كان صغيرًا جدًا ليحمل كل ذلك...
لكنه كان كبيرًا بما يكفي ليسمع كل شيء.
صمت أمه...
شهقة أخته...
صراخ صديقته...
ضحكة أبيه وهو يغلق الباب بقوة، وكأنه يغلق العالم خلفه.
جلس ياسين في زاويته المعتادة.
نفس الركن الذي كان يهرب إليه كلما ضاقت به الحياة.
هناك، حيث الجدران لا تحاكم...
وحيث الأسئلة لا تنغز كالسكاكين.
فقط الصمت.
والصمت عنده أكثر ضجيجًا من الصراخ.
ظهره ملتصق بالجدار،
عيناه مشدوهتان إلى اللاشيء...
لكن أذنيه تعيدان كل ما حدث.
الزمن عنده لا يرحل.
بل يدور في حلقة مفرغة.
كان يعرف التوقيت جيدًا.
كل ليلة، حين تنطفئ الأنوار في البيت...
يشتعل الجحيم في الداخل.
لم يصرخ.
لم يتحرك.
لم يبكِ.
كان طفلاً تعلم مبكرًا أن البكاء لا ينقذ.
أن الصراخ لا يوقظ النائمين.
وأنك حين تبوح... تُدفن.
استفاق على صوت آلة القهوة تعلن أن القهوة جاهزة.
احتسى أول رشفة ببطء، كمن يتجرع الذكريات.
مرارتها كانت مألوفة...
بطعم الذنب، أو الندم، أو ربما العجز،
ذاك الذي صار نكهة يومية في فمه.
رمى بنظرة ثقيلة نحو الباب.
ذاك الذي أغلقه والده ذات ليلة...
وترك خلفه طفلاً مشروخًا يبحث عن أي صوت ينقذه.
لكن الطفل كبر.
صار رجلاً في الثلاثين.
ملامحه هادئة، لكنها تخفي خلفها عاصفة.
عيناه لا ترى الواقع، بقدر ما تعيد بث الماضي...
لقطات باهتة لا تنطفئ.
نهض من مكانه، سحب الستائر قليلاً.
الضوء ما زال مؤلمًا...
تمامًا كالحقيقة التي يحاول نسيانها منذ سنوات.
وقف أمام المرآة المعلقة في الصالة.
نظر في عينيه وسأل نفسه بصوت خافت:
«هل ما زلتُ هنا؟
أم أنني رحلت منذ زمن... وبقي الجسد فقط؟ ».
لكن لا أحد أجاب.
فالذين يسألون أنفسهم بهذا الشكل،
لا يبحثون عن إجابة... بل عن مخرج.
وهو... وجد مخرجه في القتل.
Syra__velle!.