تحت الأضواء الخافتة لموقف السيارات القديم خلف مبنى المحكمة، كانت الأمطار تنهمر برفق، كأن السماء تحاول غسل أثر الخطيئة الأخيرة.
الشرطي _صالح بن سحنون_رجل في الأربعينيات، بوجهٍ يختبئ خلف ابتسامة زائفة، وقف بجوار سيارته يدخن بعصبية. كان يظن أن هذا المكان معزولًا… لا كاميرات، لا شهود… لا عقاب.
لكن ما لم يعلمه أن خطواته كانت مُراقبة منذ أشهر، وأن كل أكاذيبه وخيانته قد وُثّقت بدقة. لم يتوقع أن نهايته لن تأتي بيد العدالة، بل بيدٍ تعرفه أكثر من أي جهاز مراقبة.
فجأة انطفأت الإنارة في جزء من الموقف، وغمره ظلام ثقيل.
ظهر ظلّ رجل يحمل زجاجة مكسورة، يده مغطاة بقفاز أسود. تقدم بخفّة، همس قرب أذنه:
« كنتَ تحلف بشرفك… وأنت تخون كل شيء ».
وقبل أن يتمكّن صالح من الالتفات، اخترقته الطعنات: في القلب، في العين، وفي منتصف العنق.
دقيقة صمت… ثم سقط الجسد.
على نافذة السيارة، كُتبت بالدم كلمات مرتجفة:
« الذي صرخ باسم القانون… كان أول من باعه ».
لم يركض القاتل… بل غادر بخطوات ثابتة، كأنه يُتمم طقسًا قديمًا.
استفاق ياسين فجأة.
كان جالسًا على الأرض بجانب الكرسي الهزاز، الذي ظلّ يصرّ ببطء، كأن أحدًا غير مرئي يجلس عليه.
لم يكن يعرف كم من الوقت مضى… ثوانٍ؟ ساعات؟ أيام؟
الهاتف المكسور أمامه أضاء فجأة، عارضًا صورة نصف وجه طفلة بعين دامعة.
حاول النهوض، لكن رأسه كان ثقيلًا، كأن ذاكرته تحوّلت إلى حجر.
في المرآة القريبة رأى وجهه… لكن ليس كما يعرفه: عيناه سوداوان بالكامل، والدم يسيل من أنفه دون أن يشعر.
الأصوات بدأت تنادي باسمه، كأنها تستنجد به.
صرخ وهو يرتجف.
« أنتِ غير حقيقية… لقد دفنتك بيدي!».
ركض نحو الحمام، فتح الصنبور، وغسل وجهه بجنون، بينما يلهث كمن يهرب من ظله.
في نفس الليلة، كانت نادية تقف أمام باب معدني بارد لقسم الطب الشرعي. لم تتوقع أن تعود إلى هنا بهذه السرعة.
النداء جاء عاجلًا: جريمة قتل غامضة… والأداة ما زالت موجودة.
دخلت إلى مسرح الجريمة.
الجثة كانت ممددة بعناية، كأن القاتل لم يتركها مصادفة، بل أرادها عرضًا مخيفًا.
جلد الضحية مائل للزرقة، وعلى شفتيه ابتسامة محفورة بشفرة، ابتسامة مُثبتة إلى الأبد على هيئة سخرية.
على الجدار، مكتوبة بدم الضحية، كانت الرسالة ذاتها:
« الذي صرخ باسم القانون… كان أول من باعه ».
ارتجف المكان كله. الهواء ثقيل، كأن الجدران نفسها تلفظ سرًّا غير مرئي.
بجانب الجثة وُجدت مرآة مكسورة، إحدى شظاياها مغروسة في قلب صالح.
تقدمت نادية بخطوات مترددة، ثم تمتمت بصوت مرتجف:
«لماذا مرآة؟».
كان ياسين واقفًا قرب نافذة السيارة، يحدّق طويلًا في العبارة المكتوبة بالدم.
أجاب دون أن يلتفت:
« كسر المرايا يعني تدمير الذات… والمرايا دومًا تكشف الوجه الحقيقي الذي يُخفيه المجتمع ».
التفتت نادية نحوه ببطء، حدّقت في ملامحه المرتبكة.
في عينيها سؤال صامت:
« هل القاتل حقًا في ملفات الشرطة؟
أم أنه يسكن في أعماق ياسين ذاته؟».
Syra__velle!.