رُفاتُ الجريمة.

رُفاتُ الجريمة.

6 0

ليسَ النسيانُ نكرانًا للماضي دومًا، أحيانًا ننسى لأنّنا نخشى سطوة الذكريات، لوعة البدايات…. في الحب، ورعشة النهايات…. في الفراق، فيا ليت كانت الذاكرة مشهدًا مؤقتًا، لنعيش الحاضرَ والمستقبلَ بسلام.

* * *

قال سيريتس بحدة ونظره مستقر على الطريق: سندخل عنوة… راقبني وحسب…

ڤارون بخليط من الاستغراب والدهشة: ما الذي ستفعله؟ هل ستقفز فوق الحواجز بسيارة يركبها خمسة أشخاص؟.

لم يجبه سيريتس وأدار مقود السيارة بسرعة لليسار مغيرا المسار باتجاه منعرج بالشارع الرئيسي، وقال بحزم وهو يلتفت هنا وهناك: اربطوا الأحزمة وتمسكوا جيدا.

نفذ الجميع الأمر بلا مناقشة ثم قالت سيليا وهي تضع يدها على كرسي سيريتس: لا تتهور أرجوك قد لا ننجو.

رد سيريتس وهو يضغط بقدمه على الدواسات لتنطلق السيارة بسرعة: لا تقلقي، تمسكي جيدا وحسب.

كانت السيارة تنطلق بسرعة جنونية ناحية ناطحة سحاب ضخمة فقال ڤارون بتوتر: ما الذي تنوي فعله؟.

سيريتس من دون أن يلتفت: لا تشتتني أرجوك.

صمت ڤارون محدقًا بالطريق أمامه، في حين زاد سيريتس من السرعة وسحب مقبض التوجيه للخلف، وانطلقت السيارة على المسار المائل المخصص للطوارىء.

وعند بلوغهم الطوابق الأخيرة وضع ڤارون يده على يد صديقه وقال بصرامة: الأمر لا يستحق مخاطرة كهذه، على الأقل فلنترك زوجتك والأولاد هنا.

وقبل أن يجيبه صديقه أُنير المكان بضوء ساطع مصدره مروحية الشرطة الفيدرالية التي كانت تحوم فوق المبنى، وارتفع صوت أحد ركابها قائلا وهو يطل من النافذة وبيده مكبر صوت: أوقف السيارة قبل أن نضطر لإيقافها بأنفسنا.

التفت سيريتس ناحية ڤارون وصاح قائلا: هل رأيت عواقب أفعالك؟ كان من المفترض أن تساعدني لإيجاد طريقة لتخطي الحواجز، لا أن تعيقني.

ڤارون مديرا وجهه بلا اكتراث: ماحدث كان متوقعا فالمكان محاصر بالشرطة، وانتهاك كهذا سيجعل الشكوك تدور حولنا.

ثم التفت مجددا وقال بتجهم: ألا ترى أننا نبدو كعصابة متفجرات بسيارة زيديس السوداء؟.

رد سيريتس بتهكم: إذا لا خيار آخر غير المخاطرة.

و وسط تلك الفوضى ودخان النيران تابعت السيارة صعودها ثم توقفت منتصف مهبط الطائرات.

وعند اقتراب المروحية منها أكثر استعدادا لهبوط اضطراري انطلق سيريتس مجددا واصطدم بحافة المبنى الزجاجية التي انكسرت وقفزت السيارة محلقة في الهواء فوق ألسنة اللهب و العمارات الأقل حجما.

أغمض الجميع أعينهم بهلع واحتضنت سيليا ابنتها بينما كان سيريتس يحاول جاهدا دفع السيارة أكثر للوصول إلى حافة المبنى الآخر.

وعند اقترابهم من حافته ضغط سيريتس بقوة أكبر على موجه السيارة وأدار المقود وضغط على الدواسات، ثم فتح الجميع أعينهم على صوته وهو يصرخ قائلا بهلع: يا إلهي! لقد انكسرت دواسات السرعة.

انتفض الجميع بعد سماعهم لما قاله وصاح ڤارون بسخط: ماذا؟ هل تمزح؟.

نطقت سيليا من الخلف محاولة تهدئة الوضع : لعل السيارة اقتربت بما يكفي لتبلغ حافة المبنى المقابل.

سيريتس بعصبية وهو يشاهد السيارة تهوي بهم للأسفل ببطء: كف عن استفزازي منذ متى كنت أمزح في مواقف كهذه؟.

ثم حاول جاهدًا الضغط على ماتبقى من الدواسات المكسورة، لكن دون جدوى، بسط كفيه على وجهه بيأس وبقي الجميع صامتين بوجوهٍ مصفرّة، يلتفتون على كلا الجانبين آملين أن تحدث معجزة تنقذ الموقف.

وفجأة سمعوا دوّيا قوّيا قادما من الأسفل وارتفعت سحابة دخان ضخمة حجبت الرؤية، وأحس الجميع بارتفاع السيارة فقال سيريتس بتوتر ووجه شاحب: أظنه انفجار ما نتج عن أحد الحرائق وقد نكون ارتفعنا بما فيه الكفاية لبلوغ حافة المبنى.

رد ڤارون بسخط: لم أرك مستهزءً هكذا منذ زمن.

رمقه سيريتس بنظرة حادة حينها ارتطمت السيارة بشيء ما واهتز الجميع داخلها وعقب دقائق قليلة من ذلك الإرتطام المفاجىء قال سيريتس بعد أن مال أحد جوانب السيارة للأسفل: أظن أن إحدى الإطارات قد ثقبت.

ڤارون بغضب وسخرية: ماذا سنفعل بالإطارات الآن؟ هل نحلق بها؟.

سيريتس بهدوء وهو يحدق أمامه: أنظر لقد تلاشى الدخان والرؤية صارت أوضح.

التفت ڤارون إلى النافذة الجانبية ثم قال بتوتر وهو يستدير مجددا ناحية صديقه:السيارة ثابتة!!.

فتح سيريتس الباب وقال وهو يطل برأسه: أخبرتك…. نحن على سطح المبنى الآخر.

ثم نزل وتبعه صديقه وهو يقول متنهدًا: ظننت أنها النهاية.

رد سيريتس وهو يفتح الباب الخلفي لتنزل زوجته وابنته: لازال الوقت مبكرا على ذلك، فأنا لم أنجز أي شيء بعد.

نزل مير ثم التفت خلفه وقال: أعتقد أن المروحية قد فقدت أثرنا أثناء الإنفجار، فلنسرع قبل أن تعود مجددًا.

أومأ سيريتس موافقا وقال: معك حق، سنترك السيارة هنا لأنها معطلة وننزل بسرعة من هذا المبنى.

التفت الجميع ناحية مدخل سطح المبنى ونزلوا السلالم التي كانت شبه مظلمة، تنيرها شعلة النيران في الشوارع المجاورة، ووضع الجميع أيديهم على أنوفهم حتى لا يستنشقوا أي غازات سامة.

فجأة توقفت سيليا وهي تمسك بمعصم إليارا التي انحنت تلتقط أنفاسها، فاستدار سيريتس وقال: هل هي بخير؟.

نطقت إليارا بأنفاس متقطعة: أشعر… بخدر في عضلاتي…

ربتت والدتها على كتفها قائلة: لم يتبق الكثير، تماسكي قليلا.

سار والدها نحوها ثم حملها بين ذراعيه وتابع النزول للطابق الأرضي.

حوطت إليارا رقبة والدها بيديها وأغمضت عينيها، بينما سار ڤارون بالمقدمة وسيليا ومير خلف سيريتس.

* * *

عقب ربع ساعة لاح في آخر الممر الواسع ضوء ساطع آت من مخرج المبنى، فتوقف سيريتس وقال موجها حديثه لابنته: هل تستطيعين السير الآن؟.

رفعت إليارا رأسها وقالت بهدوء: نعم، على ما أعتقد.

أنزلها والدها و نظر نحو ڤارون الذي قال له: هل تعرف وجهتنا التالية؟.

رد سيريتس وهو يخرج مسدسا من حقيبته ويضعه في جيبه الأمامي: بالطبع، مسرح الجريمة.

ڤارون وهو يتقدم للأمام قائلا: هل سنفصح عن هويتنا؟.

أجاب موافقا وهو يمسك بيد سيليا: نعم، يتعين علينا اخبارهم أننا من الإستخبارات، وإلا لن نستطيع التحرك بسلاسة.

رد ڤارون: أ ترى أن كشف هويتنا لن يعيق عملنا لاحقًا؟ من الأجدر أن نرتديَ الأقنعة للتحفظ على عضوية الإستخبارات.

هز سيريتس رأسه و قال: في فوضى كهذه لن يستغرب أحد من تواجدنا، فرجال الأعمال و الكثير من المسؤولين يتجولون هنا…

ما حدث ليس جريمة عابرة؛ إنه أكبر تجار الأسلحة و أشهر أعوان أسرة العناكب… و كذلك المقتول على يد وريث العناكب… أسطورة القرن.

استدار ڤارون وتابع السير خروجا إلى الشارع الكبير وتبعه البقية، في حين سار مير بجوار إليارا ليطمئن عليها.

بطّأ سيريتس مشيته قليلا وهو يخرج هاتفه ويضعه على أذنه منتظرا الرد مرارا وتكرارا، فانتبه ڤارون له وسأله وهو يلتفت نحوه: بمن تتصل؟.

أنزل هاتفه وقال باضطراب: قائد الفيلق بمنظمة الجيتسيت لايرد على المكالمة.

ڤارون قائلا: اتصل باللواء الأعلى.

قاطعه سيريتس بجمود: لا يرد أيضا.

حدقت إليارا بوالدها ثم سألت مير وهي تلتفت نحوه: هل تعرف منظمة الجيتسيت هذه؟.

رد مير بثقة واضعا يديه خلف رأسه: ألا تعرفينها حقا؟.

إليارا بتهكم: ما العيب في ذلك؟.

مير مبتسما: لكن والدك استخباراتي وهم يعملون لمصلحتهم.

إليارا بذات النبرة المتهكمة: وما علاقتي بهم؟.

أجاب مير: حسنا، سأخبرك ما أعرفه عنها، الجيتسيت هي الشرطة الدولية، واسمها جاء بترتيب أحرف البلدان الأربعة: جانمين، وتاين، سايبا و تراين، والياء وألف التعريف هي لتسهيل النطق فقط.

هزت إليارا رأسها قائلة: آه هكذا إذا، و لكن سايبا منشقة عن الجميع فما علاقتها بالشرطة الدولية؟.

رد مير: في الحقيقة لقد كانت سايبا من أوائل المؤسسين لهذه المنظمة في السابق، وكان ذلك قبل حروب "العروش" قبل أكثر من ثلاثين سنة، والمنظمة الحالية هي امتداد للسابقة فقط.

إليارا متسائلة: وما هي مهامها؟.

مير بجدية: الشرطة الدولية مهامها التدخل في القضايا الخطرة والتي تتعلق بالدول جميعها، كما أن لها عملا استثنائيا لصالح منظمة الإستخبارات.

قالت إليارا وهي تفرك ذقنها: هل تعني أن قضية وريث الأسرة هي قضية دولية؟.

هز مير رأسه موافقا ثم قال: بالضبط،فالأسرة القاتلة هدف رئيسي للجيتسيت والاستخبارات، لكن القبض على أفراد أسرة كهذه أقرب للجنون في ظل غياب الدعم السياسي، فمعظمهم سياسيون فاسدون يشجعون ما تفعله تلك الأسرة لينالوا مكانة مرموقة حسب زعمهم.

صمتت إليارا هنيهة ثم قالت: أي أن قضية قتل رجل الأعمال آرشي لم تكن سوى ذريعة من المنظمة للقبض على وريث الأسرة وكسر شوكتهم.

أنزل مير يديه قائلا: نعم، ولكن ذلك قد يكون مجازفة فنحن لا نعلم إن كانت ستضحي بالعائلة كلها لأجل فرد واحد.

قاطعهما صوت سيريتس وهو يقول: أنتما، لا تسيرا هكذا ببطء فالمكان ليس آمنا.

أمسك مير بيد إليارا وسحبها بخطوات متسارعة قائلا: لا أعلم الكثير عن هذه القضية المعقدة، وأبي لايخبرني بأي شيء فمعلوماتي هذه كانت نتيجة لبحثي بنفسي.

خفضت إليارا رأسها قائلة بعبوس: أنت مخطأ فأنت تعلم الكثير… على عكسي فأنا لا أعلم أي شيء مما يدور حولي.

ضحك مير قائلا: وما الذي تريدين معرفته؟.

إليارا بتهكم: أريد أن أعرف ما تعرفه أنت.

رد مير بهدوء: توجد العديد من الأمور التي يجب أن تتعلميها، ابتعدي عن عمل والدك فحقا أقدر جهده لصرفك عن حياته العملية.

رفعت إليارا بصرها نحوه وقالت باستغراب: لمَ تؤيد رأيه أنت أيضا؟.

مير محدقا بسيارات الإسعاف التي ازدحم بها الشارع: عمل والدك ليس لعبة فحياته معرضة للخطر، ولو كنت مكانه لفعلت أي شيء لجعلك تعيشين حياة مستقرة بعيدة عن فوضى الجرائم.

كانت إليارا واعية تماما لما قاله مير، ولكن شيئا ما في داخلها يحركها للإطلاع على المجهول، وربما كان نفسه الشيء الذي يحرك والدها.

أنزلت رأسها مجددا وقالت: ولمَ تتدخل في عملهم؟.

قاطعها مير: لي موقف آخر فأنا سأخلف والدي يوما ما.

ابتسمت وقالت بثقة: وأنا أيضا سأخلف والديّ.

* * *

وقف الجميع أمام ناطحة سحاب عملاقة، وقال سيريتس وهو يتقدم للأمام: شركة مالينو… أكبر شركة للأسلحة النووية.

فتحت إليارا فمها باندهاش وقال مير معلقا: إنها أكبر من قصركم صحيح؟.

سيليا باندهاش: بل إنه كغرفة صغيرة أمامها.

ڤارون وهو يسير ويتوقف أمام صديقه: تتربع هذه الشركة على ثلاث وعشرين ألف كيلو متر، وليست العقار الوحيد الذي يمتلكه.

قال سيريتس بسخرية وهو يحدق بوفد من الشرطة يتجه نحوهم: المعنى الحقيقي للبذخ!!، قضى عمره في العمل والكد ليتقاسم عماله اليوم ثروته وهو يتخبط في قبره.

وقف وفد الشرطة أمامهم مدججين بالسلاح وقال أحدهم وهو يرفع رشاشا أمام سيريتس: لقد حظر التجوال قبل ثلاث ساعات وكل من يخرج من وكره كتب على نفسه الهلاك، إما حرقا أو بإحدى رصاصاتنا.

رد سيريتس بهدوء: ألا تخجل من نفسك؟ ترفع سلاحا أمام امرأة وأولاد قصّر؟.

تغيرت تعابير الشرطي وخفض رشاشه ثم أخرج أصفادًا ولوح بها اتجاه سيريتس، فتقدم ڤارون رافعا بيده بطاقة هوية وقال بحزم: الإستخبارات الدولية، من الأفضل أن لا تتعرض لنا.

طأطأ الشرطي رأسه بتوتر و أدّى البقية التحية مرددين: في خدمتك سيدي.

ثم تنحو جانبا ليمر سيريتس ومجموعته من باب حديدي ضخم أوصلهم لحديقة واسعة إمتلأت بالتماثيل و قطع الخزف الثمينة.

ومع تقدمهم بدأ المكان يكتظ بالشرطة والمحققين وعمال الشركة، وكذلك أقلية من المسؤولين رفيعيّ الشأن.

توقف سيريتس واستدار ناحية زوجته وقال: لا تبتعدا عن ناظريّ، فالمكان ليس آمنا وقد تضيعان وسط الحشود.

ثم التفت ناحية مير وتابع: وأنت كذلك يا بنيّ جاور والدك ولا تترك الفضول يدفعك دون أن تدري.

قال ڤارون وهو ينظر إلى ساعة يده: إنه منتصف الليل، تأخر أفراد الجيتسيت كثيرا.

تنهد سيريتس ثم قال: يتوجب علينا الإفتراق، ستذهب أنت لمقر المنظمة الإجرامية وسأتابع أنا التحقيق هنا ريثما يأتي أفراد الجيتسيت.

أومأ برأسه فتابع سيريتس: انتبه على نفسك فلا أضمن لك السلامة هناك.

ملأ ڤارون مسدسه بالذخيرة ثم نادى على مير واندسا مغادرين بين الحشود.

صعد البقية إلى الطابق الذي يتواجد به مكتب آرشي ثم توقف سيريتس وقال باندهاش: اللواء الأعلى؟.

استدار أحد الرجال الذين كانوا يقفون عند عتبة الباب واقترب من سيريتس بقامته الطويلة ومنكبيه العريضين، ثم قال بصوت خشن: أيها العقرب توقعنا أن تكون أول من يصل إلى مسرح الجريمة.

صافحه العقرب قائلا: لكني اتصلت بك ولم ترد أنت وقائد الفيلق يا "ڤاي ران".

تنهد ڤاي وقال وهو يحدق بإليارا التي وقفت خلف والدها: القصة طويلة ولا وقت للشرح، و" هنسل" في طريقه إلى هنا.

سأله قائلا: ألم يذهب للقبض على ماڤروس؟.

سحبه ڤاي من ذراعه قائلا: سنتحدث داخل المكتب.

وقف سيريتس بجانب ڤاي يحدقان ببقع الدم التي انتشرت قرب المكتب ثم قال ڤاي: لقد ذهب هنسل بعد انتشار الخبر وتحديدًا بعد نصف ساعة من الجريمة، واستطاع القبض على معظم أفراد المنظمة بمن فيهم رئيسها المدعو أريڠان، ولكن…

سيريتس بتجهم: ولكن ماذا؟.

التفت نحوه ڤاي وتابع كلامه: لم يعثروا على أي أثر لماڤروس.

انصدم سيريتس وبقي صامتا برهة من الزمن ثم قال باستغراب: ماڤروس لم يكن يعلم بأمر كشف جريمته، فإن كان هنسل انطلق بعد نصف ساعة فقط فمن المقدر أن يقبض عليه بسهولة.

رد ڤاي واضعا بين فكيه سجارة: هذا ما ظنناه في بادىء الأمر، ولكن من الصعب الجزم بما قد يحدث فهنسل وفيلقه لن يدخلوا مقر المنظمة من دون أن يشتبكوا مع أفرادها.

فرك سيريتس رأسه في حيرة قائلا: إذا فماڤروس هرب بعد حدوث الفوضى.

هز ڤاي رأسه وقال: نعم، والغريب أن هنسل كان على دراية بإمكانية حدوث ذلك فحاصر جميع المنافذ والمخارج بما فيهم تلك السرية.

صمت سيريتس وجلس يفكر في نفسه قائلا: ليس من الصعب على قاتل متسلسل الهروب دون ترك دليل واحد.

جلست سيليا شاردة أمام زوجها ثم قالت: ألن تلقي نظرة على الضحية؟.

استفاق العقرب قائلا وهو يلتفت: بلى بلى.

ثم قال وهو ينظر إلى ابنته التي كانت بصدد دخول المكتب: لا تدخلي إلى هنا فبقع الدم في كل مكان.

توقفت إليارا مكانها ثم جلست على كرسي بجانب المدخل تنتظر بعبوس.

مشى ڤاي خروجا من المكتب قائلا: لا تزال جثة الضحية متواجدة هنا بالغرفة المجاورة، مع الشرطة الجنائية.

تبعه سيريتس وسيليا إلى الغرفة المجاورة ثم وقفوا أمام سرير التشريح بعد أن ارتدوا بدلات لحماية الجثة، عندئذ قال سيريتس: أين أصيب الضحية؟.

أمر ڤاي أحد أفراد الشرطة هناك بإزاحة الستار عن وجهه، فتفاجأ سيريتس وقال متمتما باندهاش: أصيب في عينه اليمنى؟.

علقت سيليا قائلة وهي تطل برأسها: هل هي مجرد صدفة؟.

ڤاي نافيا: لا صدف في عالم الإجرام، كل شيء مدبر و بإحكام.

تمتم سيريتس مجددا بصوت أعلى يشوبه التوتر: أ يعقل ذلك؟.

التلفت ناحية ڤاي وسأله: هل هذه هي الإصابة التي أدت للوفاة؟.

هز ڤاي رأسه وأمر أحد الضباط بإحضار تقرير الشرطة الجنائية، ثم قال: لا وجود لكدمات ولا لعقاقير سامة في جسد الضحية، إنه أشبه بانتحار للذات.

أعاد العقرب التحديق بالجثة ثم قال: معك حق، فرصاصة في العين لن تؤدي للوفاة هكذا، إلا في حالة واحدة.

أكملت سيليا كلامه قائلة: إلا إذا ترك ينزف من دون علاج ولمدة تتجاوز ساعتين.

ڤاي قائلا: وذلك يتنافى مع ما أدلت به الشاهدة على الجريمة، مديرة أعماله سوزان كوڤر فقد قالت أنها سمعت صوت إطلاق النار وبعدها انقطع صوت الضحية وأغلق الخط تلقائيا.. وكان آخر ما تلفظ به الضحية هو اسم ماڤروس قبل أن يلقى حتفه.

هز سيريتس رأسه قائلا باستغراب: ويتنافى كذلك مع عمر الضحية وإدراكه، فلو كانت رصاصة عادية في عينه لفزع وهرع لإنقاذ نفسه، ولكن ذلك لم يحدث فقد وجد مقتولا بعد ربع ساعة فقط.

تنهد الجميع بعمق بينما أخذ سيريتس التقرير وراح يقلب صفاحته بتمعن والبقية يحدقون بصمت.

توقف سيريتس عن القراءة عند إحدى الصفحات وتمتم قائلا: أكد الفحص أن شبكية العين والأعصاب المحيطة بها قد أتلفت بالكامل…

استدار ڤاي ناحيته قائلا: بديهي ذلك فالرصاصة قوية وأحدثت ضررا حتى على مستوى الجمجمة.

علقت سيليا وهي تتفقد إليارا بعينيها: لا يؤدي ثقب في الجمجمة إلى الوفاة مباشرة، بل ستدخل الضحية في حالة أشبه بالصرع قبل أن يحدث موت للدماغ.

انتبه سيريتس لما قالته فرد بحماس: ربما هذا ما نبحث عنه، فإن أصيب الضحية بالشلل فسيكون ذلك بيئة ملائمة للنزيف والموت الحتميّ، لكن….

تابع ڤاي مستنتجا: لكن حدوث ذلك يتطلب مدة من الزمن أقصاها ربع ساعة.

ثم نظر بحدة إلى سيريتس وقال: والتحقيق الجنائيّ كشف أن الضحية قد توفيّ على الأرجح بين التاسعة إلى التاسعة وخمس دقائق، أي أن موته كان سريعًا جدا.

خفض سيريتس رأسه غارقا في أفكاره فقالت سيليا: هل تظن أن موته لم يكن بسبب الرصاصة؟.

أجاب سيريتس: نعم، على الأرجح لكنه غير منطقي بالنسبة لما توصلت له الشرطة الجنائية.

تنهد سيريتس بعمق ورمى بجسده على أحد الكراسيّ يتأمل ابنته بصمت، وعلق ڤاي بيأس: قضية داخل قضية والقاتل فتىً؟.

تحركت سيليا باتجاه إليارا وانحنت ثم قالت برفق: كيف حالك الآن؟ هل خف الألم؟.

ردت إليارا ببرود: نعم، لكن لا تزال حرارتي مرتفعة قليلًا.

علّقت والدتها باستغراب: مابك عابسة هكذا؟.

التفت إليارا وقالت بتهكم: منذ متى كنت سعيدة؟.

اعتدلت الأم في وقفتها وقالت بحزم: مابك يا ابنتي؟ أرى أن الدلال كثيرًا يفسد المرء.

خفضت رأسها وقالت بصوت محتقن: اسلبي آخر ما تبقى لي إذًا.

ردت سيليا بنبرة أسف: لا أعلم بعدُ سبب حزنك العميق هذا، ولكنه ليس مبررا أبدا لتُكلمي والدتك بتلك الطريقة .

أرادت إليارا قول شيء ما، لكنها كتمت ذلك خلف تعابير جامدة وخانتها عيناها اللتان ترقرقتا بالدموع، فجلست والدتها بجانبها وقالت: عملنا صعب ونحن نحاول الموازنة بين مسؤوليتنا في العمل ورعايتك، وعليك أن تتقبلي ذلك.

ثم وضعت يدها خلف ظهرها وتابعت: واعلمي أنها حياة نعيشها مرة واحدة، نشقى فيها أياما ونرى السعادة تزينها أياما أخرى، الأوقات العصيبة سيئة ولكن السعادة الدائمة ستفقد لذتها إن استمرت…. مثل المال تماما.

التفت نحوها إليارا ورمت وجهها في حجرها وأجهشت بالبكاء قائلة: أنتِ لا تفهمين شيئا البتة!!.

ردت والدتها وهي تمسح على شعرها: بلى أفهم ما تعانيه، الوحدة، لكنك ترفضين إقامة الصداقات والعلاقات مع غيرك.

قاطعتها إليارا بصوت أعلى: لست مجبرة على صداقة أناسٍ عاديين وأنا من طبقة النبلاء.

تنهدت سيليا ثم قالت: لم تعجبك المدارس الخاصة ولا المدارس الحكومية، مالذي تريدينه؟.

أغمضت إليارا عينيها متجاهلة والدتها.

انتبه سيريتس لهما فتقدم حتى صار بجوار الباب وقال بصوت مسموع لسيليا: مابها؟.

رفعت سيليا نظرها نحوه وردت قائلة بعبوس: إنها مضطربة كالعادة.

آنذاك عاد مير وڤارون وصعدا الدرج وهما يركضان، ثم انحنى ڤارون وقال: سيريتس، لقد وجدنا مقر المنظمة محترقا… يبدو أنه أصل معظم التفجيرات في ذلك الحي.

قال سيريتس بعصبية: هل للتفجيرات علاقة بالجريمة؟.

تقدم ڤاي نحوه وقال بحزم: نسيت أن أخبرك بذلك فقد شُغلنا بحادثة مقتل آرشي.

التفت سيريتس بغضب متأففا فاستوقفه صوت مألوف من خلفه يقول: سيدي اللواء الأعلى وسيادة العقرب، طوع أمركم.

التفت سيريتس مجددا وقال: هنسل؟!.

طأطأ هنسل رأسه قليلًا ثم وقف أمام سيريتس بقامته الطويلة وعينيه السوداوتين، فحدق به سيريتس في انتظار كلامه وعندما طال انتظاره قال بيأس: ما أخبار مهمتك؟.

قال هنسل بتردد وقد أشاح بناظريه بعيدًا: لقد خُدعنا!.

لم يُبد أي أحد ردة فعل فتابع كلامه مقلبًا عينيه في المكان: لقد توجهنا إلى جانمين ظنا منا أن ماڤروس هناك، وظنا منا أيضا أن أريڠان استسلم وتعاون معنا ليخفف عقوبته.

عقد سيريتس حاجبيه وقال: و أين هو الآن؟.

رفع هنسل نظره وقال باستغراب: لقد أخبرتك أننا لم نجده من الأساس و…

قاطعه سيريتس قائلا بضجر: أتحدث عن رئيس المنظمة أريڠان.

هز هنسل رأسه بتحامق وقال: أريڠان؟! تخلصنا منه.

رفع العقرب يده وقام بصفع هنسل ثم صاح قائلا وعروق رقبته بدأت بالبروز: لمَ لا تلتزم بالأوامر يا ولد؟ فقدنا أثر ماڤروس بتاخذل منك ومن أتباعك، وفقدنا آخر خيط قد يدلنا على الحقيقة بسبب طيشك؟.

أمسك ڤاي بذراع العقرب وقال مطمئنا: إهدأ فهذا ليس وقت إلقاء اللوم والجدال، هنسل أراد بشدة القبض على القاتل وذلك ماجعله يتهور ويُخدع بسهولة.

استدار سيريتس وقال بعصبية: ليست هذه هي المشكلة الوحيدة التي أوقعنا فيها بتهوره، لقد قتل آخر شاهد وآخر من يعرف الوريث ماڤروس.

وضع هنسل يده على خده ومسح الدم عن شفتيه ثم اعتدل أمام سيريتس صامتا، فتنهد العقرب وجلس على أحد الكراسي محتضنا رأسه بين يديه باضطراب.

تقدم نحوه ڤاي وقال: قضية اليوم ليست مقتل آرشي وهروب الوريث، هناك ماهو أخطر بكثير.

رفع سيريتس رأسه في انتظار كلامه فتابع: لقد اندلعت تفجيرات وحرائق خطيرة وسط المدينة و كان هذا بعد مغادرة هنسل بالضبط.

قال ڤارون الذي كان متكئا على باب الغرفة: ألم يكن السبب هو مولدات الكهرباء؟.

رد ڤاي: وهل من المعقول أن تتسبب المولدات في انفجارات وحرائق متتالية ومتزامنة؟.

قاطعهما سيريتس قائلا: ألم تقل أن هنسل غادر نحو جانمين؟.

قال ڤاي مستغربا: نعم، ما علاقة هذا بحديثنا؟.

قام سيريتس قائلا: الرحلة من هنا نحو جانمين تستغرق يوما على الأقل باستخدام ميترو القطار، فكيف ذهب هنسل ثم اكتشف الخدعة وعاد في غضون أربع ساعات فقط؟.

تبادل هنسل وڤاي النظرات ثم أجابه: لم يصل إلى جانمين فأنا من طلبت منه العودة.

زفر سيريتس بضجر فتابع ڤاي: ما دفعني لذلك هو اكتشاف قواتنا الخاصة لمجموعة اتضح أنهم من العائلة القاتلة، قرب مقهى باريون بعد ذهاب هنسل مباشرة.

تابع بارتياب: هذا هو الأمر الخطير الذي أتحدث عنه.

تفاجأ سيريتس لكلامه وقال ڤارون: هل تقصد أن أفراد العائلة كانوا على علم بأن ماڤروس لايزال في تاين وقتها؟.

سيري نافيا: نحن لا نعلم إن كان ماڤروس لم يغادر إلى جانمين.

حمحم ڤاي ثم قال: أفراد آل سايبا لا يتواجدون في مكان مكشوف وفي ظرف كهذا بلا سبب، كما أن قواتنا أحست بتواجد أعضاء آخرين من العائلة القاتلة، ذوي هالة يصعب تعقبها لكن فرقة القتلة أحست بهم وغادرت فجأة .

ضاقت عينا سيري بارتياب وهو يقول: أ تعني أن أفرادا من الأسرة القاتلة يتعقبون أفرادا من مجموعتهم أيضا؟.

ڤارون وهو يرمي بجسده على أحد الكراسي: لكن لمَ يفعلون شيئا كهذا؟.

تدخلت سيليا قائلة بجدية: في الأسرة منشقين…

التفت الجميع نحوها فتابعت: أظن أن السبب هو التصارع على السلطة و الإمتيازات مقابل إيجاد ولي العهد .

وافقها ڤاي قائلا: كلامك صحيح، لذا يجب أن نتحرك فورا للبحث عن الوريث قبل أن يسبقونا.

استوقفهم سيري قائلا: وهل تظن أن جيرارد سيسمح لأفراد أسرته بالمغادرة هكذا؟ وتعقب بعضهم؟ أراه إحتمالا سخيفا لا يتقبله المنطق.

نظر ثلاثتهم إلى بعضهم البعض بإماءات استغراب ثم قال ڤارون مستذكرا: صحيح، أذكر أن أحد أهم القوانين التي صاغها جيرارد كانت تحريم الخروج من أسوار آرضي وورل، إلا من أجل المهمات وبإذن من الملك نفسه.

قال ڤاي معترضا:ليس بالضرورة أن يغادر الأفراد، يستطيعون إرسال فرقهم لتعقب الوريث والقبض عليه.

قاطعته سيليا: لا!! ذلك غير معقول أيضا، فجيرارد وضع المكافأة لأعيان الأسرة خارج وورل فقط، وليس لأفراد الأسرة.

تدخل هنسل وقال: يعني ذلك أن إحدى الفرقتين تابعة للمنشقين، وأظنها الفرقة الثانية التي كانت تراقب.

سيري نافيا وهو يفرك ذقنه ونظره نحو الأرض: بل كلتا الفرقتين من المنشقين…. فالأولى غادرت فجأة عندما أحست بفرقة أخرى تراقبها، ولو كانت مرسلة بإذن من الملك فما سبب تراجعها؟ و لو كانت الثانية مرسلة أيضا بإذن من الملك، فأظن أن مهمتها كانت إحضار الوريث وليس المراقبة.

أخذ الجميع يفكرون فيما قاله سيري بصمت وكسر ذلك الصمت ڤاي حين قال: ما الذي ترمي إليه؟.

تنهد سيري قائلا: لاشيء، يجب أن نكون حذرين أثناء تأدية المهمة فلا أظن أن مطاردة الوريث هو هدفهم الوحيد .

رد ڤارون عاقدا يديه: تتشابك الأمور وتتفرع القضية والوقت يمضي من دون أن نضع حلا واحدا كفرضية لما يحدث.

اتجه ڤاي نحو النافذة وقال بصوت حازم: الآن نحن مكلفون بقضية واحدة، القبض على الوريث، مقتل آرشي ذريعة فقط أما الإنفجارات فقضية مستقلة ستتولى أمرها شرطة تاين.

قاطعه سيري وهو يفرك ذقنه بارتياب: يراودني إحساس أن القضايا لها علاقة ببعضها البعض.

عم الهدوء مجددا في الغرفة وخفض سيري رأسه يفكر في نفسه قائلا: القضايا المعلقة كل عام، والتي تخص القاتل المجهول الذي يستهدف العين اليمنى للضحية، متشابهة تماما مع قضية مقتل آرشي التي حدثت قبل المزاد أيضا بشهرين.

رفع نظره بارتياب وتفقد المكان قائلا: آرشي أحد أعوان آل سايبا أيضا، إن كان ماڤروس مقترف كل تلك القضايا فما مصلحته من ذلك؟.

أفاقه من سرحانه صوت سيليا وهي تنحني نحوه واضعة يدها على كتفه، ثم قالت بصوت هادىء: أعلم ما الذي تفكر فيه، القضايا المعلقة أليس كذلك؟.

حدق سيري بعينيها الرماديتين وضاقت عيناه بأسى وهو يقول: أقف عاجزا مجددا يا "روڤين ".

أمال رأسه نحوها وهو يرمش بعينيه قائلا بصوت متقطع: أرى منكِ اثنين فأيهما أنتِ؟.

أمسكت كتفيه بكلتا يديها لتسنده نحوها وقالت مستغربة: ما الذي تقوله يا سيري؟ هل أنت بخير؟.

أغمض عينيه مسندا رأسه إلى صدرها قائلا: أريد بعض الراحة فقط.

جلست سيليا على حافة الكرسي محتضنة رأس سيري بصمت وعيناها على ابنتها التي كانت تتحاور مع مير .

* * *

بعد عودة مير وڤارون جلست إليارا شاردة تفكر في الفتى الذي اصطدمت به عند محطة القطار، ثم رفعت رأسها تنظر لمير الذي جلس بجوارها ثم قال متنهدا: كيف هي حال الشقراء؟.

ابتسمت إليارا برقة وقالت بامتنان: بخير، و ممتنة لسؤالك عنها.

أخفى مير ابتسامته بكف يده ثم قال: في ماذا تفكرين؟.

خفضت بصرها قائلة بعبوس: لا شيء، شرد تفكيري وحسب.

لم يعلق مير وأسند ظهره إلى الجدار حينها التفتت إليارا وقالت مثيرة موضوعا آخر : أرغب بالعودة للمنزل.

استدار مير بعينيه قائلا بملامح مستغربة: هل لديك شخص هناك ينتظرك؟.

حدقت به قليلا ثم سألته: لا! لمَ هذا السؤال فجأة؟.

أشاح ناظريه بعيدا وقال: قلت قبل قليل أنك وحيدة لذا بقاؤك هنا ليوم آخر لن يحدث فرقا.

تجهمت إليارا وقالت بعصبية: هل تعيّرني بذلك؟.

التفت نحوها بجسده مسندا مرفقيه إلى ركبتيه وقال نافيا: لا لا، لا أقصد ذلك أبدا.

ردت بعينين نائمتين: إذا ماذا كنت تقصد؟.

مير ملوحا بيده: انسي الموضوع.

التفتت محدقة أمامها وقالت بعبوس: أشعر بالقلق على الكلاب وحسب.

رد مير بثقة: كلابكم ضخمة وتستطيع الصمود لأيام بلا طعام لذا فلا داعي لكل هذا التفكير.

هزت إليارا رأسها قائلة: أرجو ذلك.

بقي يحدق بها ويتفحصها بعينيه ثم قال: أ لا زالت تؤلمكِ قدمك؟.

ردت وهي تلتمس ركبتها بباطن يدها: عندما أرتكز عليها فقط.

ثم تأوهت قائلة: يا إلهي مفصل الركبة منتفخ حقا.

نهرها مير قائلا وهو يبعد يدها: لا تفعلي ذلك و إلا زاد الألم ضعف ما تشعرين.

* * *

استفاق سيري عندما وكزه ڤارون قائلا: ما بك أيها العقرب؟ لست ممن يستسلم بسهولة.

اعتدل سيري في جلسته وهو يمسح وجهه بيده ثم قال: سيليا هلا أحضرتِ لي كوب قهوة من فضلك؟.

ابتسمت سيليا قائلة: حسنا، لك ذلك.

استدار نحو ڤارون قائلا: لم أنم طيلة هذا الأسبوع يا ڤارون وقد أصبت بالإرهاق.

سمع حديثهما ڤاي فاقترب قائلا: أظن أنه من الأفضل أن تأخذ قسطا من الراحة.

رد سيري: و لكننا لم نتقدم خطوة واحدة بعد.

قاطعه ڤاي بهدوء: خذ زوجتك وابنتك إلى الفندق المجاور، ونحن سنكمل عنك البقية.

عادت سيليا بكوب القهوة وقالت: تفضل.

ثم انحنت وهمست في أذنه: لقد نامت إليارا على الكرسيّ و حرارتها عادت للإرتفاع.

أمسك سيري بكوب القهوة وحدق بانعكاسه قائلا: سنذهب للفندق…. أيقظيها.

طلعت شمس فجر جديد على مدينة تاين التي احتضنت حرائق مروعة ليلة أمس، استطاعت الشرطة إخمادها كلها سوى تلك التي اندلعت في قلوب من فقدوا عزيزا، وأولئك الذين فقدوا عائلاتهم مقابل روح ماتت بعدلٍ.

* * *

استلقت إليارا بجوار والدتها في سرير مشترك بينما افترش سيري الأرض لأخذ قسط من الراحة قبيل الفجر، بعدما توجهوا إلى الفندق المجاور لشركة مالينو.

فتحت سيليا عينيها وأغلقتهما ثم فتحتهما مجددا ومسحت النوم عن وجهها، وبقيت تحدق بسيري الذي حمل مجموعة من الأوارق وراح يقرؤها على عجل، يرتشف تارة من فنجان القهوة ويتثاءب تارة أخرى.

قامت جالسة ثم قالت وهي تفرك عينيها: ألم تنم يا سيري؟.

أجابها من دون أن ينظر نحوها: لقد أخذت كفايتي يا عزيزتي.

ابتسمت سيليا ثم قالت: كم الساعة الآن؟.

رد بعدما استرق النظر إلى هاتفه: إنها التاسعة صباحا.

قامت على عجل قائلة: فعلا، لقد تأخر الوقت.

نظر إليها قائلا: تستطيعان البقاء هنا ريثما أنهي التحقيق.

عارضته قائلة وهي تغير ثيابها عند زواية الغرفة: تعرف أني لن أستمع إلى كلامك حين يتعلق الأمر بالعمل.

ابتسم سيري آخذا رشفة من قهوته ثم قال: نعم، عنيدة جدا.

ذهبت لدورة المياه على عجل وبعد عودتها جلست أمام زوجها ثم قالت: هل توصلت إلى شيء ما؟.

أجابها بعبوس: لا زلنا نحوم عند نفس النقطة.

قاطعهما طرق على الباب فقام سيري ناحيته، وبعد دقائق يسيرة عاد وبيده وجبة الفطور ثم قال وهو ينزل الصينية على الطاولة: أيقظي إليارا فقد تذكرت أني لا أستطيع ترككما هنا وحدكما.

أومأت سيليا برأسها وقامت بإيقاظ إليارا، وبعد تناولهم للفطور سويا حمل سيري هاتفه وأدخل رقما واتصل به، ثم قال بعد فتح الخط: أهلا يا ڤارون!.

صمت هنيهة ثم تابع وهو يقف: سنكون هناك في غضون خمس دقائق.

قامت سيليا بجمع طاولة الطعام وهي تقول: هل وجدوا شيئا ما؟.

ارتدى سيري معطفه وهو يقول: على ما أعتقد، هو ليس مهما لكنه تقدم على الأقل.

* * *

وصل كل من سيري وزوجته وابنته إلى الغرفة اتي اجتمع فيها بقية الأفراد، والتي كانت بجوار المكتب، وفور دخولهم قام سيري بفرد أوراق كانت في حقيبته.

وقال بصوت مسموع للجميع: أجمع التحقيق على أن سبب الوفاة هي الرصاصة، وقدر زمن ذلك بحوالي خمس دقائق وهذا يعارض مانعرفه، وبعد بحث مطول وجدت الشرطة العلمية عينات صغيرة من جزيئات في الدم مختلفة دخيلة على جسم الإنسان.

عقد ڤارون يديه قائلا: تلك الجزيئات التي وجدناها قد تكون سامة إن كانت بكميات كبيرة محددة، ولكن الفحص أكد أنها ليست السبب فهي بكميات ضئيلة جدا.

بسط ڤاي يديه على الطاولة المستديرة وقال بصرامة: أغلقت القضية!! وهي جريمة قتل وذلك واضح، أما الآن فإن مهمتنا هي إيجاد الوريث ماڤروس.

اعترض سيري قائلا: لن تغلق القضية يا حضرة اللواء الأعلى، مقتل آرشي هي جريمة تكرر سيناريوها لأكثر من مرة، أليس غريبا كمية الشبه بين القضايا المعلقة وهذه القضية؟.

صمت ڤاي متفهما رغبة سيري في حل القضية، لأن الوصول إلى حلٍ لها يعني اقترابه ولو شبرًا واحدا من حل لغز الوريث المفقود.

كسر الصمت ڤارون وهو يقلب صفحات تقرير الشرطة الجنائية، قائلًا: تلك الجزيئات ياسيري أتذكرك بشيء ما؟.

زم عينيه وتابع: بحث قديم…؟ أو…؟.

تفطن سيري إلى ماكان يرمي إليه ڤارون، فالتفت ڤاي بملامح استفهام على وجهه وبادله سيري النظرات، ثم رمى جسده على الكرسي واحتضن رأسه متمتمًا: "فطر الآزورا".

عم الصمت المكان مجددا، وخفض الجميع رؤوسهم، عدا ڤاي وهنسل اللذان استغربا مما يحدث، نظفت سيليا حنجرتها ثم قالت: إنها تجربة قديمة.

نظرت ناحية زوجها ثم نقلت نظرها نحو هنسل وڤاي وتابعت: تجربة قام بها مجموعة من العلماء تحت قيادة سيري وشقيقه زيكاس لمحاولة تطوير فطر الآزورا.

وضع ڤاي يده على ظهر أحد الكراسي وسحبه ثم جلس عليه وقال: ما علاقة الفطر والتجربة التي أخفيتموها عنا، بقضيتنا؟.

ردت سيليا: لم نخفي أي شيء، لقد كانت تجربة غير مكتملة.

حدق ڤاي بسيري الذي تقوقع في مكانه، ثم قال: تقصدين توقفت عندما اختفى زيكاس مجددا.

سيليا بأسف وملامح مستاءة: نعم، وأظن أن سيري لا يود الحديث عن ذلك.

أومأ ڤاي قائلا: حسنا لنغلق الموضوع.

لم يكن سيري وحده من استاء لنبش الماضي، فقد تغيرت ملامح ڤارون أيضا و شرد محدقا بالنافذة.

استجمع سيري قواه وقال متحدثا بصوت مسموع للجميع: إن كانت التقنية التي استخدمها القاتل ماڤروس لقتل آرشي، هي نفس التقنية التي لم تكتمل، فإن كل شيء سيبدو واضحا ومنطقيا، وبذلك تحل جميع القضايا الأخرى المعلقة فقد بات الجاني الآن معروفا.

خفض بصره وتابع باستياء: و لكن السؤال الذي يطرح نفسه، كيف توصل ماڤروس لتلك التقنية؟ هل لايزال زيكاس حيا؟.

نطق ڤاي قائلا: عليك إثراؤنا بالتفاصيل حول هذه الواقعة ياسيري، إن كان ذلك يصب في مصلحتنا فإني أرجو أن لاتخفي أي شيء.

نظرت إليه سيليا فتابع وهو يقف: لا أقصد الحديث عن ذلك الآن، لقد تشتت بما يكفي وأمامنا ماهو أهم.

أومأ سيري برأسه وقال: إذا ياحضرة اللواء الأعلى هل لي بإلقاء نظرة على مقر المنظمة؟.

رد ڤاي موافقا: نعم، سنذهب سويا.

* * *

كانت إليارا تتجول في الرواق شاردة الذهن، ومير واقفا في زاوية الرواق يتبعها بعينيه، واضعا يديه في جيبه، ثم تنهد قائلا: إن استمررت بالمشي هكذا فلا أظن أن ساقك ستشفى قريبًا.

رمقته إليارا بنظرة ازدراء وتابعت سيرها متجاهلة إياه، فابتسم ثم قال: أ لا تستطيعين البقاء لطيفة ليوم آخر؟.

جلست على الكرسي قائلة: لمَ أنت مصر على خلق حوار معي؟.

إستاء مير من كلامها واستدار قائلا: لست مجبرة على مبادلتي الحوار إذا .

لم تعره إليارا اهتماما واسترقت النظر إلى مكتب آرشي، ثم وقفت تسير نحوه بعد تأكدها من خلو الشرطة.

دخلت إليارا تعرج إلى المكتب وأخذت تتأمل تفاصيله، ثم مدت يدها نحو مجسم لعنكبوت ضخم أثار انتباهها، كان موضوعا على رف جداري، حملته وكان ثقيلا جدا مقارنة بحجمه، واستدارت بهلع بعد أن سمعت أحدا يقترب من المكتب وهرولت باعادة التمثال مختبأة خلف الباب.

دخل أحد أفراد الشرطة إلى المكتب ثم غادر وأغلق الباب خلفه بالمفتاح.

استدارت إليارا نحو الباب لمحاولة فتحه لكن الإضاءة انقطعت فجأة وخيم ظلام دامس على المكتب فصرخت بأعلى صوتها قائلة: أبي!!!... فليفتح أحدكم الباب.

هرول الجميع إلى المكتب ففتحه الشرطي وقام بإضاءة المكان، فتقدمت إليارا نحو والدها الذي بدا غاضبا ثم خفضت بصرها فقال متنهدا: لم تتصرفين هكذا حينما أكون مشغولا؟.

تدخلت والدتها وسحبتها من ذراعها قائلة: لا يحق لك دخول مسرح الجريمة يا فتاة، تعرفين القواعد جيدا.

أفلتها والدها محاولا السيطرة على الوضع: إهدئي يا سيليا، سأتحدث معها بعد العودة إلى البيت، لا أريد إثارة المشكلات هنا.

تنحت سيليا لتمر إليارا وأومأت برأسها قائلة: حسنا.

كان ڤاي يراقب فقال واضعا يده على كتف سيري: لا بأس بذلك، لقد أنهت الشرطة العلمية عملها، لربما ابنتك تشعر بالملل لا غير.

تنهد سيري ودخل المكتب قائلا: أيوجد تسجيل كاميرة حرارية بهذا المكتب؟.

رد ڤاي وهو يتبعه نحو الداخل: نعم، والحاسوب هنا أيضا.

تبعهم البقية وقال ڤارون وهو يقف عند عتبة الباب: هل تريد رؤية تسجيل الكاميرا عند وقوع الجريمة؟.

أجاب سيري موافقا: نعم، لربما نستطيع التوصل إلى شيء ما.

تقدم هنسل وقام بتشغيل الحاسوب، ليظهر تسجيل الكاميرة الحرارية، الذي قام بتعديله ليتمكنوا من الرؤية بوضوح.

كان المشهد عاديا لرجل يجلس في مكتبه يقوم بقراءة بعض الأوراق التي كانت في يده.

اقترب سيري من شاشة الحاسوب وزم عينيه بارتياب ثم قال وهو يوجه سبابته ناحية آرشي: يبدو مشهدا عاديا للوهلة الأولى، لكن ما سبب تحديقه المستمر بساعة يده؟ وكذلك توتره…. إنه لا يتوقف عن الطرق بأصابعه على سطح المكتب.

علقت سيليا واضعة يدها أسفل ذقنها: يبدو و كأنه ينتظر أحدا ما.

هنسل باستهزاء: توقفوا عن التعمق في تفصيلات لا معنى لها.

رمقه سيري بنظرة حادة وتدخل ڤاي قائلا: على المحقق أن يكون صبورا ودقيقا، احفظ ذلك جيدا يا هنسل.

وضع ڤارون يده على مقبض الدرج وقال: ألا يجب أن نبحث في ملفاته ورسائله الأخيرة؟.

اعتدل سيري في وقفته وقال مُتفطنا لشيء ما: لا بد من ذلك…. وكذلك اتصالاته الأخيرة.

قالت سيليا موجهة حديثها لڤاي: هل تستسمح الشرطة الفيدرالية بذلك؟.

قاطعها سيري باستهزاء: منذ متى نستشير من هم أدنى منا رتبة؟.

ڤاي متكئا بظهره على الجدار: ليس الأمر كذلك، لكنها المسؤولة عن منح التصريح.

قال ڤارون: تدرك يا سيادة اللواء أن الإستخبارات لها المؤهلات الكافية لإختراق أي نظام.

أومأ ڤاي قائلا: ذلك صحيح، لكن من الضروري إظهار بعض الإحترام وإلا عمت الفوضى.

أوقف سيري التسجيل وقال: هذه القضية حساسة ولا يجب أن تمسها أيادٍ كثيرة.

قاطعتهم سيليا باستغراب: لكن ألم نتوصل إلى مانريده؟ لم علينا فعل ذلك بينما قضية هروب ماڤروس هي الأهم الآن؟.

نظر إليها سيري وتنهد قائلا: ما توصلنا له إلى الآن لا يمكن الجزم به، مازالت العديد من الأمور غامضة ومستعصية.

وافقه ڤارون متمما: كلامك صحيح، لا نعرف بعد كيفية تمكن آرشي من تحديد هوية القاتل، ولم نتوصل إلى استنتاج واحد حول ماهية الفرقة التي كانت قرب مقر منظمة باريون البارحة ليلا.

أطلق الجميع تنهيدة طويلة، ثم وجهوا أنظارهم ناحية شاشة الحاسوب بعد أن شغل هنسل التسجيل مجددا.

كان المشهد هادئا، رجل متوتر يحدق بساعته بين الحين والآخر حاملا بيده مجموعة أوراق، ثم استبدلها بالهاتف السلكي، فعلق ڤاي قائلا:لا بد أنه اتصال من مديرة أعماله.

فجأة يرفع رأسه بذهول ثم يقف مبتسما بجوار المكتب ويبسط يديه مرحبا.

استغرب الجميع من ذلك المشهد لكنهم ظلوا محدقين بشاشة الحاسوب، إلى أن تراجع الرجل إلى الوراء وبدا على ملامحه الجزع، ورفع يديه كأنه يعترض شيئا ما، وبلمح البصر اخترقت رصاصة عينه اليمنى وأخذت الدماء تفور منه كنافورة حمراء.

أنزلت سيليا رأسها مغمضة عينيها فلاحظ سيري اضطرابها وقام بتسريع المشهد، ثم أحس بيد تلمس ذراعه فاستدار ليجد إليارا تبحث لنفسها عن مكان بينهم.

نهرها بصوت هادىء قائلا: لا يجب عليك أن تشاهدِ مثل هذه الأمور… هيا غادري في الحال.

كانت إليارا تحدق بجمود بشاشة الحاسوب وقالت بعد صمت طويل: هل هذا هو القاتل؟.

أجابها مير: نعم… يبدو كذلك.

انتبه سيري إلى نظراتها الغريبة فقال: هل هناك خطب ما؟.

شردت إليارا أكثر بشاشة الحاسوب وبدا أنها اندمجت مع المشهد، فأوقف سيري التسجيل ونادى بصوت أعلى: إليارا!!.

استفاقت إليارا قائلة: آسفة….

ثم استدارت وجلست على أريكة كانت بجوار الباب، ووجه الجميع أنظارهم ناحية سيري حين قال: أنظروا… لا ملامح تظهر للقاتل، لقد غطى وجهه بقناع لا يظهر منه حتى لون عينيه.

أومأ ڤارون قائلا: إذا كيف تعرف عليه آرشي؟.

بسط سيري يديه على سطح المكتب و قال: قم بتكبير الشاشة أكثر يا هنسل.

امتثل هنسل للأمر و اقترب سيري من الشاشة أكثر وقام بتكرار المشهد ثم قال متفاجئا: انظروا جيدا…. عندما رفع يده اليسرى التي تحمل المسدس.

أطل ڤاي برأسه متسائلا: أين…؟ هل تقصد ذلك الوشم؟.

اقترب ڤارون أيضا وقال: بهذه الزاوية لن نستطيع معرفة ما الذي وشم على معصمه.

سيليا مستنتجة: أ لا يمكن أن يكون ذلك مانبحث عنه؟.

أوقف سيري التسجيل وقال: احتمال وارد.

ثم استدار ناحية ڤاي قائلا: لا توجد كاميرة عادية بهذا المكتب، صحيح؟.

أومأ ڤاي قائلا: بل توجد اثنتان، لكن كلتاهما تعطلتا في وقت حدوث الجريمة.

نطق ڤارون : تذكرت أن أفراد الأسرة يستخدمون شرائح تدمر الخلايا الإلكترونية للأجهزة والرادارات.

قبض سيري بغضب على يديه وقال: تبا!! لو أننا استطعنا على الأقل معرفة ماتفوه به آرشي عند دخول ماڤروس.

قالت سيليا وهي تشاركهم الحوار: و لكن ماسبب ترحيبه بماڤروس؟ أ لا يمكن أن يكون شخصا آخر غيره؟.

التلفت سيري نحوها ثم شاح بعينيه إلى الشاشة و نفى قائلا: لا يمكن ذلك، الزمن بين وقوف آرشي وإطلاق الرصاصة بضع ثوانٍ….

قاطعه هنسل: ماذا لو افترضنا أن شخصا آخر دخل عليه، ثم جاء ماڤروس وقتل آرشي.

أجابه ڤاي: ذلك يفسر ترحيبه ثم تفاجأه.

خفض بصره وتنهد قائلا: لكن… سيكون هناك عندئذ شاهد على جريمة ماڤروس و سيضطر لقتله، لكن لا توجد جثة غير جثة آرشي.

تنهد الجميع مجددا بيأس و أغلق هنسل التسجيل، ثم قال سيري بدهشة بعد أن نظر لساعة يده : إنها السابعة مساءا… يجب أن نذهب لمقر المنظمة بسرعة.

خرج الجميع من المكتب وقال ڤارون وهو يغلق باب المكتب: أ لن نفحص الرسائل وأغراض الضحية؟.

سيري وهو ينزل الدرج مهرولا: بلى…. سيتكلف بذلك ڤاي بعد أن نعاين المقر.

* * *

وصل الجميع إلى مقر المنظمة، الذي كان يبعد قرابة نصف ساعة عن شركة المغدور آرشي، كان المنظر مهيبًا فالحراق سببت خرابًا كبيرًا في المدينة.

ترجل الجميع من السيارات و أخذوا يحدقون بمدخل النفق، ثم قال هنسل: هل سيرافقنا الأطفال للداخل؟.

رد ڤاي وهو يغلق باب سيارته: لا نستطيع تركهم هنا فنحن الآن مستهدفون أكثر من أي وقت آخر.

أمسكت سيليا بيد إليارا وراحت تمشي خلف زوجها، بينما تقدم مير و ڤارون لأنهما أدرى بالطريق، و قام هنسل بدعوة فرقة التدخل التابعة له تحسبا لأي هجوم.

كان المكان مظلما جدا فاستعان سيري بمصباح يدوي ثم التفت فرأى ڤاي وهنسل والبقية لا زالوا عند مدخل النفق، فقال بصوت أعلى: أنتم.. أسرعوا قليلًا.

لوح ڤاي بيده واستأنف المسير.

التفت إليارا تحدق بجدران النفق المتفحمة وقالت وصدى صوتها يتردد: مقر المنظمة مكشوف فهل للشرطة علم بذلك؟.

أجابها والدها: تمارس المنظمات الإجرامية عملها بحرية مالم يُمسك أفرادها متلبسين بعمل مشبوه.

رفعت رأسها قائلة: قوانين غريبة…. أ لا يتحركون حتى تحدث الكارثة؟.

تنهد سيري قائلا: الأمر معقد قليلًا… فالفساد طال المسؤولين و الأنظمة الدولية، لذلك فهم محميون دوليا و الشرطة ليست لها السلطة الكافية لسجن نصف الشعب ومحاكمته.

تمتمت خافضة رأسها: هكذا إذن….

وصل الجميع إلى ساحة كقوس دائرة، لها أربعة مخارج، والخامس المنفذ الذي أتوا منه.

رفع ڤارون يده ملوحا بالمصباح و قال:ثلاث منها تؤدي للمجاري المائية، وواحد فقط يؤدي بنا لمقر المنظمة.

قال سيري موجها حديثه لهنسل: هل قام رجالك بتفتيش بقية المداخل؟.

أومأ هنسل موافقا وقال: نعم، و قد وجدنا شخصا مثيرًا للريبة يتجول داخلها فقمنا باعتقاله وهو الآن في قسم التحقيق ، كما أن….

توقف هنسل هنيهة فنظر إليه الجميع في انتظاره لمتابعة كلامه فقال: كما أن الكلاب توقفت عند مصب النهر وكانت تنبح باستمرار…. أظن أنها التقطت أثر ماڤروس.

أحنى سيري رأسه متمتما: إذا فقد هرب ماڤروس عبر أنظمة الصرف الصحي…

قاطعه ڤاي: لِم لم تلتقط الكلاب أثره منذ البداية؟.

استغرب الجميع وأخذوا يفكرون فقال مير مستنتجا: لن تلتقط أثره إذا كان وصل للمصب عبر طريق آخر.

استأنف سيري المسير وقال: ذلك لا يهم الآن طالما فقدنا أثره.

تقدموا أكثر في النفق الذي اختفت نقوشه بعد الحرائق والتفجيرات، و قال ڤارون وهو يقف عند عتبة باب غرفة كانت الأكثر ضررا: هذا هو مكتب رئيس المنظمة أريڠان.

اقشعر جسد سيري لسبب ما وتردد في الدخول قبل أن يتوقف قائلا لهنسل: قلت أنك قتلت رئيس المنظمة…

خفض هنسل رأسه فتابع سيري: أين جثته؟.

تفاجأ هنسل و كأنه نسى ذلك تماما، وكان يدرك أن التصرف بتحامق في وقت كهذا لن يعجب العقرب، فقال بأسف: تركتها في الكتب…

أحكم سيري قبضته بغضب فتقدم ڤاي حائلا بينهما وقال: سنجد رفاته بالتأكيد داخل المكتب، فالنار رحيمة لن تلتهم كل العظام.

لم يكد يكمل كلامه حتى نطق ڤارون مبتعدا بضع خطوات نحو المكتب: للأسف لم نجد شيئا عندما أتينا هنا البارحة…

تجمد سيري ثم تنهد ومشى بغضب نحو المكتب فتبعته سيليا محاولة تهدئته، وبعد دخوله جال بعينيه متفقدًا الحطام المحترق بيأس .

لم يجرؤ هنسل على الدخول إلى المكتب واكتفى بالتحديق من عتبته، بينما أمر رجاله بالتفرق ومراقبة المداخل، نظر إليه ڤاي في اشارة منه بعدم افتعال مزيد من المشكلات، ثم اتجه للمكتب مع البقية.

تقدم ڤاي ناحية سيري وقال: ماتفسيرك لغياب رفات أريڠان؟.

قال سيري من دون أن يلتفت: الشخص الذي قام بتفجير المقر هو نفسه من قام بأخذ رفاته.

تنهد ڤاي قائلا: كما أن تسجيلات الكاميرات بالمحكمة العليا ومبنى الصحافة أتلفت بالكامل نتيجة احتراقها.

اقتربت منهم سيليا وقالت: ماسبب هذه التفجيرات يا ترى؟ ومن هو الفاعل؟.

ڤارون مشاركًا في الحوار: قيل حسب الشهود أن الحرائق بدأت في تمام الساعة الخامسة والنصف مساءًا إلى السادسة أي بعد مغادرة هنسل مباشرة.

التفت سيري بتوتر: هل هو أريڠان؟…. ربما لم يمت كما ادعى هنسل.

طأطأ ڤاي رأسه في حيرة وقال: ربما….

تابع ڤارون وهو يفرك ذقنه: كان مقر المنظمة أول مكان انفجر وكان ذلك بسبب انفجار براميل البنزين التي كانت مصفوفة قرب المكتب… ثم مبنى الصحافة وبعدها المحكمة العليا نتيجة شرارة مفتعلة في مولدات الكهرباء.

انتفضت سيليا مستنتجة وقالت: أليس مبنى الصحافة هو المسؤول عن اصدار ذلك البث الذي صُرح فيه بهوية القاتل…

تابع سيري بذات النبرة: و المحكمة العليا تأوي القاضي الذي كلف بالقضية.

صمت قليلا ثم تابع: لكن… لمَ فجر الجاني مقر المنظمة؟.

نفى ڤاي قائلا: إن كان الأمر كذلك فسيكون أشبه بانتقام، أنفي أن يكون أريڠان هو المتورط في هذه التفجيرات، تكفيه فضيحة إيوائه للوريث الهارب، ما مصلحته من الإنتقام لماڤروس؟.

خفض الجميع رؤوسم يفكرون فيما قاله ڤاي، ثم قال ڤارون حاسمًا: إذًا ماڤروس هو الجاني… لقد فجر مبنى الصحافة و المحكمة العليا لينتقم لنفسه و يطمس جميع الأدلة، ولربما قام بتفجير المقر انتقامًا من أريڠان الذي فضح وجهته القادمة.

توقف عن الكلام كأنه تفطن إلى شيء ما حينها قال سيري: إن كان قد غادر حقا نحو جانمين، فكيف علم بأن أريڠان تعاون مع الشرطة؟ و كيف قام بسلسلة التفجيرات؟.

حسم ڤاي الأمر حين قال بجدية واضعا يديه خلف ظهره: يقودنا ذلك إلى استنتاج أنه لم يغادر مطلقًا، و هذا مايفسر تواجد أفراد العائلة قرب النفق في وقت حدوث الفوضى.

استدار سيري ناحية باب المكتب وقال باضطراب: أ لا يزال ماڤروس هنا؟.

ثم التفت بجزع نحو ڤارون وقال بصوت يشوبه التوتر: إن كان مافعله سبيلًا لطمس الأدلة حقا…. ألا يجب أن تكون مديرة أعمال آرشي هي الهدف التالي له؟.

انتفض الجميع بعد ما قاله سيري، فنطق ڤاي قائلا: لكنه لا يعلم أنها هي شاهد العيان الوحيد….

في ذات اللحظة رن هاتف سيري فأجاب المتصل….

و بعد لحظات صاح قائلا وهو يلتفت:هل أنت متأكد من ذلك؟.

المتصل….

أغلق الخط بعد أن قال:شكرا لك يا "كيت".

استغرب ڤاي فقال سيري موضحا: لقد تمكن رجال كيت من السيطرة على الحرائق ليلة أمس وقد باشروا رفقة شرطة تاين بالتحقيق ونقل الجثث…. وقد عثروا على جثة القاضي المكلف بالجريمة مقتولًا في مكتبه.

خفض بصره وتابع:و قد كان سبب الوفاة رصاصة في عينه اليمنى…قبل أن تتفحم جثته بعد الإنفجار .

ڤاي بحماس واضعا يديه على كتفي العقرب: لقد حُسم الأمر… المسؤول عن التفجيرات كان ماڤروس مثلما استنتجنا بالضبط.

خرج سيري مستعجلا من المكتب وقال: كان هدفه واضحًا… الإنتقام، وأظن أنه أجبر القاضي على البوح بما يعرفه ثم قتله…..مديرة أعمال آرشي هدفه بالتأكيد.

توقف عند عتبة الباب وقال: أين هي الآن؟.

تقدم ڤاي قائلا: احتجزتها رفقة رجال من القوات الخاصة التابعة لنا خارج حدود تاين.

سأله سيري: لِم لم تنقلها إلى مقر منظمة الاستخبارات؟.

أجابه ڤاي: لم نكن باشرنا وقتها بالتحقيق وكان اتخاذ حركة غير مدروسة يعدُّ تهورًا، و الإشارة لمقر منظمة الاستخبارات في ظرف كهذا سيؤدي لفوضى عارمة.

أومأ سيري برأسه متفهمًا وقال موجها حديثه للجميع: سنذهب بسرعة إلى مكان احتجاز مديرة أعمال آرشي…. آمل أن نصل في الوقت المناسب.

ثم التفتت مستذكرا: من الذي قام بارسال كيت للسيطرة على الحرائق؟.

أشار ڤاي بيده نحو هنسل فابتسم سيري وقال بازدراء: على الأقل فعل شيئا جيدا منذ ترقيته لرتبة قائد الفيلق.

امتعظ هنسل الذي كان على مقربة منهم وخفض رأسه بعبوس، فاقترب اللواء الأعلى وقال بصوت خفيض: أنت تفقده ثقته في نفسه يا سيري، لم يكن إمساك ماڤروس مقدرا منذ البداية.

قاطعه سيري: لِم تختلق الأعذار له يا سيادة اللواء…. تدرك أنه لا مكان للمتهورين بيننا.

نقل ڤاي نظراته نحو هنسل الذي بدا غاضبا ثم أعاده ناحية العقرب وقال: هنسل الولد الوحيد لديّ…. كان يرغب بشدة أن يكون إلى جانبي بقية حياتي، فأنت تعلم كم هو صعب التوفيق بين العمل والعائلة.

تنهد سيري وقال:يوجد من رجاله من هو أجدر بالقيادة…لامكان للتعاطف في هذه اللعبة يا سيادة اللواء.

ابتسم ڤاي وقال محدقا بالسقف المرتفع: ستدرك قريبًا لِم اخترته عوضا عن الجميع.

ابتسم سيري باستهزاء وسار خروجًا من المكتب.

اتجهت إليارا نحو والدها وأمسكت بسترته وقالت: أبي… أود اخبارك بأمر مهم…

ثم خفضت بصرها وقالت: أعتبره كذلك قد لايكون مهما بالنسبة لك.

انحنى والدها نحوها وقال متنهدا: تكلمي… ماهو هذا الأمر؟.

ترددت ثم قالت: في الحقيقة عند ضياعي قرب محطة القطار اصطدمت بشخص يشبه ذلك الذي كان في التسجيل.

تسمر والدها في مكانه وقال: تقصدين ماڤروس؟.

أومأت قائلة: كانت له ندبة في عينه اليسرى… وكانت ملابسه ملطخة ببقع داكنة…. بالدم.

اعتدل سيري في وقفته وقال بريبة : إذا ماڤروس لا يزال هنا وقت وصولنا.

تقدمت سيليا وسألتها: هل كان أحد النازلين أم ينتظر دوره؟.

هزت رأسها نافية: لا أدري، فقد كان المكان يعج بالناس الذين يتحركون بعشوائية و…

كانت تود قول شيء ما لكنها تراجعت فنظر سيري ناحية ڤاي في انتظار أمر منه، فوجده محتارا أكثر من البقية.

تنهد سيري وخرج من النفق وتبعه الجميع.

* * * *

ركب سيري في سيارته التي أحضرها سلفا من سطح ناطحة السحاب، وسيليا بجواره في المقعد الأمامي بينما جلست إليارا خلف مقعد والدها، ثم اتلفتت يمينًا لتجد مير يحدق بها، الذي كان جالسا في المقعد الأمامي لسيارة أخرى سوداء، كان ڤارون يقودها.

قاد ڤاي الموكب بسيارته الرباعية التي كانت سوداءًا أيضا، و جاوره هنسل مكتئبا ملصقا خده بزجاج السيارة العازل، وقد تبعه البعض من رجاله في المروحيات والبعض الآخر بالدراجات النارية.

كان سيري يقود بسرعة و عقله يفكر في التقنية التي استخدمها ماڤروس، قطع سيل أفكاره سيليا حين قالت واضعة يدها برفق على يده: فيمَ تفكر أيها العقرب؟.

ثم التفتت نحوه وتابعت: لا يوجد لدينا ما يثبت استخدامه لتلك التقنية و لا يوجد كذلك ما يدحض هذه الفرضية.

التفت نحوها ثم أعاد تركيزه للطريق وضحك بصوت مرتفع، وقال بعدما فتح زجاج النافذة وأخرج يده: هل تقرأين مايدور داخلي أيتها الزنبقة؟.

ضربت كتفه بقبضتها وقالت: لا يوجد في هذه القضية شيء سيثيرك أكثر من التقنية التي لها علاقة بزيكاس.

تبددت ابتسامة سيري كأن كلامها أعاده للواقع فقالت متنهدة وهي تمسح بيدها على يد زوجها: لاتحمّل نفسك ذنبا لم تقترفه… نحن نتألم جميعًا لفقدان زيكاس.

ابتسم لها سيري بامتنان، ثم تأففت إليارا من المقعد الخلفي قائلة: حتى الشخص الذي كان مقدرا له أن يكون عمي، اختفى!!.

تبادل سيري وسيليا نظرات تحمل الأسى بينهما ثم نقل كل منهما نظره للطريق أمامه.

تأفف هنسل فقال ڤاي بضجر: هذه المرة الخامسة التي تتأفف فيها… مابك يا ولد؟.

رد هنسل باحباط وقد اعتدل في جلسته: آسف ياسيادة اللواء الأعلى.

ڤاي مثبتا نظراته على الطريق: لا تخاطبني بالرسميات عندما أتحدث إليك في أمور خارج العمل.

هنسل متنهدا: حسنّا يا أبي.

بطّأ ڤاي سرعة السيارة، وتناول سجارة قائلا: لا تحمل كلام العقرب على محمل الجد… إنه رجل طيب رغم صرامته.

ضحك بغلظة وتابع: لا يمكن لشخص له ابنة أن يكون قاسيا… الأنثى تستطيع هدم الجدار الذي يحتمي خلفه الرجل… تلك الصرامة والعبوس والغضب، كلها تتلاشى أمام ابنته وزوجته.

التفت نحوه وأكمل: ستدرك ذلك عندما تحتك به أكثر.

سأله هنسل قائلا: هل استطاعت والدتي أن تهدم حصنك أنت أيضا؟.

تغيرت تعابير ڤاي وصمت عابسا، لكن ملامحه كانت جواب هنسل، فقد لمعت عيناه كمن احتقنت بيها الدموع وشرد في الطريق.

تنهد ڤاي أخيرا وقال: والدتك؟…. كانت كل شيء بالنسبة لي، كنت رجلا سعيدا برفقتها.

صمت هنيهة حتى يستطيع الحديث دون غصة وتابع: ولحسن الحظ تركت بعد رحيلها أثرا يشبهها.

التفت نحو هنسل الذي بدا منسجما وتابع: تركت لي أجمل شيء أستطيع مواصلة حياتي لأجله.

تنهد بأسى وتابع متفحصا هنسل بعينيه: ذلك الشعر الأسود المسرح، والعينان الحادتان والأنف الصغير.

آآآهٍ كم تشبهها _قالها وقد زاد من سرعة سيارته بعدأن سبقه سيريتس_.

اتكأ هنسل على زجاج السيارة وقال بإحباط: لا أذكر الكثير عنها.

قال ڤاي بجدية مغيرا مجرى الحديث : ستتطور مهاراتك ياهنسل لذا كن واثقا من نفسك، عليك أن تكون ممتنا لأنك ستحصل على فرصة للعمل إلى جانب العقرب.

انتفض هنسل وقال بعصبية: أعمل عنده؟ لن يحدث ذلك أبدا يا أبي.

قاطعه ڤاي بهدوء: هوّن عليك يا ولد ستحب العمل معه بالتأكيد.

رد هنسل بعصبية مجددا: الأمر ليس قسريا، أرسل بديلا عني… لن أعمل تحت لواء شخص متعجرف.

ڤاي متنهدًا: أريدك أن تصبح ذا خبرة وسمعة في هذا المجال، أريد أن أكون فخورا بك يا هنسل، لقد تفوق عليّ العقرب في أمور كثيرة وقد تقدمت في السن لذلك أراه خيارًا جيدا.

أدار هنسل وجهه للجانب الآخر بغضب فأكمل والده كلامه: لقد قام بتدريب كيت و "زان"... فكر مليًّا قبل أن ترفض.

تمتم هنسل بازدراء: ما الذي جعلك تثق به ليقوم بتدريب رجالك؟.

أجاب ڤاي وهو يأخذ قداحة ويشعل السجارة: سيري له مهارات منذ البداية.. لقد دُرب في صغره في البلاط الملكي تأهبا ليكون ولي عهد أسرة آريو، وبعد الحرب انتقل إلى منظمة الاستخبارات ودربه" سِمبار "بنفسه.

ردد هنسل بصوت منخفض: سِمبار… ؟ رئيس منظمة الاستخبارات ؟.

أومأ ڤاي وقال: نعم، أثارك الأمر أ ليس كذلك؟.

أمال هنسل رأسه قبل أن يتسائل باستغراب: أليس محرما على أفراد منظمة الاستخبارات الزواج وإقامة العلاقات؟.

فرك ڤاي رأسه في حيرة ثم أجاب: أجل..، ما علاقة هذا بحديثنا؟.

التفت إليه هنسل قائلا: كيف سمح سِمبار لسيري وڤارون بالعمل داخل المنظمة وكلاهما متزوجان؟.

فكر ڤاي قليلا قبل أن يقول: تزوج سيري من سيليا قبل الحرب، وبعد الفوضى التي حدثت ومهزلة فقدان الوريث كاروي اضطر سِمبار لتوظيف العقرب للعمل معنا، فقد كان له ماضٍ حافلٌ مع الأسرة القاتلة.

فتح زجاج السيارة ورمى السجارة ثم أعاد تركيزه للطريق وقال: أما ڤارون فقد انضم للمنظمة بعد العقرب، ثم تزوج من امرأة أحبها وحدثت أنذاك فضيحة في منظمة الاستخبارات فصل على اثرها من العمل، و بطلب من سيريتس أعاده سِمبار للعمل مجددا، خاصة أنه كان ذا خبرة باختراق الشبكات و الأنظمة الرقمية.

تنهد وتابع: وبعد وفاة زوجته سمح له بالتزوج مرة أخرى، فقد أبدى سِمبار شفقة اتجاه أولاده الصغار.

همهم هنسل متفهما وقال باستهزاء:ضحى بعمله من أجل الحب؟؟ كيف يفعلون ذلك؟…لا أملك أي مشاعر لأي أحد.

استدار ناحية ڤاي وتابع:حتى أنت يا أبي، علاقتي بك رسمية جدا .

لم ينبس والده بشيء لكنه بدى مستاءً من حديث ابنه، و أيقن أنه لا بد لذلك أن يحدث، فقد تخلى عن ابنه من أجل عمله لسنوات عديدة،وقد جاء هنسل ليرد ذلك الجميل اليوم.

قاطع سيل أفكاره ابنه مستذكرًا: لقد سمعت أن داريان كان متزوجا أيضا منذ خمسٍ و عشرين عامًا، وله ابن في الرابعة والعشرين من عمره.

بطّأ ڤاي من سرعة السيارة مجددا وقال بريبة: من أخبرك بهذا يا ولد؟.

ابتسم هنسل ابتسامة جانبية وقال: لقد سمعت زان وكيت يتحدثان عن ذلك في الإجتماع السابق.

رد ڤاي قائلا: أخرقان..!! كيف يتحدثان عن أمور كهذه أمام العملاء؟.

وضع هنسل يديه خلف رأسه وقال: لم يكن سواي في القاعة، لا بأس بذلك.

ابتسم ڤاي بخبث قائلا: على الأقل يوجد موضوع نُمضي به الإجتماع القادم.

تابع متنهدا بابتسامة عريضة: من كان يعلم بأن القرصان داريان كان متزوجا…

تساءل هنسل : أ يعني ذلك أنه ليس متزوجا الآن؟.

أعاد ڤاي ملامح الجدية إلى وجهه وقال: لا، أنا متأكد من ذلك، لربما كان متزوجا في السابق، قوانين منظمة الاستخبارات صارمة جدا.

سأله هنسل مجددا: هل سِمبار هو من صاغ هذه القوانين؟.

أومأ والده برأسه فقال هنسل: كم عمر هذا الرجل؟.

همهم ڤاي مليا قبل أن يقول: معلوماته الشخصية من الأمور السرية، والبوح بها جريمة، لذا لا أستطيع اخبارك عنها.

تأفف هنسل بضجر فقال والده بهدوء: إن كنت تريد أن تلتقيه فأظن أن الاجتماع الذي يقام قبل المزاد سيحضره بالتأكيد… سأسطحبك معي إن كنت تريد القدوم.

أدار هنسل وجهه بامتعاض وقال: لا أريد التقاء أشباه العقرب المتعجرف، يبدو سِمبار أسوأ منه.

نهره والده قائلا : توقف عن الإساءة لمن هم أكبر منك سنّا… لا أحد يعلم ما مر به سِمبار ليبدو بتلك الصلابة، له ثبات من فولاذ وحنكة فارسٍ مخضرم.

تابع بإعجاب وتبجيل: جبلٌ لا يهزه شيء، قضى حياته أعزبا بعيدًا عن أعين الناس، لا أحد يعلم إن كان يقضي جل وقته داخل مقر المنظمة أم أنه ينخرط في الحياة المدنية متنكرا…. لا نعلم عنه أي شيء، غرباءٌ عنه ونحن الأقرب إليه.

* * *

حط الجميع الرحال على الحدود الشمالية لتراين بجوار سلسلة جبال اكتست قممها العالية بالثلوج.

نطق ڤاي موجها الجميع نحو أحد المنحدرات: يوجد خلف هذه الهضبة مكان احتجاز سوزان كوڤر، مديرة أعمال آرشي.

توقف سيري وقال معلقا نظره بالأمام: هل أولئك الرجال هم من أوكلتهم بحراستها؟.

نقل ڤاي نظره نحو ما كان ينظر له سيري ثم أعاد تركيزه له بتوتر وقال: نعم… لِم تركو الرهينة و أتوا إلى هنا؟.

تنهد سيري بعدم ارتياح وتقدم حتى صار أحد الرجال أمامه الذي قال بعدما انحنى لإلتقاط أنفاسه: حضرة العقرب…. لقد اختفت الرهينة فجأة!!.

انتفض الجميع عدا سيري الذي بقي ثابتا كأنما توقع حظه التعيس هذه المرة، ثم اندفع ڤاي نحو الرجل وشد قميصه قائلا بعدم تصديق: كيف اختفت؟ لا علم لأحدٍ بوجود هذا المكان… لقد وضعت أقوى رجالي لهذه المهمة.

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

يوميّات السّفاح _الجزء الأول من ملحمة القدر الأسود _

المؤلف 𝐶ℎ𝑖𝑟𝑖🎭♟️
2025/08/03 مستمرة
قائمة الفصول (10)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة