كانت نادية لا تزال طفلة حين اهتز بيتها بصوت خبر صاعق: والدها، الشرطي المعروف بصرامته، وُجد مقتولًا في ظروف غامضة. تلك الليلة قلبت حياتها رأسًا على عقب وغيرت كل شيء.
البيت امتلأ بالغرباء: رجال شرطة، محققون، جيران يتهامسون… لكن ما بقي محفورًا في ذهنها لم يكن أصواتهم، بل وجه أمها وهي تحاول الظهور قوية، وعينيها المحمرتين من البكاء، تحاول إخفاء الرعب والفقد، وكأنها تحارب العاصفة بداخلهما.
نادية الصغيرة وقفت في زاوية الغرفة، ممسكة لعبة صغيرة بيديها المرتجفتين، وهي تسمع الكلمات تتردد:
«جريمة… مجهول… لم نعرف القاتل… ربما انتقام… ربما رسالة ».
كبرت نادية، ومعها الفراغ في قلبها، السؤال الذي لم تجد له جوابًا:
« من قتل والدي؟ ولماذا؟».
مرت السنوات، وأمها حاولت أن تُبعدها عن عالم الشرطة والتحقيق، لكنها كانت كلما سمعت صفارة إنذار أو رأت دورية تمرّ، يشتعل داخلها إحساس غريب… مزيج من الحنين والخوف والرغبة في كشف الحقيقة. لم تكن مجرد رغبة بالفضول، بل شعور بحاجتها لتجاوز الخوف الذي دبّ في عظامها منذ تلك الليلة.
في الجامعة اختارت دراسة علم الجريمة، رغم اعتراض عائلتها. كانت تقول لنفسها:
« إذا لم أبحث أنا، من سيبحث؟ إذا لم أفهم هذا العالم المظلم، كيف سأفهم الرجل الذي كان أبي؟».
صارت تتدرب ليلًا، تحفظ الملفات القديمة، تتطوع في وحدات التحليل، كل ذلك بدافع داخلي أقوى من أي طموح مهني: رغبتها في مواجهة شبح الماضي، مواجهة الألم الذي بقي محفورًا في قلبها، والإصرار على أن لا يظل الظلام بدون إجابة.
حتى اليوم، كلما وقفت أمام مسرح جريمة، كانت تسمع صدى تلك الليلة الأولى، وتشتم رائحة الخوف ذاتها. ولهذا، عندما التقت ياسين لأول مرة، لم ترَ فيه مجرد زميل… بل انعكاسًا لشبح آخر، شخص يحمل في عينيه نفس الأسرار والظلام الذي التهم والدها.
ربما لهذا، دون أن تشعر، بدأ قلبها ينجذب إليه… ليس لأنه رجل غامض فحسب، بل لأنه مرآة لذلك السؤال القديم:
«هل يمكن أن أجد عنده جوابًا لما فقدته؟».
Syra__velle!.