الذّئب المتمرّد.

الذّئب المتمرّد.

33 0

وضعت الدفتر والأوراق التي كانت معه في الحقيبة، ثم تربعت على الأرض شارد الذهن مقهورا من صدمات لم أتخطاها وجروح لم أبرأ منها.

و أفاقني من سرحاني هزيم الرعد منذرا بهطول المطر وبداية موسم الشتاء، وقفت متثاقلا وسرت نحو النافذة واضعا يدي على الزجاج متأملا إطلالة النفق والمقهى على ضفة النهر.

3

ثم قلت في نفسي بحسرة: أسوأ ذكرياتي حدثت تحت المطر...، ولدت في ليلة ماطرة وعرفت باليوم المشؤوم، وكان الجميع يتحاشى الحديث عن ذلك اليوم، تبا لقد ولدت بشؤم ظل يلاحقني طيلة عمري.

ثم تابعت متنهدا: وكأن الحياة تريد أن تقتص مني لذنب لم أرتكبه.

ومع كل هذا أنا عازم على تحقيق هدفي؛ قلتها وأنا أنظر بسهوٍ إلى سيارات سوداء مدرعة سارت على الضفة المقابلة للنهر.

اتجهت إلى زاوية الغرفة ثم انحنيت ورفعت السجاد كاشفا عن مخزن صغير تحت الأرض، فتحت غطائه بمفتاح صغير، ثم أخرجت منه صندوقا أسودا إمتلأ سطحه بالغبار.

نفضت عنه الغبار بيدي فعطست مرات عدة، حينها قمت متجها نحو المكتب لأرتشف بعض الماء.

ثم قلت وأنا أنظر إلى الساعة التي كانت تشير للثانية عشر ظهرا: لقد تأخر الوقت بالفعل، يجب أن أسرع ففي العادة هذا موعد نومي، ذلك لأن عملياتنا تنطلق إبتداء من منتصف الليل.

ثم تابعت وأنا أجلس على السرير: وبسبب الحوار المطول الذي دار بيني وبين أريڠان اليوم، ضاع نصف يومي لكن.... أتسائل إن كان أريڠان متورطا بالفعل.

ثم قمت متجها نحو ذلك الصندوق الذي حوى بعض الأموال التي جنيتها من عملياتي الأخيرة التي قمت بها وأنا أقول : سواء كان متورطا أم لا، رحيلي عن هذا المكان بات محتوما، ولكن..... لن ينجو من بطشي من سولت له نفسه العبث معي، أنا لا أؤذي ولكن إن تعدى أحد حدودي فلن يفلت مني.

توقفت عن جمع الأموال وأغمضت عيني منصتا وأنا أقول: أظنني سمعت صوتا للتو.

ثم تنهدت وفعّلت ظلّ هالتي قائلا: أشعر بحركة في الأسفل، ولكن ليس من عادة نزلاء باريون الإجتماع في هذا الوقت.

ثم أخذت نفسا عميقا وقلت بعد إستنشاقي لرائحة غريبة: رائحة بارود؟.

إنبطحت أرضا على بطني بجزع محاولا معرفة ما يجري في الأسفل ثم قلت: هل هي الشرطة؟

أنصت أكثر وتأكدت أن الشرطة الدولية كانت في الأسفل وقامت بمداهمة المكان، فقمت بفزع ونظري مستقر على باب الغرفة بعد سماعي لوقع أقدام يقترب ببطء.

غيرت ملابسي بسرعة ونبضات قلبي تتسارع، نعم ارتديت ملابس العامة حتى لا أثير الشكوك، و دسست المسدس في الجيب الأماميّ لبنطالي ونظري معلق من جديد على باب الغرفة.

أغلقت الحقيبة وأطفأت الأنوار ثم وقفت خلف الباب أحاول استراق السمع.

نعم الشرطة في الرواق، قلتها وأنا أنظر من فتحة الباب.

وقفت بعدها في وسط الغرفة قائلا في نفسي: لقد حاصروا المكان، لكنهم غير متأكدين من وجودي في هذا الطابق، مع ذلك يجب علي الحرص.

ثم أردفت وأنا أحدق بالنافذة: ثلاثة مخارج: النافذة، فتحة التهوية و... المكان الذي لم أجرب الدخول إليه مسبقا، فتحة المجاري المائية.

هي كأنبوب عريض ينزل بك إلى قاع الأنفاق المخصصة لنظام الصرف الصحي للمدينة بأكملها.

اتجهت إلى الحمام وحقيبتي خلف ظهري، ثم أزحت بلاط الأرضية قليلا للكشف عن غطاء دائري كبير، رفعته ونظرت إلى الأسفل ويدي على أنفي من سوء الرائحة التي إنبعثت منه وأنا أقول: المكان مظلم، مظلم جدا لا أكاد ألمح سوي بضع سنتيمترات من سلم الهبوط.

بعدها سمعت ضربا على الباب، لا بدّ أن أحدهم يحاول كسره والدخول عنوة، بدأت بإدخال قدميّ أولا و رفعت الغطاء لإغلاق البالوعة فور دخولي.

كان المكان ضيقا والرائحة كريهة ولا يوجد أي مصدر للضوء أو لدخول الهواء، بدأت أشعر بالدوار وأنا أحاول التركيز على موضع قدميّ ويديّ بين نتوؤات جدار البالوعة الداخلي.

مضت ربع ساعة تقريبا ولا أزال عالقا في ذلك المكان، شعرت بالاختناق وصعوبة في التنفس، وصارت الرؤية ضبابية فقلت وأنا أحاول السيطرة على نفسي حتى لا أصاب بالغثيان:لمَ السلم يهتز يمينا وشمالا؟.

بدى لي وكأني سأفقد وعيي، وبالفعل فقدت وعيي ولم أشعر بشيء حتى انزلقت قدمي وهويت إلى القاع.

كانت لحظات سريعة حاولت التمسك فيها بالجدار مستعينا بطول أظافر يديّ، لكني فشلت في ذلك.

فتحت عينيّ ولا أدري أين أنا وكم غبت عن الوعي؟

ألا زلت نائما؟ أم أني صحوت بالفعل؟

ما كان لأحد أن يجزم بما يحدث له في مكان معتم كهذا، الهدوء فيه يصم الآذان أكثر من طرب الضجيج.

حاولت النهوض رغم الألم الذي اجتاحني قائلا: أظن أن عظامي تكسرت، تبا من أي ارتفاع سقطت؟ أهذه بالوعة أم عالم آخر؟.

مددت يدي لألتمس المكان حولي، وكانت الأرضية مليئة بالفطريات والحزازيات ثم وقفت على ايقاع طقطقة عظامي قائلا بصوت هادىء: لا أملك خريطة نظام الصرف الصحي لهذه المدينة كيف سأخرج من هنا؟.

مددت كلتا يدي محاولا الإستناد على الجدران ولكن لم أجد أي شيء، كنت أعرج في المكان كمن يحوم في ظلام متمدد لا بداية ولا نهاية له، هل سأتيه هنا؟.

ثم توقفت متنبها لشيء قائلا في نفسي وأنا أنظر للأسفل نحو قدمي: لمَ لا أسمع وقع أقدامي وأنا أسير؟ هل الفطريات هي السبب؟.

أضفت نافيا: لا، لا أظن ذلك.

تابعت السير ببطء ثم توقفت مجددا و يدي خلف ظهري وقلت بصوت مرتفع : أين حقيبتي؟ تبا لقد أضعتها أين سأجدها الآن؟ .

جثوت على ركبتي بيأس واضعا رأسي بين يدي وقلت وأنا أتنفس بثقل: ما الذي حدث لي؟.

مضت ربع ساعة أخرى على ما أعتقد وأنا على تلك الحال متقرفصٌ في دوامة اليأس، ثم أحسست بشيء دافىء انساب على رقبتي نزولا إلى كتفي ثم قطرات على يدي.

تعرفت عليه بسهولة من رائحته الفذة فقلت وأنا ألتمس رقبتي: إنه دم، تسببت تلك السقطة في جرح أسفل رأسي.

لم يكن جرحا كبيرا ولكن تركه ينزف هكذا سيزيد الطين بلة، فأنا مرهق ولم أتناول أي شيء من ليلة البارحة، أو يمكن القول من الليلة التي سبقت وقوعي في هذه المتاهة.

وضعت يدي بهلع على خاصرتي للتأكد من أن مسدسي لا زال معي، وتنفست الصعداء حالما لامست مقبضه المزخرف.

أغمضت عيني محاولا الإنصات حولي لكن دون جدوى، حتى أحسست بشيء يعبث بأقدامي وبحركة رشيقة أمسكته وكان جرذا، لكن لم يكن يصدر أي صوت.

قذفته بعيدا بتقزز وكذلك لم أسمع ارتطامه فقلت: أيعقل أني فقدت سمعي؟حتى صوتي الآن غاب عني ، بالتأكيد كان ذلك من أثر السقطة، لكن كيف سأخرج من هنا مع انعدام حاستي السمع والنظر؟

ارتميت بظهري محاولا الإنتصار على النعاس الذي داهمني لكني لم أستطع، فأغمضت عيني مستسلما للنوم.

* * *

نور خافت....

شعلة أمل.....

هل قُدِّر لي النجاة هذه المرة؟

فتحت عيني بتوجس وأنا مستلق على ظهري مديرا وجهي لأحد الجانبين، وعيناي تتبعان ذلك البريق الذي بدا كشعلة شمعة بعيدة.

كان يتجه نحوي والنور يتراقص يمينا وشمالا وكأنه فانوس بيد أحدهم، لكني لا أسمع شيئا ولا أرى كيف سأعرف إن كان ذلك شخصا أم أنه وهم من نسج خيالي؟

بدأت بالشم محاولا التقاط أي رائحة فأنفي مدرب على التعرف على مختلف الروائح، ثم قلت في سري: تلك الرائحة، أعرفها جيدا رائحة زهور شجرة الآذريون.

إنها شجرة دائمة الخضرة، تستعمل أزهارها لاستخلاص نوع معين من الزيوت وقد تستخدم كعطور.

لكن الشخص الذي أعرفه يستخدمها مع بودرة التجميل السينمائي لتبييض بشرته، نعم إنه هو بلا شك "الجوكر، مَلِكُ البَسْتوني".

ظل يقترب أكثر فأكثر وأظنه انحنى لالتقاط شيء ما عندما نزل نور الفانوس واستقر على الأرض أمامي، قمت بعدها أسعل بشدة ووضعت يدي على صدري قائلا: سأصاب بنزلة برد، ليس توقيتا مناسبا البتة.

سمعت بعدها صوت إرتطام على الأرض وأظنني عرفت ماهو، إنها حقيبتي، أوقعها الجوكر بعد نوبة السعال التي أصابتني، لربما تفاجأ وشعر بالخوف.

على الأقل لم أتكبد عناء البحث عنها.

إقترب أكثر ، أكثر، حتى صارت تفصل بيننا بضع خطوات لا غير، قوامه مميز، جسد متهالك كجسد المومياوات، ووجه بعظام بارزة وأسنان مدببة، عينان جاحظتان، وبشرة بيضاء، وشوم تغطي ذراعيه ورقبته وسلاسل في كل أنحاء جسده المشوه، جروح، حروق، وشعره الأسود، وأهم شيء ورقة البستوني بيده اليمنى.

تغيرت تعابيره عندما لمحني وهو يحرك فانوسه الصغير، وابتسم ابتسامته المستفزة ثم حرك شفاهه وكأنه يقول شيء ما، فرفعت يدي وبسطتها في وجهه ملمحا له بأن يتوقف عن الكلام.

ثم قمت بثقل أنفض ملابسي من العوالق، واختطفت فانوسه من بين يديه محاولا إيجاد جدار قريب.

وبعدما وجدت جدارا بالقرب من مجرى المياه، وضعت الفانوس أرضا واتكأت بيديّ على الجدار ثم صدمت رأسي بقوة، وكررت ذلك حتى بدأت أسمع أصواتا كثيرة شيئا فشيئا.

صوت مجرى المياه، وصوت الجرذان، وضربات قلبي، وأخيرا صوت الجوكر وهو يقول: هل أصابك الجنون؟ أنظر إلى نفسك فأنت مغطى بالدماء.

ثم لعق شفتيه قائلا: طعامي المفضل يا سيدي الصغير.

لم ألتفت إليه ومددت الفانوس نحوه فالتقطه وقال: ألم تسمع ما قلته؟.

أجبته وأنا أحاول التقاط أنفاسي: بلى لقد سمعتك.

فقال وهو يبتسم: غريب أن أجدك في مكان قذر كهذا، ماذا كنت تفعل هنا؟.

قلت وأنا ألتمس جبيني ماسحا الدم بكف يدي: كنت سأطرح عليك السؤال نفسه، ماذا كنت تفعل أنت هنا؟.

صمت برهة ثم قال: قنوات الصرف الصحي مكاني، أنت تعرف هذا سلفا.

قاطعته وأنا أجول بعيناي في المكان قائلا: ظننت أنك تتجول في نظام الصرف الخاص بمدينتك لا غير.

ثم أردفت: هات حقيبتي.

رمى نحوي الحقيبة قائلا: لم أنت مستعجل هكذا؟ لم نتحدث منذ مدة.

التقطت الحقيبة قائلا: في أي يوم نحن؟.

أجابني بتهكم: هل فقدت صوابك؟ نحن في الرابع من كانون الأول لقد كنت في مكتبي قبل يوم أمس.

لم أجبه وتابعت سيري ببطء وأنا أعرج على قدم واحدة قائلا في نفسي: إذن لم أغب عن الوعي كثيرا، إنه اليوم نفسه الذي قمت فيه بعملية اغتيال آرشي.

استدرت نحو الجوكر قائلا: هل تملك خريطة هذا النظام؟ .

أجابني وهو يسير نحوي: نعم، هل تحتاجها؟.

أردفت قائلا: لا، أريدك فقط أن تدلني على طريقة للخروج من هنا.

قال وهو يبتسم باستفزاز: لا مانع لدي، ولكنك تعلم جيدا أنه لا يوجد شيء بالمجان.

قلت بضجر: لا ليس الآن، لا أملك الوقت والجهد للعب جولة ضدك بأوراق اللعب.

قال بحدة: لحظة، تذكرت! هل ما يشاع عن الوريث المفقود صحيح؟.

لم أجبه وسرت نحوه قائلا: دلني على مكان الخروج على الفور.

بقي يحدق بي كأنه استذكر شيئا ما، فقلت مستفسرا: ما الخطب؟.

قال محدقا بي بغرابة : لاشيء، خيّل لي أنك تشبه الوريث الذي عرضت صورته اليوم في القنوات الإخبارية.

خفضت رأسي قائلا: يخلق من الشبه أربعين.

رد قائلا بخبث: لا أظن ذلك.

أمسك فانوسه واستدار ماشيا بمحاذات مجرى المياه، و تبعته وأنا أسير ببطء محاولا التقاط أنفاسي.

استدار نحوي الجوكر قائلا: لم تخبرني كيف وصلت إلى هنا؟.

لم أجبه وكنت مركزا على صفاء ذهني، لعل هالتي تُفعّل من جديد.

حينها قال الجوكر وهو ينظر إلي مرة أخرى: تبدو مرهقا جدا، أشفق عليك.

زفرت قائلا في نفسي: لا أملك الجهد للإشتباك مع مجنون مثله، الأفضل أن ألتزم الصمت فأنا مرهق حقا.

بعد سير طويل وشاق وسط عتمة يخترقها شعاع الفانوس الخافت الذي لم يساعد حتى لأرى موطىء قدمي، وصلنا إلى مكان أوسع به عدة مخارج.

توقف الجوكر واستدار نحوي وقال: اذهب إلى المنفذ السادس أقصى اليمين، وامش بمحاذات الجدار ستجد بوابة هناك توصلك إلى مصب النهر، واحذر أن تنزلق قدمك وتسقط في مجرى المياه لأن به نظام دوامة سيسحبك للأسفل مع القاذورات.

أومأت برأسي ثم قلت: أبق فانوسك معي لعلي أحتاجه.

رد الجوكر: حسنا، وإياك أن تنسى دينك علي؛ جولة ضدي بورق البستوني.

أخذت الفانوس من بين يديه وأكملت سيري، ثم توقفت واستدرت قائلا بصوت مرتفع: كم الساعة الآن؟.

استدار الجوكر قائلا: إنها الخامسة مساءًا.

تابعت سيري مترنحا في ذلك النفق حاملا بيدي الفانوس، وباليد الأخرى كنت استند على الجدار بجانبي.

ومع اقترابي كان الجو يزداد برودة، ثم لمحت ضوءًا في أقصى النفق فتنهدت مطمئنا، و هرولت بسرعة نحو المخرج وأنا أقول: أخيرا سأخرج من هذا المكان.

ويا لسوء حظي انزلقت قدمي وسقطت في مجرى المياه، كان مشهدا بطيئا تيقنت فيه أني هالك لامحالة.

لم أستطع حتى أن أتشبث بحافة المجرى فالمياه كانت تدور كدوامة تسحبني نحو القاع ببطء، مثلما قال الجوكر تماما، لم أفكر في الصراخ رغم أنه كان من المقدر أن يسمعني.

وأعيد نفس السيناريو من جديد؛ المياه دخلت لأذناي وأصابتني بالصمم،والقاذورات عكرت صفو المياه فلم أعد ألمح أي شيء أمامي ، وتساءلت إن كانت هذه لحظاتي الأخيرة حقا، ماذا سيقال بعدها؟ نجوت من بطش الطاغي جيرارد و أزهقت روحي بسبب زلة قدم؟.

أي خزي هذا أن أموت في قاع المجاري المائية؟ لتتحلل جثتي بعدها.

وفجأة شعرت بانقباض غريب وتشنج في عضلاتي، و اندفعت الدماء في عروقي وكأن ما بداخلي بلغ مرحلة الغليان.

تبددت الرؤية أمامي و بدأت أرمش إلى أن فقدت الوعي تماما.

في النهاية أحسست أن الأمر كان عادلا بالنسبة لي، فقد أزهقت أرواحا لو بعثت لألف مرة ما كنت سددت عدد قتلاي، وأخيرا طالما تمنيت الخلاص من هذا العالم، لكني لم أكن راضيا تماما عن الطريقة التي مت بها.

* * *

أنت....

قم....

هل استسلمت حقا؟...

صوت غريب، أجش لكن بنغمة حنان وعتاب.

هل قدر لي النجاة هذه المرة أيضا؟.

فتحت عينيّ ولم أكن أحس بجسدي، لا بألم ولا بدوار، لم أكن في المجاري أيضا كنت في مكان أشبه بالفراغ.

وفجأة سمعت ذلك الصوت من جديد يخاطبني: أراك إستسلمت لنهايتك.

لم أجبه وجلت بعيناي أبحث عن مصدر الصوت.

قال بعدها: أنا هنا...

استدرت مجددا لكن لم أره.

تابع قائلا: هنا، أمامك.

وأخيرا ظهر أمامي رجل بدا في الثلاثين من عمره، بشعر قرميزي غريب بلغ منتصف ظهره، ولباس بأكمام واسعة كعبائة الكهنة، لكن كانت بيضاء بفتحة من رقبته إلى بطنه، برزت من خلالها عضلات صدره المفتولة، له وجه أقرب لقوام النساء، بأنف مسلول ورموش كثيفة وشفاه وردية، لكن... بعينين قرميزيتين.

بعد تفحصي له قلت مندهشا: من أنت؟.

قال وهو يبتسم: أنا أُوَار.

قلت باستغراب: أُوَار؟.

لم يرد وبقي يبتسم بغرابة.

قلت مستأنفا: من تكون؟ وأين أنا؟.

قال مغمضا عينيه: أنا دافعك للحياة، أنا... الأمل المجتبى، أنا الأجيج المُتّقِد في روحك.

أجبته بتهكم: لم أفهم كلمة واحدة مما قلته، ثم إنه لا رغبة لدي للعيش أكثر فأي دافع تتحدث عنه؟.

قال الغريب: تعال، اجلس!.

أردفت قائلا بعصبية: أين أجلس؟ لا أرى أمامي سوى فراغ أبيض.

لم يجبني وانحنى جالسا بصمت ينظر للفراغ أمامه.

إقتربت منه بتوجس ثم جلست مستسلما أنا أيضا.

استأنف الغريب كلامه قائلا: هل أنت راض عن نهايتك؟.

أجبته من دون تفكير، و كأن لساني نطق رغما عني: نعم! لا! ... في الحقيقة أنا راض عن خلاصي وخلاص العالم مني، لكني لست راضيا عن الطريقة التي مت بها.

إستدار نحوي قائلا بصوت هادىء: لكننا في حاجة إليك.

أجبته باستغراب: من أنت؟ وعمن تتحدث؟.

قام بعدها و أشار لي بالوقوف أنا أيضا ففعلت.

ثم وضع يده على جبيني قائلا: أنت تائه، تائه فقط تحتاج إلى بوصلة تدلك فحسب.

أردت أن أجيبه فأشار لي بالسكوت واضعا سبابته على شفتي.

ثم قال : أغمض عينيك!.

أغمضتهما وساد صمت طويل كسره صوته وهو يخاطبني قائلا: قُدر لك النجاة والعيش إلى رمق المصير..... ثم وضع يده على صدري في جهة قلبي وتابع: إتبعه فعقلك مخدر، وقلبك هو النصير.

ثم تلاشى كالغبار أمامي، بعدها ظهر نور بوهج ساطع حينها وضعت يدي لأغطي عينيّ ولم أتذكر ما حدث بعد ذلك.

* * *

أفاقني صوت ليس غريبا عني وهو يقول: سيدي الصغير، هل أنت بخير؟.

ثم أحسست بشيء يلامس شفتي، فقمت بفزع ولكمته بعيدا قائلا بسخط: ما الذي تفعله أيها السافل العفن؟ .

قال وهو يتألم من أثر اللكمة: أهكذا تكافؤني بعد أن أنقذتك من الغرق؟.

ثم تابع وهو يلتمس بطنه: أردت أن أجري لك تنفسا اصطناعيا لا غير، لم أنت مرتاب هكذا؟!.

مسحت شفتي بكف يدي، ثم قلت بقرف: رائحتك نتنة إياك أن تقترب مني مجددا.

ثم حنيت رأسي أحاول إستذكار ما حدث لي وقلت في نفسي: ربما كان حلما وحسب، أو أن التعب نال مني فصرت أهلوس، لكن كيف نجوت من الغرق؟.

قاطع تأملي الجوكر وهو يقول: هل تعرف ذلك الرجل؟ .

قلت بتعجب: أي رجل؟.

أجابني قائلا: أتى إلي وأخبرني أنك غرقت في مجرى المياه، لكنه كان مريبا.

قاطعته قائلا: هل يتجول غيرنا في هذه الأنفاق؟.

رد الجوكر: لا أظن ذلك ، أعرف مخارج البالوعة واحدا واحدا، من يدخل إلى هنا لن يخرج حيا.

قلت: وكيف عرفت أني المقصود؟ ليس من عادتك أن تهب لمساعدة أي أحد مهما كان.

أجابني ببرود: لقد قلت لك كان مريبا فقد قال لي أن ماڤروس غرق في المجرى المائي، والأغرب من هذا أن ثيابه وشكله كانا غريبين، كما أن هناك نورا خافتا كان يحيط به كهالة متوهجة.

انتبهت أنه ناداني باسمي الحقيقي، إذا فقد عرف هويتي حقا.

قلت بحماس: هل كان شعره قرميزيا!؟.

أجابني بتعجب: نعم، كيف عرفت ذلك؟ إذن أنت تعرفه.

إنتبهت إلى ما قلته فأنزلت رأسي قائلا: لا إنه محض تخمين.

ثم تابعت في نفسي: الجوكر أذكى من أن يصدقني، لكن هذا يعني أني لم أكن في حلم البتة، والرجل الذي تحدث معي كان موجودا فعلا، ترى من يكون؟ وماذا قصد بقوله ذاك؟.

استفقت من سرحاني ونظرت حولي باحثا عن المخرج وأنا أقول: لقد تأخر الوقت كثيرا.

أمسك الجوكر بيدي وقال: أين ستذهب؟ جسدك مليء بجراح لم تشفى وساقك مكسور.

أفلت يدي من قبضته وسرت نحو مصب النهر وأنا أضع يدي حاجزا بين الضوء وعيني، و سار الجوكر مبتعدا في عمق الظلام.

أخذت نفسا عميقا وأنا على حافة المصب، ثم زفرته باسطا يدي كطائر تحرر من سجنه متئملا تلألأ المياه مع السماء الغائمة.

فجأة تذكرت حقيبتي، هل أضعتها ثانية؟.

إستدرت خلفي بهلع باحثا عنها فلمحتها قرب الفانوس، انحنيت وجلست على ركبتي أتفقدها لأنها كانت خلف ظهري عندما وقعت في مجرى المياه.

ثم فتحتها وأخذت الأوراق التي كانت تحتويها ولحسن الحظ أنها لم تتبلل، لكن كل الأموال أتلفت، فقلت في نفسي: ياللخسارة، هذا كله نتاج أيام من العمل الشاق.

بعد الخروج من مصب النهر توجهت سباحة إلى أقرب ضفة، ولم يكن سهلا فعل ذلك في مياه شبه متجمدة وهواء بارد.

و مع كل ماجرى، لم أعد أحس بأي مكان في جسدي، كانت أمنيتي أن أصل في أقرب وقت، لأستحم وأستريح لبعض الوقت فقد تغيرت خطتي في اللحظات الأخيرة ولن أغادر تاين هذا اليوم.

وصلت إلى الضفة أخيرا وكانت شبه خالية من المارة، مشيت بعدها في الشارع الكبير الذي كان يعج بالناس، خافضا رأسي وخلف ظهري حقيبتي محتضنا نفسي من شدة البرد.

بدأ المطر يهطل بغزارة وشعرت أني سأصاب بالحمى، كان صعبا علي المسير بساق مكسور وجسد يتهاوى مترنحا يمينا وشمالا.

لم أرتد قناعي هذه المرة رغم الخطر المحدق بي، ولكني لم أختفي كل تلك السنوات عن الأنظار لأني خائف، بل لأن كشف هويتي سيعيق تحركي السلس في الأماكن العامة.

يحيط الغموض بأفراد أسرتنا، حتى ملامحهم لا يعرفها الكثيرون، إلا الأقربون المقربون لذلك عندما خرجت إلى تاين كان سهلا علي الإنخراط بوجود هوية مزورة.

لكن ما حدث اليوم كفيل بقلب الموازين، لأن أريڠان وآهورا هما الوحيدان اللذان كانا على علم بهويتي و بعملية الإغتيال التي سأقوم بها في حق آرشي.

فضلا على أنه لم تكن توجد حراسة أمام مقر الشركة ولا حتى كاميرات حرارية، لكن الأمر المحير أنه حتى لو كانت هناك كاميرات حرارية واستطاعت الشرطة رؤية ملامح الجاني، كيف لهم أن يعرفوا هويتي؟ .

فركت رأسي قائلا بضجر: التفكير في الأمر يسبب لي الصداع.

ثم تابعت قائلا في نفسي بتوعد: ليس هنالك احتمال ثان، أريڠان ومستشاره هما من قاما بالوشاية.

لا يهمني لماذا؟ أو كيف؟، مايهمني حقا أن كليهما لن يمكث ليشهد فجر اليوم التالي.

ثم قلت وقد تسارعت خطواتي: لن أتراجع، سأقتلهما كلاهما.... الليلة.

وصلت إلى النفق وكان واضحا أن الشرطة اعتقلت الجميع، أو على الأقل أغلب أفراد المنظمة.

دخلت أسير بخطوات متثاقلة بعد أن ارتديت قناعي مستذكرافي نفسي: توتر أريڠان خلال حواره معي، ومعرفة كاليوس بهويتي، ثم فرار أحد أتباعه، كلها دلائل على أن المتورط ليس شخصا واحدا بل... إثنان على الأقل.

سمعت ضجيجا قادما من المقر، مشيت بحذر في ذلك الرواق، وبعد توسطي الساحة الكبيرة لمحت نورا خافتا قادما من المنفذ المؤدي للمقر، أكملت المسير إلى أن وصلت لمكتب أريڠان واختبأت خلف بابه مسترقا النظر.

فوجدت مجموعة من الأشخاص المسلحين، بدا كأنهم من منظمة الجيتسيت أحاطوا بأريڠان وواحد منهم كان يمسك بياقة بذلته ويهزه بعنف، والدماء تسيل من جبينه وصدره.

فقلت: ربما أطلقوا النار عليه.

بقيت أراقب المشهد من خلف الباب على أمل أن أجد دليلا واحدا ضد أريڠان، لم أتمنى براءته لأن ذلك سيعقد الأمور أكثر، ولا يوجد احتمال آخر للفاعل، على الأقل سأفرغ جل غضبي عليه.

قام بعدها أحدهم بالصراخ في وجه أريڠان قائلا: إعترف أين ذهب ماڤروس، سنخفف عقوبتك إن تعاونت معنا.

أجاب أريڠان متألما: لقد أخبرتكم أنه غادر مكتبي قبل عدة ساعات، ولم أسأله عن وجهته.

إنهال عليه البقية بالضرب في أماكن مختلفة من جسده مرردين بسخط: كاذب.

فجأة توقف أريڠان عن الحركة وبدا كأنه فقد وعيه أو... مات!

قال شرطي له وسام بثلاث نجمات، وأظنه كان قائد الفيلق: هل مات فعلا؟ أم أنه يتظاهر بذلك؟ لن نعرف أي شيء عن وجهة القاتل من دون مساعدته.

ثم التفت إلى أحد الضباط قائلا: ألم تجدوا مستشاره المدعو آهورا؟.

أجابه الضابط: أعتذر يا سيدي فلم نعرف عنه أي شيء سوى اسمه من أحد المعتقلين، قال أنه كان في مكتب أريڠان وغادر مع مغادرة القاتل ولم يره أحد بعدها.

قلت في نفسي معلقا: هكذا إذا، فسروا الأمر على أننا متعاونان، لكن آهورا كان ذكيا لينجو بنفسه قبل قدوم الشرطة.

بعدها تحرك أريڠان محاولا التفلت من قبضة الشرطي لكنه ركله على بطنه فبصق قطعا من دم متخثر.

انحنى الشرطي صارخا في وجهه: لم لا تريد التعاون معنا؟ هل ماڤروس أثمن من بقائك حيا؟ .

ثم تابع بتأفف: غريبة هي قوانينكم اللعينة.

أجابه أريڠان بصوت متقطع: أظنه ذهب إلى… جانمين.

ابتسم الشرطي ابتسامة خبيثة والتفت إلى ضباطه بنظرات غريبة، فقلت بتعجب: إذا أريڠان متورط، لقد عرفت ذلك، لا مكان للثقة في عالم الإجرام، أتركوه فقط وسأقطعه وألتهم أحشائه.

وبحركة مفاجئة أخرج الضابط سكينا حادة لمع حدها ورماها إلى قائده الذي أمسكها وانحنى وغرسها في صدر أريڠان.

صرخ أريڠان بقوة و بقي يلتوي و يرفس بقدميه كالكلب المسعور، بينما لا يزال الضابط يمسك بيده و كأنه يتلذذ بذلك.

حاول أريڠان إخراج السكين لكن الشرطي أخرجها بقوة حتى ينزف جرحه ويموت بسرعة.

كنت أنظر إلى المشهد ببرود تام و لم يحرك فيّ ذلك قيد أنملة، كان بمقدروي أن أتدخل وأنهي حياتهم؛و أساعد أريڠان، لكني…. لم أفعل.

صرخ الشرطي قائلا في جنوده: أبلغوا اللواء الأعلى بأننا عرفنا وجهة القاتل، بسرعة إلى جانمين.

خرجت بسرعة واختبأت في أحد المنافذ ريثما تغادر الشرطة.

وبعد أن غادروا توجهت نحو مكتب أريڠان ويدي على مسدسي، ثم وقفت أمام عتبة الباب أنظر إليه ببرود، اشمئزاز، وحقد كبير.

أحس بقدومي فرفع رأسه بصعوبة ومد يده نحوي قائلا بصوت متحشرج و عينين منتفختين: أين كنت؟ ساعدني أرجوك.... أنا أتألم.

لم أجبه وسرت نحوه مثبتا نظراتي عليه، ثم أمسكته من ياقته وهززته قائلا بغضب و إحباط: كنت أشك فيك من البداية، ولكنها خطوة غير متوقعة منك، هكذا إذا تطلعهم على وجهتي.

لم يجبني واكتفى بلفظ الدماء من فمه محاولا التفلت من قبضتي، ثم قال بصوت مكسور: فعلت ذلك لأنجو بحياتي.

أردف واضعا يده على يدي: فأنا لا أعرف وجهتك من الأساس.

حملت مسدسي وضربته به على رأسه بقوة فشرخت جبينه، وسالت دماؤه كشلال دافىء على يدي، ثم قلت: لا تعرف وجهتي؟ إذا لماذا أخبرتهم أني متجه نحو جانمين؟ ماذا لو كانت تلك وجهتي فعلا؟.

أجابني أريڠان وهو يمسح الدم عن شفتيه: إستنتجت ذلك، أعرف أنك لن تذهب إلى جانمين.

ثم تابع بثقل مستلق برأسه على يدي: يوجد أربعة نطاقات، وورل محال أن تعود إليها،وجانمين حرمت دخولها على نفسك…

أصدر أنينا خفيفا قائلا: بقي إثنتان تاين البلاد الحالية، وترايتون وهي وجهتك بالتأكيد.

كانت جملته التي قال فيها " التي حرمتها على نفسك" كسكين شرخ صدري نصفين، نعم تلك الحادثة...... قبل سبع سنوات.

نظرت إلى وجه أريڠان المملوىء بالكدمات، ثم انتبهت إلى أن عينيه ابيضتا..... سقط رأسه من يدي على فخذي، فقلت مصدوما : لقد مات.... مات أريڠان متأثرا بضربتي، لم تقتله طعنة الضابط ولكن.... قتلته ضربة من يد ظنها الأمان فغدرته.

قتلت الشخص الوحيد الذي تقبلني بكل سوئي، تمنيت لو كان الفاعل حقا، لكان الذنب الذي أحس به الآن أخف.

ومرة أخرى قتلت روحا بريئة، أحبتني رغم سواد العالم.

كنت المذنب في مسرحية لم يُقدّر لي كتابة سيناريوها.

ومن جديد زاد حقدي على نفسي وعلى الجميع، لو لم يتدخل الطرف الثالث الذي وشى بي، لما فعلت فعلتي.

وهل هذا عذر؟

أغمضت عينيه بكف يدي ثم قلت بقهر: سأثأر لك حدادا على روحك التي ستحيا بجواري وتسكن للأبد.

قمت بعدما وضعت رأسه برفق على الأرض وعدلت وضعيته ثم غطيته بستار المكتب.

وقفت أمام عتبة الباب واستدرت لألقي النظرة الأخيرة على جثته بعيون جاحظة خلت من معالم الحياة ، ثم أطفأت الأنوار وغادرت بخطوات كانت الأثقل إلى المخزن لأحضر بنزينا و قداحة.

فتحت برميل البنزين ثم سكبت محتواه في المكتب فاختلط بدم أريڠان، ثم في الرواق وعلى باب المقهى، وابتعدت بضع خطوات للوراء حاملا القداحة بيدي، ثم رميتها لتشتعل النيران وتبدو كموج بحر غاضب نسفت وجهي بلهيبها.

بقيت واقفا كجبل شامخ أراقب النار وهي تلتهم المقر، المكان الذي جمعنا فيه شغف القتل وفرقتنا إحدى ضحاياه، حتى أحسست بشخص بجانبي، فاستدرت لأجد آهورا يقف محدقا بلهب النيران.

ثم إستدار نحوي وقال: هل عجزت عن دفنه؟.

قلت ضاحكا كالمجنون: نسيت أن الموتى يدفنون.... إعتدت على السفك حتى صار التراب يرفض أرواحهم.

ثم سار متجها نحو المقهى قائلا: يالك من لئيم!.

صرخت فيه قائلا: ستلتهمك النيران أنت أيضا فلا تفعل هذا لتبدو بطلا، أعلم أنك ستدخل لسرقة المال الذي يضعه في مكتبه.

ثم استدرت وقلت وأنا أبتسم: قال عني لئيم! وأنا كل همي أن أقتل اليوم أكثر من أمس؛ وأن أعيش غدا لأزهق المزيد، فعن أي لؤم يتحدث؟ اللؤم صفة يتصف بها البشر، وبعد قتلي لأريڠان لم أعد من معشرهم.

ثم تابعت متنهدا: لم أعد أرى الحياة كما يراها الآخرون،أراها كما يراها الأشباح كلهم فريسة وأنا المفترس، سيقضون نحبهم يوما ما... المهم أن يكون ذلك على يدي.

ثم خرجت مغادرا وقرص الشمس غاب عن الأفق، معلنا عن غروب فيلم دموي.

مشيت في شارع المدينة خافضا رأسي ملطخا لا بالدماء بل بالذنب الذي لن أغفره لنفسي.

عضضت على أسناني، وأحكمت قبضتي، أفكر في الذي فعلته و أسوأ ما قد أفعله وأنا في ذروة غضبي، و حقدي.

وضعت يدي على حافة الجسر أتامل بصمت قاع النهر، وفوق رأسي غيوم سوداء أمطرت وأرعدت، وكأن السماء لم تكن راضية، أو أنها لوحة تمثل ما يحدث داخلي، نار تأججت وعواصف تحركت.

كان كل من يمر يلقي نظرة شفقة علي، فمظهري كان كفيلا بأن يجعلني أبدو كمتسول أو مجنون فر من المصلحة، ثياب ممزقة متسخة، ملطخة بالدماء، وملامح اليأس والغضب على وجه ماتت تعابيره.

فعَّلت هالتي بعدها وانتقلت بسرعة خاطفة إلى مقر الشرطة، أين يوجد المحقق الذي وكل بقضيتي.

وصلت إلى مركز الشرطة ثم رفعت رأسي أنظر إلى نهاية المبنى، ناطحة سحاب عملاقة تتكون من مئة طابق، ومكتب المحقق في الطابق التسعين، هذا ما قرأته من لوحة الإرشادات التي كانت على يمين المدخل.

دخلت على غير العادة من الباب الأمامي، وكأني أقول للجميع تعالوا وانظروا أنا هنا، أمسكوا بي إن استطعتم.

لم يعق طريقي سوى ضابطين قتلتهما بطلقة واحدة ثبتت كلاهما في الجدار.

ثم مشيت بسلاسة متجاوزا كل الطوابق إلى الطابق المطلوب، بعد صعودي عبر المصعد.

طرقت باب المكتب ثم دخلت فورا، فوجدت رجلا يجلس خلف مكتب مقابل لي، بدا في الخمسين من عمره، أصلع الرأس ببطن بارز وملامح جادة، يرتدي بذلة سوداء رسمية بربطة عنق حمراء.

نظر إلي لثوان فاتحا فمه باندهاش، ثم ابتسم بخبث وقال وهو يقوم متجها نحوي: يعجبني الأشخاص الأذكياء، أمثالك..... لم نتكبد عناء إحضارك إلى هنا فقد أرحتنا وأتيت بقدميك إلى مصيرك.

قلت في نفسي باستغراب: ولكن الشرطة الدولية أتت بالفعل إلى المقر وهم الآن متجهون إلى جانمين على أمل أن يجدوني هناك ....

أردفت محدقا به: ربما لا يعمل أفراد الجيتسيت لصالح هؤلاء.

تابع قائلا: لن أجري معك أي تحقيق فكل الأمور باتت واضحة لذا اجلس على الكرسي من فضلك ريثما تأتي الشرطة لاصطحابك إلى زنزانتك.

قاطعته قائلا بنبرة حادة و عينين نائمتين: كيف حددتم هويتي؟ ومن شاهد العيان؟.

أجابني وهو يبتسم: هل تريد أن تعرف حقا ؟.

رفعت مسدسي في وجهه قائلا بصرامة: أجبني!.

تراجع بضع خطوات للوراء بجزع قائلا: لا تجعل عقوبتك تضاعف بسبب طيشك.

ثم تابع قائلا: لقد كان آرشي يتحدث عبر الهاتف وقت تنفيذك للجريمة، وتلفظ باسمك قبل أن تطلق النار عليه وتفر هاربا.... شاهد العيان كان مديرة أعماله "سوزان كوڤر "، وهي نفس الشخص الذي كان يكلمه.

لم أنبس بشيء وقلت في نفسي: صحيح، المغدور وقتها كان يتحدث عبر الهاتف ولكن..... كيف تعرف علي؟ هل لآرشي علاقة بعائلتي؟ احتمال غير وارد.

ثم تابعت قائلا وأنا أنظر إلى المحقق وهو يتحدث عبر الهاتف: الامور تزداد تعقيدا كلما تقدمت خطوة للأمام، كون أريڠان هو الواشي أقرب للصواب مما قاله المحقق.

ومن دون أي مقدمات حددت الهدف، وضغطت على الزناد وثبت المحقق في جدار المكتب، بعد أن فقئت عينه اليمنى بطلقتي فتناثرت دماؤه في كل مكان.

خرجت عازما على المغادرة للمكان التالي، ولكن مجموعة من الضباط حاصرت المكتب، أظن أن المحقق هو من استدعاهم بعد استشعاره للخطر.

وجه الجميع أسلحتهم نحوي، وقال أحدهم: ارم سلاحك أرضا وارفع يديك عاليا، المكان محاصر ولن تنجو إن قفزت من ارتفاع يزيد عن مئة وخمسين مترا.

لم أنظر إليه وأخرجت حزمة من الذخيرة وعبأت المسدس بصمت وسط همهمات الشرطة، ثم أطلقت ست طلقات أصابت الأهداف بدقة ليسقط الجميع صرعى.

توجهت بخفة إلى غرفة المولد الضخم، الذي يزود المبنى بالكهرباء، وقمت بقطع الأسلاك واحدا واحدا، لينجم عن ذلك انفجار مدوي دمر المبنى بأكمله.

خرجت حيا بالتأكيد وتوجهت إلى مبنى الصحافة التي نشرت الخبر، وفعلت به مثلما فعلت بمركز الشرطة، فجرت المبنى الذي كان بداخله قرابة المئتي شخص.

انتفضت المدينة على اثر التفجيرات والحرائق التي أحدثتها، وساد الذعر والفوضى في شوارعها، وبدأت عمليات إخلاء الأماكن المجاورة للمباني المتضررة.

كنت أشاهد مايحدث من شرفة المحكمة العليا ببرود ، لوحة نارية خُطَّت بالدماء.

ثم نزلت عبر السلالم بهدوء ولم ينتبه لوجودي أي احد لأن الفوضى كانت تعم المكان، أخذت وقتا أطول في البحث عن غرفة مولد الكهرباء وفي نهاية المطاف لم أجده.

لأن المبنى كان يعمل بالطاقة الشمسية ومحول الطاقة لن يحدث انفجارا شاملا.

وقفت أمام باب محوّل الطاقة بصمت محاولا التركيز وسط الفوضى والاشخاص الذين كانوا يركضون في كل الإتجاهات.

فجأة حل الظلام في المبنى بأكمله، فهرولت لإحدى النوافذ وأخرجت رأسي لمعرفة ماجرى، أمعنت النظر حولي أكثر فرأيت انعكاسا على زجاج المبنى المجاور لأضواء الحماية الخاصة بالمحكمة و التي لا تزال منارة.

أدخلت رأسي قائلا: لقد فصلوا التيار عن هذا المبنى عدا أعمدة الحماية على سطح المحكمة التي تعمل بالكهرباء الإحتياطية.

وضعت يديّ في جيبي و نزلت الدرج قائلا: سأكتفي بهذا وأعود لاحقا لتفجيره.

كان الظلام دامسا لكني استطعت تمييز المكان والسير، و ماساعدني على ذلك هو نور أحمر خافت انتبهت له مؤخرا فقلت رافعا رأسي للزوايا: لحظة… لا بد أن كاميرات المراقبة تعمل بالإحتياطيّ هي أيضا.

اعتلت وجهي ابتسامة خبيثة، فقلت ونظري على إحدى الكاميرات: وجدتكِ أخيرا.

قفزت بسرعة و سحبت الكاميرا و معها أسلاك كهربائية، ثم قمت بتعرية سلكين متضادين و قربتهما إلى بعضهما.

و عند تلامس طرفيهما اشتعلت شرارة صغيرة نضجت فورا وصارت حريقا ضخما نتج عنه انفجار شامل.

خرجت من المبنى وألسنة اللهب خلفي تلتهم ما تجده أمامها، كانت حرائق كبيرة لم تستطع الشرطة السيطرة عليها.

مشيت بعدها واضعا يدي في جيبي في شوارع المدينة متجها نحو سجن الجنايات.

دخلت السجن بسهولة وقتلت الشخص الذي سرب مكاني للشرطة، و كان وصف آهورا له دقيقا فلم أتكبد أي عناء لإيجاده.

• • •

توجهت إلى محطة القطار بالمدينة المجاورة سيرا على الأقدام وكانت حينها الساعة تشير للعاشرة ليلا.

جلست داخل المقطورة على الكرسي مستسلما للنوم بعد حرب كنت أنا قائدها، فعلت الكثير.... وقتلت الكثير..... ومزال الكثير....

فقدت نفسي في هذه الملحمة، وبعد ماحدث اليوم..... متأكد أني لن أعود نفس الشخص من جديد.

أتسائل إلى أي درجة سأنحدر إليها أكثر مما أنا عليه الآن، كنت سفاحا، وبنهاية هذا اليوم صرت وحشا في هيئة بشري.

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

يوميّات السّفاح _الجزء الأول من ملحمة القدر الأسود _

المؤلف 𝐶ℎ𝑖𝑟𝑖🎭♟️
2025/08/03 مستمرة
قائمة الفصول (10)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة