داخـل عـقـل يـاسـيـن

داخـل عـقـل يـاسـيـن

34 0

المقدمة:

هل قتلتُ أحدًا اليوم؟

لا.

ليس بعد على الأقل.

بدلًا من ذلك، احتسيت قهوتي بمرارة مُتعمدة، ارتديت قميصًا رماديًا مملًا، وذهبتُ إلى عملي كموظف بلا معنى في مؤسسة بلا روح.

الناس هناك يضحكون كثيرًا، وربما لو علموا أن أحدهم بينهم قاتلٌ محترم، لتوقفوا عن ذلك.

لكن لا تقلق، لن أقتلك. إلا إذا كنت كاذبًا، خائنًا، أو... تُحب كثيرًا.

أنا ياسين، ٣٢ سنة من الهدوء المُريب.

وُلدت مرة واحدة، ومُتّ ألف مرة.

أول مرة حين كانوا يسحبون صديقتي من يدي وأنا أصرخ، والثانية حين طُعِنت هي في عينيّ وأنا أُشاهد، والثالثة حين دفنتُ سكينًا في صدر رجلٍ يستحق أكثر من الموت.

لا تسألني إن كنت نادمًا...

لأن الندم يتطلب قلبًا، وأنا فقدت قلبي منذ أن كان عُمري عشرة أعوام، وكنت أرتجف تحت الطاولة بينما والدي يغتصب أختي...

آه... آسف، نسيت أن هذا النوع من القصص يُفترض أن يبدأ بـ: "كان يا ما كان".

حسنًا. كان يا ما كان، في داخلي... أربعة رجال. وكلهم يكرهونك.

مرحبًا بك في روايتي.

ولا تنسَ، ربما تكون أنت الضحية القادمة.

كانت ليلة هادئة...

هادئة بما يكفي لتسمع صوت عقلك يتمزق من الداخل،

هادئة إلى حد مريب وكأن الزمن قد توقف احترمًا لشيء فظيع سيحدث أو قد حدث.

في شقة صغيرة على أطراف المدينة، حيث لا تجرؤ النوافذ على إصدار صوت، وحيث تنام الأبنية المتعبة على أحلام سكانها، كانت هناك رائحة...؟!

رائحة دم...

جثة رجل خمسيني على الأرض، يرتدي بدلة فاخرة، وجهه مشوه جزئيًا وعيناه مفتوحتان على اتساعهما، كأنهما تحاولان الصراخ بعدما فشل الفم في ذلك.

بجانبه على الجدار جملة مكتوبة بلون أحمر داكن:

« الخيانة لا تُغفر بل تُمحى ».

في داخل عقل ياسين، صوت يتكلم:

لا أشعر بشيء...

لا ندم، لا خوف، لا حتى لذة.

الذين يشعرون هم أولئك الذين ما زالوا أحياء من الداخل.

أنا لا أقتل لأنني غاضب... بل لأنني أطهر.

ما فعلته ليس جريمة... بل تنظيف.

كان كاذبًا... خائنًا... منافقًا...

والمجتمع يعذر أمثاله، لكنني لا أفعل.

أعرف أنه لم يكن أنا من فعل ذلك.

ربما كان هو...

ذاك الذي يظهر حين تغلق كل الأبواب،

الذي يبتسم حين أصرخ،

الذي لا يرتجف حين أنزف،

أو ربما ذلك الظل الذي أشعر بوجوده خلفي دومًا،

ذلك الذي لا ينام.

في اليوم التالي

كانت نادية تمشي بخطوات ثابتة وسط الفوضى التي خلفها رجال الشرطة.

مسرح الجريمة بدأ نظيفًا بشكل يثير القلق.

نظرت نحو الجدار، قرأت الجملة المكتوبة ثم تمتمت:

« ليست جريمة عشوائية ».

سألها أحد الضباط:

« هل تعنين أنه يعرف الضحية؟ ».

أجابت و هي تنظر بتمعن إلى الجثة:

« بل أظن أنه يعرف نفسه أكثر مما ينبغي ».

في غرفة مظلمة، كان ياسين يجلس أمام المغسلة، ينظر إلى يديه المرتجفتين، يغسلهما مرارًا وتكرارًا...

لكن الدم ما زال تحت أظافره.

همس في أعماقه:

« أنا هنا كنت قبلك، وسأبقى بعدك ».

في رأسه إلى المرآة، لكن ما رآه لم يكن وجهه، بل شخصًا آخر، بنظرة لا تحمل سوى الفراغ.

همس الصوت مجددًا:

« هذا الدم ليس للضحية.. إنه دمك.. دمك القديم... ذلك الذي لم تغسله كل سنوات الصمت ».

ضرب ياسين المرآة بقبضته... تشظت ولم يتألم.

لا يتذكر متى كانت آخر مرة شعر بشيء يشبه الألم.

« الألم يتطلب ذاكرة... وهو يعيش في عقل مجزأ ».

في نفس اللحظة، كانت نادية تغلق الملف وتتمتم وحدها:

«الخيانة لا تُغفر بل تُمحى».

ثم حدّقت في صورة الجثة وتساءلت:

« من هذا الذي يظن نفسه قاضيًا وجلادًا وربًا أخلاقيًا في آنٍ واحد؟ ».

الملف أمامها فارغ تقريبًا، عدا شيء واحد: رسم تشريحي دقيق لوجه الضحية، موقّع بحرف “Y”.

رفعت حاجبيها وقالت في نفسها:

« هذا العمل ليس هواية، هذا احتراف ».

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

أربـعـة رجـال و طـفـل

المؤلف Syra__velle!.
2025/08/30 مستمرة
قائمة الفصول (14)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة