كابُوسُ الأزلْ.

كابُوسُ الأزلْ.

44 0

بتاريخ السادس والعشرين، وُلد العبث.

في فضاءٍ خالطه السواد، فتىً يافعٌ عار الصدر، لا يُرى من وجهه إلا وميض عيونه القرميزية، تحدث بكلماتٍ ردّدها الصدى: "فلترقد بسلامٍ ولينته عهدها بموتك...... لاتُغشى عتمة الليل إلا بشروق شمس النهار...... إذًا فلتشرق شمس السلام إلى الأبد...... ".

رفع يده في الهواء ثم أطلق من مسدسه طلقةً إخترقت صدره ببطء، ثم توارى كالظل وسط الظلام، ليترك الرجل غارقًا في دمائه.

نهض الرجل فزعًا مذعورًا، ثم نظر حوله ليجد نفسه فوق السرير في غرفته.

فقال بصوتٍ يخالطه الخوف: لقد كان كابوسًا...

صوت أنثوي من خلفه بهدوء: هل هو الكابوس نفسه؟.

قال بقلق وهو يضع رأسه بين يديه: نعم….. إنه الكابوس ذاته الذي يراودني منذ عقود….

صمت برهة ثم قال: منذ متى وأنتِ هنا؟ لم أرك عندما استيقظت.

الصوت: لقد كنت خلفك منذ انتصف الليل.

ثم أردفت: مابك؟! تبدو مرعوبا هذه المرة! هل رأيت شيئا خالف المألوف؟!

الرجل بأسف: نعم.

إرتبكت ثم قالت بتوتر: ما الذي رأيته؟!

الرجل: وشم على صدره لكوكبٍ وقمرين.

شحب وجهها لكنها تمالكت نفسها، و قالت محاولة تهدأته: قد يكون تفكيرك المتواصل في هذا الأمر هو ماجعلك ترى أشياءًا بشعة في أحلامك.

الرجل بحسرة: لكنه يتكرر يا " روڤين"....

ثم تابع بثقل: إنها نبوءةٌ ومصيرٌ محتوم لكن لن يغفو لي جفن وهو لا يزال على قيد الحياة.

استدارت روڤين نحو النافذة، ثم قالت بهدوء وهي تنظر إلى القمر المكتمل: كل ذي حقٍ سيأخذ حقه.

الرجل رافعًا رأسه: ما الذي تتمتمين به ياروڤين!؟

روڤين متنهدة بعمق : لاشيء.... كنت أمتدح القمر يا "جيرارد"

قام بعدها جيرارد من السرير يمشي مترنحا نحو الباب، موجها سؤاله لروڤين: ألم تعد فرقة القتلة بعد؟!.

صمتت روڤين مطأطأة رأسها بتوتر.

جيرارد بغضب وهو ينظر إلى روڤين : تكلمي!!.

قاطع حديثهما طرق قوي على الباب، فقال جيرارد ونظره لا يزال نحو روڤين التي زاد توترها: من يجرؤ على إفساد خلوتي في هذا الوقت ؟!.

إقتحم الغرفة شاب عشريني، يرتدي زيا عسكريا أسودا؛ وبدا وجهه شاحبا والعرق عكس ضوء القمر على جبينه.

جيرارد ساخطا: كيف تجرؤ على اقتحام غرفتي دون إذن أيها الوضيع؟!.

استأنف الجندي كلامه لكن جيرارد رفع يده في نية لصفعه، ففوجىء بروڤين تمسك قبضة يده؛ قائلة بنبرة صارمة: دعنا نستمع لحديثه أولا! ربما يحمل أخبارا ذات أهمية.

نظر إلى عينيها الرماديتين فتحولت ملامحه إلى ملامح الفارس المهزوم؛ وكانت لحظة الصمت البسيطة تلك، فرصة ليبتدىء الفارس كلامه قائلا: لقد قُتلوا!!

جيرارد بتعجب كاتما غيظه: هل فعلها ثانية؟! ذلك السافل لايصلح لأن يرث قطرة واحدة من دمي، طغيانه يزداد يوما بعد يوم، هل ينوي إعلان تمرده علي ياترى؟! ثم تابع بتوعد: سأثبت له أن العبث مع أسياده باهض الثمن.

إستدار جيرارد نحو الباب مستعدا للخروج ، فاستوقفه الجندي قائلا: المشكلة ليست هنا جلالتك.

جيرارد مديرا وجهه ثانية: ما المشكلة إذن أيها الجنرال "ناروي "؟!

ناروي بثقة : فرقة القتلة وُجدت مقتولة داخل حرم المملكة، وأجسادهم ممزقة أشلاء..... هناك خونة أيها الملك.

جيرارد بغضب: ماذا؟! خونة من نسل" سايبا"؟!

روڤين مرتبكة: ما الذي يثبت أن هناك خونة، فلنفكر في الأمر قليلا.

ناروي بخبث: لا، لا يمكن لأحد أن يدخل "وورل " ، حدودنا معزولة عن كل العوالم خلف الأسوار، هل نسيتي ذلك أيتها الملكة!؟

نظرت روڤين إلى ناروي وعلى وجهها ملامح الصدمة، فقالت في نفسها: كيف عرف بأمر الفرقة بهذه السرعة؟.

جيرارد ينظر بحدة إلى ناروي قائلا: هل يمكن أن توضح أكثر؟!

ناروي موجها نظره نحو روفين: الحديث يجب أن يكون فرديا سيدي.

اندفعت روڤين بجسدها نحو ناروي بغضب قائلة: حديثك هذا إهانة وانتقاص لقدري! احترم نفسك يا ناروي.

جيرارد فاصلا بينهما: ماكل هذه الوقاحة؟! ألا يكفيكما وجودي لتنصاعا لي احتراما؟!

حنى ناروي رأسه خجلا، واستدارت روفين بغرور وقالت وهي تمشي متمايلة:حتى أنا لدي حديث فردي معك ياجيرا.

جيرا بابتسامة عريضة وعينين لامعتين: أتمنى أن يكون حديثا ممتعا كالعادة.

أغلقت روڤين الباب فاستدار جيرا نحو ناروي بنظرات حازمة و ملامح صارمة قائلا : تفضل قل ما عندك؟

ناروي: سيادة الملك هناك أمور غريبة تحدث في القصر الملكي، وازدادت غرابتها مع رحيل وريث العهد في ظروف غامضة، ولقد استأنفت البحث في هذا الأمر منذ مدة مع فرقة صغيرة من الجواسيس، وأعددت تقريرا يضم كل تفاصيل العملية.

جيرا ساخطا: ماذا؟! منذ متى تحرك بم يمليه عليك ضميرك؟ أرى أن المتمردين كثر هذه الأيام وتصفية الخونة لن ينفعني في شيء.

ناروي بخيبة أمل: ثق بي ياسيدي الأمر برمته خطير ويحتاج تدخلك، وبعد اطلاعك على التقرير الذي أعددته ستعرف كل شيء، أنصت لي ولو مرة واحدة.

جيرا ببرود: ومن أنت لأنصت إليك؟

أنزل ناروي رأسه ولم ينبس بشيء.

جيرا مديرا وجهه نحو النافذة: ضع تقريرك هنا وأرسل في طلب أفراد الأسرة لمؤتمر طارىء سيعقد في المساء.

ناروي منحنيا بابتهاج: سمعا وطاعة أيها الملك.

أغلق ناروي الباب خلفه وسار في رواق عريض امتد على جانبيه غرف كثيرة، لقد كانت غرف أفراد الأسرة الحاكمة.

وفي منعرج الرواق المؤدي إلى الدرج وجد ناروي روڤين متكئة على حواف الدرج تنظر إليه بقرف.

فتوقف أمامها وساد صمت طويل بينهما كسرته روڤين حين قالت وهي تسير نحو ناروي، حتى أصبح بينهما مقدار شبر: أنت إذن زعيم حفنة الحثالة تلك؟ فما الخطوة القادمة التي تنوي فعلها أيها الوغد؟ ألم تسأم من محاولاتك التي باءت جميعها بالفشل؟

ناروي متراجعا بضع خطوات للوراء: لا أريد التعرض إليك سيدتي، سيسدل الستار عن مسرحيتك اليوم مساءا.

أطلقت روڤين ضحكة مستفزة قبل أن تقول: أنت جنرال صحيح؟

صمت ناروي ثم قال بتلعثم: ن نعم.

وضعت روڤين يدها على خصرها قائلة: وما هي مهام الجنرال في رأيك؟.

رد ناروي بتهكم: ماهذه الأسئلة؟

رمقته روڤين بنظرة حادة ثم قالت: أجب ولا تجادلني.

أجابها ناروي بغيظ: مهامه حفظ الأمن العام للقصر والمملكة، واتخاذ قرارات يمتثل لها الجنود هل يكفي هذا؟

قالت روڤين بهدوء: أتراك تنفذ مهامك؟

قاطعها ناروي بثقة: نعم! حفظ الأمن الداخلي من مهماتي.

ثم تابع وهو يبتسم: وأنا شخص يؤدي مهامه بإتقان وحرفية.

ردت روڤين: لا، لا أظن ذلك.

ثم تابعت: مايحدث في قصري شيء لا يخصك، إلتزم بالأوامر الملقاة عليك ولا تقحم نفسك فيما لا يعنيك، مصير أتباعك هو مصيرك يا صغيري.

ناروي بضحكة خبيثة: هل تنوين قتلي كما قتلتهم؟ سنرى من سيلاقي مصيره اليوم وكلماتك ستكون ضدك في المؤتمر.

روڤين مقاطعة كلامه قائلة بصوت مرتفع: أنا من تقسم أن هذه الكلمات هي آخر كلماتك معي، سيتدحرج رأسك تحت قدميّ معلنا نهاية هذا التمادي ، لا تستفزني فمصيرك محتوم.

توقفت روڤين عن الكلام و حملقت بعينيها في الرواق كأنها تترقب شيئا ما، وعندما استدارت ثانية لم تجد ناروي فارتبكت وعادت أدراجها إلى الغرفة التي تركت فيها جيرا قبل قليل.

وفي طريقها همست في نفسها قائلة: غريب هذا الأمر، لم أحسست بشخص يراقبني ولم أستطع تحديد مكانه؟ ثم كيف اختفى ناروي ولم ألحظ ذلك أيضا؟.

دخلت روڤين الغرفة بهدوء وأغلقت الباب بقدمها، وخطت خطوات ثقيلة نحو جيرا، الذي تربع على كرسي من الخشب الفاخر موجها وجهه نحو النافذة.

توقفت روڤين على بعد خطوات من جيرا، وسادت لحظات صمت طويلة بينهما.

حينها همست في نفسها قائلة: أرغمت على العيش معهم و مشيت على خطاهم ، أتسائل دوما إن كنت أسير على الطريق الصحيح بعد موته أصبحت تائهة فقد كان هو بوصلتي وطوقي للنجاة.

ثم تابعت بعينين دامعتين: إشتقت للحياة النزيهة التي عشتها سلفا لبضع سنين، فقد غيرت فيّ أمورا كثيرة لكني الآن مجردة من إنسانيتي.

لست إلا طيفا ينفذ منه كل عابر….

قاطع شرودها جيرا حين قال بهدوء: تعالي إلى هنا يا روڤين لم تقفين هكذا؟!

تقدمت روڤين نحو جيرا ممتثلة لأمره بعدما مسحت دموعها ، وعندما صارت خلفه مباشرة وضعت يدها بلطف على كتفه وقالت متنهدة: كيف حالك الآن؟!

جيرا متجاهلا سؤالها: هلا أخبرتني ما الذي يحدث بالضبط؟

روڤين متوترة: ماذا تقصد؟

جيرا مسندا رأسه إلى ظهر الكرسي: أظن أنه من الأفضل أن أستمع للقصة كاملة من شخص مقرب إلي مثلك.

روڤين وهي تزيح يدها عن كتفه: لم تتحدث بالألغاز؟ ثم ما التهم التي لفقها إلي ناروي وأظنك صدقتها؟

جيرا مغمضا عينيه: ناروي لم يتهمك بشيء، ولست غبيا لأصدق ما يقوله أي أحد، أنا أحكم بم يمليه علي ضميري و تبرهنه ليَ الأحداث.

صمت برهة ثم تابع: لا أعلم حقا لما تحاولين الإستغباء بسؤالك هذا! لقد كنت تسترقين السمع و حضرت حوارنا بتفاصيله، لكن لا تقلقي فكلنا نجيد الإستراق.

أدركت روڤين أن الشخص الذي أحست به يراقبها في الرواق كان جيرا.

فقالت في نفسها وعيناها تحدقان بانعكاس جيرا على النافذة: ذلك الخبيث ناروي! لقد تعمد أن أفصح عن قتلي لجنوده وعن نيتي في قتله هو أيضا، لكن هل كان على علم بأن جيرارد يسترق السمع؟ هالته غير مؤهلة لاستشعار هالات أخرى، حتى أنا لم أستطع الشعور بجيرا سوى لبضع ثوان.

ترى من يكون هذا الجنرال؟.

جيرا بغضب وهو يعتدل في جلسته: لمَ أنت صامتة؟ تحدثي ما الذي يحدث في قصري دون علمي؟ ألم أكلفك بأعرق المناصب للحفاظ على شرف الأسرة! ظننت أنكِ كفؤ لذلك، أكنت غبيا حين جعلتك تتدخلين في شؤون الحكم؟.

روڤين بهدوء: هل زعزع كلام جندي بسيط ثقتك بملكة سايبا؟

جيرا وهو يقف ويستدير نحو روڤين بجسده الضخم: لم تتعمدين إثارة غضبي؟ تذكري أنه لولاي لما وصلتي إلى هذا المستوى من القوة والنضج و السلطة، وقوتك ليست إلا غيضا من فيض من قوتي.

ثم تابع بثقل: هل تريدين أن أجردك من منصبك؟

صمتت روڤين وبقيت تحدق بجيرا ثم تنهدت قائلة: كما تشاء؛ جد إذن ملكة أخرى تثق بها تتولى شؤونك وشؤون بلادك ، وتذكر أني لم أعط ولائي لغيرك.

رد جيرا بحدة: ولن تعطيه لغيري إلا على جثتي، ولسانك ذاك لا تطيليه كثيرا على أسيادك، كونك زوجتي لا يبرر طغيانك وعصيانك المستمر.

ابتسمت روڤين باستفزاز ثم استدارت بهدوء، وأغلقت الباب خلفها قائلة في سرها: يظن نفسه من يتغاضى عن تمردي، وأنا من إستحملت وحشيته ستة عشر عاما، لكني أجزم أن نهايته أزفت.

ثم تابعت وهي تنظر للرواق المظلم أمامها: لن ألطخ يديّ بدماء استباحت الفساد في الأرض، لكن ابني سيقوم بذلك.

ثم رفعت رأسها وقالت بتوسل: لاتخيب آمالي يا مافروس.

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

يوميّات السّفاح _الجزء الأول من ملحمة القدر الأسود _

المؤلف 𝐶ℎ𝑖𝑟𝑖🎭♟️
2025/08/03 مستمرة
قائمة الفصول (10)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة