الـظـل الأقـرب

الـظـل الأقـرب

15 0

كانت العبارة الأخيرة محفورة في ذهنها، كأنها وُشِمت في جدار عقلها:

« ليس قتلاً... إنه تطهير، مع تحياتي يا حضرة المحققة ».

وقفت نادية أمام الجدار الملطخ، والبرد يزحف في عروقها رغم أن القاعة مكتظة برجال الشرطة. أصوات الكاميرات، صرير الأقلام، وقع الأقدام… كلها ذابت في خلفية مشوشة. الحروف الدامية كانت تخنقها، كأنها وحدها المقصودة وسط هذا الضجيج.

رفعت يدها بتوتر، لامست أطراف القلم في جيبها محاولة أن تخفي رجفة أصابعها. نظرت حولها… نفس الوجوه التي اعتادت أن تثق بها صارت أثقالاً على صدرها. كل زميل هنا يمكن أن يكون عينًا للقاتل. وكل خطوة باتجاهها قد تخفي نية قاتلة.

همست لنفسها بمرارة:

« الجميع مشتبه به… حتى أنا لم أعد أثق بعقلي ».

ثم التقت عيناها به.

_ياسين_.

كان واقفًا على الهامش، نصف جسده غارق في الظل، والنصف الآخر تحت ضوء باهت جعل ملامحه أكثر غموضًا. لم يكن يشارك في الفوضى من حوله. لم يثرثر مثل الآخرين. فقط عيناه كانتا تعملان، تمسحان المكان بنظرات هادئة، كأنهما تجمعان خيوطًا لا يراها غيره.

في تلك اللحظة شعرت بشيء غريب يجذبها نحوه. مزيج غامض من الطمأنينة والخوف. قلبها خفق أسرع… لم تدري:

« أهو تحذير؟ أم انجذاب؟».

اقتربت بخطوات مترددة، وصوتها بالكاد يخرج:

« ماذا ترى؟».

أدار رأسه ببطء نحوها، عيناه ثابتتان، صلبة كالمسامير، وصوته عميق لا يعرف الارتجاف:

« أرى قاتلاً يعرف كيف يترك لك رسائل… قاتلاً يعرفك أنتِ جيدًا ».

الكلمات وقعت عليها كصفعة. ارتجفت رغمًا عنها.

« يعرفني؟…».

تراجعت خطوة، لكن ياسين لم يتحرك. ظل ثابتًا، يحيطها حضوره كقيد غير مرئي.

قالت بتحدٍ مرتجف:

« هل تعني أنه يراقبني بالذات؟».

ابتسم ابتسامة صغيرة، لكنها لم تصل إلى عينيه:

« ربما… وربما أنتِ أقرب إليه مما تظنين ».

شعرت بحرارة تسري في وجهها. لم تفهم إن كان يلمح إلى شيء تعرفه أو يخفيه. قلبها يتسارع، عقلها يصرخ، لكنها لا تستطيع أن تُبعد عينيها عنه.

حاولت استعادة صرامتها، رفعت دفترها وبدأت تكتب بسرعة، كأنها تهرب إلى الورق:

« الجميع مشتبه به… لكن لماذا لا أستطيع أن أشك فيه؟».

وفي داخلها، كان صوت آخر يهمس بخبث:

« أم أنني لا أريد أن أشك فيه؟».

ليلاً…

جلس ياسين في شرفته الصغيرة. سيجارة تتوهج بين أصابعه، والدخان يتصاعد كسحابة رمادية تبتلع وجهه. أمامه صورة لنادية، مسنودة على الطاولة الخشبية القديمة.

الليل لم يكن سكونًا بالنسبة له… بل جدارًا أسود ينعكس عليه صراخه الداخلي. كل نفس من سيجارته كان محاولة يائسة ليطفئ شيئًا أعمق من نار التبغ: رغبته في قتلها، وخوفه من فقدانها.

عيناه تتأملان ملامحها: القوة الصامتة في نظرتها، ذلك التناقض بين خوف طفولي وصرامة مهنية. شيء فيها يربكه. شيء لم يجده في أي ضحية سابقة.

همس لنفسه:

« لماذا هي؟…».

استعاد في ذهنه صورة جثة قديمة، والرسالة التي تركها بخط يده:

« ليس قتلاً… إنه تطهير ».

لطالما كانت المسألة واضحة بالنسبة له: كل ضحية صفحة تُمحى. كل جريمة تطهير. لكن مع نادية… القاعدة تهتز.

مد يده إلى دفتر أسود بجانبه، فتحه ببطء، كتب بخط مائل:

« نادية مختلفة…

بين الدم والحياة، أنتِ حدي الفاصل ».

أغلق الدفتر بسرعة، كمن يخشى أن يفضحه حبره. ثم رفع نظره نحو الصورة، ابتسم ابتسامة باهتة، وهمس بصوت بالكاد يُسمع:

« ربما… أنتِ من سينقذني… أو أنا من سأدفنك ».

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

أربـعـة رجـال و طـفـل

المؤلف Syra__velle!.
2025/08/30 مستمرة
قائمة الفصول (14)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة