رسـائـل لم تُـكـتـب

رسـائـل لم تُـكـتـب

23 0

لم يكن النوم يزور عينيه، حتى وهو ممدد في العتمة يحصي أنفاسه كأنها ليست أنفاسه.

الصمت في شقته لا يُطمئن... بل يخنق، فهو الوحيد الذي يعرف أن الهدوء أحيانًا... كاذب.

نهض ببطء، توجه نحو المطبخ.

فتح الثلاجة، لا لشيء، فقط ليكسر السكون. أغلقها.

عاد إلى طاولة الخشب العتيقة، مسح بقايا الفحم من ريشة رسم سوداء.

جلس على كرسيه وأخرج دفترًا أسود صغيرًا... ليس دفتر رسم، بل دفتر ملاحظات.

أسماء، تواريخ، ورسوم تشريحية دقيقة.

ثم... خبطة خفيفة على النافذة.

حدق... لا شيء.

لكن عينيه ظلتا ثابتتين هناك، تحدقان في اللاشيء، ربما لأنه اعتاد أن يرى ما لا يُرى.

في اليوم التالي..

في قسم الطب الشرعي، جلس على مكتبه يعيد تشكيل ملامح ضحية جديدة.

الضحية بلا وجه، أحرقت ملامحه تمامًا.

لكن ياسين؟ يرسم بثقة، كأنه يعرفه.

صوت كعب عالي يشق الهدوء، واستفاق شيء داخله، كأن الصوت أيقظ ذاكرة نائمة.

كانت الجثة مستلقية على الطاولة هادئة، كما لو أن الموت منحها طمأنينة لم تجدها في الحياة.

وقف رجل بجانب الجثة، هادئ، ملامحه شاحبة، عيناه غارقتان في الظلال، وكان يرسم تخطيطًا تفصيليًا للجروح والضربات.

اقتربت نادية بخطوات واثقة، لكن عقلها يحصي التفاصيل.

« أنت الطبيب الشرعي الجديد؟».

رفع رأسه نحوها، عيناه باردتان:

« نعم، ياسين رمّال ».

نظرت إليه مباشرة، ثم قالت بصوت هادئ:

« أرى أنك ترسم... أليس هذا جانبًا من عملك؟».

توقف قليلاً، ثم همس ياسين:

« أنا أرسم ما ألاحظه... هذه اللحظة ليست جزءًا من عملي الرسمي ».

نظرت إليه ثانية أطول مما ينبغي، ثم شعرت بشيء غريب.

وجهه لا يحمل أي تعبير، هدوؤه مفرط حتى في حضرة الجثث.

صوته منخفض لكنه متماسك، كأن الحزن فيه لا يخرج.

عادت نادية للواقع ومدّت يدها قائلة:

« نادية، محققة في قسم الجرائم النفسية المعقدة ».

صافحها بهدوء:

« تشرفت بمعرفتك ».

« وأنا أيضًا ».

وقفت أمام الجثة، الضوء الأبيض الباهت في غرفة التشريح يزيد الملامح بهتانا، وكأن الموت نزع الألوان أيضًا.

نظراتها لم تكن للجثة فقط، بل لما خلف الجلد البارد، كأنها تبحث عن حكاية لم تُروَ بعد.

تمتمت مع نفسها:

« كيف يستطيع أن يكتب رسائل بلا حبر؟ كيف يترك أثرًا بلا صوت؟ ».

جاء صوته من خلفها، بارد وهادئ كجرح قديم:

« الرسائل لا تُقرأ بالكلمات... بل تُقرأ بالألم ».

استدارت ببطء، عينيها تعلقت به للحظة، كأنها رأت فيه شيء لم تكن مستعدة لرؤيته بعد.

مدّ لها ملفًا رماديًا، هذا هو الرسم التشريحي.

نظرت إليه ثم إلى الورقة...

ولأول مرة شعرت نادية بشيء يتحرك داخلها، شيء يشبه الخوف أو ربما حنين مبهم لحقيقة لا تريد اكتشافها.

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

أربـعـة رجـال و طـفـل

المؤلف Syra__velle!.
2025/08/30 مستمرة
قائمة الفصول (14)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة