كانت الرائحة أول ما شعر به…
دم.
دم دافئ بدأ يبرد، كأنه يسبح في بحر من الألم، بينما ذكرياته تتلاطم فوقه مثل أمواج ملوثة.
جلس ياسين في مكتبه يتصفح ملفًا قديما لجريمة تعود إلى ثماني سنوات، حين انزلقت من بين الأوراق صورة.
طفلة صغيرة… عيناها تشبهان عيني أخته.
توقف الزمن للحظة.
ثم دوّى في رأسه ذلك الصوت من الماضي:
الباب يُغلق بعنف.
صرخات مكتومة.
خطوات ثقيلة في الممر.
بكاء أمه المتوسّل… وضحكات والده الباردة.
الطفل كان يختبئ تحت الطاولة، ممسكًا بدميته الممزقة.
يرى… يسمع… لكنه لا يستطيع الصراخ.
عاد للحاضر فجأة.
أشعل سيجارة بيد مرتجفة، وقال في داخله:
« الألم لا يُشفى… هو فقط يتقن التنكّر ».
في رواق الطب الشرعي، اختلطت رائحة الكحول برائحة الموت.
وقفت نادية أمام الجثة الممددة على الطاولة، تسجّل ملاحظاتها.
خطوات اقتربت من الخلف، رفعت رأسها… كان هو.
_ياسين_
وجهه ثابت كأن الموت مجرد مشهد عابر. عيناه مسلحتان ببرود يقرأ الجثة كما لو كانت نصًا.
تبادلا نظرة صامتة: واحدة تبحث عن اختراق، وأخرى تحرس ما لا يجب أن يُكشف.
قال بهدوء:
« سمعت أنكم تحتاجون رسمًا تشريحيًا ».
أومأت نادية، بينما في داخلها سؤال يلحّ:
« كيف يمكن لإنسان أن ينظر إلى الجثث بهذا الهدوء؟».
انحنى ياسين بجانب الطاولة، أخرج دفتره الكبير، فتح صفحة بيضاء، بدأ يرسم.
خطوط دقيقة تسجل وضعية الجسد، المسافة بين اليد والعنق، الزرقة على المعصم.
قال بصوت خافت، وكأنه يكشف نصف حقيقة:
« القاتل فنان… يعرف الجسد جيدًا. الضحية لم تقاوم، ربما خُدّرت… أو ربما كانت تعرفه ».
سألته نادية لتفكّ الصمت:
« هل اعتدت على مثل هذه الحالات؟».
أجاب دون أن يرفع رأسه:
« أكثر مما تتصورين ».
قبل أن يكتمل الرسم، دخل أحد الضباط بوجه متوتر:
« هناك بلاغ عن ضحية جديدة… القتل كان جنونيًا ».
بعد دقائق، كانت نادية تحدق في صورة الجثة الجديدة داخل مكتبها.
رجل في الأربعينيات، ملامحه مشوهة على نحو يثير القشعريرة.
لا أعين.
لا بصمات.
وجه مشقوق بخيط جراحي دقيق يمتد من الجبهة حتى الذقن.
لم يكن موتًا فقط…
بل كان عملية محو متعمدة للإنسانية.
Syra__velle!.