جلست نادية على طرف السرير في غرفة لا تشبهها، لكنها تُشبه ماضيها الذي شَوَّه حاضرها.
الضوء الخافت المنبعث من المصباح الجانبي كان يرتعش كأنه يتنفس. حتى الجدران بدت وكأنها تخشى الإفصاح عمّا حدث… أو ما سيحدث.
لم تكن أوّل مرة تلتقي ياسين داخل غرفة التشريح. الحقيقة أنّها رأته قبل ذلك…
يومها كانت السماء رمادية، على وشك الانفجار بالبكاء، حين لمحته لأول مرة.
لم يكن رجلًا يشبه البقية، لا في خطواته، ولا في ملامحه. لم يكن وسيماً كما تُصوِّر القصص، ولم تكن في نظراته إغواءٌ عابر. لكن كان فيه شيء غريب، شيء لا يُفسَّر… حضورٌ ثقيل يفرض نفسه على الفراغ.
وقفت نادية خلف نافذة المقهى، تتبع قطرات المطر بأصابعها، وعيناها معلّقتان بذلك العابر.
_غريب_همست لنفسها. ما هذا الانطباع؟ وكأنني لا أنظر إلى رجل بل إلى ظلّ يمشي.
لم تكن تعرف اسمه ولا من أين جاء، لكن نظراته الحادة لم تكن تبحث عن أحد… بل تهرب من الجميع.
سألتها زميلتها في العمل وهي تلتقط ارتباكها:
« ما بكِ؟ كأنكِ رأيتِ شبحاً؟».
تمتمت بصوت خافت:
« ربما… أو ربما رأيت شخصاً غير عادي ».
ومنذ تلك اللحظة لم تفارقها صورة عينيه.
سألت نفسها مراراً:
« لو كان بطلاً، لِما يحمل كل هذا الألم في ملامحه؟ وإن لم يكن، لِما يبدو وكأنه خائف… من نفسه؟».
لم يكن حباً ولا إعجاباً، بل فضولاً مُرّاً، كمن يرى كتاباً بلا عنوان، يخشى أن يفتحه لكنه لا يستطيع التوقف عن التفكير في محتواه.
« هل يولد الشر هكذا؟ أم أنّ الألم هو الذي يصنعه؟».
في تلك الليلة لم يغمض لها جفن. كانت عينا ياسين تحاصرها… وتُرعبها.
ولم تكن تدري أنها قد خطت أولى خطواتها نحو دهاليز الظلام… حيث لا عودة.
Syra__velle!.