المطر كان يضرب نوافذ غرفة التشريح كطبول غاضبة، والبرد يتسرب من الجدران إلى العظام. ضوء المصباح الأبيض يسقط على الطاولة المعدنية، حيث تمددت جثة الدكتور سامي مراد، الطبيب الشرعي المعروف بفساده، بوجه شاحب كأنما يسخر من الموت نفسه.
وقف ياسين منكّس الرأس فوق الجثة، قفازاته تلمع تحت الضوء، وصوته منخفض، أقرب إلى همسٍ مدروس:
« لاحظي… لا كدمات على الذراعين، لا خدوش دفاعية، الضحية لم يقاوم ».
تقدمت نادية بخطوات مترددة، نظرتها معلّقة على الجمجمة المفتوحة جزئيًا:
« هل يعني هذا أنه عرف القاتل… أو وثق به بما يكفي ليتركه يقترب منه؟».
أومأ ياسين ببطء، عيناه تراقبان الخطوط الدقيقة في العظم:
« بالضبط ».
سحب أداة معدنية وأشار بها إلى الكسر:
« الضربة الأولى كسرت العظم الجداري، الثانية عمّقت الكسر حتى القشرة الدماغية… أما الثالثة فكانت زائدة. لم تكن ضرورة… كانت رسالة. القاتل أراد التأكد أن الضحية لن يقوم مرة ثانية ».
تجمدت أنفاس نادية للحظة. تكتب في دفترها بسرعة، لكن عقلها مشغول بكلماته أكثر من حروفها.
دخل فجأة العقيد منصور، بخطوات صاخبة تكسر الصمت. صوته الجهوري غطى على صوت المطر:
« رسالة؟!
رسالة تقول إن القاتل سفاح بارد! ما هذا الهراء؟ ثلاث ضربات مطرقة… يعني قاتل غاضب، لا أكثر ».
رفع ياسين نظره ببطء، نظرة ثابتة، وابتسامة بالكاد تُرى:
« الغضب يترك فوضى، أيها العقيد. هنا… كل شيء نظيف، منضبط. ثلاث ضربات متساوية تقريبًا. ليس غضبًا… بل هوس بالدقة ».
انقبض فم منصور في امتعاض، وألقى بملف على الطاولة الجانبية:
« هذا ما وجدناه في معطف الضحية ».
مدت نادية يدها ببطء، التقطت الملف. كانت بعض أوراقه محروقة من الأطراف، كأن أحدهم حاول التخلص منه على عجل. قلبت الصفحات بعناية، حتى وقعت عيناها على ورقة ملطخة بدم باهت. الاسم المكتوب عليها جعل قلبها يقفز:
« قضية رقم 47/ج… محفوظة باسم 17_س ».
شهقت بصوت منخفض، ثم رفعت عينيها نحو ياسين. نظراته كانت متسمّرة عليها، وكأنه يعرف ماذا يعني الحرفان.
قطع منصور الصمت بحدة:
« ما الذي وجدتِه؟».
ترددت نادية لحظة، ثم أغلقت الملف بسرعة:
« ملف ناقص… يحتاج تدقيق ».
لكن داخلها، العاصفة كانت قد بدأت:
عاد صوت ياسين يخترق الصمت، هذه المرة أعمق:
« الغريب… لم يستخدم القاتل قوة. لا دماء متطايرة، لا جدران ملطخة. وكأنها ليست جريمة… بل طقس تطهير ».
ارتجف قلب نادية، الكلمات أيقظت العبارة التي لا تغادر ذهنها:
« ليس قتلاً… إنه تطهير ».
رفعت عينيها إليه، محاولة اختراق جدار هدوئه. لكن ما وجدته كان أعمق من الغموض… كان كأنه يعرف أكثر مما يقول.
في دفترها كتبت بخط صغير مرتجف:
« ثلاث ضربات، دقيقة، هادئة… توقيع عقل يعرف ما يفعل ».
وفجأة… انطفأ الضوء لثوانٍ. عمّ الظلام القاعة، ولم يبقَ سوى صوت المطر وصفير الأجهزة. شعرت نادية بأنفاسها تتسارع. وحين عاد الضوء، وجدت ياسين يبتسم بخفوت وهو يضع دفترًا أسود بجانبه.
لم تجرؤ على السؤال، لكنها كانت متأكدة من شيء واحد:
« هذا الرجل… ليس مجرد خبير. هو نفسه لغز ».
Syra__velle!.