بتاريخِ السادسِ والعشرين، وُلد العبث.
قصر الطاغي
داخل قصرٍ الليل فيه لا يغيب، والقمر على العرش لا يشيب، والنهار فيه بات أصمًّا لا يُجيب....
سكانه ليسوا من النبلاء، بل سفاحون يأسى التاريخ أن يذكرهم بين طيّاته....
هناك لن تولد لتعيش... بل لتموت وتُبعث من جديد على هيئة شبح ، تخليدًا لذكرى ما نُحت في صدورهم، و ما وُشمت صورته على جلودهم، ليكونوا" أبناء الأرملة السوداء".
* * *
بعد عبور روڤين للجناح المخصص لأفراد العائلة الحاكمة، نزلت السلالم بهدوء سارحة في بحر أفكارها، وصلت بعدها لردهة كبيرة مظلمة، تخللها شعاع ضوء القمر المتسرب من شقوق النافذة، التي رسمت ظلالا تشبه وشوما سوداءً على جدران الردهة.
ثم رفعت رأسها تنظر لظل شخص يقترب منها ببطء، فتاة في الثانية عشر من عمرها، بشعر أسود قاتم قصير، ترتدي عباءة سوداء وعلى معصمها وشم لعنكبوت.
وعندما صارت أمامها مباشرة توقفت، فقالت روڤين : هذه أنت يا "يوهان"؟.
يوهان بصوت هادىء و تعابير باردة: هل هناك أي مستجدات عن أخي؟.
تغيرت ملامح روڤين، ثم قالت نافية: لا! .
تابعت وهي تسير مبتعدة عنها: ليس له مكان بيننا، إياك أن تتحدثي عن ذلك مجددا.
ثم استدارت نحو يوهان وقالت بنبرة حادة: هل هذا مفهوم؟.
أحنت يوهان رأسها قائلة بخضوع: سمعا وطاعة.
سارت بعدها روڤين مبتعدة نحو مطبخ القصر، وبقيت يوهان تحدق بظلها إلى أن امتزج بالظلام.
قاطع تأملها شخص همس في أذنها واضعا يده على كتفها قائلا : لمَ أنت عابسة هكذا؟.
إستدارت يوهان خلفها لتجد شقيقتها التوأم؛" سان "مبتسمة وبيدها خفاش ميت.
لم تجبها وراحت تمشي بتمايل كأنها ثملة نحو نافذة الردهة، ثم جلست تتأمل القمر المكتمل في السماء الغائمة.
تحركت أختها و جلست بجانبها، ثم قالت: ألم تخبرك أمي عن أي شيء بخصوص ماڤروس؟.
هزت يوهان رأسها نافية: لا! بل ومنعتني من السؤال عنه مجددا.
وضعت سان يدها على يد أختها، فتوازى العنكبوتان الموشومان على معصميهما، ثم قالت: لا أدري لم لا تريد عودته إلى القصر؟.
ردت يوهان بنبرة ساخرة : ليست الوحيدة التي لاتريد ذلك.
ثم تابعت متنهدة: لقد اتخذ أفضل قرار عندما عزم الرحيل بلا عودة.
ردت عليها سان باستغراب: هل تريدين عودته؟.
يوهان بحماس: بالطبع! وماذا عنك أنت؟.
أحنت سان رأسها قائلة: لا أدري بم أجيبك!.
يوهان بتجهم: ماذا تقصدين؟
سان وهي تمسك الخفاش وتفصله إلى جزئين قائلة: نحن لم نلتقي به حتى، فلم قد أتعلق به وأرغب بقدومه....
ثم تابعت وهي تتناول أحشاء الخفاش بتوحش: إن وجوده من عدمه في هذا القصر.
ردت يوهان بخليط من الغضب: في النهاية هو شقيقنا الأكبر و ولي العهد، سمعت أن له مهارة فاقت سنه، سيكون كنزا لو أحكم قبضته على مقاليد الحكم.
ثم استدارت نحو سان قائلة: تدركين جيدا ما يحدث في البلاط..... عدد الخونة فاق عدد الغربان التي تحوم في سماء سايبا بأكملها.
حدقت بها سان فأردفت وهي تقوم من مكانها: نعم كالغربان، متى وجدت جثة متعفنة لا تحرك ساكنا، انقضت عليها.
لم تعلق سان على كلام أختها وتابعت تناولها للخفاش، وبعد أن انتهت لعقت أصابعها ذات المخالب وقفزت من النافذة.
إستدارت يوهان إلى النافذة وصرخت بصوت مرتفع: سااان....
أنزلت يدها قائلة بإحباط: آه لقد ذهبت!.
* * *
قصر بلادونا
في مبنى بلادونا أسفل سفح الجبل الذي شيّد عليه القصر الرئيسي أو قصر الطاغي.
إنه مبنى ضخم يتكون من ثلاث مئة غرفة، إضافة إلى قاعة إجتماعات كبرى، ومعبد الدم وساحة التطهير في سجن زيروس.
وفي الغرفة تسعة وخمسين، بالطابق الرابع، جلس ثلاثة أشخاص حول طاولة كبيرة، ترأسها رجل في الستين من عمره يرتدي عباءة حمراء مطرزة بخيوط الفضة، وعلى رأسه قلنسوة غطت ملامح وجهه.
على يمينه جلس رجل قارب الخمسين يرتدي زيا عسكريا ، له ملامح جادة ارتسمت على وجه مشدود، و جسم ببنية عضلية جعلته يبدوأصغر سنا.
وعلى اليسار إمرأة بدت في العقد الثالث من عمرها، ذات شعر أسود طويل بلغ منتصف ظهرها وملامح مرعبة زينها أحمر شفاه فاقع اللون.
كانت الغرفة شبه فارغة تتوسطها الطاولة المستديرة وفي إحدى زواياها مكتبة تحوي مجلدات قديمة، ونافذتين تطلان على نفس الجهة، إضافة إلى موقد كبير تراقصت ألهبة شعلته على بلاط الغرفة.
جلس الجميع بصمت حتى طرق باب الغرفة، ودخل فتى في سن العاشرة بملامح باردة سبقت سنه، وشعر أبيض منسدل على كتفيه، يرتدي الزي الرسمي للنبلاء، بدلة من القطيفة السوداء مطرزة بخيوط الإبريز، تزين بخواتيم وأساور في يده اليمنى، عدا اليسرى التي وشم على معصمها عنكبوت أسود.
قام الجميع مرحبين ثم انحنوا مرددين بصوت واحد: لك كل التبجيل يا مولاي الصغير.
أومأ الفتى برأسه و جلس على كرسي مقابل للرجل الستينيّ، ثم بدأ حديثه قائلا: ألم يحضر ناروي اليوم أيضا؟.
أجابه الرجل الخمسيني: أجل يا مولاي، كما أنه أصبح يتغيب كثيرا عن الإجتماعات التي يقيمها سايليوس في قطب التنين.
صمت الفتى برهة ثم قال وهو ينظر نحو الستيني: ماذا عندك اليوم يا فالريك؟.
أجاب فالريك بوقار: لقد عثروا على شقيقك مافروس في بلاد تاين.. هذه هي آخر المستجدات.
تغيرت تعابير وجه الفتى ثم قال بامتعاض: وهل أرسل والدي فرقة القتلة لإحضاره؟.
رد فالريك: نعم يا مولاي.
الفتى واضعا يده على خده بلا اكتراث: ألم يعودوا حتى الآن؟.
أجاب فالريك: لا لم يعودوا بعد.... سأوافيك بكل جديد.
قال الفتى بصوت منخفض: غريب!.
ثم استدار نحو المرأة قائلا: وأنت يا سيلڤاين ماهي نتائج أبحاثك؟.
استفاقت سيلڤاين من سرحانها قائلة: شارفت على الإنتهاء يا مولاي لكني أحتاج للمزيد من الوقت و...
قاطعها الفتى قائلا بعصبية: سيشيب رأسي ومشروعك هذا لم تنتهي منه بعد.
ردت سيلڤاين بأسف: أعتذر منك يا مولاي ولكن..
قاطعها الفتى مجددا رافعا يده في وجهها: كفى! لا أريد سماعك، تبقى شهر واحد قبل الموعد، لن أمهلك أكثر من ذلك.
ثم تابع قائلا بنظرة حادة: تعلمين مصير من يتقاعس عن أداء عمله.
خفضت سيلڤاين بصرها ولم تنبس بشيء.
قام بعدها الفتى قائلا: هذا ما لدينا اليوم....
ثم تابع وهو يتجه نحو الباب: تستطيعون الإنصراف.
في نفس اللحظة فتح باب الغرفة، ودخل شاب عشريني يرتدي زيا عسكريا أسودا، انحنى لالتقاط أنفاسه لقد كان ناروي.
نظر الجميع إليه مندهشين، ثم اعتدل وقال بصوت متقطع: مولاي شارو هل لي بكلمة من فضلك؟.
أومأ شارو برأسه فتابع ناروي قائلا: سيعقد في قصر الطاغي اجتماع مساء هذا اليوم، والدعوة للجميع.
ثم استدار مغادرا فأمسك شارو بمعصمه قائلا: إلى أين؟ ما الذي يشغلك عن حضور الإجتماع؟.
استدار ناروي وقال بتوتر: لدي أعمال كثيرة يا مولاي، ومتأسف بشدة لغيابي عن الإجتماع.
ثم انحنى قائلا: أستأذنك بالإنصراف.
لم يجبه شارو وخرج هو أيضا متجها لقصر الطاغي.
بقي الثلاثة يتسامرون حول موضوع ما.
فالريك موجها حديثه لسيلڤاين: يقضي ناروي معظم وقته في جناحك يا سيلڤاين، فما الذي تظنينه قد شغله عن حضور الإجتماعات؟.
ردت سيلڤاين وهي تضع ساقها اليمنى على اليسرى: لا أعرف ما يدور في ذهنه مؤخرا يا أبي ، كل همه أن ينهي تدريبه وينصرف لجناحه بسرعة.
فالريك موجها سؤاله للرجل الخمسيني: زاڤيرا أنت تقضي معظم وقتك في قصر الطاغي، فهل لك أن تطلعني على تحركات الملكة روڤين؟.
رد زاڤيرا مغمضا عينيه: لا أستطيع الجزم أين تذهب بالضبط، فهي تختفي في أوقات إختفاء الملك وتعود عندما يعود.
فالريك متسائلا: هل يُكنّ لها جيرارد كل هذا الحب ليقضي وقت خلوته معها؟.
زاڤيرا عاقدا يديه: لم أقصد ذلك، ربما تتعمد الإختفاء في أوقات خلوته حتى لا تثير الشكوك.
رد فارليك وهو يفرك ذقنه: احتمال وارد.
زاڤيرا متساءلا: ماسبب الإجتماع الطارىء الذي سيعقد مساءً يا ترى؟.
فالريك متثائبا: ليس لدي أدنى فكرة، إنه وقت الذروة في سايبا، وكذلك موعد أداء طقوسي الخاصة.
قامت سيلڤاين من مكانها قائلة: أستأذنك يا أبي بالإنصراف.
* * *
بعد خروج شارو من الغرفة سار في رواق ضيق اكتسحه ظلام دامس، ثم توقف وجال بناظريه متفقدا المكان قائلا في نفسه : ترى أين ذهب ناروي؟ واثق بأنه كان هنا قبل دقائق.
تابع سيره خروجا من المبنى المحاط بأزهار البلادونا السامة، ثم توقف أمام مجموعة من الأشجار الشائكة وقال: لمن هذه الجثث؟.
ثم انحنى ليتفقدها آخذا بيده خنجرا ومزق به بذلة إحدى الجثث، وقال وهو يلتمس وشم العنكبوت على رقبتها: إنهم من فرقة القتلة.
استقام بعدها وهو يحوم بعينيه في المكان، ثم قال ونظره للأسفل: بقع دم...؟ ترى من قام بقتلهم؟ يبدو وكأن أحدهم قام بجرها من مكان آخر إلى هنا.
ابتعد شارو مغادرا إلى قصر الطاغي وفي عقله يتخبط ألف سؤال.
دخل إلى الردهة المظلمة وهناك سمع صوتا مألوفا يغني:
يا دياسم عودي لحضن أمكِ
أيا عناكب قومي واغزلي شباككِ
ففي السماء قمر أطل بوجهه
قاطع شارو قائلا: ألا تكفين عن انتظار من لا يلبي النداء؟.
إستفاقت يوهان من سرحانها قائلة :عمن تتحدث؟كنت أغني وحسب.
شارو مبتسما بخبث:أنت تكذبين، أعرف هذه الأغنية جيدا، إنها الأغنية التي كان يغنيها لك مافروس وأنت صغيرة.
يوهان بتأفف: لم تريد أن ينصب كل الإهتمام نحوك؟ أنت تدرك أن العرش من نصيب ماڤروس رغما عن أنوف الجميع.
شارو بسخرية: دمه مهدور في عائلتنا وقد جُرد من رتبته ولقبه، تتمسكين بأمل زائف يا يوهان.... أنا وريث العرش دائما وأبدا.
ردت يوهان وهي تقف وتقترب من شارو: أنت تغار منه وحسب، رغم تجريده من منصبه إلا أن أبي متيقن أنه الأجدر بخلافته.
شارو وهو يدفع يوهان ويثبتها في الجدار خلفها، ثم يسند يديه إلى الجدار قائلا بغيظ مكبوت: أغار؟ من شخص رأسه مطلوب من كل من هب ودب؟ حياته على المحك؟ يعيش متواريا بلا أصل أو نسب؟ عيشه هدر وتبذير لا غير.
ردت يوهان بتهكم: وأنت؟ ماذا جنيت بعيشك هذا؟ كخفاش لايعرف ضوء الشمس ولا بزوغ الفجر، إننا نموت ببطىء تحت وطأة قوانين جبرية.
رد شارو بنظرة ارتياب: هل تلمحين إلى رغبتك في الإنفصال كما فعل ماڤروس؟ أو.... الإنقلاب؟.
قالت يوهان وهي تبعد يديه وتدفعه بعيدا: وهل أنت راض عن تضحيتك بنفسك في سبيل من سنوا قوانينا و أضحوا اليوم تحت القبور؟.
أجاب شارو ببرود: لا تقلقي، سأسن من القوانين ما يناسبني.
ثم تابع مغادرا إلى قاعة الإجتماعات: ولكن ركيزتي هي القوانين التي سنها أسلافي، لا يحق لنا الاعتراض فنحن مجرد فرائس في شباكها... إننا أبناء الأرملة السوداء، خلقنا لدور واحد نؤديه ونموت بعدها بسلام.
قالت يوهان بصوت مرتفع: هل تأكل العنكبوت أطفالها؟.
أجابها شارو من دون أن يلتفت: نعم، إن اشتد بها الجوع فلا مفر من بطشها.
قالت يوهان في نفسها بأسفٍ: إذن نحن مجرد دمى تتخلص منهم إذا شعرت بالملل.
* * *
قصر الأنوق
دخلت روڤين إلى مطبخ القصر الذي تميزه رائحة الدم الفذة، ثم استدارت كأنها تتأكد أن لا أحد خلفها، وخرجت من الباب الخلفي متجاوزة حشد الخدم المصطف هناك.
اتجهت بعدها خلف المستودع وعلى جدرانه مجموعة أحجار صغيرة، موضوعة بعشوائية قامت بترتيبها كأنها تحل قطعة أحجية وعندما انتهت اهتزت الأرض أسفلها، وأُفرج عن درج ملتوٍ يقود إلى الأسفل.
نزلت الدرج المظلم بهدوء و هناك صادفت لوحة جدارية بها نفس الأحجار الصغيرة للأحجية لكنها كانت مرتبة، فقامت بتشتيتها لتغلق الفتحة المؤدية للدرج من فوقها.
سارت في رواق حجري يسوده ظلام دامس، وبعد مدة بدأ يلوح في الأفق شعاع ضوء خافت، زادت حدته مع إقتراب روڤين منه أكثر.
وصلت بعدها لمنبع الضوء وكان عبارة عن مخرج خلف شلال كبير، مرت عبره بسلاسة لتصل إلى مكان أشبه بالمروج الخضراء، كانت كجنة وسط سواد سايبا.
أرض مسطحة بها أشجار مثمرة وحدائق ورود وأزهار بمختلف الأنواع، تشقها أنهار ممتدة من الشلال في أعلى الهضبة التي دخلت منها روڤين.
كانت عالما آخر داخل جبل عملاق اتخذت أشعة الشمس من فوهته معبرا إلى تلك الأرض.
اتجهت روڤين إلى قصر زجاجي توسط المكان، وفي مدخله اسطف مجموعة من الأشخاص الملثمين يرتدون عباءات سوداء.
انحنوا مرددين بصوت واحد: أهلا بك يا سيدة السافير.
أومأت روڤين برأسها ثم نزعت قناعها الذي غطى نصف وجهها المشوه ومدته لأحد الملثمين هناك، ثم تابعت سيرها ودخلت إلى القصر الزجاجي واستوت على كرسي العرش.
دخل بعدها إلى قاعة العرش رجل أشقر بلثام أسود، تدلى من حزام خصره سيف ضخم بغمد من الإبريز، ثم انحنى واضعا يده اليسرى على الجهة اليمنى من صدره قائلا: سعدت صباحا سيدتي.
ردت روڤين وهي تلوح بيدها: إقترب أكثر يا راڤيال.
امتثل راڤيال لأوامر سيدته، وعندما صار بجوارها قال مستأنفا: كيف جرت العملية اليوم يا سيدتي؟.
ردت روڤين بقلق: لقد حدث مالم يكن في الحسبان...
تنهدت ثم قالت: اكتشف جنرال جثث فرقة القتلة في وقت قياسي.
قال راڤيال متعجبا: ألم تدفني جثثهم؟.
أجابت روڤين بشرود: لم ألحق فعل ذلك فقد كان هناك من يراقبني، وغادرت بسرعة على أمل أن أعود بعدها، ولكن هذا لا يفسر معرفته بموقعهم بتلك السرعة، ذلك الجنرال الخبيث هو قائد الأشخاص الذين يعترضون عملياتكم بين الحين والآخر.
راڤيال بأسف: آسف سيدتي لأنك اضطررت لقتلهم بنفسك وأوقعت نفسك في المشكلات.
قاطعته روڤين وهي تضع يدها على يده : لا تقل ذلك، أدرك جيدا كم انتم مخلصون في عملكم، لكن ذلك حدث فجاة في ليلة اكتمال القمر وأنتم مجردون من قواكم.
أومأ راڤيال متفهما ثم قال متساءلا: وماذا حدث بعد ذلك؟ أقصد هل علم أحد ما بأنك من قتلتهم؟.
روڤين بتوتر: لا أستطيع الجزم بذلك، الجنرال ناروي اكتشف الجثث وأخبر جيرارد بأن هناك خونة، أي أن كلاهما على علم بهوية القاتل ويبقى السؤال الذي يطرح نفسه، هل الشخص الذي كان يراقبني وأنا أقوم بالعملية هو نفسه ناروي أم شخص آخر؟.
راڤيال وهو يزيح لثامه عن وجهه: ولم لم يصرح بأنك أنت من قتلتهم إن كان قد رآك حقا؟.
روڤين: لا أعلم ما الذي يفكر فيه بالضبط، لكن إن كان يريد مني أن أصرح بنفسي أني الفاعلة فخطته كانت جيدة.
هو لم يخبر جيرارد عن أي شيء سوى ذلك التقرير الذي أجهل ما يحتويه، وبعد حديثي معه في الرواق أجبرني على الإفصاح بأني من قتلت جنوده وعن نيتي لقتله هو أيضا.
ولا أعلم كيف عرف بأن جيرارد كان يسترق السمع فقوته لا تؤهله للإحساس بوحش كاسر مثل جيرا.
راڤيال وهو يفرك ذقنه: هكذا إذن خطته كانت محكمة ولاتبدو كصدفة عابرة رغم الإرتياب الذي يعتريها !.
تابع بحماس: ماتوقعك لما جاء في تقريره؟.
روڤين عاقدة أصابع يديها: أكاد أجزم بأنه تطرق لكم ولعملياتكم فقد اعترضكم جنوده عدة مرات.
راڤيال ونظره نحو روڤين: إذا لو قام جيرا بقراءته فعندها ستكونين في خطر.
روڤين بحدة: بل سنكون في خطر...، سيحدث مالا يحمد عقباه.
راڤيال بخيبة : ماذا ستفعلين إذا؟.
روڤين متنهدة: لو يحالفني الحظ فقط لآخذ التقرير قبل مساء اليوم وأقتل ناروي سأكون قد قطعت شوطا كبيرا حينها.
صمت راڤيال هنيهة كأنه يستوعب ما قالته ثم تساءل: لم قبل المساء بالضبط؟.
روڤين: سيعقد جيرا اجتماعا طارئا في المساء، وأظن أن تقرير ناروي هو أول موضوع سيعرضه على القادة.
قاطع حديثهما أحد الملثمين الذي انحنى عند عتبة القاعة قائلا: سيدة السافير لدينا أخبار هامة.
روڤين وهي تقوم من كرسيها: أفصح عنها بسرعة يا جينس.
جينس وهو يلتقط أنفاسه: لقد فقدنا أثر ماڤروس يا سيدتي.
روڤين بسخط: ماذا تقول؟ كيف فقدتم أثره؟.
جينس وهو يزيح لثامه ليكشف عن وجه بعيون زرقاء: بعد قيامه بعملية الاغتيال عاد إلى المقر فجلسنا حينها لساعات ننتظر خروجه ولكن الشك أصابنا حين لمحنا شرطة الجيتسيت يدخلون إلى هناك ويخرجون معتقلين عددا كبيرا من القتلة.
لم نلمح ماڤروس بينهم فانطلقنا للبحث عنه لكن دون جدوى، حتى أتتنا أنباء عن تواجده قرب ضفة النهر، عاد إلى المقر ثم بدأت سلسلة من التفجيرات والحرائق المروعة التي هزت المدينة بأكملها وفقدنا أثره حينها.
تسمرت روڤين مكانها ثم جلست على العرش وقطرات العرق تنساب من على جبينها، فقالت بأنفاس متسارعة: ابقو هنا إلى حين إنتهاء الإجتماع، وبعد عودتي سأوكل لكم مهامكم الجديدة هل هذا مفهوم؟.
جينس منحنيا: أمرك، سمعا وطاعة جلالتك.
خرج بعدها جينس فقال راڤيال: هل تتوقعين أن ماڤروس هو من قام بسلسلة التفجيرات تلك؟.
روڤين باضطراب : لا أعلم، ربما، لكن ما الذي قد يدفعه لفعل شيء كهذا يلفت به الانتباه؟.
صمت راڤيال ولم يقل شيئا.
ثم قال بصوت هادىء بنبرة حزن: ربما كان من الأفضل أن تبقيه بجانبك.
روڤين مسندة ظهرها إلى ظهر الكرسي بحسرة: إبتعاده عن القصر أفضل، قد يكتشف جيرا أمركم في أي لحظة حينها ستكون نهاية هذا العالم محتومة.
راڤيال بانفعال مكتوم: سيكون للعالم نفس المصير لو اكتشف جيرا الأمر وبقي ماڤروس يجهل حقيقته.
روڤين بذات النبرة : أنا أتخذ قرارات عشوائية لكنه لا خيار آخر أمامي،سيدرك ذلك عاجلا أم آجلا، ففي النهاية هو ليس مخيرا بل مجبر على أداء هذا الدور.
راڤيال متنهدا : قد يغلب الظلام على بذرة الأمل التي زرعت فيه.
روڤين نافية: لا أظن ذلك، مادام يراود جيرا ذلك الكابوس فنحن نسير على الطريق الصحيح.
راڤيال محدقا بالملكة التي أغمضت عينيها: هل يعلم شخص غيرك بأمر الكابوس؟.
روڤين مقلبة خنجرا بين يديها : لا، أنا فقط لكن لو علم فالريك بأمره فلا أتوقع ما قد يحدث حينها.
راڤيال: لم تقولين هذا؟.
روڤين: فالريك كبير الكهنة في سايبا، بالتأكيد يجيد تفسير الرؤى والأحلام.... قد يكون على اطلاع بتلك المخطوطات.
تنهدت بعدها روڤين واستسلمت للراحة.
ساد صمت طويل لو يعكره سوى راڤيال حين قال مستأنفا: هل تظنين أن هناك خونة في القصر يا سيدة السافير؟.
أجابت روڤين بتهكم: خونة؟! وهل يحق القول عن من يخرق قواعد أسرة قاتلة أنه خائن؟ هذا كلام لا يتقبله العقل، الخونة هم من يحدثون شرخا في قوانين نظام قائم، ونحن نعيش في فوضى وندعي أننا مهد الحضارة.
ثم تابعت بتأفف: تبا لجهل أعمى البصيرة قبل البصر، وجعل العقول تتشرب بالأكاذيب.
أجابها راڤيال وهو ينظر إلى لهب الموقد: مع هذا يبقى الحرص واجبا، عليك الحذر من الجميع فالثقة أكذوبة تطرح نفسها كل حين.
صمتت روڤين برهة ثم قالت وهي تسحق عنكبوتا تدلى من سقف القاعة: جميع من في القصر يسير بمبدأ واحد، المصلحة؛ بعضهم يريد السلطة والآخر يريد الرتبة والصنف الأغبى وفيٌّ مخلص في عمله، وأبغضهم من يحترف اللف كالأفعى والمكر كالثعالب.
مثل سيلڤاين تماما؛ لا أدري لم تحاول إغاظتي فهي تعلم جيدا أن نساء سايبا لايرثن العرش مهما حدث.
قال راڤيال وهو يعيد لثامه على وجهه: أظن أن نواياها مختلفة، فلعلها تخطط لشيء أعظم.
قامت روڤين ثم قالت متثائبة: وأنا أظن هذا أيضا.
وقفت روڤين أمام الشلال ثم استدارت نحو راڤيال قائلة وهي تضع يدها على كتفه: سأعود الآن إلى القصر لحضور الإجتماع، وفي حال غيابي لأكثر من ست ساعات فغادروا في الحال.
تغيرت تعابير راڤيال ثم قال: أمرك سيدتي.
ثم أردف: هل نذهب ونبحث عن ماڤروس لنخبره إن حدث ذلك؟
روڤين وهي تعبر الشلال قائلة: لا، احرصوا فقط على أن لا يعود إلى القصر أو يقبضوا عليه.
أومأ راڤيال برأسه بعبوس وهو يحدق بظل روڤين من خلف الشلال.
* * *
قصر الطاغي
في الطابق الثاني من قصر الطاغي، بالغرفة مئة وواحد شرقا، جلس شاب عشريني يرتدي زيا عسكريا أسودا خلف مكتبه، واضعا رأسه بين يديه في صمت تخللته دقات عقارب الساعة، التي كانت تشير للسادسة مساء.
فجأة طرق باب الغرفة ودخل جندي ملثم ثم أغلق الباب وقال منحنيا: سيادة الجنرال ناروي لدينا أخبار عاجلة.
رفع ناروي رأسه بفزع ثم قال وهو يقف: هل تحدثتم مع أريڠان؟.
رد الجندي نافيا: لا يا سيدي لم نجد له أي أثر.
ناروي وهو يجلس بإحباط قائلا: سحقا له كيف يجرؤ على خداعي…
ثم تابع بعبوس: ما الأخبار المهمة إذا؟.
الجندي مقلبا عينيه في المكان : في الحقيقة لقد لمحنا أحد أتباع زاڤيرا بالقرب من مقهى باريون.
ناروي بسخط: ماذا؟ ما الذي قد يفعله أتباع زاڤيرا هناك؟.
الملثم: ليس لدي أدنى فكرة عن ذلك.
ناروي وهو يمسح قطرات العرق عن جبينه ببطن يده قائلا: ألم تجدوا مستشاره آهورا؟.
هز الجندي رأسه نافيا.
ناروي قائلا بيأس: وماڤروس؟.
أجاب الجندي قائلا مفسرا: لقد فقدنا أثره، علاوة على ذلك فقد اندلعت سلسلة تفجيرات خطيرة مجهولة المصدر.
قال ناروي بغضب صارخا في الجندي: لم لم تمكثوا هناك مطولا؟ لعل أريڠان إختبأ خوفا من الشرطة لا غير.
الملثم قائلا: لن نستطيع البقاء هناك سيدي، شرطة الجيتسيت والشرطة الجنائية والقوات الخاصة وغيرهم متواجدون في المدينة، كما أنهم أغلقوا المعابر الجوية والبرية للمدينة وحاصروها، سيقبض علينا إن مكثنا هناك.
جلس ناروي مصدوما ثم قال بصوت منخفض محدثا نفسه: هل نقض أريڠان الاتفاق أم هي مجرد صدفة ؟ ولكن لِمَ أوكل عملية اغتيال آرشي لماڤروس في موعد التسليم نفسه؟.
وكيف تمكنت الشرطة من معرفة هوية ماڤروس الحقيقية؟ هل أريڠان متعاون مع الشرطة؟.
ثم تابع نافيا: لا لا، هذا غير معقول لو أراد فعل ذلك لسلم ماڤروس منذ البداية.
أفاقه الجندي قائلا بملل: سيدي هل تأمر بشيء؟.
ناروي مستفيقا: قومو بمراقبة أتباع زاڤيرا، أريد معرفة سبب تواجدهم أمام مقهى باريون في ذلك اليوم بالتحديد.
انحنى الجندي الملثم وغادر المكتب.
تنهد ناروي ثم قام متجها نحو قاعة الإجتماعات قائلا في نفسه بريبة : هناك طرف آخر عبث بخيوط الحكاية لكن من يكون؟.
ثم تابع قائلا وهو يسير في رواق طويل: هل هو زاڤيرا؟.... هناك جزء مفقود أنا واثق من ذلك، إن لم يكن هو فعلا فماسبب تواجد أتباعه قرب مقهى باريون في يوم وقوع الحادثة ؟ .
غير مسموح لأحد بمغادرة حرم المملكة إلا لأمر طارىء وبإذن الملك، هل أرسلهم جيرارد من أجل ماڤروس؟.
ثم تابع متنهدا وهو يحلل ماجرى: إن كان زاڤيرا مستبعدا حقا، و روڤين هي من قتلت فرقة القتلة.....
ثم توقف مستذكرا: لحظة.... هل تعمدت روڤين ترك جثثهم مكشوفة؟ لا هذا غير معقول، إذا أحدهم قام بجرهم من أجل....
اتسعت حدقة عيناه و تسارعت خطواته ثم توقف عندما لمح زاڤيرا يخرج من جناحه متجها لقاعة الإجتماعات، استدار نحوه زاڤيرا بنظرات مريبة، فقال ناروي: مابك؟.
زاڤيرا بابتسامة خبيثة: لا شيء، لم أنت عابس هكذا؟ يبدو وكأن أحدهم عبث بلعبتك.
ثم استدار ضاحكا بسخرية، حينها قال ناروي وهو يستشيط غضبا: إذا أنت من أفسد خطتي بتدخلك.
استدار زاڤيرا ثم قال بغباء: خطة ماذا؟.
اقترب منه ناروي وقال بغضب: لا تتغابى! أيا كان الذي قمت به ، فقد أفسدت خطتي وستدفع ثمن ذلك.
زاڤيرا قائلا بنبرة حادة وصوت خشن: ماذا ستفعل إن اعترفت بذلك؟ تقتلني؟ هيا اقترب.
ناروي مخرجا خنجرا من جيب سرواله ملوحا به وهو يقول: سأقطعك إربا إربا وأضع رأسك تمثالا على باب مكتبي.
لم يحرك زاڤيرا ساكنا، واندفع ناروي نحوه عازما على طعنه، وعندما صار رأس الخنجر على مقربة من صدر زافيرا تنحى جانبا بخفة ليقع ناروي أرضا، حينها سحب زاڤيرا سكينا بها سم البلادونا القاتل وطعن به ناروي من ظهره ليخرج رأس السكين من الجهة الأخرى.
أطلق ناروي صرخة واحدة ثم توقف عن الحركة وشل جسده بالكامل، نظر إليه زاڤيرا باشمئزاز ثم مسح حد سكينه ولعق أصابعه، وسار مغادرا نحو قاعة الإجتماعات.
* * *
فتى بشعر أبيض منسدل على كتفيه، يمشي بخطى مترددة نحو غرفة الطاغي جيرارد، وضع يده على مقبض الباب ثم تنهد وطرقه.
جاء صوت جيرارد من الداخل وهو يقول: أدخل.
فتح الفتى الباب ودخل ثم قال وهو يغلقه: أبي، أريد الحديث معك في أمر مهم.
إستدار جيرا الذي كان يجلس مقابل النافذة،على كرسيه الفاخر محتضنا رأسه بيديه في شرود، ثم قال: أجِّل حديثك إلى مابعد ياشارو، فموعد الإجتماع قد حان.
شارو بتوتر: لا تقلق سآخذ من وقتك دقائق فقط.
تنهد جيرا ثم قال: تفضل بالحديث واختصر في الكلام.
اقترب شارو من والده ثم قال: متى يتم تتويجي لتولي منصب خلافة العرش؟.
جيرا بنبرة حادة وهو ينظر إلى شارو: هل هذا هو حديثك المهم؟
أحنى شارو رأسه بتوتر ولم ينبس بشيء.
تابع جيرا قائلا: لن يفيدك معرفة الجواب الآن فلن يتغير أي شيء.
شارو بتعجب: ماذا تقصد بلن يتغير أي شيء؟.
جيرا مقطبا حاجبيه: لها معنى واحد، منصب الخلافة ثابت.
ثم تابع وهو ينظر لشارو بحدة قائلا: أثبت إستحقاقك للمنصب... حينها فقط تنقلب الموازين وتتغير القاعدة.
إبتلع شارو ريقه وخفض بصره، ثم غادر جيرا الغرفة وهو يقول: لا تتأخر عن حضور الإجتماع، فلن أنتظر أي أحد.
بعد أن أغلق جيرا الباب قال شارو في نفسه: أثبت استحقاقي إذن؟.
ثم جلس على كرسي والده وهو يلتقط أنفاسه قائلا: الحديث معه لدقائق سبب لي هذا الرعب، أتساءل عن شعور ماڤروس وهو يتحداه، أبي جبار بكل معنى الكلمة.
قام بعدها عازما على المغادرة ثم توقف عندما لمح شيئا على الطاولة، حمله بيديه ثم قال: ماهذا؟.
قلب صفاحته قائلا باندهاش: إنه تقرير..... ، من ناروي!؟.
ثم قام بقراءة الصفحة الأولى بصوت منخفض: شكر..، تقدير...، عرفان...، يسرنا تقديم تقرير عن أحداث غريبة تحدث في القصر الملكي.
أغلق بعدها التقرير قائلا وقد علت وجهه ابتسامة خبيثة: هكذا إذن! أعمال كثيرة تشغلك عن حضور الإجتماع يا ناروي، بل عمليات سرية، ستدفع الثمن غاليا.
* * *
سارت روڤين في رواق طويل مظلم على جانبيه نوافذ عالية سمحت لضوء القمر بالعبور، خافضة رأسها ودقات قلبها تتسارع ، توقفت فجأة وقررت تغيير وجهتها قائلة: كيف نسيت ذلك؟ يجب أن أجد ناروي.
وبينما هي متجهة نحو جناح ناروي لمحت زاڤيرا متجها لقاعة الإجتماعات، وعند اقترابه منها انحنى وتابع سيره فقالت روڤين: دم؟.... رائحة دم طازج.
ثم استدارت نحوه قائلة وقد ضاقت عينياها بارتياب: ما الذي يخفيه هذا الرجل خلف ملامحه الباردة؟.
ثم استدارت و تابعت سيرها نحو جناح الجنرال.
* * *
تحركت روڤين في ذلك الرواق ثم توقفت عندما رأت جثة شخص يتلوى على الأرض، اقتربت منها أكثر حتى بدت ملامحه واضحة ثم قالت باستفزاز: هذا أنت؟ كنت أبحث عنك لأقضي عليك لكن…
ثم تابعت قائلة بتماطل: يبدو أن أحدهم سبقني.
لم ينبس الرجل بشيء وظل يئن واضعا يده علي صدره.
انحنت روڤين إليه وقالت مسائلة: هل زاڤيرا هو من فعل ذلك!؟.
هز الرجل رأسه بالموافقة متألما بصمت.
تابعت روڤين قائلة: سيأتي دوره هو أيضا لا تقلق يا صغيري سآخذ بثأرك.
رد الرجل بصوت متقطع: ألست أنت من أرسلته؟.
قالت روڤين وهي تدوس بقدمها على يده المستلقية: إسمعني جيدا يا ناروي، هذا القصر كرقعة شطرنج لا يستطيع الجميع أخذ نفس الخطوات، فبعضها زلات تؤدي للهلاك، لأن رتبتك تحدد قدرتك ..... ونتيجتك أيضا.
ثم أردفت قائلة: ما الذي جنيته من طيشك هذا؟.
قاطعها ناروي قائلا بسخط: سأثأر لأبي....، نعم ستدفعين الثمن سيأتي يوم تكشف فيه حقيقتك أمام الجميع واسعي لإخفائها حينئذ.
قالت روڤين بتعجب و قد بدا عليها التوتر: تثأر لوالدك؟ من تكون أيها الوغد!؟.
رد ناروي وهو يستلقي على ظهره بثقل: أنا ابن الطبيب الذي قتلته غدرا قبل ستة عشر عاما.
ابتلعت روڤين ريقها بصعوبة واقشعر جسدها وتسارعت نبضاتها ، فتابع ناروي كلامه من بين أسنانه: ظننت أنه لا شاهد على جريمتك، وتناسيت أن له ابنا يعمل في تنظيم أدواته هناك.
ثم صرخ فيها بعينين دامعتين قائلا بصوت محتقن: لمَ قتلت أبي؟ لمَ فعلت ذلك؟ لمَ قتلته وأحرقت جثته؟ وكل هذا.... أمام ناظري.
قاطعته روڤين قائلة بسخط: كفى!.
ثم أخرجت خنجرا وطعنته به بقوة وهي تقول: فلتمت أنت أيضا!.
سقط بعدها رأس ناروي على الأرض مصدرا صوت ارتطام فقالت: قبل ستة عشر عاما؟... تاريخ محرم لا يذكر على الألسنة!
قامت بعدها وهي ترتجف وتنظر بفزع ليديها الملطختين بدماء ناروي، ثم غادرت بسرعة إلى جناحها وفي رأسها اندلعت فوضى من الندم...، الخوف....
* * *
قاعة الإجتماعات
في قاعة كبيرة بسقف مرتفع وعارضات جانبية ضخمة منقوشة بدقة، توسطتها طاولة بيضاوية مزودة بأجهزة إلكترونية متطورة.
ترأسها رجل ضخم الجثة بعضلات مفتولة وشعر أبيض منسدل على كتفيه، يلبس البذلة الرسمية للنبلاء، وعلى جبينه وشم لعنكبوت أسود، ملك الأسرة جيرارد كراڤيا.
جلس على يساره عمه فالريك كبير الكهنة والمسؤول عن قطب بلادونا.
وعلى اليمين جلس عمه "سايليوس" رئيس الجيش والمسؤول عن قطب التنين، رجل حازم بملامح جادة وشعر أسود يلبس زيا عسكريا مضادا للرصاص، وعلى كتفه العاري وشم لعنكبوت أسود وبجانبه كرسي شاغر.
جلس بجانب كبير الكهنة شقيق جيرارد : "كايل" المسؤول عن قطب الحنظل ، سفير الأسرة في البلدان الأخرى رجل طويل القامة أخفى وجهه تحت قناع أبيض بملامح كئيبة، يرتدي عباءة سوداء بأكمام واسعة برز منها وشم لعنكبوت أسود على معصمه.
بجانبه جلست سيلڤاين رئيسة البرلمان، وبجانبها شقيقتها "جودي" رئيسة الخدم، امرأة قاربت الثلاثين من عمرها ذات شعر بني بلغ أكتافها ترتدي فستانا أسودا قصيرا وشم على معصمها عنكبوت أسود.
بجانب الكرسي الشاغر جلس "آري" رئيس الحرس وابن سايليوس، شاب عشريني أشقر بملامحة باردة وعينين زرقاوتين، وشم على معصمه عنكبوت أسود.
بجانبه جلس شقيقه "هوبي"، قائد القوات الخاصة رجل أربعيني بعين واحدة، يرتدي بذلة سوداء، على معصمه وشم عنكبوت أسود، رمز العائلة القاتلة، وبجانبه جلس الوزير زاڤيرا عاقدا يديه يحدق بالطاولة أمامه.
ساد الصمت القاعة وكأن كل واحد من العناكب يخفي خنجرا ينتظر لحظة الحزم ليُلوث بالدماء.
ومضت السماء فجأة مرعدة فزادت الجو حدة ورعبا، وعلى شرفات النوافذ العالية إستقرت مجموعة من الغربان تصدر نقيرا مزعجا تناسق مع صوت لهيب الموقد.
فجأة طرق باب القاعة ودخلت روڤين وعلى وجهها ملامح التوتر، ملكة سايبا وزوجة جيرارد، إمرأة في العقد الثالث من عمرها، ترتدي فستانا أسودا واسعا، ذات شعر أشقر طويل وعينين رماديتين، غطت نصف وجهها بقناع ألماسي، وشم على جبينها عنكبوت أسود.
إستأنف جيرارد كلامه قائلا: لم تأخرت يا روڤين؟.
ردت روڤين بتوتر: كنت أبحث عن هاتين المشاكستين.
تقدم من خلفها التوأم سان ويوهان خافضتين رأسيهما بصمت.
قال جيرا وهو يتأمل روڤين: أين كنتما؟.
ردت يوهان بهدوء أخفت خلفه توترها: كنت أبحث عن سان.
جيرا متنهدا: أين كنت إذا يا سان؟.
سان بخجل: كنت في كهف الخفافيش.
جيرا بحدة: ألم أنهك عن الإقتراب من الأسوار؟.
في تلك اللحظة دخل شارو ورمق روڤين بنظرة غريبة ثم قال: آسف لتأخري.
قاطع الجو الأسري زاڤيرا حين قال بتوتر: يمكننا بدؤ الإجتماع الآن.
رد شارو بخبث: لا يزال العدد ناقصا، ثم التفت نحو والده قائلا: لم يحضر ناروي.
تجهم وجه روڤين، واحنى زاڤيرا رأسه بتوتر، واستدارت سيلڤاين بلا اكتراث، وانزل فالريك قلنسوته ليغطي ملامح وجهه، وكانت يوهان دقيقة الملاحظة لتمييز التغير الحاصل فجأة.
حينها قال جيرا موجها سؤاله لسايليوس: أين ناروي يا رئيس الجيش؟.
سايليوس بوقار: لم يحضر الإجتماع الذي أقمته اليوم أيضا في قطب التنين.
جيرا بسخط: هل هذا هو جوابك؟.
سايليوس بنبرة اعتذار:آسف جلالتك ولكني كنت سأتطرق لهذا الموضوع في اجتماع اليوم.
زفر جيرا بضجر مصدرا زمجرة مرعبة فأحنى الجميع رؤوسهم.
جلست مقابله روڤين، وبجانبها التوأم وشارو.
تنهد جيرا ثم قال بصوت مرتفع : سيبدأ الإجتماع الآن.
𝐶ℎ𝑖𝑟𝑖🎭♟️