ميلادُ الوحش البشريّ.

ميلادُ الوحش البشريّ.

29 0

ميلاد الوحش البشري.

أسوء رعب يعيشه المرء...، كوابيس اليقظة، أين تختلط سهام الواقع بشباك الأحلام وتقع ضحية ، فإما أن تعيش في الحلم كمجنون أو في الواقع كجثة جوفاء، أو.... أن تضيع بين كليهما.

* * *

ظلام دامس....

رائحة الدماء الفذة في كل مكان....

فئران وزواحف وحشرات تعبث بأقدامي وتزحف على جسدي المشروخ بضربات السوط....

تقرفصت في إحدى الزوايا، أجر خلفي سلاسل عملاقة قيدت بها في تلك الغرفة الصغيرة....

وعلى رقبتي طوق التوركين المغذى بغازين مشعين، موضوعين في أنبوبين منفصلين....

ضممت ركبتيَّ إلى صدري وأسندت ظهري للجدار، أنصت لصوت عداد الطوق الذي يصدر رنينا كساعة إلكترونية.

فجأة فتح باب الغرفة الذي بدا كنافذة لصغر حجمه، ودخلت منه يد ضخمة برزت عروقها وأظافرها الطويلة، فاتسعت حدقتا عيني وزادت ضربات قلبي بل... كادت تتوقف لفرط سرعتها..

أطلقت صرخة من أعماق جسدٍ وهنٍ وأتبعتها بالبكاء بشهقات تخللتها أنفاسي.

* * *

صوت غريب يخاطبني قائلا وهو يلمس كتفي: يا فتى! قم لقد وصلنا إلى مدينة سيغراس.

فتحت عيناي ببطىء أحاول استيعاب ماحدث، ثم اعتدلت بفزع وازحت يده عني وانحنيت لإلتقاط أنفاسي، بينما ابتعد الرجل الذي كان أحد المشرفين على رحلات القطار.

وضعت يدي على جبيني ثم قلت متنهدا بعمق: تذكرت، لقد نمت في القطار لشدة تعبي...، وقد وصلت إلى ترايتون أخيرا.

قمت بعدها أتمطى مادا يدي للأعلى متثائبا، ثم فركت عينيَّ قائلا في نفسي: كان حلما مرعبا لذكرى من ماض لم ينم ، مراسيم التطهير في سجن زيروس قبل سنوات، أسوأء كابوس عشته في يقظتي.

ثم حملت حقيبتي ونزلت القطار خافضا رأسي بعدما ارتديت سترتي و وضعت القلنسوة على رأسي، لأن الجو كان باردا و للأمان أيضا.

مشيت بحذر بين الحشود واضعا يديّ في جيبي وعينيّ على موضع قدميّ، وفجأة اصطدم بي شخص وسقط أرضا، لقد كانت فتاة شقراء تركض بسرعة.

شعرت حينها بارتخاء غريب في عضلاتي و شيء ما مجهول كان يشدني برفق اتجاهها، و لم أعلم سبب ذلك.

وقفت أمامي تضع يدها على جبينها بألم، فقلت ببرود: إنتبهي أيتها الحمقاء!

لم أكن في مزاج جيد بتاتا ولست مستعدا لإرتكاب مزيد من الأخطاء.

فتحت عينيها ونظرت إلي باندهاش، وبقيت تتأملني بصمت، ثم أبعدتها عن طريقي وتابعت السير بعد أن أعدت القلنسوة على رأسي، ولم أكن أدرك أن مشهدا سخيفا كهذا سيغير مجرى الأحداث، الأحداث التي أدونها في مذكراتي بعنوان يوميات السفاح.

* * *

حططت الرحال في مدينة سيغراس بترايتون وليس لدي أدنى فكرة عن المكان الذي سأذهب إليه، لأني إن قررت الإنضمام لمنظمة جديدة وجب علي إعطاؤهم هويتي الرقمية.

ولحسن الحظ أملك الهوية المزورة التي استخدمتها طيلة سنوات عملي كصياد جوائز بمنظمة باريون .

وهذا يعني أن اسمي المستعار يوبي سيتغير إلى اسم آخر تختاره المنظمة التي سأنخرط فيها.

سيكون سهلا علي تقنص أي دور فلا هوية لي أفخر بها، ولكن أظن أن وقت الراحة قد حان ولن أبدأ العمل هذا الأسبوع أو ربما هذا الشهر.

* * *

تجولت قليلا في شوارع المدينة المضاءة بعدد كبير من المصابيح التقليدية، التي كانت عبارة عن فوانيس مصنوعة من ورق خاص، وبدت كأنها ارتدت حلتها لحفل سنوي.

وبعد مسيرة ساعة ونصف، وجدت نزلا في أحد الشوارع الفرعية والتي كان أغلب سكانها من الفقراء أو اللصوص.

وقفت أمام باب من خشب مهترىء بمقبض صدء، ثم فتحته ودخلت فورا، وصعقت من سوء الرائحة التي كانت تملؤ المكان، رائحة قمامة، وعرق، وأشياء أخرى متعفنة، وما شدني حقا رائحة النبيذ، فهمست في نفسي قائلا: أهذا نُزلٌ أم بيت الزِنجار؟.

رفعت رأسي و حمت بعيني أتفقد المكان، وكان الجميع يحدق بي بتعابير جامدة. تقدمت بضع خطوات ثم توقفت واستدرت لأحد الرجال الذي كان يجلس خلف إحدى الطاولات، وبجانبه قدح من شراب، و سألته قائلا: أين مالك هذا النزل؟

رفع رأسه و تفقدني بعينيه الشاحبتين ثم قال وهو يخض قدح الخمر بيده: عد من حيث أتيت يا ولد فهذا المكان ليس بنزل.

أردفت قائلا محاولا تهدئة نفسي: ألا يوجد نزل قريب من هنا؟

أجاب قائلا بسخط وهو يكسر قدح الخمر بيده: ألم تفهم ما قلت!؟ ابتعد من هنا و لا تتجول في هذه الشوارع ليلا فلن تخرج حيا.

إلتزمت الصمت، وجاء صوت خشن من خلفي يقول: انت لم تدفع إلا ثمن ليلة واحدة أيها المصارع الضخم، فإن كنت ستحدث شجارا في النزل فعليك دفع المزيد.

إلتفت إلى مصدر الصوت لأرى إمرأة عجوزا بعيون جاحظة وشعر منكوش، وتجاعيد ارتسمت على وجه ذكوري، تحمل بيدها عصى وتدخن الغليون، ثم نظرت إلي و إستأنفت كلامها وهو تزفر سحابة دخان قائلة: بماذا أخدمك أيها الفتى؟

قلت وأنا أضع يدي على قلنسوتي: أريد غرفة منعزلة لشخص واحد و لمدة أسبوع كامل.

ردت العجوز قائلة: هذا ليس بفندق يا صغيري، ليس لدينا غرف منعزلة فهي مخصصة للمبيت مع الجواري، ولدينا غرف مشتركة.

أجبتها من دون تفكير: سأبيت في غرفة مشتركة.

حدقت بي لدقائق ثم قالت: حسنا، ولا تنس لا توجد عدة وجبات بل وجبة واحدة تتناولونها في وقت محدد و مرحاضان فقط، وحمام يستعمل لمرة واحدة في الأسبوع لكل فرد وأجره مستقل عن أجرة المبيت.

قلت بامتعاض: حسنا، كم أجرة المبيت؟

أردفت العجوز قائلة وهي تبتسم: خمسون جين لليلة الواحدة، ولأسبوع ثلاث مئة وخمسين جين، هل تستطيع دفع المبلغ؟

وضعت يدي في جيبي ثم أخرجتها قائلا في نفسي: تبا لا أملك قطعة واحدة، فقد أتلفت جميع الأموال عندما وقعت في المجرى المائي.

قلت موجها حديثي للعجوز: هل يجب دفع المبلغ مسبقا؟

نظرت إلي بحدة ثم قالت وهي تستدير مغادرة: إن لم تكن تملك المال الكافي فلا داعي لبقائك هنا.

لم أعلق على كلامها و استدرت أنا أيضا مغادرا النزل.

* * *

إفترشت الأرض جالسا وأسندت ظهري لجدار النزل، وإتكأت على حقيبتي وأغمضت عيني محاولا النوم قليلا، فلم يتبق وقت على شروق الشمس و انتهاء يوم كان أطول من سنوات حياتي.

فتحت عيني صباحا على صوت يخاطبني قائلا وهو يركل قدمي: إنهض يا فتى!.

نظرت إليه وأنا أفرك عيني وقد كانت العجوز مالكة النزل فقلت بحدة: إياك أن تتورطي معي، أحذرك من الإقتراب أكثر.

ردت قائلة بتهكم وهي تتراجع بضع خطوات: لست مهذبا يا فتى، لقد تعاملت مع العديد من اللصوص والمجرمين لما يقارب الأربعين عاما، فمن أنت لتحذرني؟

أجبتها ببرود: لست مجرما، والتزمي حدودك في الكلام.

سألتني قائلة بسخرية: من تكون إذا؟

قمت من مكاني وأجبتها قائلا وأنا أنفض الغبار عن ملابسي: صائد جوائز وقاتل مأجور.

ردت بنبرة ساخرة: لا فرق بينكم.

لم أجبها ورمقتها بنبرة حادة.

ابتسمت بخبث ثم أردفت: للوهلة الأولى أدركت أنك لست شخصا عاديا، ناهيك على أنه من غير المعقول أن يتجول فتى في مثل سنك في شوارع الزنجار لوقت متأخر من الليل…..

ثم تابعت بنبرة استياء: مالذي دفعك لدخول عالم الإجرام؟! لا زلت صغيرا يا فتى.

رفعت الحقيبة على ظهري وأعدت القلنسوة لتغطي ملامحي وسرت مغادرا ذلك الشارع، لكن العجوز أمسكت بمعصمي قائلة: انتظر! تستطيع دفع الأجرة لاحقا.

أفلت يدي من قبضتها بقوة وتابعت سيري متجاهلا كلامها، لكني توقفت مجددا عندما صاحت قائلة: سيكون خطرا عليك التجوال بهذه الهيئة فالشرطة في كل مكان أيها الوريث الهارب.

استدرت بجزع وقد علت وجهي ملامح الدهشة، فعلقت العجوز قائلة: لا داعي لكل هذا فالعنكبوت الموشوم على معصمك دليل على هويتك.

نظرت إلى معصم يدي ثم قلت وأنا أبتسم: وما أدراك أنت بشؤون عائلتي؟!

أجابت ردا على اتهامي: ليس لي علاقة بهم أو ما شابه، غير أنهم نزلائي كل عام أثناء المزاد العالمي.

ثم أردفت وهي تسير نحوي بعكازها: لدي غرف فردية مخصصة لأفراد أسرتك، تستطيع إستأجارها إن أردت.

أجبتها وأنا أرتدي قفازين: وهل ستتغير الأجرة؟

قالت وهي تبتسم بخبث: بالطبع! فلكل غرفة حمام ومرحاض خاص، والعديد من المزايا الأخرى.

إرتديت قناعي وقلت: والدفع؟ هل سيكون مسبقا؟

ردت بصوت هادىء: لا عليك، أنت من عائلة مرموقة لذا تستطيع تأخير دفع الأجرة.

أومأت برأسي وسرت متجها نحو النزل، وهناك قادتني العجوز إلى الطابق الرابع، وخلال عبور الطوابق الأولى كنت ألمح فتيات لا يتجاوز عمرهن العشرين سنة، بثياب ممزقة وكدمات ووجوه عابسة محتضنات أنفسهن قرب الزوايا.

فتحت العجوز باب الغرفة قائلة: تفضل هذه شقتك، إن احتجت لأي شيء فنادي على خادمتك.

وأشارت بيدها لتقترب منها فتاة في الثالثة عشر من عمرها بثياب بالية وجروح وخدوش طرزت على جسد هزيل، كانت تحدق بي بوجه خلا من أي تعابير.

استدرت نحو الغرفة وقلت وأنا أضع يدي على مقبض الباب: لا داعي لذلك، يمكنها الإنصراف.

وأغلقت باب الغرفة بينما غادرت العجوز نحو الأسفل وبقيت الفتاة متسمرة أمام باب شقتي.

* * *

كانت الغرفة متوسطة الحجم بها سرير فردي عريض، ونافذة على جانبه ومكتب صغير مزوّد بفانوس زيتي.

تقدمت وسط الغرفة واستدرت يمينا فوجدت بابا قادني لحمام ومرحاض منفصلين، فقلت بصوت منخفض: لا بأس بهذا، على الأقل سأستحم وآخذ قسطا من الراحة.

إرتميت على السرير بعدما وضعت حقيبتي على الأرض.

ونزعت قناعي وقفازيّ وأخذت ألتمس فرش السرير الحريري قائلا في نفسي: كان لدي هدف واحد يشغل تفكيري، واليوم….. تراكمت الكثير من الأمور وأضحت عائقا بيني وبين ذلك الهدف، تغلبت على العديد من العقبات، واليوم أقف عاجزا عن تفسير ما جرى وما يجري…

ثم قمت واتجهت نحو الحمام وأغلقت الباب خلفي ونزعت ثيابي، وجلست داخل الحوض المملوء بالماء الدافىء، مسندا ظهري إلى الجدار متأملا السقف بصمت.

بعد لحظات من التأمل تنهدت قائلا بحسرة: هل قتلت أريڠان حقا؟

صفعت نفسي بقوة وقلت بغيظ: نعم، لقد قتلته…. ، ثم أردفت وأنا أنظر ليديّ المرتجفتين: نعم، قتلته بيديّ هاتين…

ثم وضعت يدي على صدري في جهة قلبي وتابعت بصوت مرتجف: قتلته بهذا الحجر! وبضمير ميت…

أحنيت رأسي لقاع الحوض وهمست في نفسي بيأس: ليتني متّ غريقا في المجاري ولم أمت ببطء هكذا في وحل الندم…

تابعت كلامي وأنا أغطس برأسي أكثر إلى قاع الحوض: سأقلب تلك الصفحة مثل ما فعلت من قبل وإن لم أقدر على ذلك… سأحرقها!

أحسست بعدها بانقباض قوي في صدري و شعرت باندفاع الدماء في عروقي، وارتفعت حرارة جسمي وكأن ما بجوفي بلغ مرحلة الغليان، لدرجة تصاعد أبخرة من مياه الحوض.

أخرجت رأسي من الحوض بصعوبة وكأني أنازع شخصا حاول إغراقي، ورفعت خصلات شعري عن عينيّ محاولا التقاط أنفاسي، ثم فتحت صنبور المياه الباردة واستندت على حافة الحوض وأنا أبصق ما ابتلعته من مياه عكرة.

احتضنت رأسي بين يدي وأحنيت ظهري قائلا بجزع: ذلك الإنقباض،! وهذا الشعور الذي أحسست به عندما غرقت في المجاري وبعدها فقدت وعيي، والتقيت ذلك الرجل غريب المظهر……

تابعت بتوجس قائلا بصوت منخفض: على ذكر ذلك الرجل، ماذا قصد بكلامه؟ والأغرب أن شخصا غيره قال لي الكلام نفسه قبل تسع سنوات….. لقد كان الملكة روڤين!!.

تردد داخلي صدى صوتها وهي تقول بنبرة باردة: "بداخلكَ تنّينٌ لا يشفع للظلام…، يتحرر عندما تحمّرُ المُقَل فاستعد لذاك الأجل….، قُدّر لك النجاة والعيش إلى رمقِ المصير _وأشارت لقلبي_ إتبعه! فعقلك مخدر وقلبك هو النصير ".

الشطر الثاني من كلامها متناسق تماما مع ما قاله الغريب المدعو"أُوار "، آخرما أتذكره أن علي حل ذلك اللغز قبل العودة لأرض وورل.

تابعت كلامي مبتسما بسخرية: غريب أمرها! تطلب مني حل لغز قبل العودة للقصر، و كانت هي من طردتني…. لا، كنت عازما على الهروب لكنها يسّرت لي ذلك.

خرجت من الحوض وقلت وأنا ألف المنشفة حول خصري: أحيانا…. بل دائما أحس بأنها لا تطيق وجودي، وأعجز عن تفسير سبب مساعدتها لي على الهروب….

جاء صوت آخر في نفسي يقول: بل فعلت ذلك لتزيحني عن العرش وتنفرد بالسلطة….

ضحكت بصوت مرتفع ثم وضعت يدي على الجدار واستندت عليه وقلت منتشيا: بريق عينيها ونبرتها الساخرة و كأنها كانت تثق بعودتي لذلك السجن…، بل المقبرة…. من سيرغب بقيادة عرش العناكب؟!

بعدها أخذت ثيابي وقمت بغسلها في الحمام، واستخدمت كلا من باب المرحاض والحمام لنشر الغسيل، وانتبهت إلى وجود موقد صغير فوضعت الحطب وأشعلت نارا لتدفء الغرفة، و تجف ملابسي بسرعة فلن أبقى طوال اليوم ملفوفا بالمنشفة فقط، فلازلت تحت الخطر ولم أءمن شر هؤلاء بعد.

والآن يوجود شخص على علم بهويتي وقد يقوم بغدري في أي لحظة لذا علي الإحتياط، فحتى لو كان أفراد أسرتي النزلاء المفضلين عند تلك العجوز الشمطاء فلن يمنعها ذلك من محاولة نيل المبلغ الضخم الذي وضعه والدي مقابل أن أصبح في قبضته.

تابعت كلامي وأنا أستلقي على السرير وأغطي بلحاف صوفي: حتى لو كانت خطتها كذلك، لن تستطيع مجاراتي هي ورجالها ولو بلغوا مئة من أمثال ذلك الضخم البليد.

استدرت على بطني واحتضنت الوسادة وأغمضت عينيّ، بعد أن فعّلتُ هالتي لأشعر بكل ما يدور حولي.

* * *

في الطابق الأرضيّ، وتحديدا بإحدى الغرف، جلست امرأة عجوز خلف طاولة خشبية مهترئة، عليها بعض الأوراق وهاتف سلكي.

وانتشرت على الأرضية قارورات زجاجية فارغة لأنواع مختلفة من الشراب، أمسكت بيدها عكازا به نتوءات صغيرة أخذت تضرب به على الأرض برفق، وبيدها الأخرى تدخن الغليون الذي طغى دخانه على هواء الغرفة.

فجأة رنّ الهاتف فأجابت العجوز المتصل قائلة وهي تزفر سحابة دخان كبيرة: آسفة لإزعاجك في مثل هذا الوقت أيها الدوق "كايل كراڤيا ".

كايل بصوت خشن: لا بأس، فأنا أعلم أن اتصالك بي شخصيا لن يكون إلاّ لأمرٍ مهم يا"جِنتار "، أخبريني هل هي مستجدات بشأن المزاد؟!

جِنتار بصوت منخفض قليلا: لا يا سيدي، بل أمر أهم بكثير.

كايل بضجر: أياًّ كان، فلتفصحي عنه.

جِنتار بنبرة حادة: الوريث ماڤروس نزل ضيفا عندنا.

صمت كايل برهة قبل أن يتنهد قائلا: هل أنت متيقنة من أنه هو وليس شخصا آخر؟!

جِنتار بحماس وهي تقف وتبسط يديها على سطح الطاولة: نعم يا سيدي واثقة من ذلك، فأنت تعلم أن نزلاءنا لا يمكن أن يكونوا فتياناً في مثل سنه، لذا شككت فيه وكان شكّي في محله فقد رأيت وشم العنكبوت على معصمه.

زفر كايل قائلا: هل رأيتِ وجهه؟

جِنتار بتهكم: لا لم أره لأنه كان يرتدي قلنسوة غطت شعره ونصف وجهه.

كايل بسخرية قائلا: إذا كيف لك أن تكوني واثقة من كونه الشخص المطلوب.

جِنتار بنبرة صوت مرتفعة: قلت لك أني رأيت الوشم على معصمه!.

رد كايل بحدة وقد تغيرت نبرته: تحدثي بلباقة أكثر مع أسيادك يا عجوز…، ليس بالضرورة أن يكون هو نفسه ماڤروس فالجميع هنا لهم وشووم على معصمهم.

جِنتار ببرود قائلة: آآآ، هل يسمح لكم الملك بمغادرة أرضكم في أي وقت؟ ثم تابعت:هو نفسه صرح بأنه الوريث ماڤروس فهل لك قول بعد هذا أيها النبيل كايل؟.

ارتبك كايل قبل أن يقول بسخط مكبوت: لا بأس، سأرسل فرقة من القتلة لتحضره، وإلى ذلك الحين احرصي على أن لا يخرج من النزل….. إن خرج فعندها لن يستقر رأسك الأشيب على ذلك الجسد مجددا.

ثم تابع صارخا: هل هذا مفهوم؟

جِنتار بتوتر: سمعا وطاعة أيها الدوق.

وقبل أن تضع جِنتار الهاتف على الطاولة، فُصل رأسها عن رقبتها وتطايرت الدماء في كل مكان، حتى أنها بلغت شرفة النافذة التي كان يقف عندها رجل بعضلات مفتولة وشعر بني منسدل على كتفيه، أعصب العينين ، وكان يرتدي بنطالا واسعا بجيوب كثيرة.

بقي مثبتا نظراته على جثة جِنتار بصدر عارٍ و يدٍ بمخالب تسيل منها الدماء، التصقت بها قطع من لحم وشظايا عظام رقبة بشرية، وعلى رقبته وُشم عنكبوت أسود.

رنّ الهاتف مجددا فنزل ذلك الرجل وانحنى لالتقاطه من يد العجوز التي بدأت تزرّق، وأجاب قائلا بصوت أجش: مرحبا أيها الدوق كايل.

كايل:.....

الرجل بجدية : نعم تمت المهمة!

رمى الهاتف أرضا وعاد أدراجه من حيث أتى قائلا في نفسه بتوتر: تبا كاد أن يُكشف أمري.

* * *

فتحت عينيّ بجزع وهمست قائلا: تلك الهالة…

أردفت قائلا بحدة وأنا أقوم من السرير: في الأسفل فرد من القتلة، أنا واثق من ذلك.

وقفت بسرعة واتجهت ناحية باب الحمام والتقطت البنطال الذي جف جزئيا، وارتديته على عجالة، ثم أمسكت قميصي وقبل أن أضعه على جسدي فتح الباب بقوة وارتطم بالجدار، وسقطت على الأرض تلك الفتاة التي عينتها العجوز كخادمة لي.

نهرتها بعصبية قائلا: هل طلبت الإذن قبل الدخول؟ أم أن الخادمات هنا كالجواري لا يفرّقن بين النزلاء؟

لم تجبني وهرولت نحوي تركض بسرعة واختبأت خلفي وهي تصرخ قائلة: من فضلك سيدي إحميني من بطش ذلك الرجل..

وأشارت بيدها لباب الغرفة الذي وقف أمامه رجل أسمر مفتول العضلات، حليق الرأس بلحية طويلة وظفيرتين جانبيتين، وقال وهو يلهث رافعا بيده سلسلة ضخمة: احتمي بمن تشائين، سأدفنك ومن معك تحت أنقاض هذا النزل الهرِم.

نظرت إليه ببرود، ثم أبعدت الفتاة عني وتابعت ارتداء قميصي، وبعد أن انتهيت انحنيت ملتقطا حقيبتي وأخرجت القفازين وارتديتهما هما أيضا، و أخفيت ملامح وجهي تحت القناع.

زمجر الأسمر ملوحا بسلسلته وقال بغلظة: أ صَغُر حجمي أم أنك عن الرجال أعمىً يا ولد؟

حدقت به بصمت من خلف القناع ثم أخرجت ماتروس ومسحت عليه قائلا بنبرة هادئة: لم تكن لي نيّة لفعل ذلك….، ولكنك أجبرتني!

جثت الفتاة على ركبتيها ممسكة بقميصي وهي تقول باكية موجهة حديثها للأسمر: أرجوك سيدي اصفح عنا، أرجوك!

قلت بقرف ساخطا: أبعدي يدك عني، لا تلمسيني!

ثم وجهت أنظاري للأسمر بجزع وقفزت إلى الجهة الأخرى ممسكا بيدي الفتاة.

ارتكزت على ساقيّ أنظر للسرير و باقي الأثاث الذي تهشم نتيجة ضربة وجهها الأسمر بسلسلته الضخمة.

أفلت الفتاة التي أغمي عليها في الحال وسقطت أرضا، ثم أمسكت مسدسي وحددت الهدف وأغمضت عيني اليسرى، وضغطت الزناد قائلا بغيظ: طفح الكيل.

إنطلقت الرصاصة بسرعة وأصابت العين اليمنى للأسمر ليسقط هو أيضا صريعا واهتزت الأرض أسفلنا على إثر ذلك.

خفضت ماتروس بهدوء ووضعت حقيبتي خلف ظهري ثم قلت بسخرية: منذ متى وأنتَ خلفي؟

نزل آهورا من على شرفة النافذة واستقر أمامي بعباءته الرمادية، ثم قال: منذ بداية الحلقة يا سيدي.

أجبته بتهكم مديرا وجهي ناحيته: لستُ سيدًا لأحد، و كذبتك لن تنطلي عليّ فأنا لم أشعر بوجودك أبدا.

تقدم نحوي بضع خطوات ثم قال وهو ينزل قلنسوته عن رأسه: في الحقيقة شاهدتها من نافذة النزل المجاور.

علقت المسدس في حزام البنطال ثم قلت وأنا أبتسم: هل الزجاج رديء إلى هذا الحد ليعكس ما بداخل الغرفة؟….. فقد غيرت ملابسي من دون أن أسدل الستائر.

رد آهورا محاولا إبداء الجدية على وجهه: في الحقيقة، لقد رأيتك أيضا.

وضعت يدي على ماتروس وقلت بحدة ونظري مستقر على مدخل الغرفة: هذا ليس وقت الكلام الفارغ، لدينا مأدبة علينا تدبر شؤونها.

أخرج آهورا يديه من تحت أكمام العباءة ممسكا بثلاث خناجر في كل واحدة، ولوح بها قائلا: دع أمرهم لي يا وريث العناكب، فقد أزهقت ما يكفي.

قلت وأنا أضع أحد الرجال _ الذين انتصبوا عند العتبة _ في مرمى المسدس: وهل يسأم السّكير من رقص الجواري وحلاوة النبيذ؟

نظر إليّ مبتسما، ثم انتقل بخفة مخترقا حشد الرجال وأخذ يطعن ويمزق ما تطاله الخناجر، بينما تسمرت مكاني و أطلقت الرصاصة تلوى الأخرى.

انتهت المجزرة في غضون دقيقة واحدة، فرفعت ماتروس ونفخت خيط الدخان الذي خرج من فوهته قائلا: سحقا لقطيع البعير هذا، لقد استهلكوا ذخيرتي كلها.

إستدار آهورا نحوي متساءلا وهو يمسح حد خناجره بطرف عباءته: ألا تملك غيرها؟

أجبته وأنا أنحني لإحدى الجثث وقلت: بلى، ولكن مستودع الذخائر التي صنعتها متواجد في تاين.

آهورا وهو يطل من النافذة قائلا: ألا تستطيع صنع غيرها ريثما تستقر الأوضاع وتعود إلى هناك؟

غرست إصبعيّ في عين الجثة واستخرجت الرصاصة، ثم قلت وأنا أجول بناظريّ في المكان: صنعها يتطلب وقتا والكثير من المعدات، وهو ما لا يتوفر في الوقت الراهن….

ثم أضفت: كما أني لا اظن أن المستودع قد نجى من التفجيرات.

ردّ آهورا وهو يستدير نحوي: ستفقد الرصاصة فاعليتها إن كانت مستخدمة.

قلت بنبرة هادئة وأنا أتجه لجثة أخرى وأقتلع الرصاصة من عينها: صناعة السم والترياق أسهل من صناعة الرصاصة، لذلك أستطيع إعادة استخدامها.

لم يعلق آهورا على كلامي وسار باتجاه الفتاة، فتابعت كلامي: ولكن عدد الرصاصات التي استرجعتها ضئيل وهذا يعني أني لن أستخدم ماتروس إلا في الحالات الطارئة.

قال آهورا بسخرية: ستختبىء في الجحر إذا حتى يستعيد العنكبوت قواه.

أجبته بتهكم: لديّ مهارات أخرى سأنفض الغبار عنها أخيرا.

وضع آهورا يده على رقبة الفتاة متفحصا ثم سألني قائلا: هل ماتت هذه أيضا؟

اتجهت إلى الحمام لأغسل الرصاصات من الدماء، وأجبته: ولمَ أنت مهتم لأمرها؟

رد آهورا بوجه متجهم مبتعدا عنها: ولمَ تظن ذلك؟

أمسكت الفتاة بعباءته وقالت متوسلة وعيناها مغمضتان: أرجوك سيدي لا تتركني هنا…

أطلقت ضحكة قوية وأنا أحدق بوجه آهورا، ثم قلت: هل رأيت؟ تريدك أن تأخذها معك.

آهورا بعصبية وهو يبعد يدها عن عباءته قائلا: خذها أنت أيها العفيف الطاهر.

لم أجبه، ودخلت إلى الحمام وفتحت الصنبور لأغسل الرصاصات.

وبعدما انتهيت استدرت فوجدت آهورا متكئا على الباب وسألته قائلا عندما اقتربت منه: هل كنت تتبعني مذ خرجت من تاين؟

رد آهورا بارتباك: لا، فقد وصلت إلى هنا فجر اليوم.

رمقته بنظرة سخرية قائلا: لم أسألك متى وصلت! ثم كيف عرفت وجهتي إن كنت لم تتبعني حقا؟!.

صمت آهورا هنيهة ثم قال وهو يميل بناظره بعيدا: وجهتك مكشوفة لمن يعرفونك، فلمَ أنت مستغرب هكذا؟.

خرجت من الحمام وانحنيت لألتقط حقيبتي ثم قلت محدثا آهورا: حسنا، وعندما كنتُ في النفق قرب المقهى وخرجت أنت‌َ من العدم، ما تفسيرك لذلك؟.

آهورا واضعا قلنسوته على رأسه: لقد كنت هناك سلفا.

لففت الرصاصات في قطعة قماش ووضعتها في الحقيبة ثم استدرت نحو آهورا وقلت: هل تريد إقناعي أنك تستخدم أسلوب "حِراك الظل " الذي لا يتقنه إلا أقلية من العناكب؟

سار آهورا نحوي وقال: لا، بل أستخدم أسلوبا آخر.

قاطعته بسخرية قائلا وأنا أغلق الحقيبة: أصدقك، أيها الساحر المخادع.

صرخ آهورا بغضب قائلا: لست ساحرا!!

لم أنظر إليه وأردفت بعدم اكتراث: لا فرق بين ساحر ودجال، فكلاهما يمتهن الشعوذة.

قال آهورا بسخط: كف عن نعتي بتلك الصفات، أنسيت أنكم تستخدمون بعض أساليبنا أيضا؟

أجبته بحدة : بل أنتم من نهب من علومنا.

آهورا متجهما: هل تسمي ذلك علما؟

قلت ببرود: على الأقل لا يصفنا الناس بالمجانين ولا نحدث أنفسنا و ننتصب بجوار حجارة صمّاء.

قاطعني بثقة قائلا: أيوجد أسوأ من أن يصفكم الناس بالوحوش؟.

قلت متنهدا بأسف: نعم، نحن في الحضيض، وأتقبل ذلك.

استدرت بعدها باتجاه الفتاة و قلت موجها حديثي لآهورا: هل أنت من مزق ثيابها؟

آهورا من دون أن يلتفت نحوها: خدعة قديمة، لإجبارنا على اصطحابها معنا.

أدرت وجهي بعيدا قائلا بامتعاض: وهل نبقى على هذه الحال نتأملها حتى تنزع ثيابها بالكامل؟

آهورا ببرود: تخلص منها إن أردت.

أجبت بهدوء: أنا لا أزهق أرواحهن.

اتجه آهورا ناحية الباب وقال ردا على كلامي: ألهذا السبب لم تقتل مديرة أعمال آرشي؟

جلست على ماتبقى من السرير المهشم وقلت: بدأت أشك في أنك كنت تراقبني!

رد آهورا محاولا تغيير الموضوع: لك أن تأمر وعليّ التنفيذ، سيكون رأسها عند قدميك قبل أن تقوم من مقامك.

أجبته و أنا أقلب ماتروس بين يديّ: أريدها حية….. حية وحسب.

لم يعلق واختفى في الحال.

تحركت الفتاة ثم وقفت بصعوبة فقلت وأنا أبعد نظري: اذهبي وابحثي عن ملابس أخرى تسترك، فأنا لست هنا لحراستك.

تقدمت باتجاهي وقالت بصوت مرتجف: أرجوك أخرجني من هذا المكان، يريدون قتلي…

قاطعتها وأنا أزفر متجها نحو مخرج الغرفة وإذا بآهورا يظهر أمامي فجأة وقال بعدما أحنى رأسه قليلا: هاهي بين يديك كما أمرت يا وريث العناكب.

قلت مبتسما بخليط من الدهشة وأنا أحدق بامرأة لا تتجاوز عمر الثلاثين، بين يديّ آهورا: ظننتك تمزح أيها الساحر،ثم لم أحضرتها إلى هنا؟ كيف سنتحرك داخل المدينة؟

لوح آهورا بيده قائلا: لا تقلق سأسبقك إلى قمة الجبل الذي يقع مقابل شارع "كير" والحق بي بسرعة بعد أن تعدّل شكلك الذي يثير الريبة.

أجبته بتهكم وأنا أنظر لثيابي: مابه شكلي؟ هل يزعجك؟!

آهورا وهو يحدق بالفتاة خلفي: إن تحركت في المدينة برداءك وقناعك ستثير الشكوك حتما، و إن نزعتهما ستثير ضجة بظهورك العلنيّ بعد الذي أحدثته.

ثم تابع كلامه: عليك أن تغطي تلك الندبة التي على وجهك، وأن تخفي مسدسك ولا تستخرجه أبدا، و الوشم…. عليك تغطيته أيضا.

أومأت برأسي ثم قلت مستذكرا: ما سبب تلك الطاعة المخلصة فجأة؟

أمسكت الفتاة بمعصمي وقالت مترجية: هل ستتركونني هنا؟

أفلت معصمي من يدها بقوة وصرخت فيها بسخط: لا تثيري غضبي…، و إلا أريتك مالا يُحمد عقباه.

قاطع آهورا قائلا: إنها مصرة على القدوم معنا.

استدرت ناحيته ونهرته هو أيضا: إن كنت تريد أن تصطحبها معك فلن أمانع ذلك، ولكنها لن تقيم معي في بيت واحد.

آهورا مقطبا حاجبيه: من قال لك أني أصطحب الفتيات معي؟

أجبته مبتسما باستفزاز: حقا؟ ما قولك عن الفتاة التي وجدها أريڠان محتجزة في غرفتك.

إحمر وجه آهورا وقال بتوتر: ليس الأمر كما تظن، احتجزتها لعمل مهم فقط.

خرجت من الغرفة قائلا: نعم، ذلك العمل المهم.

لم يعلق على كلامي وقال موجها سؤاله للفتاة: لم تريدين القدوم معنا؟ أليس هذا بموطنك؟

ردت الفتاة وهي ترتشف دموعها: نعم،و لكني لم أعد أريد البقاء هنا أكثر.

استدار آهورا مغادرا وقال: لا تهمني رغبتك.

صرخت الفتاة متوسلة: لا تتركني أرجوك سيقتلونني…

كنت أسمع صرخاتها وأنا على حافة الدرج، ثم قال آهورا ملتفتا نحوها: من الذي يريد قتلك؟

ردت الفتاة بنبرة حزينة: نزلاء بيت الزنجار…. سيأتون في المساء لينتقموا مني.

آهورا متساءلا: ما الذي اقترفته ليسعى مجرمون لقتلك؟

مسحت الفتاة دموعها ثم قالت: يظنون أني قتلت العجوز جِنتار مالكة النزل، لأني كنت أول من وجدها في مكتبها.

زفر آهورا بضجر، ثم سألها: و لم ذهبت أنت إلى مكتبها؟

تابعت الفتاة كلامها: كنت سأسألها عن طعام ذلك الفتى.

قال آهورا متنهدا: ولم وقع الاختيار عليك؟ الجميع هنا يستطيع قتلها.

خفضت الفتاة رأسها قائلة: هم يعرفون أني أكرهها.

اتكأت على حافة الدرج مديرا وجهي نحوهما، وقال آهورا بتهكم: إذا بديهي أن يشك الجميع فيك، فالمكان يعج بالمنحرفين والمجرمين….، ثم ماهذه السخافة؟ لم هم مهتمون لموت عجوز خرفة مثلها؟

غابت الشمس في الأفق فاشتدت الريح برودة، ثم قالت الفتاة وهي تحتضن نفسها: لأنها كانت تتكفل بإحضار النساء الحسناوات من عشائر الآرام ليعملن في النزل كالجواري.

اعتدلت قائلا في نفسي باستغراب: عشائر الآرام؟ إحدى عشائر سايبا الأربع.

رد آهورا مستنتجا: آ آ هكذا إذا، فبرحيلها لن تعود هناك نساء حسناوات ينعشن الجو.

أومأت الفتاة برأسها، فقلت موجها حديثي لآهورا: هل ستبقى تتأمل هكذا؟

استفاق آهورا وقال: حسنا، حسنا…، ثم اختفى في رمشة عين.

نزلت السلالم وصولا للطابق الأرضي، وكانت الفوضى تعم المكان، تابعت السير بحذر بين جثث كانت أغلبها للفتيات.

وبعد بحث طويل وجدت مكتب مالكة النزل فهمست قائلا في نفسي: إنها الغرفة التي خرجت العجوز منها ليلة أمس.

دخلت إلى الغرفة بتوجس وكانت الفوضى فيها أقل منها في الخارج، اتجهت خلف المكتب بعد أن لمحت كف يدٍ بارزة، لكني توقفت قبل أن أصل للجثة التي كانت من دون رأس.

أبعدت عينيّ متفقدا الغرفة فوجدت الرأس مرميا قرب الجدار الذي كانت عليه بقعة دم كبيرة، وكأنه ارتطم وتهشم قبل أن يسقط أرضا.

لم يكن المشهد جديدا عليّ ولكن ما أرعبني وجود قاتل يستطيع فعل ذلك في نزل كهذا.

انحنيت إلى الجثة لأتفقدها وقلت باندهاش ملتمسا عظام رقبتها: ماهذا الذي أراه؟ الضحية ليست مذبوحة بسكين عادي، فحواف العظام مستوية…

اعتدلت واقفا وعلى وجهي ارتسمت معالم الحيرة.

ثم انتبهت إلى النافذة المفتوحة فاتجهت نحوها وقلت مبتسما بخبث وأنا أمرر سبابتي على حوافها : الآن اتضح كل شيء… القاتل ليس واحدا من هنا، واحساسي بهالة دخيلة لم يكن وهما.

خرجت من الغرفة قائلا بصوت منخفض: ولكن… ما علاقة عشيرة الآرام بهذا النزل؟ ولمَ يستهدف فرد من القتلة العجوز المدعوة جِنتار؟

صعدت السلالم سارحا في فوضى تعصف داخلي وسط الإرتياب حولي، و جبت الطوابق بحثا بين الغرف إلى أن وجدت ضالتي في الطابق الثالث بغرفة في آخر الرواق..

دلفت إلى الغرفة والتي كانت فيما يبدو أنها خاصة بالجواري، لتنسيق ثيابهن وشكلهن.

وقعت عيني على طاولة كبيرة لها مرآة مثبتة على الجدار، وفوقها اسطفت مساحيق و منتجات عناية وأشياء أخرى.

حينها قلت بسخرية: ما هذا الحظ التعيس؟ هل انتهى بي المطاف بتجربة مساحيق التجميل؟

قضيت مدة طويلة أبحث بين الكريمات عن ما يكون أقرب لدرجة بشرتي، وبالرغم من أني لا أعرف الكثير عن هذه الأمور ولكني متمكن من القراءة وهذا يكفي.

رفعت إحدى العبوات قائلا بحماس: هذا هو…. بشرة بيضاء.

نظرت إلى وجهي في المرآة وقلت متنهدا: عندما كنت طفلا، كان الجميع يحسبني بنتا، لولا تلك العيون الباردة والأسلوب القاسي…

* * *

بعد أن انتهيت نظرت إلى نفسي مجددا في المرآة: بنطال رمادي واسع بجيوب كثيرة، وقميص صوفي أبيض، وجه وسيم من دون ندب ومعصم خال من أي وشم، و شريط أسود عريض رفعت به خصلات شعري.

فتحت الباب فوجدت الفتاة متقرفصة عند عتبته فزفرت بضجر متجها للأسفل، ثم توقفت وقلت من دون أن ألتفت: إلى متى ستبقين تتبعينني؟

اختبأت الفتاة خلف أحد الأعمدة، وقالت بصوت منخفض: إلى أن تقرر أخذي معك.

استدرت ناحيتها قائلا: لن أفعل ذلك، لذا لا تتعبي نفسك واستسلمي حالا.

ثم تابعت كلامي: أين يمكن أن أجد جواري الآرام؟

جاء صوت آهورا مقاطعا من خلفي بنبرة متفاجأة: لم أتوقع ذلك منك يا ماڤروس.

ارتبكت ثم قلت ملتفتا بجزع: سحقا لك، ليس هذا ما قصدته…

قاطعني مجددا وهو يقترب مني موجها كلامه للفتاة : أخبريه أين يمكن أن يجد ولو واحدة…. يكاد أن يفقد صوابه.

تجهم وجهي وردت الفتاة قائلة: لا أعرف أين تحتجزهن جِنتار… ومن كنّ هنا ليلة أمس أخذهنّ النزلاء.

وضع آهورا يده على كتفي وقال : لم وجهك عابس هكذا؟ لقد بلغت السادسة عشر وطبيعي أن تكون محتاجا لمثل هذه الأمور.

أزحت يده عن كتفي وقلت بغيظ: تركت هذه الأمور لحضرتك، فلمَ لا تحتاجهنّ أنت؟

غمز آهورا بعينه واضعا سبابته على شفتيه ثم قال: أعلم أنك خجل من طلب ذلك فقط…

قلت بسخط غاضبا: ليس لي حاجة بهنّ.

رد آهورا بتهكم: إذا لمَ سألت عن مكان تواجدهنّ.

جلست على حافة السلالم قائلا بلا اكتراث: لا شأن لك.

حدق بي آهورا ثم قال وهو يبتسم: تبدو ظريفا بهذا الشكل يا ولد…، ثم تابع ضاحكا: ولكن لم تلك الأقراط والكحل في عينيك تبدو مثل قراصنة الأفلام…

تنهدت قائلا بملل: ألا يوجد ما يُخرسك؟

توقف آهورا عن الضحك فجأة واعتدل قائلا بجدية: هيا لنذهب بسرعة فقد تأخر الوقت.

وقفت قائلا باستغراب: أخيرا عدت إلى رشدك.

مشيت باتجاه باب النزل حينها قال آهورا مستوقفا: هل نتركها هنا؟.

لم أجبه، وتابعت السير خروجا من ذلك الشارع.

* * *

القصر المشؤوم.

وصلت إلى أحد الشوارع الرئيسية المزدحمة، وتجولت بين حوانيتها ثم توقفت أمام محل لبيع اللحوم الحمراء، فاستهوتني رائحته ولعقت شفتي على ايقاع صفير معدتي.

ثم قلت متجاهلا وأنا أسير مبتعدا : لم أتناول أي شيء منذ يومين تقريبا…

تحركت باتجاه جبل خلف شارع اسمه كير، وكانت علامات الرخاء بادية على قاطنيه، أبواب ضخمة من معادن خام، وأجهزة حماية من الدرجة العالية.

ومبان أخرى تجاوزت حجم القصور بحدائق للورود ونافورات ومساحات على مد البصر.

و بالرغم من أن السماء كانت غائمة إلا أن الجو كان هادئا جدا، ونسمات الهواء الباردة تداعب وجنتيّ ثم توقفت وسط الشارع قائلا وأنا أبسط يديّ في الهواء: يالها من حرية….

ثم زفرت قائلا و أنا أنزل يديّ: تلك هي الحرية التي يشعر بها السجين بعد خروجه من قفصه…. وأنا أسير روحي، بل الماضي الذي طالما أردت الهروب منه وأبى أن يتركني…

أفاقني صوت كلاب وهي تنبح خلف سور لأحد المنازل التي كانت بعيدة عن باقي القصور هناك، فارتبكت وأنا أشاهد أنوار القصور حولي تضيء عتمة الليل، والبوابات تفتح، والناس تهرول لتطل من الشرفات.

فقلت وأنا احاول إيجاد مكان لأختبىء فيه: لقد أثارت تلك الكلاب ضجة كبيرة وسط الحي، والناس هنا يخافون على ممتلكاتهم.

كانت الكلاب تتبعني من خلف السور وهي تنبح بصوت أعلى فقلت وأنا أزحف على أطرافي لأتفادى اتجاه الأنظار نحوي: إنها مصرة على أن تفضحني….

تابعت معاتبا و أنا أتابع الزحف متواريا عن الأعين: ما كان يجب أن أدخل إلى هنا… كان باستطاعتي أن أسلك طريقا ملتويا خارج الحي.

نظرت باتجاه السور منتبها إلى شيء ما، فقلت متجاهلا الفوضى حولي: رغم النباح المستمر للكلاب إلا أن أهل هذا القصر لم يخرجوا لتفقدها، بل و لم تضأ حتى الأنوار فيه.

أنزلت بصري أرضا ورحت أبحث كالمجنون وفي رأسي خطة نجاة خبيثة، ثم هرولت زاحفا نحو إحدى البالوعات عندما رأيت غطاءها على مقربة من السور، و قلت محاولا فتحه استعانة بمخالبي: هذا القصر خال تماما وسكانه ليسوا هنا…. و من دون حراسة كذلك؟… ربما هو مهجور فقط.

أردفت و أنا أطل برأسي من فتحة البالوعة منصتا إلى صوت سيارات تقترب من المكان: إنه خيار جيد للنجاة، ولتجاوز الحماية أيضا، فهذا القصر أثار ريبتي بنظام حمايته العالي.

أدرت وجهي للخلف و لمحت أضواء سيارات كثيرة تقترب و أظنها كانت للشرطة، فوجهت نظري مجددا ناحية فوهة البالوعة أحدق بظلام لم تعلم بدايته ولا نهايته. و قلت و انا أستعد للقفز: لا تملك هذه البالوعة سلما للنزول، و هذا نوع آخر من الحماية، إذ أن قاعها يبعد قرابة العشر أمتار كأقل تقدير ، وليس باستطاعة أيٍّ كان النجاة.

ملأت رئتي بالهواء، ثم وقفت وأمسكت بغطاء البالوعة فوق رأسي، وقفزت داخلها و هويت في قاعها المظلم بينما استقر غطاءها في مكانه مجددا.

كان اندفاع الهواء داخل البالوعة قويا جدا، فلم أستطع الحفاظ على اتزاني و انا أحلق في ذلك الظلام و الرائحة القذرة التي خنقت أنفاسي.

فجأة تذكرت إحدى الخدع التي تعلمتها في قطب التنين أثناء اعدادي مع دفعة القتلة في قصر العائلة، فأغمضت عيني محاولا تحديد اتجاه التيارات ثم بسطت يدي لأعدل من سرعتي و من ضغط الهواء عليّ.

و نجحت الخدعة إذ أني استطعت التحكم بالسرعة وصار الآن عليّ تحديد مكان الهبوط.

أرخيت عضلاتي، و انصت جيدا ثم فعّلت هالتي محاولا تحديد معالم القاع، لكني فتحت عيني مجددا بفزع و قلت موجها نظري للأسفل: ما هذه الورطة!؟…، المجرى المائي تحتي مباشرة والمياه تندفع بقوة، كيف سأغير الإتجاه الآن؟.

و من دون أي مقدمات وجدت نفسي قد ارتطمت بسطح الماء العكر، و اقشعر جسدي من برودته، فمددت يدي المرتجفة لأتحسس حواف المجرى.

و لحسن الحظ كان بجانبي تماما ذلك الرصيف فغرست مخالبي في أرضيته مثبتا نفسي حتى لا تسحبني التيارات القوية بعيدا ، و التقطت أنفاسي بصعوبة.

بعد دقائق يسيرة من السقوط حاولت الإرتفاع إلى ذلك الرصيف لكني لم أقدر على رفع يدي اليمنى، فقلت محاولا تحريكها: أشعر وكأن فوقها عشرة أطنان من الإسمنت…، لا مجال للشك لقد كسرت يدي.

استجمعت قواي و قفزت خروجا من المجرى المائي، و قلت بإحباط: لمَ يلاحقني الحظ التعيس أينما ذهبت؟ لم أحاول فعل أي شيء سيء فلمَ كل هذا الجحود يا حياة؟.

أردفت متنهدا: ربما أنا هو السوء بعينه…. و لاشك في ذلك.

نظرت إلى الأعلى قائلا بصوت خفيض:أرجو أن لا يكون قد تغير المسار أثناء نزولي بتلك القوة.

ثم استدرت يمينا وشمالا، وقلت: إن كنت لا أزال في الاتجاه الصحيح، حينها سيكون سور القصر من هنا _ و أشرت لجهة اليمين _ .

جلست على حافة المجرى و أردفت بنبرة يأس: و إن كان اتجاهي قد تغير فلا مخرج من هنا هذه المرة…

مكثت لبعض من الوقت صامتا وسط ظلمة صمّاء، لا تُرى فيها الظلال و لا يُسمع لها أي طنين، ثم قلت و أنا أرسم عشوائيا بأصابع يدي على الأرض: هل أستسلم و أكمل ما تبقى من هذه الحياة هنا؟ أو أنفض الغبار واليأس عن قلب كالحجر و أتابع ما بدأت به؟.

أضفت قائلا و قد ترائ إلى مسامعي صوت قطرات الماء خلفي: كان هدفي الوحيد الذي يشغل تفكيري هو إيجاد المدعو كاروي، لا أعرف أي شيء عنه سوى اسمه و أنه مطلب لعائلتي، روِيَ لنا أن هذا الشخص حامل بداخله قوة خطيرة كانت إرثا لأمنا الأرملة، و أن والده سرق الجوهرة التي كانت فيها قبل ان يسلب قوتها ويرثها ابنه كاروي.

خلاصة القول، أن هذه القوة قادرة على ابادة شعب سايبا بأكمله، و هو ما سعى إليه والده قبل أن يُقتل على يد الملك جيرارد في حرب طاحنة دارت في أرض وورل قبل ستة عشر عاما.

و ابنه كاروي وريث قوته ولد في نفس السنة التي ولدت فيها، و في أرض عائلتي أيضا، و قيل أن شخصا قام بخطفه و لم يحددوا هويته لأنه كان يرتدي رداءا أسودا وقلنسوة، و منذ ذلك الحين و أفراد العناكب يبحثون عنه ليقتلوه و يستعيدوا قوة جدتهم الأرملة.

و في الحقيقة لم أرغب يوما في البحث عنه من أجل الثأر، بل أردت ايجاده لأقدمه للملك مقايضة كثمن لتحرري من العائلة للأبد، فلم اكن أنوي مطلقا التخفي هكذا لبقية حياتي، و بعد أن أجده سأعيش بعيدا عن الناس بأمان مطلق.

استدرت منتبها خلفي لصوت قطرات الماء فقلت و أنا أهم بالوقوف: تذكرت، لقد كان ذلك القصر على أطراف المدينة، ما يعني أن مصدر هذا المجرى هي مياه الصرف الصحي الخاصة بالقصر ذاته.

ارتسمت على وجهي ابتسامة الرضى و اتجهت ناحية الصوت قائلا: إذا القصر في هذا الإتجاه…

توقفت فجأة على بعد خطوات من سيل المياه و كأن أحدهم وجه لي صفعة أوقفتني عما كنت سأفعله، و قلت بوجه انتفضت عنه الدماء: في ماذا كنت أفكر عندما دخلت إلى البالوعة؟ هل فكرت في الخروج من مرحاض القصر مثلا؟

أردفت بنبرة سخرية: لست واثقا من وجود مخرج آخر يؤدي للقصر، أو على الأقل بالوعة أخرى أستطيع الولوج من خلالها للفناء والهرب متى سمحت لي الفرصة.

أي غباء هذا الذي ورثته عنك ياجيرارد؟ _قلتها و أنا ألصق ظهري بالجدار _ .

* * *

حدق آهورا بظل ماڤروس إلى أن غاب عن ناظره، حينها التفت للفتاة التي كانت تدفء يديها بأنفاسها، واقترب منها فتراجعت بخطوات مرتجفة للخلف، حينها ابتسم آهورا ابتسامة خبيثة و قال و هو ينزع عباءته: لمَ أنت خائفة يا صغيرة؟.

تسمرت الفتاة مكانها و مدت يدها تحاول الإستناد على شيء خلفها لكن ساقيها خانتاها فتعثرت و سقطت أرضا.

بقي آهورا يقترب منها ثم انحنى و قال و هو يرفع رأسها بسبابته و بصوت خشن: لمَ كل هذا الفزع؟ ألم تطلبي منا أخذك معنا قبل قليل؟.

زادت ضربات قلب الفتاة و كانت أنفاسها تنقطع بين الحين و الآخر و هي تحدق بآهورا الذي قال معلقا بتجهم: هل أكل القط لسانك؟.

وقف بعدها و قال و هو يبتسم: آآآ، لا تقولي بأنك كنت راغبة في مرافقة ذلك الفتى؟… لكنه مصر على أن لا يأخذك و انا الوحيد الذي يمكنه اصطحابك، لذا اختاري؛ إما أن تبقين هنا فتنهش الكلاب جسدك النحيل، أو أن تذهبي معي و لن تختلف معاملتي لك عنها في هذا النزل.

رفعت الفتاة رأسها بتوجس في إماءة منها بالموافقة، و رمى آهورا عباءته باتجهاها قائلا بتقزز: ضعي هذه عليك فملابسك لا تغطي شيئا من ذلك الجسد!.

التقطت الفتاة العباءة باستغراب و هي تحدق بآهورا الذي انتصب بقامته الطويلة، و جسد متزنٍ ببنية عضلية لا بأس بها، له شعر أسود رفعه للخلف و عينان مسحوبتان كعيون القطط بلون زيتي مائل للصفرة، بدى في العشرين من عمره، رغم طمره لجماله و أناقته تحت عباءته.

خرج آهورا من النزل و خلفه سارت الفتاة بخطوات متسارعة لتجاري خطى سيدها الذي كان يلتفت بين الحين و الآخر كأنه يتأكد أنها بخير.

أسدل الليل أستاره و بدأت تتعالى أصوات كثيرة من عدة نزل جاورت نزل العجوز جِنتار، و بعد عبورهما لشوارع الزِنجار وصلا إلى شارع رئيسي مزدحم بالمارة رغم برودة الطقس.

توقف آهورا عند مدخل الشارع و قال موجها حديثه للفتاة من دون أن يلتفت: اسمعيني جيدا، لقد اصطحبتك شفقة مني عليك لا غير، فأي حركة غير مدروسة تقومين بها ستؤدي لهلاكك، لقد قضيت سنينا كافية مع المجرمين و تعرفين جيدا طبيعة عملهم وخطورة العبث معهم، و أبشرك… نحن لسنا مثلهم.

ثم التفت قليلا و تابع بنظرة حادة: بل.. أسوأ بكثير و قطع رأسك لن يكون صعبا على ذلك السفاح… وريث العناكب، و اعلمي أن الأرانب في قانون الغاب تبقى فرائس و لو انقلب العالم رأسا على عقب.

ثم استدار نحوها بجسده و قال: هل هذا مفهوم؟.

أومأت الفتاة برأسها و قالت بصوت هادىء تخلله حزن مكبوت: مفهوم سيدي.

تابع كلامه قائلا و هو يحدق بالشارع: بقية القوانين عندما نصل… و الآن أمسكي يدي و لا تثيري أي شكوك.

مد يده نحوها و رفعت الفتاة يدها النحيلة من تحت عباءته فأمسكها آهورا و أحكم قبضته و تابعا السير في الشارع الرئيسي.

بعد مدة ليست بالطويلة توقفت الفتاة بجانب محل لبيع المخبوزات، فلعقت شفتيها واضعة يدها على بطنها لكبت صفير معدتها و هي تتخيل ذلك الرغيف الذي كان على واجهة المحل بين يديها، و لكنها تعود للواقع مبتلعة ريقها بمرارة.

استدار آهورا نحوها و قال بعصبية: لا تجعليني أندم على اصطحابك يا بنت! تحركي حتى نصل بسرعة فالمكان هنا ليس آمنا.

تحركت الفتاة منزلة رأسها، حينها التفت آهورا مجددا و خاطبها: هل أنت جائعة؟.

هزت رأسها نافية، و تابع كلاهما السير خروجا من ذلك الشارع، و عندما صارا بالقرب من شارع كير توقف آهورا مفزوعا و حملق بعينيه في المكان حوله، ثم صعد الجبل قائلا و قد اعتراه شعور غريب: هل حدث مكروه لماڤروس؟.

* * *

بقيت على تلك الحال ثابتا في مكاني لما يقارب النصف ساعة، إلى أن أحسست بتيار هواء خفيف يداعب خصلات شعري، فاستدرت ناحيته قائلا: لا أذكر أن هناك مصبا قرب هذا الشارع فمن أين أتى ذلك التيار الهوائي؟.

ثم لعقت سبابتي و رفعتها في نفس الإتجاه للتأكد من مصدر التيار، و اتجهت ناحيته بخطى حذرة مخترقا الظلام الدامس.

مشيت، و مشيت أكثر مما توقعت و مع كل خطوة كانت تزيد قوة التيار شيئا فشيئا، لم أحدد معالم وتضاريس المكان حولي لكني اكتفيت بالإستناد بيدي على الجدار اللزج للبالوعة، و كذلك هالتي المفعّلة، بينما أرخيت يدي اليمنى التي كان على كتفها الحقيبة الخاصة بي.

و فجأة أحسست بتغير ملمس الجدار فلم أعر ذلك اهتماما، إلا حين لمحت ضوءا خافتا و سمعت صوت مروحة صغيرة فعرفت مصدر الهواء و توقفت قائلا: تلك هي مصدر الهواء، فتحة التهوية، و لكن أليس غريبا تواجد نظام تهوية في قاع المجاري؟.

ابتسمت بخبث و أردفت قائلا: و اتجاه التيارات كان نفسه اتجاه سور القصر، و بذلك فإن ما خلف هذا الجدار الذي به نظام تهوية، غرفة سرية او ما شابه متواجدة أسفل القصر.

احنيت ركبتي قليلا ثم قفزت وتشبثت بحافة الفتحة التي كانت متوسطة الحجم و قلت و أنا أتمايل بجسدي استعدادا للإندفاع داخلها: إنها ملائمة تماما لحجمي، و فتحات التهوية أحب المعابر إليّ، فتخطيها سهل جدا.

تشقلبت في الهواء و فتحت غطاءها بركلة وجهتها بقدمي، ثم دخلت فورا و أنا أزحف بحماس نحو نهاية هذه الفتحة.

ثم قلت و أنا ألمح المخرج الثاني لنظام التهوية: لقد زادت رغبتي لدخول هذا القصر و نال مني الفضول، فرغم خلوه من سكانه إلا أن نظام الحماية فيه أثار ريبتي، بالإضافة لتواجد كلاب سمينة قرب مدخله و غياب الحراسة هناك، و أخيرا هذه المنشأة السفلية السرية.

فتحت غطاء المخرج استعانة بمخالب يدي الطويلة، ثم أخرجت رأسي بهدوء لأرى ما إن كانت هناك كاميرات مراقبة أو لا.

ثم قلت و أنا أقفز نحو الأرضية: جيد، لا توجد كاميرات حرارية هنا، و مع ذلك وجب عليّ الحذر.

أخرجت قناعي من الحقيبة و ارتديته ثم جلت بعينيّ في تلك الغرفة التي كانت فيما يبدو عبارة عن قبو أو مكان للتخزين، تعمقت أكثر في المكان واكتشفت أنه أكثر من مجرد قبو، فجدرانه مبنية بطبقة ثخينة من الخرسانة مغطاة بصفائح معدنية.

انحنيت و قلت و أنا أعبث بالأرضية بسبابتي: هذا المكان نظيف جدا، ما يعني أن هناك شخصا ما يزوره باستمرار، و يتركه نظيفا…

اتجهت ناحية خزانة ضخمة معدنية أيضا، لها قفل كبير لم أجد مفتاحه الخاص، و بجانبها عُلقت ثلاث بزّات متفاوتة الحجم فقلت و أنا ألتمس طرف إحداها: إنها مقاومة للماء… و للرصاص أيضا.

تركت طرف البزّة و سرت مبتعدا، لكني توقفت مجددا حين لمحت مقبضا خلفها مثبتا بالجدار، أزحتها قليلا و وضعت يدي على المقبض و سحبته ببطء ليُفرج عن درج كبير سري.

دهشت عندما رأيت محتواه و قلت بخليط من التعجب: أسلحة؟! بل انواع مختلفة الأحجام و الأشكال لأسلحة فريدة..

تابعت كلامي بتوتر شديد مقلبا مجموعة من السكاكين و المسدسات بيدي: لا يستطيع امتلاك هذا العتاد إلا من كانت له رخصة لحمل السلاح… أو من كان أحد زوّار المزاد العالمي.

أخذت سكينا و خنجرين ثم مسحت مقبض الدرج بقميصي و أعدت اغلاقه من جديد.

و عندما استدرت لأعود من حيث أتيت تنبهت لأمر مهم فقلت و عينيّ على أحد الجدران بجانب الدرج: لحظة! مصدر الضوء لم يكن هذه الغرفة، بل خلف ذلك الجدار…

اقتربت من الجدار الذي كانت صفائحه مركبة بشكل أفقي عكس باقي الجدران التي كانت صفائحها عمودية، و وضعت راحة يدي عليه و دفعت بكل قوتي ففتح ببطء ذلك الذي لم يكن سوى باب مموه، و ارتكزت متوازنا حتى لا أسقط أرضا.

اعتلت وجهي ابتسامة عريضة و أنا أحدق وسط باحة واسعة قائلا : شكي كان في محله، الغرفة السرية تابعة للقصر المريب.

نزعت حذائي و حملته بيدي، و سرت متوسطا تلك الباحة المضاءة ثم استدرت ناحية باب عريض بدا كمدخل رئيسي للقصر و قلت: تبا، الكلاب غير مقيدة و قد أحست بوجودي.

و ما إن استدرت ناحية درج عريض ملتوي، حتى رأيت ثلاث صور جدارية لثلاث أشخاص، كانت تحدق بي بحدة و كأن قدومي أزعجها.

على اليمين صورة لرجل أربعيني بشعر بني مسرح للخلف و عينين خضراوتين و لحية قصيرة ليست بالكثيفة، ارتدى بذلة سوداء رسمية.

على اليسار صورة لإمرأة بدت في عقدها الثالث، بشعر أشقر قصير و عينين رماديتين لامعتين كعينيّ شخص أعرفه.

توسطتهما صورة لفتاة صغيرة شقراء بعينين رماديتين تماما مثل عيني، كانت ترتدي تنورة زهرية اللون.

علقت نظري بصورة الفتاة و قلت بصوت هادىء و نبرة تعجب: أين رأيت هذا الوجه؟

فركت جبيني بعصبية محاولا تذكر أين رأيته، ثم رفعت رأسي مجددا و اقتربت أكثر من جدار الصور عندها لمحت كتابة بخط صغير جدا بالكاد استطعت قراءته: إليارا ڠريس…. هل هذا اسم الفتاة؟.

نزلت الدرج الملتوي منتبها إلى الكلاب التي عادت للنباح و بصوت أعلى هذه المرة، ثم أخرجت أحد الخناجر و اتجهت إلى نافذة قرب الباب و فتحتها، فقفزت منها ثلاث كلاب بشراسة و كشرت عن أنيابها استعدادا للإنقضاض.

و بحركة رشيقة أمسكت أحدها من طوقه و سحبته تحتي بسرعة لتقييد حركته، و رفعت الخنجر بيدي ثم نحرته أمام شقيقيه، فقفز أحدهما نحوي و عض يدي اليمنى بقوة حتى أن أنياب فكه العلوي التقت بأنياب فكه السفلي مخترقا العظم و اوتار مفصل المرفق.

كتمت ذلك الألم و استدرت ناحيته بالخنجر الدامّي و فصلت رأسه عن رقبته، فتراجع الكلب الثالث للخلف و أصدر عواء حداد قبل أن يقفز هو الآخر ناحيتي… فنحرته و سقطت جثته أمام بقية الجثث في حمام دموي.

تربعت على الأرض و أمسكت رأس أحد الكلاب و قمت بكسر أطول أنيابه و رميته بعيدا ثم فعلت ذلك بالكلب الثاني و الأخير أيضا، و كانت الحصيلة عشرة أنياب ضخمة و ست أخرى متوسطة الحجم.

وقفت قائلا و أنا أضع الأنياب داخل حقيبتي: كان هذا درسا لها حتى تتعلم أن لا تنبح أمام النبلاء مجددا.

أمسكت يدي اليمنى معتصرا من الألم الذي اجتاحني ثم نزعت الشريط الذي رفعت به خصلات شعري، و ضمدت به مرفقي حتى يتوقف النزيف و خرجت من النافذة مغادرا سور القصر المشؤوم.

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

يوميّات السّفاح _الجزء الأول من ملحمة القدر الأسود _

المؤلف 𝐶ℎ𝑖𝑟𝑖🎭♟️
2025/08/03 مستمرة
قائمة الفصول (10)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة