأنه يحبها لأنها أنجبته وسيماً. زفر ستيفان لتشتد نسمات الهواء في الخارج قوة و تحرك الستارة السوداء في تلك الغرفة القاتمة بوحشية . كان جواً بارداً ،مظلماً برجل نائم يتوسط سريره و يعقد حاجباه بانزعاج . و كأنه يشاهد حلماً مزعجاً . * * * * * * * * * * * أمي ! أمي !! أمي !! لا تذهبي أرجوك . لا تذهبي . أعدك أن أكون أكثر لطفاً و هدوءً . أعدك أنني لن أتسلل لمكتبتك و أجلس بجانبك و أزعجك بصوت تناولي للطعام . أمي . و لكنها أبت أن تتوقف ،كانت تجر حقيبتها الأخيرة و الجميع يحدق بها . رجلان في عقدهما الثالث ،أحدهما بملامح قاسية يحمل بين يديه طفلاً صغيراً لا يتوقف عن البكاء . و رجلاً آخر بملامح دافئة ضحوكة يبدي أمارات حزن و يضع يديه على كتفي طفل بعمر الست سنوات بينما امرأة تقف بجانبه تهدهد لطفل بين يديها ليهدأ . كان يرتمي على الأرض و يبكي بقوة بينما يترجاها أن تعود ،ألا تذهب . و لكنها كانت مصممة . عيناها أخبرته أنه لا فائدة من صراخه و بكائه و أخبرت والده أني لم أحبك يوماً . أخفض الرجل رأسه ليغمض عيناه فما كان يخافه فد حدث ،ما كان يخاف منه قد حدث . ما كان يستبعده قد أتى . استقام الطفل ليركض خلفها ليزجره والده "ماتياس " و لكن ماتياس لم يستمع له و أخذ بالركض خلفها كالمجنون . كانت تنزلق على الدرجات بسرعة ليركض و يمسك بقدمها مترجياً "أمي ،أمي ،أرجوك .... انظري السماء تمطر ،لا يمكنك القيادة في المطر " و لكنها كانت تقف كالتمثال لم تحرك ساكناً و لم تستدر لتحدق به . عاد يتحدث مترجياً "أمي ،أعدك ألا أزعجك ، دييغو ، دييغو ،يحتاج للعناية ،دييغو صغير ،لا يمكنني أن أعتني به " و هنا كان قد تفاجأ بخروج رجل من مقعد السائق ليتقدم منهما و يأخذ حقيبتها تلك ليضعها في صندوق السيارة و يتجه نحو مقعده مجدداً "هيا بنا كيارا " كان ما حدث كالحلم ،بل كان الكابوس الذي يراوده كل ليلة . دخلت السيارة لتنطلق بعيداً عنه ،عندها أخذ بالركض خلفها كالمجنون "أمي " و لكنه تعثر ليسقط أرضاً و تصفعه تلك الأمطار بقوة . حرك رأسه بانزعاج ليعقد حاجباه ،كانت حبيبات العرق تتناثر على جبينه ليهمس "أ م ي " و عندها فتح عيناه فجأة ليجلس في منتصف السرير و يحدق حوله بضياع . كان كابوساً . مجرد كابوس . زفر بانزعاج يحاول التقاط انفاسه ،كان صوت أنفاسه الوحشية المتلاحقة يتصادم مع صوت الهواء الذي يصفع الستارة بوحشية . التفتت حدقتاه الرمادية القاتمة ليحدق بالنافذة و الستارة التي تتحرك بقوة. اقترب ليجلس على حافة السرير و يطمر وجهه في يديه لتنسدل خصلات شعره السوداء القاتمة و يزفر بثقل واضح . اقترب من النافذة يتكئ على جدارها لتصفعه النسمات القاسية و تبعثر شعره القاتم . ليلة السابعة و العشرين من أيلول ، ستبقى هذه الليلة في ذاكرته كليلة قاتمة حالكة و قاسية . * * * * * * * * * * *

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

أَنت وَ أَنا

المؤلف مريم اسمندر _Phoenix
2024/06/24 مستمرة
قائمة الفصول (12)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة