ماذا لو تلتقِ كلّ مخاوفكَ دفعة واحدة، في ليلة واحدة؟… الجرأة على القتلِ لا تعني موتَ الضمير، وتلاشي المخاوف، المضطربون أكثر البشر حذرا وخوفا، أن تكون قاتلًا يعني أنك هشٌ متصدع من الداخل، داخلكَ ذاك الذي لا يراه الآخرون.
* * *
جبلُ كِير
غادرتُ سور القصر المشؤوم وفي قرارة نفسي أني سأعود له يوما آخر، وبعدما خرجت من ذلك الحي رفعت رأسي أنظر لقمة الجبل الذي اتفقت مع آهورا على أن نلتقِ فيه، لكني نسيت أن أسأله عن الوجهة بالتحديد.
تنهدت تنهيدة طويلة وتابعت سيري و كنت أدرك أن آهورا قد أخفى هالته لحماية نفسه، لذلك لن أستطيع تقصي مكانه.
خفضت رأسي وبدأت بتحليل الأحداث الماضية قائلا في نفسي: في الآونة الأخيرة لاحظت تغير تصرفات أريڠان…، كان دائمًا مشغولًا…
تساءلت و أنا أمشي متماطلاً: أ يمكن أن يتورط أريڠان حقا؟ لقد تأكدت من برائته في فضح هوّتي للشرطة….لكن…بقي هنالك سؤال يسبب ليَ الصداع؛ كيف تمكن آرشي من التعرف عليّ رغم أن القناع أخفى ملامح وجهي؟.
تنهدت بيأس و تابعت الكلام: لقد مات أريڠان، وذلك لا يهم طالما القاتل هو أنا.
فركت رأسي بضجر قائلا: إن كان آرشي حقا له علاقة بأسرتي، فعندئذٍ تتخذ الأمور منحًى آخر.
تسارعت خطواتي و أردفت: يجب أن أستجوب مديرة أعماله بسرعة، مؤكدٌ أنها تعرف بعض التفاصيل التي سأمسك بها رأس الخيط.
* * *
لقاءٌ مُحتدم
اشتدت الريح برودة فاستدار آهورا ناحية الفتاة قائلا: استلقِ على ذلك البساط الصوفي، سأحضر بعض الحطب من الغابة لإشعال الموقد.
أومأت برأسها و أغلق آهورا الباب مغادرًا، حاولت اغماض عينيها و أخذ قسط من الراحة لكن النعاس لم يداعب عينيها الشاحبتين.
اختفى الضوء الخافت مع تكاثف الغيوم حول القمر الذي كان مكتملًا، و أظلم الكوخ فبدأت الفتاة بتخيل الظلال أشباحًا و حفيف الأشجار زفيرًا.
مرّت ساعاتٌ منذ مغادرة آهورا و بدأت السماء تمطر بغزارة، و فجأة حطّ كيانٌ أسودٌ على سقف الكوخ المهترىء، لم تدرك الفتاة بعد أن تخيلاتها قد تصبح حقيقة في أي لحظة.
و في لحظة صمت مهيبة حلّ سكونٌ مفاجىء، و أعتم المكان أكثر، قامت الفتاة جالسة تلتفت يمينا وشمالا علّها تلمح الباب أو النافذة.
كانت نبضاتها تُسمع، و أنفاسها المتقطعة تفضح توترها وخوفها.
لم تستطع الصراخ فلا جدوى، إنها تعلم أنّ لا صوت للعبيد.
بدى و كأنها تحوم في فراغٍ أبديٍّ، لم تستطع أن ترى شيئا لكنها سمعت صرير الباب و هو يُفتح، هل عاد سيدها؟.
انقشع الظلام و تسلل نور خافت سمح لظل كائن ضخم بالتشكل، كان رجلًا طويل القامة مفتول العضلات و مخالب يديه بارزة.
جزعت الفتاة و كتمت صرختها و هي تحاول الثبات و السيطرة على نبضاتها، تحرك الرجل بخطىً ثقيلة و بدى أنه حافي القدمين، ابتلعت ريقها بصعوبة و قد بللت قطرات عرق جبينها و رقبتها، و ما إن رمشت بعينيها حتى أحست بيدٍ تحيط رقبتها بضغط يزداد كلما ارتفعت عن الأرض.
لم تستطع رؤية ملامح الكيان الضخم لأنه رفع رقبتها نحو السقف، كانت على بعد ثوانٍ من موت حتميّ.
انقطعت أنفاسها و أرخت يداها و توقفت عن الحركة تمامًا، مستسلمةً لنهايتها، لكن الرجل استدار ناحية الباب بجزع ثم أفلتها و قفز مخترقا سقف الكوخ الهش.
* * *
نارُ التِّنين
ذهبت صعودًا ناحية الجبل و تغلغلت في غابة كثيفة، كان ضوء البدر ليساعد في رؤية الطريق، لكن تفرع أغصان الأشجار و تشابكها كان حائلًا منع نوره من التسرب.
و بعد نصف ساعة تقريبا من المسير الشاق، استدرت خلفي لأرى مقدرا ما اجتزته، فلم أرى سوى جذوع أشجار متشابهة المنظر كأنها متاهة من أفلام الرعب، و مع نقير الغربان و عواء الذئاب و الكلاب الضالة أصبح المشهد مكتملًا.
توقفت عن السير أحدق بالسماء فلربما أهتدي بالنجوم، لكن الغيوم تكاثفت و صار واضحا أنها ستمطر الليلة، و لوهلة أحسست بألمٍ شديد في يدي اليسرى التي انكسرت عندما سقطت من البالوعة ثم عضني ذلك الكلب الضخم، أيقنت حتما أن أوتار المفصل قد تمزقت فلم أعد أقوى على تحريكها أو ثنيها.
نزلت على ركبتيّ أحاول الضغط عليها لإيقاف النزيف لكن ذلك زاد الأمر سوءًا فقد أحسست أن المفصل قد تحرك من مكانه، ثم وضعت يدي على جبيني قائلا: اظن أني سأصاب بالزكام…. فحرارة جسمي بدأت بالإرتفاع.
استلقيت على ظهري بعدما نال مني التعب و نفدت طاقتي، فحتى هالتي عجزت عن تفعيلها، بدأت السماء تمطر و عطست مرات عدة و كانت حالتي تسوء أكثر فأكثر.
عقب ساعة قضيتها مستلقٍ تحت المطر بدأت أهذي و أتنفس بثقل و صارت الكوابيس تراودني، و كنت واعيا بما يكفي لأدرك أنني في حلم فقد اختلطت المشاهد من الواقع مع مشاهد من الماضي و صار الوضع كارثيًا.
و مع هطول المطر و تعرقي المستمر كانت حرارة جسمي ترتفع أكثر و صارت أضلعي ترتجف و أسناني تصطك ببعضها البعض.
كنت مغمضًا عينيّ حين سمعت صوت خطوات متسارعة على الوحل، ثم انحنى ذلك الشخص نحوي و قال و هو يلهث: ما كان يجب أن أعتمد عليك أبدًا.
أردف بابتسامة جانبية ماسحا على شفتيه بإبهامه: لو كان أعداؤك هنا لكان ثأرهم منك أسهل من انسياب هذا المطر على جبينك…. لقد انهار وريث العناكب.
لم أستطع الرد عليه فقام بوضع يده على جبيني و صاح بهلع: سااخن!! حرارتك مرتفعة جدًا و تستريح هنا تحت المطر أيها الطائش؟.
ضربت كف يده و أزحته عن جبيني قائلا بصوت هادىء: لا شأن لك بي…. غادر في الحال.
و ضع يده تحت رقبتي و رفعني ثم استقام قائلا: الولاء لكَ وصية شخص ميتٍ الآن… لي القدرة على قتلك متى شئتُ يا ولد.
ابتسمت واضعا يدي على صدري قائلًا: هل تعلمُ ما الذي جعلني أثق ببراءة أريڠان؟.
رد بتهكم و كأن حديثي قد أزعجه: براءة؟ …. تثق؟…
تابع بازدراء: تتحدث و كأن لك السلطة الكافية لفعل ما تريد، لقد قتلته فما نفع اقتناعك ببراءته الآن؟ .
وقفت مستندا على كتف آهورا و خطى خطوتين قائلا: كان بإمكان كلينا تسليمك منذ الوهلة الأولى و نيل المبلغ الضخم، لكن…
استطعت قراءة مشاعره من تعابير وجهه، تنهدت بثقل و أجبت: لكنكما لم تفعلا، علاوة على ذلك فقد كان ينهك نفسه لتدوين أسماء عملاء أسرتي المشاركين في المزاد العالمي، الذين استطاعوا اكتشاف هويتي، ثم تكليفي بقتلهم…
انحنيت لأتقيأ ثم مسحت فمي بباطن يدي و علمت فورا أني تقيأت دمًا، تابعنا السير و أردفت مكمّلًا: كان يسعى دائما لحمايتي من أعين المتربصين و من أنياب العنكبوت…
قاطعني بامتعاض: و كان جزاؤه أن تقتله و تتركه يحترق.
صرخت فيه محاولا دفع الإتهام: غبي!! كانت إصابته بليغة جدا… السكين اخترقت قفصه الصدري و فقئت كبده و ضربتي لم تكن سوى تسريعٍ لموته وخلاصه.
قال بازدراء وقد أفلتني بعنف فاستندت على شجرة بجانبي: تريد إقناعي أن قتله أسهل من إسعافه؟ إذا لمَ لم تتدخل حين وصلت مباشرة؟.
ابتسمت بسخرية مجيبا: و لمَ لم تتدخل أنت و قد كنت هناك منذ البداية؟.
صمت و خفض بصره و قبض على يديه فأجبت عوضا عنه: هاه… لم تتدخل لنفس السبب الذي منعني، إن تورط أريڠان أو براءته لن تشفع له من الموت، فحتى لو تدخل أحدنا أو كلانا فسننجح في انقاذه من قبضة الجيتسيت لكنه لن ينجو بعدها، الفارق أن أريڠان نفسه استسلم و أراد أن ينتهي على يدهم، لو أراد النجاة لكان ذلك سهلا عليه للغاية…
صمت هنيهة و لم أعلم بعد إن كان البلل الذي في عينيّ عرقا أم دموعا، تابعت بحشرجة: إنه مدربي و رئيس أخطر منظمة إجرامية، لو نجا حينها فلا أحد سيضمن له النجاة من براثن أسرة العناكب، فجرمه كان إيواء وريث العناكب لسنوات عديدة و هو عصيان و تحدٍ مباشر لأسرة القتلة، و قد كان يعلم أنه لو قاموا بملاحقته و قتله فسأتدخل حتما وحينها سأقع في قبضتهم أيضا، و هو مالا يريده أريڠان أن يحدث.
كنت أحدق بوجه آهورا بعين واحدة و لاحظت تغير تعابيره، و لست الوحيد الذي لامسني شيء ما في قصة أريڠان كانت كلتا عينيه تلمعان ببعض الدموع.
أصبحت الرؤية ضبابية بين عيني و انتابتني نوبة سعال حادة، ظل آهورا واقفا بجمود بينما بصقت قطعة دم متخثرٍ و هويت على ركبتي، لم أعد أستطيع مقاومة الألم الذي في قلبي و ذراعي و كذلك ساقي التي كُسرت قبل يومين.
تنهد آهورا و اتجه نحوي بخطى بطيئة و كأنه في صراع مع نفسه، يريد الانتقام لمعلمه و من جهة أخرى يريد اسعاده و الأخذ بوصيته، رفعت رأسي الذي زاد ثقله و فتحت عيني اليمنى و خاطبته: إسمعني يا آهورا، لن أمنعك من قتلي… لكن إن لم تقتلني فكن على ثقة أني إذا استعدت قواي فلن أتركك حيا.
وضعت راحة يدي على جذع الشجرة و وقفت بصعوبة و تابعت و أنا أنهج: هل تعتقد أن بإمكاني العيش مع شخص يتربص بفرصة لقتلي؟.
انحنى نحوي و فتح كلتا عينيه عن آخرهما بطريقة جعلته يبدو مرعبا و جادا في الوقت ذاته، و أردف: أخبرتك، لي القدرة على فعل ذلك و لكني لا أملك التصريح لفعله.
رفعت حاجبي بعدم فهم فشرح لي بعدما استقام في وقفته: ولائي لأريڠان انتقل لكَ بعد موته، و هذا الولاء يزول في حالة واحدة…
نظر نحوي ثم أعاد بصره للأمام: قال لغزا لم أستطع فهمه… ظل يردد هذه الجملة منذ أشهر…
تنهد ثم مد يده نحوي فأمسكتها و لم أقوى حينها على الإستفسار عما قاله.
تابعنا صعود الجبل و بدى أن آهورا يعرف المكان جيدا، استدار نحوي و رمى نظره نحو ساقي التي كنت أعرج عليها فابتسم قائلا: ما الذي أوصلك لهذه الحال؟… أشفق عليك.
أجبته متألما: لِمَ أخبرك ألم تكن تتبعني مذ خرجت من المقر؟.
هز رأسه نافيا فقلت: هربت عبر المجاري التي تمتد في شبكة تحت مدينة أوزيس، لم أستطع التنفس و أغمي علي و أنا على ارتفاع يقارب العشرين قدما.
قاطعني بسخرية: و سقطت!!.
أجبته بذات النبرة الساخرة: لا!! حلقت في الهواء.
التفت نحوي و سألني: حسنًا، و لم تأخرت في القدوم؟ لقد غادرت قبلنا.
تنهدت و لم أجب فقال مستنتجا: يقودك الفضول دائما إلى التهور…. هل دخلت إلى ذلك الشارع؟.
ابتسمت ابتسامة خفيفة ثم قلت بجدية: وجدت هناك شيئا مثيرا…
التفت مجددا منتظرا كلامي فاستأنفت: يجب أن أعود بعد أيام لذلك القصر…. يجب أن أعرف صاحبه، إما أن يكون أحد زوّار المزاد العالمي، أو عميلا في منظمة ما.
همهم آهورا و قال: لا شأن لك به، ماذا ستجني إن عرفت أنه أحد زوار المزاد العالمي؟.
بدأت بالشرح قائلا: زوّار المزاد العالمي إما مجرمون خارجون عن القانون، أو عملاء لسايبا تحت رداء السياسة و الحكومة، و بما أن ذلك الشارع مخصص لكبار المسؤولين و أثرياء البلاد فإننا نستنتج أنه عميل لأسرتي.
نظفت حنجرتي و أكملت: هذا إن وضعنا بالحسبان أنه من زوار المزاد العالمي أصلا، و إن كان أحد عملاء منظمة ما سيكون من الجيتسيت أو منظمة الإستخبارات.
رد بنبرة محتارة: حسنا و ما دافعك إذا للعودة للقصر إذا افترضنا أن الأمر كما تقول؟.
توقفت عن المشي و قلت بتهكم: ألا تفهم؟ إن كان أحد عملاء أسرتي فوجب قتله فورا، تعلم جيدا أني لا أستطيع العودة إلى تاين أو جانمين، و البقاء هنا مع شخص يتربص بي مجازفة كبيرة، أما إن كان عميل منظمة ما فإن رأسي مطلب على رأس قوائمهم…
ابتسمت بخبث قائلا: و لاشيء أفضل من تربص الفريسة بالمفترس، حين تنقلب الموازين و يصبح الصياد فريسة….
وضع يده أسفل ذقنه و أخذ يفكر ثم قال موافقا: كلامك صحيح، لكن ما الذي جعلك تشك في هذا الأمر من الأساس؟.
وضعت يدي على كتفه مستندا و قلت: كانت به أنظمة حماية من الدرجة العالية و لولا الشرائح التي أحملها معي لدوت صافرة الإنذار و عمت الفوضى هناك، لحسن الحظ أنها تعطلت.
أخذنا بضع خطوات و تابعت: كما أن له منشأة سفلية سرية، جدرانها مصنوعة من الخرسانة و ألواح فولاذية…. تحوي بذلات مضادة للرصاص و الماء، لم أفتش كل المكان لكن ما أثارني اقتناؤه لأسلحة و سيوف و مسدسات بعيارات و أحجام مختلفة، و كلها أصلية الصنع.
فرك آهورا رأسه و بادلني الحديث: الأمر يستحق مخاطرة كهذه.
و ابتسم مشيرا لذراعي الأيسر و قال: آمل أنك مسحت كل الأدلة فقط، عمل كهذا يستحق البحث عنه في سرية تامة.
ضحكت بغلظة ثم قلت ساخرا: أدلة؟! لقد تركت تحذيرا مباشرا لن يمر عليه أحد عاقل مرور الكرام.
قطب حاجبيه و قال بريبة متساءلا: ما الذي فعلته ياهذا؟.
التفت نحوه مجيبا: لم أفعل شيئا، صادفتني ثلااث كلاب ضخمة فقمت بواجبي.
أمسك كتفي و هزني قائلا: لا تقل أنك؟!.
أومات برأسي و أنا أخرج أنيابها من حقيبتي و قلت: رد فعل بسيط…. سأصنع بها طوقا أرتديه يوم أقتل فيه صاحب القصر…
التفت نحو آهورا الذي تغيرت ملامحه وبدا مفزوعا و أردفت: ڠريس… هذا هو اسم العائلة، تذكره جيدا أيها الساحر المخلص.
أفلتُ كتفه و رحت أعرج على ساق واحدة بينما تبعني بخطوات بطيئة و عقله مشغول بالحوار الذي دار بيننا.
فجأة توقف عن السير و صاح معاتبا: هذا غباء منك… توقع بعد فرارك الآن أن أي جريمة ستكون أنت المتهم الأول فيها.
اقترب مني و تكلم بجدية مطلقة: ضع في الحسبان أنه إن كان مالك القصر عميلا لدى إحدى المنظمتين، فستكون في خطر عندها.
خفضت بصري و استأنفت المسير و همست في نفسي: كلام آهورا صحيح، إن التصريح المباشر الآن بهويتي و ظهوري العلني قد يشكل مشكلات كثيرة.
نظرت إلى يدي و أكملت: و لست في وضع جيد البتة لمجابهة أيٍّ كان.
أخذ خطوات مسرعة و عندما صار بجانبي سألني: متى أدركت موقف أريڠان من كشف هويتك؟.
استأت لفتح هذا الحوار مجددا لكني كتمت ذلك و أجبته: أدركت هذا منذ البداية… لكن وسط تلك الفوضى و الإحساس بالغدر، سيكون ترك رأس أي خيط سذاجة مني، وضعت احتمال أن يكون متورطا و عندها يضيع ثأري.
قاطعني بغيظ: غريبون أنتم يا أحفاد العنكبوت…. تقتلون و تثأرون قبل أن يُغدر بكم.
أضحكني كلامه فقلت مبتسما: شعور الإنتصار لذة لا تقاوم، أن تكون الغدار الماكر أفضل من أن ترى نفسك فريسة، و أولئك المغدورون هم ساذجون سيفقدون أنفسهم على يد أشخاص يمشون على نفس هذا المبدأ….لذلك فالغدر بهم أو تركهم ليُغدر بهم لن يشكل فرقا.
رفعت رأسي للسماء متمتما: هذا العالم غابة، و البادىء بالغدر ملِكُها.
تنهد بأسف وقال: تحاول إقناع نفسك بأنك غير مُلام فيما حدث… بينما يعتصرك الندم.
أومأت موافقا: معك حق، القاتل في النهاية كان أنا.
التفت نحوه مكلما: حتى أنت، لاتكاد تنقضي دقيقة إلا و الندم ينهشك، كان بامكان كلينا التدخل حتى لو كلفنا ذلك حياتنا.
استدرت نحوه وقلت: أليس هذا ما يدور في ذهنك؟.
سبقني مشيا و رد و هو يبتسم: عندما نصل إلى الكوخ سأريك شيئا يسعدك.
أحسست بها….
نعم تلك الهالة….
فجأة انطلقت بسرعة جنونية للأمام مباشرة و تضاربت قطرات المطر على وجهي و بللت شعري، ثم توقفت أمام كوخ مهترىء فقلت من دون أن ألتفت: أهذا هو الكوخ؟.
رد آهورا الذي لحق بي و قال بتوتر: نعم… هو.
سألته و أنا أستدير للخلف: من الذي بداخل الكوخ؟.
تقدم نحو الباب وقال: توجد الرهينة مقيدة هناك.. وكذلك تلك الفتاة لقد تركتها تنتظر هنا…
لم يكمل كلامه إلا و سمعنا صرخة من داخل الكوخ، هرول آهورا ناحيته و وجد الباب مفتوحا، أشعل شعلة بيده و لوح بها حينها رأى الفتاة متقرفصة عند زاوية الكوخ، و عندما لمحت آهورا ركضت نحوه و أمسكت عباءته و يداها ترتجفان.
قاطعت ذلك الجو قائلا بنبرة مرتابة: هل أحسست بتلك الهالة؟ أنا واثق أن فردا من القتلة كان هنا.
إنطفأت شعلة آهورا و هز رأسه قائلا: بلى، هالة قوية جدا.
ثم انحنى نحو الفتاة التي بدت مفزوعة و سألها واضعا يده على خدها: مابك؟ هل حدث شيء ما؟.
أمسكت بيد آهورا و قالت وهي تذرف الدموع: دخل وحش ضخم و حاول قتلي….
التقطت أنفاسها بصعوبة و تابعت: له مخالب ضخمة.. لقد حاول خنقي.
زممت عيني بريبة في حين نزع آهورا عباءته و وضعها على كتفيها و قال مربتا على رأسها: إطمئني فنحن بجوارك الآن.
ثم رفع رأسه بجزع ناحية مدخل الكوخ و أفلت الفتاة ودخل و هو يردد: أيعقل أن؟.
تبعته غير مستوعب لما يجري ثم استدار ناحيتي وقال متفاجئا: لقد اختفت الرهينة!!!.
صرخت فيه بغضب: ماذا؟ أيعقل أن هدفهم كان مديرة أعمال آرشي؟.
أجابني بسخط: ما مصلحة أسرتك من اختطافها؟.
خفضت بصري ثم التفت ناحية الباب و أردفت: آمل أن تكون هي الهدف حقا… فقد بدأ يراودني شعور غريب حيال ما يجري.
ركضت الفتاة ناحية آهورا و أمسكت بذراعه قائلة: أريد أن أنام!! هل أحضرت الحطب؟.
لم يجبها آهورا و قال و هو يحدق بي أفعّل هالتي: هل ستتبعه؟.
أومأت برأسي و قلت: هل سأتركه يفر بالرهينة؟ وصولهم لها يعني أن مكاننا مكشوف و أننا الهدف التالي.
حدقت به ببرود و سألته: أنسيت المبدأ؟ اغدَر قبل أن تُغدر.
لم يبد أي ردة فعل و ظل صامتا كأن عقله قد تشوش ثم قال: ذهابك نحو الخطر يعني إلزامية الذهاب معك… لا تتهور.
رفعت قناعي و أخفيت به ملامحي قائلا: لا عليك، ابقى هنا فذلك أفضل.
خرجت من الكوخ و تبعني آهورا و صاح قائلا: هل تعرف أين اتجه؟.
أجبته مشيرا بسبابتي: نعم، لاأزال أستطيع الإحساس بهالته، مؤكد ذلك لقد ذهب إلى شارع الزنجار.
انتقل خلفي و همس في أذني: هل أثارك موضوع عشائر الآرام؟.
هززت رأسي موافقا و تابع بصوت منخفض: انتبه على نفسك.
تذكرت حرص أريڠان علي، لكني أعدت تركيزي للطريق، قفزت في الهواء و انتقلت بخفة إلى شارع الزنجار.
𝐶ℎ𝑖𝑟𝑖🎭♟️