الفصل الثامن: رقصة العناكب.
بتاريخ السادس والعشرين، وُلد العبث.
ليس كل الحب رحيما، فحب العاشق أذية، و حب الوجد مذلة، و لكن ماذا لو مثّل أحدهم دور المحب ليغدرك؟…. سيكون هذا ضربا من الجنون.
قاعة الإجتماعات
بعد اجتماع العناكب حول الطاولة الكبيرة في قاعة مهيبة، بدأ الملك جيرارد حديثه قائلا و قد أطل قمر في السماء منيرا حلكة القصر: أيها الملأ… منذ قيام الأسرة لأكثر من قرون على يد جدتنا الأرملة، و أرواح العناكب فداء لها و لمجدها، و لكن رغم ذلك إلا أن تاريخ الأسرة شهد خيانة أولى قبل عشرين سنة….
كانت أنظار الجميع موجهة للأسفل بخضوع و وقار، فتابع جيرا كلامه بنبرة أحد: و إنكم لأعلم بمصير الخونة…
طأطأ الجميع رؤوسهم و رددوا بصوت واحد: يراق دمه في معبد الدم..، و يشرب في أقداح الخمر، نحن النبلاء سلف العناكب، لا نشرب نجسا بل نتلذذ بالدماء..
ابتسم جيرا ابتسامة الرضى و استأنف حديثه مجددا بنبرة أسف: و خيانة ثانية من رهطي…. من ولي العهد "الأرشيدوق ماڤروس كراڤيا "، و حتى الآن أوقن أن هناك طرفا تدخل في هروبه، فليس بمقدور فتى بعمر السابعة أن يجتاز الحواجز و يعبر من بوابة الإردواز في ليلة واحدة.
طرق جيرا برفق بسبابته على سطح الطاولة مشيرا للحضور بطرح آرائهم، حينها قال فالريك كبير الكهنة، و هو يزيح قلنسوته للوراء قليلا: جلالة الملك كلنا تحت أمرك و تصرفك، و لكن كيف لنا أن نعطي آراءنا فيما عجزت أنت عن التكلم فيه؟.
تنهد جيرا بعمق مغمضا عينيه من دون قول شيء، حينها قال سايليوس رئيس الجيش: و جبروتك أيها الملك ما عسانا نتكلم فيما مضى عليه من الدهر سنين، لقد جرّد الوريث من رتبته و صار دمه مهدورا.
قاطعه جيرا فاتحا عينيه الزرقاوتين: هو خليفة عرش العناكب و أنا من يقرر إن كان مجردا من لقبه أم لا.
امتعض شارو من كلام والده ولكنه أسّر ذلك الشعور في نفسه.
قال فالريك بنبرة غاضبة: أيحكمنا خائن؟.
جيرا من دون أن يلتفت بنبرة باردة: هل تجادلني في حكمي و أمري؟.
أنزل فالريك رأسه طواعية و تمتم بصوت خفيض: و عزتك إنما كان هذا رأيا فيما استشرتنا فيه.
رد جيرا قائلا: قل ما تشاء يا عمي، فرأيك لا يغير و سكوتك لا يبرر.
تابع جيرا كلامه عاقدا أصابعه و هو ينظر إلى روڤين التي جلست مقابله: و بعد تسع سنوات من اختفاءه الغامض ظهر البارحة و قد اغتال رجل أعمال في بلاد تاين.
ثم التفت ناحية السفير كايل و تابع: أليست تلك البلاد التي تقيم فيها يا كايل؟.
رد كايل محاولا إخفاء توتره: أقسم لك أني قضيت كل تلك السنين في البحث عنه، وكانت النتيجة كنتائج غيري: لم أجد له أي أثر.
قاطع فالريك و قال موجها حديثه للملك: لكننا أرسلنا فرقة من القتلة في نفس اليوم الذي قام فيه بجريمته، ألم يعودوا حتى الآن؟!.
رمق جيرا الملكة روڤين بنظرة حادة و قال: ماذا تتوقع أيها الكاهن؟.
قال فالريك بامتعاض: تخلص منهم كما يفعل في كل مرة نشك فيها في تواجده بمكان ما.
نطقت سيلڤاين قائلة: لسنا متأكدين من أنه الفاعل.
نظر إليها آري رئيس القوات الخاصة باستغراب وقال: ماذا تقصدين؟ أن هناك من يتعاون معه؟
ابتسمت سيلڤاين وهزت كتفيها قائلة: ربما!.
علقت شقيقتها جودي قائلة بحدة: أو ربما هناك خونة.
نظر إليها الجميع بتعجب من ثقتها، عدا جيرا الذي ثبت نظراته الحادة عليها فأنزلت رأسها بخضوع قائلة: أقصد خونة من أعواننا في البلدان الأخرى.
قال فالريك بتهكم عاقدا يديه: لا يستطيع أي أحد مجاراة فرقة القتلة، إلا إن كان فردا من العائلة…
تنهد جيرا قائلا بضجر : فليصمت الجميع!.
حل هدوء مفاجىء تخلله صدى صوته وهو يتردد في القاعة، فتابع جيرا كلامه: لم أجتمع بكم لمناقشة هذا الأمر فأنا من يحكم فيه، أما الآن فإن بعض المهام ستتغير تباعا تحسبا للمزاد العالمي بعد أشهر ، و ستكثفون جهودكم لإيجاد ولي العهد ماڤروس.
قال فالريك متساءلا: هل هذا يعني أن الحجر قد رفع و نستطيع مغادرة أسوار وورل؟.
قال جيرا: نعم، البعض فقط سيخرجون لآداء مهمات و يعودون.
سأله فالريك مجددا: و هل نحضر لك الوريث حيا أم تريده ميتا؟.
التفت نحوه جيرا وقال: أراك مستهزءا جدا يا فالريك، فهل مزاجك سيء اليوم؟.
حنى فالريك رأسه قائلا: سيء جدا، فقد أفنيت حياتي خدمة للمعبد وطقوس الأسرة… و خيانة كهذه ترهق تفكيري.
رد جيرا ببرود محدقا بالطاولة أمامه: في المرة القادمة أترك مزاجك عند عتبة الباب، فلا أظن أن أي أحد منكم مستعد لتحمل تقلباتي أنا أيضا.
حملق الجميع بأعينهم محاولين إبداء الجدية، بينما خفض فالريك بصره ولم يرد على إهانة الملك.
استدار جيرارد بعينيه اتجاه كايل مجددا وقال: من اليوم و صاعدا ستنجز مهماتك في القصر ولن تضطر للخروج…. و قم أيضا بتصفية لجميع أتباعك هناك.
أجاب كايل بهدوء: سمعًا و طاعة.
استدار جيرا ناحية هوبي و قال: و أنت، ستحشد جميع قواتك بلا استثناء للبحث عن ماڤروس، وستكون معهم في هذه العملية…. و إياك و العودة من دونه.
أومأ هوبي برأسه و ردد قائلا: سمعًا وطاعة.
ثم قال الملك موجها حديثه لسايليوس: ستقود مجموعة من المتمرسين في عمليات تطال جميع البلدان…. أريد عتادا طبيا لحفظ الأعضاء البشرية الحيوية.
شحبت الوجوه، وعم الصمت، لم يسمع سوى صوت ابتلاع الريق و الانفاس المتقطعة، رفع سايليوس بصره وأجاب بجدية: هل لي بسؤال جلالتك؟.
رد جيرا بهدوء: تفضل يا عمي… ماهو سؤالك؟.
قال سايليوس: كم تريد من عتاد؟.
تنهد جيرا و قال: ما استطعتم.
صمت سايليوس برهة ثم أجاب: ألا تظن أن ذلك سيثير الشكوك؟.
ابتسم جيرا بخبث قائلا: و إن يكن؟.
انزل سايليوس رأسه قائلا: لاشيء.
تابع جيرارد كلامه بصوت مرتفع: قانون الغاب لا يسري على العناكب… إنه محصور على الحيوانات و أولئك الحمقى.
استدار جيرا ناحية هوبي و قال: و أنت، ستحشد جميع قواتك بلا استثناء للبحث عن ماڤروس، وستكون معهم في هذه العملية…. و إياك و العودة من دونه.
أومأ هوبي برأسه و ردد قائلا: سمعًا وطاعة
ثم قال موجها حديثه لآري: و أنت يا ولد، تكفل بإحضار الرهائن من كل صنف، أريد قلوبا تنبض باستمرار، و عقلا لا يتوقف، و عيونا لا تنام.
لم يكن كلام الملك مفهوما للجميع، لكنه كان تحذيرا مباشرا لسلطة دائمة، و عرش لا يرثه أي أحد.
هز آري رأسه قائلا: سمعًا و طاعة، ثم أتبع ذلك بسؤال: هل تريدهم مجرمين أم أطفالا وشيوخا أم غير ذلك من النبلاء.
قال جيرا بتجهم ونبرة صارخة: هل تمزح؟ لا نبيل يعلو على نسل الأرملة.
ثم لوح بيده و تابع كلامه: أحضر من تشاء فحتى الجثث تستغل.
أمال جيرا رأسه قليلا ثم قال: أرني وجهك يا زاڤيرا، لم أعهد منك السكوت و الخنوس هكذا.
أطل زاڤيرا بوجهه الشاحب وقال بنفس متقطع: أنتظر الأمر منك و ماكان سكوتي إلا خضوعا لمقامك و هيبة لحضورك.
تجاهل جيرا كلامه المعسول و قال بحدة: ستتكفل أنت بالرهائن الذين يحضرهم آري و العتاد الذي يحضره سايليوس، و إياك و التهاون مع الرهائن.
هز زاڤيرا رأسه قائلا: سمعًا وطاعة، ثم أضاف: هل هذا يعني أني سأغادر قصر الأرملة؟.
قال جيرا بسخرية: نعم، ألا تريد مغادرة العش؟.
احنى زاڤيرا رأسه بخجل قائلا: ليس الأمر كذلك جلالتك، و لكن من سيحل مكاني؟.
رد جيرا بضجر: هذه الأمور لا سلطة لك عليها.
ساد الصمت مجددا، و رفعت العناكب أبصارها تراقب الوجوه الجامدة، والأعناق الشامخة بجمود و سيدها الذي أغمض عينيه و استند على يديه بعدما عقد أصابعه.
بعد مدة يسيرة من الوجوم الصامت الذي كسر قيده سايليوس قائلا: جلالة الملك، ما حكمك في أمر الجنرال ناروي؟ ألاترى أنه يستهزىء كثيرا؟… أرى أن يُعاقب ويقصى من رتبته ويحل مكانه شخص أجدر بالدور.
جيرا بلا اكتراث قائلا: ناروي…؟ لا عليك فأنا من سيتكفل بأمره، أما الآن فسينطلق كل منكم إلى عمله باستثناء سيلڤاين و كايل.
لم يبد كايل أي ردة فعل، بينما رفعت سيلڤاين رأسها باتجاه والدها ونبضات قلبها تتسارع، لكنه اكتفى بطأطأة رأسه فقالت في نفسها بتعجب: أنا؟ ماذا يريد مني الملك يا ترى؟.
حرك سايليوس الكرسي للوراء وقام ثم انحنى للملك الذي أومأ برأسه، وسار مغادرا القاعة بعدما تبعه كل من هوبي، آري، زاڤيرا و جودي.
بعدما أغلق باب القاعة الضخم قال شارو موجها حديثه لوالده: أيها الملك ألا توجد مهمة أؤديها مثل البقية؟.
رد جيرا وهو ينظر إليه: بلى، ستتكفل بالبحث عن المطلوبين في القائمة الحمراء و لكن ليس الآن، سيكون ذلك بعد مراسم التطهير عند بلوغك عامك الحادي عشر.
رد شارو بتأفف: لم يجب علي الإنتظار إلى ذلك الحين؟، ثم تابع في نفسه: مللت هذه القوانين التي لا تغني و لا تنقص شيئا.
جيرا بغلظة: لن تذهب وحدك سترافقك شقيقتك سان.
قال شارو بغرور: لا داعي لذلك فأنا وحدي قادر على تنفيذ المهمة.
تنهد جيرا ثم قال: لا تعترض، ففي الحقيقة أنت من سترافقها و ليس العكس.
ابتسمت سان بخبث وهي تحدق بشارو الذي أدار وجهه بعيدا بامتعاض.
قالت سيلڤاين وهي تقوم من مكانها: نحن طوع أمرك أيها الملك فماهي مهمتي؟.
قام جيرارد من كرسيه بجسده الضخم ثم قال: تعاليا إلى قاعة العرش و هناك سنتحدث عن مهمتك.
استوقفته روڤين و هي تقوم من مكانها: ألن تكلفني بشيء أيها الملك؟.
ابتسم جيرا واستدار نحوها قائلا: لكلٍ دوره فلا تستعجلي… انتظريني في الغرفة سأعود بعد قليل.
أومأت روڤين برأسها و نظرت إلى سيلڤاين التي التفت نحو جيرا وقالت بصوت رقيق: أراك متعبا جدا أيها الملك فهل أعد لك شيئا يريحك؟.
أمسكت روڤين بطرف ثوبها و تمتمت بغيظ: يالها من وقحة.
سار الملك متجاهلا سيلڤاين نحو الباب فتبعته و لحق بهما كايل و أغلقوا الباب.
مشت روڤين بخطوات متسارعة و اتجهت نحو جناح الأسرة الحاكمة، و قام بعدها فالريك مغادرا نحو قطب البلادونا.
لم يتبق في القاعة سوى شارو الذي اتجه ناحية إحدى النوافذ ويوهان التي اقتربت من أختها وهمست في أذنها قائلة: أشم رائحة خيانة…
أجابت سان ببرود: هل تشكين في أحد منهم؟.
ردت يوهان باستغراب: ألم تلاحظي تلك العيون المتربصة؟ و التعابير المتوترة و الوجوه الشاحبة؟.
قالت سان بتغاب مصطنع: لا لم ألاحظ أي شيء.
غادرت الأختان الغرفة بعدها فالتفت شارو واتجه ناحية الطاولة، ثم وضع يده على حافة ظهر الكرسي الشاغر وابتسم، ثم قال وهو يتلمسه: متى تكون من نصيبي؟ متى أنتزعك و أجلس عليك متوجا بالمنصب الجديد… "ولي العهد "؟.. متى؟.
* * *
دخل الثلاثة إلى قاعة العرش المهيبة، بعوارض ضخمة مصنوعة من الذهب الخالص، استقرت تباعا مشكلة ممرا نحو كرسي ألماسيّ شفاف، استوى عليه الملك جيرارد بجثته الضخمة.
ارتكزت في السقف ثرية كريستالية عملاقة بها مجموعة شموعٍ مشتعلة تصدر وهجا خفيفا، و نوافذ ضيقة متطاولة على كلا الجانبين.
وقف كايل أمام الملك و بجانبه سيلڤاين التي انحنت قائلة: طوع أمرك.
اسند الملك مرفقه إلى الحافة الجانبية للكرسيّ، و ألصق خده بقبضته قائلا بلا اكتراث: اذهب بسرعة يا كايل إلى عشيرتيّ" الآبينوس"و" الآرام"، وأرسل في طلب "هاكيلور" و "إيڤان".
أومأ كايل برأسه و غادر القاعة، حينها قال جيرارد موجها حديثه لسيلڤاين: سأكلفك باختطاف مجموعة من الأطباء و العلماء….. و ستغادرين بعد شهر من الآن، هل هذا مفهوم؟.
بقيت سيلڤاين صامتة، ثم سألته قائلة: هل أستطيع…
قاطعها الملك قائلا بحدة: لا تستطيعين معرفة السبب، هيا يمكنك الإنصراف الآن، سأرسل لك القائمة بعد أيام.
ردت سيلڤاين حانية رأسها: سمعا وطاعة… و لكن أين سأحتجزهم؟.
قال جيرا مديرا وجهه: هذا ليس من شأني… تصرفي كما تشاءين، و إياك والتهاون إن كُشف أمرك فلن أسمح لك بالعودة إلى هنا و ستواجهين مصيرك بنفسك، لذا أي تقاعس أو خطأ بسيط سيضر بك وحدك.
استدارت سيلڤاين بهدوء وغادرت القاعة بخطوات متثاقلة.
* * *
عشائر الآرام.
في مكان ما من أراضي وورل شرقا، و تحديدا بإحدى الجبال البركانية التي انتصبت في صحراء برمال حمراء.
و داخل أحد الكهوف جلس رجل أشيب بلحية بيضاء كثيفة على عرش حجري، عاري الصدر غطى نصفه السفليّ بقطعة جلدية لحيوان الظبي، و على رقبته طوق التوركين.
فجأة دخل عليه رجل ضخم البنية في الخمسين من عمره، بوجه مليء بالندب و الوشوم ارتدى نفس القطعة الجلدية و الطوق المقيّد،و تابع سيره ثم انحنى قائلا: يا كبير العشيرة؛ و ردتنا أنباء عن تواجد الوريث المفقود للعائلة الحاكمة في بلاد تاين.
فتح كبير العشيرة عينيه بفزع ثم اعتدل قائلا: هل أنت واثق من صحة الخبر؟.
رد الرجل: الخبر مأكد فقد نقله لي أحد الجواسيس هناك.
ضرب كبير العشيرة بقبضته على حافة الكرسيّ وقال بعصبية: ذلك الولد يجب أن لا يعود… يجب أن لا يرث عرش العناكب سيفسد خططنا كلها و سيكون عائقا كبيرا لو تم ترويضه مجددا.
قاطعهما دخول وفد من خمس رجال بنفس الهيئة البدائية، و كأنهم ظل لشخص واحد، و قال أحدهم بعدما انحنى قليلا: يا كبير العشيرة إلى متى سنبقى على هذه الحال..؟ لقد ماتت اليوم ثلاث نساء أثناء و لادتهن لأطفالهن، و قد نجا رضيع واحد فقط من بينهم.
رد الكبير بتجهم: كم حصيلة المواليد الجدد؟.
قال أحدهم: خمسة أطفال و السادس في حال حرجة و قد لا يرى فجر الغد.
الكبير بسخط: خمسة أفراد جدد فقط؟ ستباد العشيرة إن تابعنا على هذا النحو.
ثم تتابع بتوعد: كايل.. أيها الماكر أهذا ماكنت تسعى إليه برهن نساءنا للعمل كالجواري؟؟ أكنت تريد محونا حتى يتسع لك الطريق؟!.
توقف كبير العشيرة عن الكلام و حدق بمدخل الكهف بجمود فاستدار الجميع للخلف، يحدقون بظل شخص ما يقترب.
و مع اقترابه بدأت معالمه تظهر، رجل طويل القامة أخفى وجهه تحت قناع أبيض بملامح كئيبة، كان يرتدي عباءة سوداء بأكمام واسعة برز منها عنكبوت أسود وُشم على معصمه.
استدار الرجال الخمسة بأجسادهم و انحنوا فقام كبير العشيرة قائلا بنبرة استهزاء: الدوق كايل؟ زيارة مفاجأة.
تابع كايل سيره متخط الرجال الخمسة و انتصب أمام كبير العشيرة ثم قال بنبرة مستفزة: ما بال وجهك شاحب هكذا أيها العجوز "زيران"؟.
صمت زيران برهة ثم قال وهو يتفقد كايل بعينيه: إن كنت قد جئت إلى هنا من أجل رهن النساء فليس لدينا سلعة اليوم، أغلبهن توفين أثناء الولادة والبقية مرضعات، لقد أخذت نصف شعبنا فماذا تركت لنا كي نعطيك؟.
اقترب منه كايل ثم قال بصوت خشن واضعا يده على كتفه: أعلم أن الأمر يزعجك أيها العجوز الشره فحاجتك إلى النساء تزداد مع تقدمك في العمر، ولكني لم آت إلى هنا لأخذهن، فقد أجلت ذلك هذا الشهر.
حدق به زيران بعيون مشتعلة بالحقد ثم أردف: أفصح عما جئت من أجله إذا فليس لدي الوقت للعبث.
رد كايل بعدما أزاح يده: أين أجد هاكيلور؟ صحرائكم هذه متاهة.
مشى زيران نحو مخرج الكهف ولوح بيده ليتبعه كايل إلى مكان إقامة هاكيلور.
مشى الاثنان نزولا إلى سفح الجبل البركاني، و اتخدا من طريق حجري سبيلا لهما إلى جبل آخر كان يبعد عدة كيلومترات.
كانت الحرارة مرتفعة جدا و الرمال الحمراء الساخنة التي مكث تحتها الثعابين والعقارب و بعض من العناكب الكبيرة السامة، و الهواء كان كلهيب لفح الوجوه و هذا ماجعل كايل يتوقف عن السير ويقول بتذمر: متى سنصل أيها العجوز؟ فالرؤية بالنسبة لي صارت كسراب متموج.
ثم رفع ساقه ليبعد أحد العقارب التي تشبثت بعباءته قائلا: و هذه القشريات المزعجة مصرة على أن تكون وجبة غداء لي.
لم يلتفت إليه زيران و تابع سيره قائلا: أيها الدوق بديهي أن تضجر من صحراء الآرام فأنت معتاد على دلال الحرير في قصر الأرملة، و لولا هذا الحر و القحط لما كنا هكذا عراة نغطي بعضا من أجسامنا بالجلود.
رد كايل بذات النبرة المتذمرة: كان يمكن أن ترسل رسولا ليطلب قدومه بدلا من كل هذا.
قال زيران باستفزاز: نعم، كان يمكن أن ترسلوا رسولا بدل حضورك و تضييع وقتي الثمين.
كايل ببرود: لا تتطاول في الكلام فيصيبك مني ضرر لن تقدر على دفعه، لذا أنصحك بحسن اختيار ما تقول.
بعد مدة ظهر في الأفق جبل بركانيٌّ ضخم تصاعد من فوهته خيط دخان أسود، و بعد صعودهما له عبر ممرات ومنحدرات ضيقة، وصل الإثنان إلى كهف قرب الفوهة.
دخل زيران الكهف وخلفه كايل الذي كان يلتفت يمينا وشمالا بين الحين والآخر باستغراب، ثم قال: لم أرى أي فرد من عشيرتكم منذ مجيئي سوى أولئك الستة وأنت أيها العجوز.
لم يجبه زيران وتوقف منحنيا أمام عرش حجري مرصع بالياقوت استوى عليه رجل ثلاثينيٌّ، بشعر أسود طويل ووجه شاحب بأنياب بارزة و مخالب طويلة، وُشم على رقبته عنكبوت أسود.
قام الرجل من عرشه واتجه ناحية كايل دون اعتبار للعجوز الذي لازال منحنيا، ثم مد يده نحوه قائلا بابتسامة مرعبة: أنرت يومي الأسود بقدومك أيها الدوق، لقد مر وقت طويل على لقاءنا.
بادله كايل التحية وقال: من دون مقدمات… الملك أرسلني في طلبك يا هاكيلور على عجالة.
تبددت ابتسامة هاكيلور والتفت بعينيه ناحية زيران الذي كان يراقب بصمت، ثم قال لكايل بصوت خفيض: هل علم بأمر…
انتفض كايل ثم تدارك الأمر ووضع يده على ذراع صديقه قائلا: ربما يود مكافأتك على جهودك المبذولة… هيا اتبعني إلى القصر.
رحل الإثنان وتركا خلفهما زيران الذي كان يشتعل غضبا لأمر ما.
تَيْم… العاشق المتمرد.
عادت روڤين إلى جناح العائلة الحاكمة، واتجهت إلى غرفتها وبعد أن دخلت أغلقت الباب خلفها وارتمت على السرير متنهدة بعمق.
بقيت تتأمل السقف المظلم بصمت ثم همست في نفسها: قتلت ذلك الجنرال بتهور مني، كان يجب أن أعرف بعض الأمور منه قبل أن أدفنه هو أيضا مع تلك الحقيقة.
ثم استدارت على جانبها و تابعت: ما الذي يفكر فيه جيرارد؟ لمَ لم يناقش محتوى تقرير ناروي؟ هل توصل إلى استنتاج ما؟.
قامت بفزع و هي تردد: لقد مضت خمس ساعات ونصف… إن لم أعد الآن إلى قصر الأنوق فسيغادر راڤيال والبقية.
خرجت من الغرفة وجالت بعينيها في الرواق بحذر، ثم خطت خطوات متسارعة نحو مطبخ القصر.
تضاربت التكهنات والأفكار في عقلها، هل علم بأمر قصر الأنوق؟ صمته كان أكبر دليل على معرفته بشيء ما و إلا لما كان هادئا هكذا… علاوة على ذلك لقد أخفى ماحدث لفرقة القتلة برغم معرفته بالفاعل…
وصلت روڤين للمطبخ وتجاوزت حشد الخدم الذين تعودوا على خروجها من الباب الخلفي، لكنها هذه المرة لم تذهب خلف المستودع بل توقفت على بعد أمتار متسمرة بوجهٍ مكفهّر، وعلقت نظرها على ذلك الشخص الضخم الذي وقف متكئا على جدار المستودع يبتسم لها بخبث.
اقترب منها بخطوات متثاقلة ثابتة و نظرة حادة ثم رفع يده و سحبها إليه قائلا بصوت خشن به بحة خفيفة وقد احنى رأسه قليلا: ما الذي تفعله زوجتي في هذا المكان وفي هذا الوقت بالتحديد؟.
وضعت روڤين يديها على صدره محاولة ترك مسافة بينهما وتستعيد توازنها، لكن جيرا ضمها مجددا بقوة أكبر و قد تغيرت ملامحه واحمرت عيناه و أنفاسه الهائجة تلفح رقبتها.
اقشعر جسدها لكنها ظلت متماسكة تحدق به بجمود حينها صاح قائلا: أجيبي!... ماذا تفعلين هنا؟.
خفضت بصرها وحاولت التفلت منه بينما ظل يراقبها بعيون متقدة بالغضب، ثم قالت متداركة لتوترها: أردت أن أعرف سبب قدومك أنت إلى هنا… فقط.
أفلتها جيرا قائلا رافعا حاجبه بسخرية: حقا؟ أنا من كنت أتبعكِ لمعلوماتك.
ابتسمت روڤين بقلة حيلة ثم قالت: لكنك من سبقني إلى هذا المكان فما تفسيرك؟.
انحنى إليها جيرارد ورفع رأسها برفق براحة يده وقال: كفى سذاجة يا روڤين… تدركين أني أكثر من يتقن حِراك الظل في هذه الأسرة لذا ليس صعبا عليّ أن أتبعك و أسبقك من دون أن تلاحظي ذلك.
انعقد لسان روڤين و زاد توترها رغم محاولتها اخفاءه، لم تنبس بأي شيء.. فقط تابعت التحديق به بصمت.
وضع جيرارد يده على حزام خصره وقال: توجد العديد من الطرق لإجبارك على الكلام.
ابتلعت روڤين ريقها وتراجعت خطوتين للوراء، حينها سحب جيرا سوطا طويلا كان معلقا بحزامه قرب سيفه فلم تلاحظه.
رفع رأسه و نظر إليها ببرود ثم قال: اخلعي ما ترتدينه.
ارتبكت ثم قالت بتهكم: أ في هذا المكان أفعل ذلك؟.
جيرا بذات النبرة و ملامح غاضبة: لست من يكرر الأمر مرتين.
بقيت روڤين ساكنة في مكانها، حينها قال جيرا: هل تريدين مني أن أخلعها لك بنفسي؟.
وفي رمشة عين سحب السيف من غمده ورفعه عاليا، ثم أنزله موجها ضربة مباشرة لزوجته التي لم تتحرك و لم ترمش أبدا.
كانت ضربة قوية من مبارزٍ دقيق في إصابة الهدف، فقد انشرخ فستانها من رقبتها إلى أخمص قدميها و سقط قطعا ولم يصبها في جسدها.
انتصبت روڤين أمام جيرا الذي استفزته لا مبالاتها، ثم أعاد السيف لغمده و رفع السوط وأنزله على جلدها بسرعة سُمع لها صرير الريح.
قبضت روڤين بقوة على يدها و كتمت صرختها لتحرمه من لذة الإستمتاع بتعذيبها،و أطبقت شفتيها معتصرة من الألم، في حين ترك السوط أثرا واضحا على جانبها العاري وبطنها.
كانت الغربان على الأشجار تصدر نقيرا حادا كأنها تشجع ما فعله، و أعاد جيرا رفع السوط و جلدها بقوة أكبر مخلفا خطا أحمر قانٍ على رقبتها وصدرها.
ظلت روڤين متماسكة رغم تلقيها لضربات موجعة بجسد عار في غابة سايبا الباردة، وتابع جيرا جلدها من دون أي رحمة أو شفقة بل كانت حماسته تزيد بعد كل ضربة يوجهها لزوجته.
أسدل الليل أستاره وعم الهدوء في المكان، لم يُسمع سوى صوت انطباق السوط على جلدها الدّامي.
و بعد ساعتين أخرجت روڤين أنينا يائسا رغمًا عنها، حينها توقف جيرا للحظات يلتقط أنفاسه و قطرات من العرق بللت جبينه نزولا إلى وجهه ورقبته.
تابع جيرا جلدها من دون توقف وهو يردد: تعرفين مصير الخونة أليس كذلك؟.
كانت روڤين تترنح يمينًا وشمالاً و الدماء تسيل من كل شبرٍمن جسدها المسلوخ، ثم ردت بصوت منخفض مرتجف: يُراق دمه في معبد الدم…
صفعها جيرا بيده فسقط قناعها وقال: تابعي..
سقطت روڤين أرضًا وتابعت بنبرة متعبة وأنفاس متقطعة: و يُشرب…. في… أقداح الخمر….
انحنى إليها جيرارد وقبض على خصلة من شعرها وهزها بعنف قائلا: أترين أنك تستحقين الموت بتلك الطريقة؟.
لم تجبه روڤين التي أغمضت عينيها المنتفختين وصوت أنفاسها طغى على صوت أنفاس جيرا الهائجة.
قال جيرا و هو يقف رافعا إياها بيده: أنت تستحقين أن تتعذبي قبل موتك، فالموت الشريف للنبلاء فقط.
انتصف الليل، وانتصف القمر في السماء الحالكة شامخا كأنه يراقب بصمت، وخارت قوى روڤين التي لم تستطع رفع جسدها مرددة مصير الخونة ، لكن غيظ جيرا لم ينفد بل تابع جلدها بوحشية و في داخله بركانٌ ثائر.
فجأة سقطت روڤين أرضا بعدما كانت جاثية على ركبتيها كأنها تركع للحياة التي لم تعطها ما تريد، وانقطع صوت أنفاسها حينها توقف جيرا عن جلدها و بقي واقفا يحدق بجسدها الملقى في بحيرة من الدماء بصمت.
ثم رمى السوط بعيدا وانحنى إليها ووضع رأسها على فخذه.
و أخذ يمسح على وجهها برفق ليزيل الأتربة التي غطته، ثم وضع سبابته أسفل أنفها فأحس بدفء أنفاسها و قام بنزع ردائه و لف به جسدها، ثم حملها وسار بها مبتعدا عن أرض شهدت على قسوته حتى فيمن كان يعزه.
* * *
في رمشة عين كان جيرارد أمام باب غرفته، فتح الباب ثم دخل واتجه ناحية السرير الذي كان بجانب النافذة، و وضع روڤين عليه ثم خرج مجددا بعد أن ألقى نظرة خفيفة عليها.
سار جيرا في رواق مظلم وقبل وصوله إلى منعرج الدرج قال بنبرة حازمة: أحضر لي إناءا به ماء دافىء و مرهم للحروق والجروح.
ظهر من خلف جدار الرواق رجل طويل القامة يرتدي بذلة سوداء ثم انحنى أمام الملك قائلا: ثوانٍ جلالتك وأعود بما طلبت.
استدار جيرا عائدا إلى الغرفة من دون قول شيء.
بعد دخوله انحنى عند رأس روڤين التي كانت فاقدة للوعي و تتنفس بثقل، كان ينظر إليها بعينين فيهما بريق كأنهما عيون شخص آخر، إنها عيون عاشقٍ متمرد.
طُرق الباب فقام جبرا وفتحه ثم أغلقه وعاد نحو السرير حاملا بيديه إناء ماء دافىء و علبة أدوية، ثم أخذ خرقة و بللها في الإناء و أزاح رداءه عن روڤين.
تسمر في مكانه محدقا بجسمها المشوه و جروحها الكثيرة، وبعدها بدأ بتنظيف جروحها ثم وضع عليها المرهم و قام بتغطيتها بلحاف صوفيّ، وافترش الأرض جالسا بصمت.
بزغ الفجر و لم تطلع الشمس بعد على هذا القصر المظلم،فقط تلاشت النجوم في السماء معلنة عن انتهاء ليلة أخرى.
رفع جيرارد رأسه بفزع واستدار ناحية روڤين عندما تحركت قليلا و هي تئن وتتمتم بكلمات غير مفهومة، حينها قام جيرا واضعا يده على جبينها ثم قال: حرارتها مرتفعة.
اتجه ناحية الحمام ثم عاد وبيده اناء به ماء بارد وخرقة أخرى قام بتبليلها ومسح بها جبينها، وجلس على تلك الحال لساعة أخرى يتفقدها بين الحين والآخر.
طُرق باب الغرفة وجاء صوت لرجل يقول: جلالة الملك كبير الكهنة يود رؤيتك لأمر مهم.
رد جيرا قائلا: حسنا، ملتقانا في غرفة العرش بعد دقائق.
قام بعدها بتغيير ملابسه و علق سيفه على حزام بنطاله، ثم اتجه ناحية الباب وحينما همّ بفتحه سمع صوتا متعبا من خلفه يخاطبه: لمَ تفعل هذا؟ عجزت عن فهم ما يدور في رأسك أيها الطاغية..
لم يلتفت واكتفى بالتبسم فتابعت قائلة: أ ترممّ الكسورَ وأنت كاسرها؟ أتطبب الأجساد وانت خادشها؟.
استدار جيرا بجسده نحوها فرآها لا تزال مستلقية على ظهرها مغمضة العينين ثم قال: أنا من عجزت عن فهمك…
ثم تابع وهو يسير نحوها وبنبرة صوت مرتفعة: أنا من له الحق في طرح الأسئلة.
قاطعته قائلة: لقد سمعت مني الجواب… أنا من قتلتهم.
وقف جيرا امام السرير وتابع: لا أتحدث عن فرقة القتلة.
فتحت روڤين عينيها ثم قالت: عن ماذا إذا؟.
انحي جيرا عندها وقال باسطا يديه على السرير: هل ستّة عشر عامًا لم تكن كافية لتألفيني؟.
أدارت وجهها للجانب الآخر كأنها تتجنب النظر في عينيه وقالت: في قانون الأسرة لا يوجد معنى للمشاعر والعلاقات.
ضحك جيرا بغلظة ثم قال وقد تباطئت ضحكته: بين الأزواج شيء مختلف.
روڤين بتهكم: هذا منطقك وحدك.
جيرا بسخرية: هل تريدين إقناعي أنك أكثر من يبجل قوانين الأسرة؟.
صمتت ولم ترد عليه، حينها قال: أنت لم تخوني الأسرة فقط..
استدارت نحوه وبقيت تحدق به ثم قال: أنت خنتِ ملك الأسرة.
قالت روڤين باستغراب: إلى ما تلمح؟.
جيرا بهدوء: حسنا لمَ قتلت فرقة القتلة؟ والجنرال ناروي؟.
روڤين بلا اكتراث: لم يكن يلتزم بالأوامر وقد تعدى حدوده كثيرا، كما أنه يهدد أمن المملكة.
جيرا مبتسمًا: تظنين أني صدقتك؟.
أدارت وجهها عنه قائلة: هذا هو جوابي ولك حرية التصديق.
أمسك جيرا بفكها وذقنها ليديرها نحوه قائلا: لمَ تتجنبين النظر إليّ؟.
كتمت روڤين الألم لأن جيرا ضغط على أحد جروحها و نظرت إليه بحدة بعينين دامعتين، حينها قال وقد أرخى قبضته قليلا: هل تؤلمك؟.
لم تجبه وأزاحت يده عنها ثم استدارت على جانبها وأغمضت عينيها، فقال جيرا بصوت خفيض مكسور: انتشلتك من تلك القذارة وعينتك ملكة عليّ وعلى الأسرة و بسطتِ يديك في البلد كما تشاءين، ولم أعترض يومًا…
منحتك الحرية وأهديتك ثقة حرمت نفسي منها لأجل ما أسررته لك قبل عشرين سنة… و أول ما قدمته أنت كان العصيان؟.
التفتت إليه قائلة بعصبية: أي عصيان تتحدث عنه؟.
رد جيرا بصوت مرتفع: كفى حماقة وتغابٍ، كل ما يحدث في القصر يهمس في أذنيّ فلا ترواغي.
قالت روڤين: إذا لمَ تسئل إن كنت تعلم بكل شيء؟.
قال وقد تغيرت تعابير وجهه: ألا زلتِ تحبينه؟.
ارتبكت روڤين ثم قالت بتهكم: عمن تتحدث؟.
جيرا: أنت تعرفين.
ردت بعبوس: دفنت كل شيء منذ زمن فلا تحاول نبش ذلك الماضي.
وقف جيرا قائلا: ألم يانِ لصفحة جديدة أن نخطها سويًا؟.
قالت: هل نسيت الإتفاق؟ زوجتك أمام الملأ فقط.
ضحك جيرا بسخرية ثم قال: أمام الملأ؟ وأربعة أطفالٍ من رهطي؟.
روڤين بجدية: كان الإتفاق علاقة سطحية، والأطفال كانو نتيجة تلقيح اصطناعيّ.
جيرا بخبث: أ لهذا السبب تكرهين ماڤروس؟.
روڤين بتهكم: ومن قال أني أحب البقية.
جيرا بحدة: كم مرة أحذرك فيها من اللف والدوران.
اعتدلت في جلستها ثم قالت: شارو أحق بالعرش منه، فلا يرثه الخونة.
ابتسم جيرا بشيطانية قائلا: لا تتعبي نفسك، سأكون أول الخالدين.
حدقت به قليلا ثم قالت: هل هي تلك التجربة التي مات والدك محاولا تنفيذها؟.
جيرا موافقًا: نعم، لم تكن وقتها تتوفر بعض المعدات، أما اليوم فكل شيء جاهز.. بقيت خطوة أخيرة فقط.
خفضت بصرها هامسة في نفسها: لا تستعجل احتفالك بفوزٍ لم تضمنه بعد.
ساد بينهما صمت طويل استرق فيه جيرا النظر إلى روڤين بعينين ذابلتين ثم قال وهو يلتمس شعرها: ألا زلت مصرة على بقاء ذلك الإتفاق عائقا بيننا؟.
ردت ببرود: نعم،لكني أراك لا تنفذ الشطر الخاص بك.
جيرا بنبرة متوسلة مزيحا يده عن شعرها: ماذا أفعل لنقض ذلك الإتفاق؟.
روڤين: لاشيء، سنبقى على هذه الحال.
جيرا بعصبية: هذا ماتريدينه، يعجبك الأمر أليس كذلك؟.
تابع بتوعدٍ: لكن تذكري، إياك أن تتخذي هذه النقطة سلاحًا ضدي، أستطيع الإنقلاب في أي لحظة.
صمتت ولم ترد عليه، وقالت في سرّها: هكذا إذا، الآن عرفت فيما كان يفكر…. لقد ظن أن تصرفاتي الغريبة وتهربي منه سببها ذلك الشخص الذي قتله بيديه قبل ستة عشر عامًا…
تابعت مبتسمة: يا للجنون… العشق حقًا عمىً لصاحبه… أيها التّيم جيرا، ذليل الحب أتغار لأني لم أهدك اهتماما يليق بمقامك و أهديته لشخص قتلته؟.
جيرا بغضب: لمَ تبتسمين؟.
لم تجبه روڤين وأغمضت عينيها مجددا، فقام جيرا متجها نحو النافذة وجلس يراقب بصمت.
التفتت نحوه وسألته: ماذا ستقول تبريرًا لغيابي…
قاطعها قائلا بسخط: مجرّدة!.
استدارت مجددا وقالت في نفسها: إذا جردني من منصبي حقًا فلن أستطيع أداء مهماتي ، وتصفية بعض الحشرات التي تشكل عائقا أمامي، لكن هل أوافق على شرطه وأتخلى عن آخر شيء بقي لي لأحافظ عليه؟
تابعت متنهدة بيأس: لقد ضحيت من قبل ولم يتبق شيء لأعيش من أجله..
قام جيرا مغادرا حينها التفت روڤين وقالت مستوقفة: موافقة.
استدار جيرا بوجهه وقال باستغراب: ما سبب انقلاب رأيك فجأة؟.
وقفت روڤين بصعوبة وهي تلف نفسها باللحاف وقالت وهي تترك بعضًا من جسدها مكشوفا لصرفه عن الموضوع: رأيت أن الأمر لا يستحق كل ذلك، ففي النهاية أعرفك منذ زمن ونحن أبناء عمومة.
بقي جيرا يتأملها ثم قال وهو يلتفت مبتسما : حسنا، بعد شفائك سيكون لنا موعد كزوجين لأول مرة.
صمتت روڤين منزلة رأسها وعيناها تدمعان بينما غادر جيرارد تاركًا إياها تنهار بصمت.
* * *
بعد خروج فالريك كبير الكهنة من قاعة الإجتماعات، نزل الجبل متجها ناحية قطب البلادونا، وفور وصوله استقبله مجموعة رجالٍ يرتدون عباءات سوداء.
وقف متوسطًا باحة المبنى ثم عقد أصابعه وفي لمح البصر أصبح في الطابق الخمسين، دخل إلى إحدى القاعات وترأس طاولة توسطت المكان و جلس يقلّب بين يديه بلورة زجاجية، كانت تنعكس عليها بين الحين والآخر أجزاء مما يحدث داخل المملكة.
بعد لحظات دخلت إلى الغرفة سيلڤاين بوجهٍ عبوس فقام فالريك قائلا بتوترٍ: ما الأمر الذي ناقشه الملك معك؟ هل كل شيء بخير؟.
ردّت وهي تهم بالجلوس في مقعد مقابل فالريك: لقد أوكل لي مهمة خارج أسوار وورل…. مهمة شديدة الخطورة.
فالريك بسخط: ماذا؟ لن تكتمل خطتنا هكذا…
تابع بعصبية وهو يضرب بقبضته على سطح الطاولة: سحقًا، لقد وضعت خطة محكمة و ستفشل حتمًا إن نقص عددنا.
سيلڤاين محتضنة رأسها بين يديها بحزن: لا مجال لرفض أوامر الملك فذلك سيجعل الشكوك تحوم حولنا.
صمت فالريك برهة ثم قال: لن تذهبي، سأدبر كل شيء لمنع حصول ذلك، فتلك الخطة آخر أمل.
تابع محدقا بها: وقد سمعت ما قاله في اجتماع اليوم… لا ينوي منح وراثة العرش لشارو ولا لماڤروس، جيرارد سيخلد حتمًا.
رفعت سلڤاين رأسها قائلة بتوتر: ماذا تقصد بأنه سيخلد.
فالريك بجدية: حسنا سأشرح لك بالتفصيل فأصغي جيدا ولا تكثري من الأسئلة.
أومأت برأسها فقال فالريك مستأنفا: تجربة الخلود، فكرة قديمة طرحها عمك والد جيرارد "الملك السابق هوشي كراڤيا"، أراد من خلالها بقاء العرش تحت سلطته، فقام باختطاف مجموعة كبيرة من البشر من مختلف الأعمار وقتلهم بطرق بشعة، ثم قام بسلخهم و الإحتفاظ بأعضائهم في وحدات التخزين الحيوية.
كانت سيلڤاين منصتة بتركيز فتابع فالريك كلامه: وأثناء إجراء أولى عمليات زرع تلك الأعضاء أصيب هوشي بمرض خطير على مستوى القلب، حيث أن الجراحين وقتها لم يكونوا أصحاب خبرة وبخطأ أثناء الجراحة تمزقت بعض الشرايين المهمة في قلبه.
سيلڤاين متساءلة: وهل مات بعد ذلك؟.
فالريك نافيًا: لا، لم يمت نتيجة ذلك الخطأ بل قُتل على يد والد كاروي قبل أكثر من عشرين سنة، في الحرب الأولى التي دارت في أراضينا.
سيلڤاين بتوتر وشرود: هكذا إذا، بعد أن ظننا أننا أبعدنا أكبر عائق أمامنا، ظهر جيرارد ناويًا الخلود على العرش؟!.
فالريك وهو يقلب الكرة مجددا مبتسمًا بخبث: توجب علينا الإنتقال إلى خطة بديلة لإستدراك الموقف.
حينئذ دخلت جودي إلى الغرفة بعد أن طرقت الباب، وجلست بجانب شقيقتها، وقالت وهي تلتفت بين الوجوه: ما الأمر الجديد الذي طرأ؟.
سيلڤاين بلا اكتراث: لقد تأخرت كثيرا فأين كنت؟.
جودي: كنت أتحدث مع زاڤيرا عن بعض الأمور الخاصة بالخدم.
صرخت سيلڤاين في وجه أختها قائلة: ألم أنهك عن التحدث مع ذلك الكهل الماكر؟.
جودي بعصبية: سأتوقف عندما تتوقفين أنت عن اللحاق بظل الملك والجري خلفه. صرخ فالريك بسخط: كفى عبثًا أيتها الحمقاوتان!.
أنزلت الأختان رأسيهما فتابع فالريك كلامه: غبيتان، أنا من يقرر ماذا تفعلان وما لا يجب أن تفعلاه، نحن لسنا في عالم الأحلام الزهرية، أمامنا شوط كبير نقطعه حتى نصل إلى مبتغانا.
قالت سيلڤاين: حسنا ماهي الخطة البديلة؟.
رد فالريك وهو ينظر إليها بحدة: سأتحدث مع الملك بخصوص مهمتك وأطلب منه أن يرسل بديلا عنك، أما خطتك التي يجب عليك التحضير لها هي زواجك من الملك نفسه.
جزعت الأختان ونظرتا إلى والدهما الذي بدا جادا فقالت سيلڤاين باندهاش وقد انطبعت ابتسامة خفيفة على وجهها: زواجي من الملك؟.
فالريك ملوحا بيده: لا تفرحي كثيرًا فزواجك هذا جزء من الخطة.
ثم تابع وهو ينظر إليها بحدة وصوت خشن: إياك والتهاون، ستكسبين ثقته وبعدها ستتخلصين منه.
شهقت الأختان بجزع ثم قالت سيلڤاين بخليط من السخط والتعجب: أتخلص من الملك؟ هل أنت مدرك لما تقول؟ كيف لي أن أفعل ذلك؟.
اندفع والدها نحوها ورفع خنجرًا ملتوياً في وجهها قائلا بتوعد وتحذير: انتبهي إلى ماتقولينه، الخطة تعتمد عليك ونجاحها كذلك، ستنفذين من دون جدال فلو كنت قادرا على تقنص هذا الدور ما كنت استشرتك.
ارتعبت من كلام فالريك وتساقطت قطرات من العرق على جبينها، في حين تسمرت جودي في مكانها عندها أدلى فالريك خنجره فقالت سيلڤاين: ولكن كيف ستقنعه؟.
رد فالريك بحدة: هذا الجزء خاصٌ بي، هيا الآن فلتذهبا حتى لا تثيرا الشكوك.
* * *
خرج شارو من قاعة الإجتماعات بوجه محمّر من الغضب ثم نزل السلالم العريضة وصولاً إلى باحة القصر.
وأثناء نزوله سفح الجبل همس في نفسه: هناك مؤامرة ما تُحاك في ظلال القصر…. تلميح سيلڤاين أثناء الإجتماع عن براءة ماڤروس من قتل فرق القتلة، وكذلك كلام شقيقتها عن الخونة بثقة.
تابع كلامه وهو يتخطى بستان أزهار البلادونا التي أحاطت بقطب كبير الكهنة: الشيء الغريب حقًا أن هناك دليلاً على كلامهما، ففرقة القتلة قُتلت داخل المملكة.
توارى داخل غابة من الأشجار الشائكة مناجيًا نفسه: أستبعد أفراد قطب البلادونا من تنفيذ الجريمة، فليس من المعقول أن يلمحوا إلى ما فعلوه.. وكذلك أن يتركوا الجثث مكشوفة هكذا؟.
فجأة توقف عن السير وجال بعينيه في المكان قائلا: أين الجثث؟ واثق أني تركتهم هنا قبل قليل؟.
التفت يمينًا ويسارًا بهلع ثم قال بعصبية: هل كنت أتوهّم؟ هل جننت؟.
هز رأسه نافيًا: لا لا، أحدهم نقلها إلى مكانٍ آخر.
توقف منتبهًا ثم قال ونظره نحو الأسفل: آثار الدماء اختفت أيضًا.
تابع بابتسامة خبيثة وهو ينحني ويلتمس التربة: أحدهم قام بقلب التربة، فرائحة الدماء المتعفنة تحرّك جوارحي.
عقب ذلك رفع رأسه وأخذ يلتقط بأنفه ما تجره تيارات الرياح ثم مشى متعمقا في الغابة أكثر، و بعد مسافة قصيرة توقف أمام حفرة عميقة.
وقال وهو يطل برأسه من الحفرة: كما توقعت، أحدهم قام بنقلهم إلى هنا.. وحرقهم أيضًا، لكن من فعل ذلك؟.
استدار شارو حينها عائدا إلى جناحه وقد عزم على حل اللغز.
* * *
قصر الأنوق
داخل قاعة العرش الزجاجيّ بقي راڤيال يسير جيئة وذهابًا بتوترٍ، وجينس ومجموعة من الملثمين اصطفوا يراقبون بصمت.
وبعد غروب قرص الشمس التفت راڤيال بعبوس قائلًا: خمس ساعاتٍ ونصف! هل ننتظر؟.
رد جينس بجدية: قالت الملكة أن علينا انتظارها لست ساعاتٍ.
جلس راڤيال على كرسيّ العرش ثم أردف: لم تفهمني، الإجتماع لن يدوم أكثر من ساعتين، أي أن أيّ تأخيرٍ في قدومها يعني أن مكروهًا ما قد حدث لها.
اقترب منه جينس وربت على كتفه قائلا: لا تجزع، ستعود الملكة قريبًا ونستأنف مهماتنا من جديد.
صمت راڤيال وخفض رأسه وعم الهدوء المكان.
أسدل الليل أستاره و ارتفع صوت الضواري والغربان، فرفع راڤيال رأسه ونظر إلى جينس بحزن وصدمة وقال: أشعر بانقباض في صدري… لقد حدث مكروه للملكة.
صمت جينس ثم نظر لبقية الملثمين في إشارة منهم للإستعداد للمغادرة، ثم وضع يده على ذراع صديقه وقال بجمود: هيا فلنتحرك كما أمرتنا وإلا فقدنا أثر ماڤروس للنهاية.
أفلت راڤيال ذراعه بعصبية واتجه جريًا إلى الشلال الذي اتت منه روڤين، فتبعه جينس وهو يصرخ: انتظر…. ما الذي تنوي فعله أيها القائد؟؟ هل تنوي تنبيههم إلى مكاننا؟.
لم يرد عليه وبقي يركض إلى أن وصل إلى الهضبة ثم وقف بشموخ أمام الشلال البارد.
استقر جينس خلفه وأزاح لثامه وبقي صامتا ولم يعكر لحظات القائد.
خفض راڤيال رأسه وذرف بعض الدموع وهو يردد بصوت خفيض مكسور: تبًا لقد فقدنا الملكة… ما كان يجب عليّ أن أتركها تغادر القصر.
وضع جينس يده على كتفه وقال: أيها القائد مهمتنا لم تكن حماية الملكة، مهمتنا أعظم بكثير ونحن نقدر ما بذلته حتى الآن… كانت روحًا طاهرة ماتت بشرف.
مسح راڤيال دموعه الحارّة وانحنى بإجلالٍ أمام الشلال، كتعبير له عن تقدير الملكة، ثم نزع سيفه من حزام خصره ووضعه على الأرض فانحنى جينس وتبعه بقية الملثمين الذين حضروا لتوّهم.
استدار راڤيال ناحية جينس الذي أعطاه خنجرًا صغيرا فقام راڤيال بجرح يده ثم انحنى تاركًا الدم يسيل قطرات على التراب.
وقال بصوت أجش مغمضًا عينيه: أقسم لكِ بمن بسط هذه الأرض وسوّى الخلائق، أن مكروهًا لن يصيب ابنكِ ماڤروس، سأكون درعه الحامي وسأكون روحك التي تجاوره…. مادمت حيًّا أقسم أن هذا الدم فداءٌ لكِ، ارقدي بسلامٍ ولك منّي السلام وملتقانا حين يحلّ السلاّم في أرض السّلام، أرض السّبايا "زملاميرا".
قام راڤيال بعد دقائق والدموع في عينيه وقال لجينس: هل نفذتم المهمة؟.
رد جينس بعدما استقام في وقفته: نعم أيها القائد لقد أغرقنا قصر الأنوق ولم يتبق سوى سيفك على هذه الأرض.
أومأ راڤيال برأسه ثم رفع لثامه وعقد أصابعه فاختفى في الحال وتبعه البقية.
* * *
عشائر الآبينوس
داخل قلعة حجرية ضخمة وسط غابة كثيفة من أشجار الآبينوس، وتحديدًا بأراضي وورل غربًا.
رجل أربعينيٌّ يرتدي لباسًا عسكريًّا رماديًّا، أصلع الرأس بارز العضلات وُشم على معصمه عنكبوت أسود.
وقف شامخًا يطل من سور القصر و خلفه رجلان كانا حارسيه، رفع كل منهما بيده رمحًا ضخما ينتهي رأسه بنصل حاد.
فجأة حط صقر كبير فوق كتف الرجل ربطت بأحد أطرافه برقيّة، أمسكها الرجل وفتحها بينما حلق الصقر مجددا وسط الغيوم، ثم قال وهو يبسط يديه على حافة السور: لدينا زوّار من قصر الأسرة الحاكمة.
انحنى الحارسان وقال أحدهما: سيّد إيڤان هل نطلع كبير العشيرة عن الزوار؟.
رد إيڤان محدقا بالأفق: نعم، ولتأمر النساء بإعداد وليمة تليق بالضيوف.
انحنى الحارس وركض للأسفل متجها لقرية صغيرة.
تلا غروب الشمس عودة الحارس وانحناؤه قائلا: سيد إيڤان لقد حضر الدوق كايل ويريد مقابلتك بسرعة.
التفت إيڤان الذي كان لايزال يطل من شرفة السور وقال: الدوق كايل؟ زيارة مفاجئة.
بعدئذ نزل إيڤان نحو باحة القصر الحجري ومن خلفه سار الحارسان.
ثم توقف على بعد خطوات من كايل الذي بدا مستعجلا وقال عندما لمح إيڤان: لا وقت لأي حديث جانبي، الملك أرسلني في طلبك.
أتى صوت رجل من الجانب الآخر وهو يقول: ألن تمكث للضيافة يا سيادة الدوق؟.
التفت كايل ناحية الصوت فرأى عجوزا ضخم البنية أصلع الرأس يجر بيده سيفًا ضخما، ثم قال: لا وقت لذلك يا كبير العشيرة، لدينا أمور أهم بكثير.
لم يرد العجوز وتوقف بجانب إيڤان الذي قال: حسنا، فلنذهب في الحال.
خرج كايل وإيڤان وابتعدا داخل غابة الآبينوس حينها قال كايل: هل الأمور تسير على مايرام هنا؟.
رد الآخر بجدية من دون أن يلتفت: نعم، ما الذي قد يحصل فجأة ليغير الأمور؟.
تنهد كايل قائلا: لقد وردتنا أنباء البارحة عن تواجد الوريث المفقود في نطاق تاين.
رد إيڤان بحزم: وهل ينوي الملك إعادته للقصر؟.
كايل موافقا: نعم، هذاما قاله في اجتماع اليوم.
التفت نحوه وتابع: هل تعارض ذلك؟.
أجاب إيڤان ببرود: رأيي لن يغير شيئا فنحن طوع أمر الملك.
صمت كايل وقال في نفسه: حقا؟ لكنه يبدو جادّا ولا أستطيع قراءة نواياه.
وعند خروجهما من الغابة قال إيڤان وهو يحدق برجل اتكأ على صخرة قريبة: ما الذي يفعله هاكيلور هنا أيضا.
رد كايل: الملك من طلب قدومكما.
قاطعهما هاكيلور قائلا وهو يسير مترنحًا نحوهما: أهلا أهلا أيها الوحش الضخم.
رد إيڤان ببرود: لا زلت أخرقًا كعادتك.
امتعض هاكيلور ولم يعلق، وتابع الثلاثة السير نحو الشرق.
أسدل الليل أستاره واهتدى الجميع بالنجوم التي برزت رغم تكاثف الغيوم في السماء وقال هاكيلور متساءلاً: لمَ قد يستدعينا الملك في هذا الوقت على عجالة؟.
أجاب كايل متنهدا: ليس لي علم بذلك، ولكن آمل أن لا يكون موضوع حواره عن عشائر الآرام.
قال إيڤان مستنتجا: هل تظنان أنه اكتشف أمر متاجرتكما بنسائهم؟.
كايل بتوتر: لست متأكدا ولكن خطوات الملك غير متوقعة.
هاكيلور وهو يشارك في الحوار: ربما أخبره زيران أو احد أتباعه.
إيڤان نافيا: لا أظن ذلك، فهو لا يعلم إن كان الملك هو حقا من طلب متجارتكما بنسائهم.
كايل مؤكدا: بل أظنه يعلم، فحواره معي اليوم كان مشحونا بالغضب، كما أنه لا مصلحة للملك بالمتجارة بالنساء لصالح أعدائه.
إيڤان بسخرية: إذا لقد اكتشف الأمر و ربما سيصل إلى الملك قبل وصولنا نحن.
رد هاكيلور بلا اكتراث: سنخبر الملك بالحقيقة إذا.
تساءل إيڤان قائلا: اي حقيقة؟.
أجابه كايل: عشائركم تنوي التمرد على حكم الملك، لذلك اتخذت طريقا ملتويا للسيطرة على الوضع دون ازعاج الملك.
إيڤان مبتسما: آآ، تعني أنك تريد إبادتهم برهن نسائهم؟.
كايل موافقا: نعم، بالضبط.
هاكيلور بجدية غير مسبوقة: لكن الأمر تطلب منا المخاطرة فالخطة كانت مكشوفة منذ البداية، وإبادة عشيرة مثل الآرام بتلك الطريقة أقرب للمستحيل، لكنه الحل الوحيد.
نظر كليهما لهاكيلور باستغراب الذي بدا منسجما مع حواره، ثم قال كايل: وقد تنبأت لهذا الأمر في اجتماع اليوم بسبب حديث الملك الذي أمرني بأداء مهماتي من القصر، فقمت بتصفية العجوز التي تتولى أمور الجواري.
هاكيلور: لم قتلتها؟ أظن أن العصابات ستتمرد وقد يصل الخبر إلى هنا، فعجوز مثلها ستخبر زبائنها بكل تأكيد عن مصدر الجواري.
إيڤان بجدية: كلامه صحيح، قد تستعمل تعاملك معها كالورقة الرابحة لبناء سمعتها ويذيع سيطها، أي أن موتها لن يكون حديثا عابرا.
كايل باضطراب: لست من النوع الذي يثق بالنساء ولكنهن أقل طمعا من الرجال، لذلك تعاملت معها في البداية واستمر ذلك.
تابع كلامه وهو يتوقف عن السير: ستكملان الطريق إلى القصر، بينما سأخرج بسرعة لتصفية الجواري والسيطرة على الوضع في الخارج.
إيڤان وهو يهز رأسه موافقا: لا تتأخر، وسنحاول نحن صرف الملك عنك حتى تعود.
أومأ كايل برأسه وقفز عاليا ثم اختفى في الحال.
𝐶ℎ𝑖𝑟𝑖🎭♟️