الفصل السادس: الصِّدام.
بعض الأسرار يجب أن لا تكشف فليس كل ما خُفيَ جدير بالظهور للعلن.
يحظى الماضي بالتخليد في التاريخ، ليصنع مستقبلا له ركيزة واتزان، ولكن......ماذا لو مُحي ذلك التاريخ من العقول؟ ليصير الماضي ذكرى منسية، ويضيع المستقبل في دهاليز الزمن فيُسمى التاريخ بالتاريخ المحرم!.
* * *
سمعت إليارا وقع أقدام يقترب منها فرفعت رأسها لترى ذلك الفتى يقف محدقا بها، ثم ابتسم لها ومد يده لمصافحتها قائلا: مرحبا أيتها الآنسة.
نظرت إليارا إلى يده باستغراب ثم أدارت وجهها عنه بغرور قائلة: إياك أن تقترب من كلابي مجددا!
خفض الفتى يده وقال متسائلا: آسف! ولكن هل أزعجتك بحديثي؟
لم ترد عليه إليارا وتابعت سيرها إلى كرسي الحديقة، ثم جلست تتأمل الورود المتفتحة بصمت.
مشى الفتى ثم توقف أمامها وقال: هل يمكنني الجلوس؟
لم تجبه وابتعدت إلى حافة الكرسي مديرة وجهها، فجلس الفتى واستأنف حديثه قائلا: في صغري كنت أظن أن الورود تتفتح في الربيع فقط! ولكني أدركت مؤخرا أنه يمكننا جعلها تتفتح في كل الفصول.
ثم استدار نحو إليارا وقال: هل تعرفين كيف نجعلها تتفتح دون انقطاع؟
التفتت إليارا نحوه ولم تقل شيئا، فتابع الفتى كلامه: يمكننا زرعها في الحدائق الإصطناعية، حيث نوفر لها هناك بيئة ملائمة لتتفتح باستمرار دون أن نؤذيها.
نظرت إليارا إلى ورود حديقتها التي تبللت بقطرات المطر، حينها قال الفتى: ستذبل قريبا صدقيني.
ردت إليارا بحزن : لقد أحضرناها قبل مدة قصيرة من مشتلة قريبة.
قاطعها الفتى قائلا: لا تحزني ستعاود التفتح في الموسم القادم.... إنها تكره الشتاء فقط!
وجهت إليارا نظرها نحوه وقالت متسائلة: تكره الشتاء؟
أجاب الفتى وهو يحدق بالورود: نعم! فالشتاء موسم بارد لا يلائم كائنات تحب الدفء، لكنها لا تعلم أن الشتاء هو ما يعطيها الأمل لتتفتح في الربيع الذي يليه، أردف قائلا وهو ينظر إلى إليارا: خلاصة الكلام، أننا نحكم على الأمور قبل معرفة خباياها.
صمتت الشقراء برهة ثم أجابته: ماسبب هذا الحديث بالمناسبة؟
رد الفتى: حديث عابر لا غير لاستدراجك بالكلام، فقد رأيت الحزن يعتري هذا الوجه الجميل وآثرت تركه هكذا.
أحنت إليارا رأسها بخجل ثم قالت: أنا لست حزينة!
أجابها الفتى وهو يبتسم: حسنا! ولكن عيناك تقولان غير ذلك.
إليارا متسائلة: ما بهما عيناي؟!
ضحك الفتى ثم قال: منتفختان من كثرة البكاء.
قامت إليارا بغضب فأمسك الفتى بمعصمها قائلا: انتظري لا تغضبي كنت أمزح فحسب.
قاطع حديثهما صوت ينادي: إليارا! تعالي إلى هنا.
التفتت إليارا إلى مصدر الصوت لترى والدها يقف عند باب الحديقة مستعدا للخروج.
لم تجبه و أدارت وجهها عنه و حاولت كبت بكائها حين امتلاء عينيها بالدموع.
و بعد مغادرة والدها التفت الفتى نحوها وقال: لم لم تجيبي والدك؟
ردت إليارا بحزن: لا شأن لك بهذا.
* * *
غادر سيريتس المنزل واستقل سيارة أجرة متجها إلى مبنى البرلمان، وفي الطريق جلس عاقدا أصابعه في شرود قائلا في نفسه:الأسرة القاتلة، أسطورة يغطيها الغموض.
فبالرغم من أنها خلف كل الجرائم والفساد الذي ساد العالم، إلا أن ملامح أفرادها لا يعرفها أي أحد، حتى صورة مافروس التي يستخدمونها كرابط لإيجاده هي صورة قديمة له عندما كان طفلا في السادسة من عمره.
واستطعت مؤخرا الحصول على صورة له وهو فتى بعمر السادسة عشر بصعوبة، فقد تطلب مني الأمر المخاطرة واختراق برنامج الهوية الرقمية لمطابقة صورته القديمة_ التي حصلت عليها من المزاد الذي يقام كل عام _مع صورة لفتى اشتبه في كونه هو.
بل مؤكد ذلك فتلك العيون الرمادية نادرة من نسل عائلة كانت مرموقة سابقا.
ثم رفع رأسه ينظر إلى الشوارع المزدحمة قائلا: لكم وددت الكف عن التفكير في الأمر، لكني أجد نفسي أغوص أكثر وكل يوم يمضي أكاد أتيقن فيه من تلك الشكوك.
توقف فيض أفكاره عن التدفق حين صاح السائق قائلا: وصلنا للوجهة أيها السيد المحترم.
قام سيرتس وخرج ثم قال وهو يطل من النافذة: كم أجرك؟
رد السائق: خمسون جين.
دفع سيريتس أجرة السائق ورفع رأسه ينظر إلى نهاية المبنى العملاق، ذو المئتي طابق.
دخل سيريتس إلى المبنى واتجه ناحية القبو أين وجد مصعدا نزل به إلى الأسفل، وبعد وصوله إلى وجهته المنشودة، فُتح باب المصعد وخرج سيريتس يمشي في رواق عريض إمتلأ بأشخاص كانوا يرتدون زيا موحدا باللون الرمادي ولهم نفس التعابير الباردة التي علت وجوههم.
وقف سيريتس أمام باب ضخم مصنوع من خليط معادن مضادة للرصاص، ثم أخرج بطاقة بدت كبطاقة هوية تحمل رقما تسلسليا سمحت له بالدخول بعد أن مررها أمام شاشة صغيرة، ففتح الباب ودخل إلى قاعة كبيرة مزودة بجدار من الحواسيب والشبكات المعقدة.
توسط الغرفة طاولة كبيرة جلس على أحد كراسيها رجل بعين واحدة قارب الأربعين من عمره، يرتدي نفس الزي الرمادي الموحد، وعلى كتفه وسام بخمس نجوم أوحى بمكانته الرفيعة.
قام من كرسيه بعد دخول سيريتس ومد يده لمصافحته قائلا: صفر صفر ستة وعشرون، ماهذه الزيارة المفاجأة؟!
مد سيريتس يده لمصافحته قائلا: أخبار عاجلة أيها القرصان داريان.
رد داريان: تفضل بالجلوس، ثم صفق مرتين فدخل شاب انحنى عند رأس داريان الذي همس في أذنه بشيء ما قبل أن ينصرف.
جلس سيريتس مقابل داريان وقال: لا داعي لإحضار أي شيء فأنا هنا لبعض من الوقت فقط.
قاطعه داريان قائلا وهو يعبث بأحد الحواسيب: لا بأس بفنجان قهوة ترخي الأعصاب أيها العقرب.
قال سيريتس بقلق: لم أجد من أين أبدأ بالحديث يا صديقي.
لاحظ داريان ملامح القلق على وجه سيريتس فرد مطمئنا: تحدث فقط فأنا هنا للإنصات.
بدأ العقرب حديثه قائلا: حدثت اليوم جريمة هزت تاين، راح ضحيتها كبير تجار الأسلحة آرشي ميديل.
قاطعه القرصان: آرشي! إنه رجل أعمال مشهور له عقارات خارج تاين أيضا فليس غريبا استهدافه واغتياله.
أجاب سيريتس: ليس هذا وحسب، القاتل كان ابن الأسرة القاتلة الذي فقد منذ أكثر من ست سنوات.
أغلق داريان حاسوبه كأنه تفاجأ لسماع الخبر و رد بصوت منخفض: ماذا؟ لقد صار أسطورة أكثر من كونه شخصية حقيقية، فكيف قرر الظهور أخيرا بعد سنين من الإختفاء الغامض؟
رد سيريتس: لم يكن مختفيا بل أظنه كان يمارس حياته بشكل طبيعي باسم هوية مزورة.
أجاب داريان وهو يرتشف من فنجان القهوة التي أحضرها ذلك الشاب: هوية مزورة؟ هذا يعني أنه كان يعمل تحت لواء أكبر .
سيريتس وهو ينظر بحدة إلى داريان: أحسنت! لقد فهمت مقصدي.
أجاب داريان: حسنا، وماذاحدث بعد ذلك؟ كيف اكتشفو هوية الجاني؟ فليس من المعقول أن يكلفه أحد ما باغتيال رئيس شركة أسلحة ويستخف بالمهمة للحد الذي يجعل اكتشاف هويته سهلا.
حمل سيريتس فنجان القهوة ونظر إلى انعكاسه قائلا: بالضبط لقد أصبت! وهنا الفرضيات والآراء تتضارب، فلو كان مبتدئا حقا فلن يغامر أحد بتكليفه بتلك العملية، وإن كان متمرسا في القتل فلن يتناسى أمر الكاميرات أو أجهزة التنصت، ولكن الحقيقة أن هويته اكتشفت بعد نصف ساعة فقط من جريمته.
وضع داريان فنجان القهوة وقال بتهكم: ما الذي تتفوه به؟ بديهي أن يكون متمرسا فهو ينحدر من أسرة تعتبر القتل فطرة وهواية.
رد العقرب: لم تفهم مقصدي.
القرصان: حسنا اشرح لي ما ترمي إليه.
سيريتس: لنقم بجمع المعلومات كما لو كانت قطع أحجية، الوريث المفقود ظهر أخيرا على أنه من اغتال آرشي كبير تجار الأسلحة، مايعني أنه متمرس وقام بعمليات اغتيال من قبل، وهنا نتوصل إلى أنه لم يختفي أبدا بل ظهر بهوية مزورة يعمل لصالح لواء أكبر وهو بالتأكيد المنظمات الإجرامية في تاين.
داريان بانصات: حسنا تابع.
سيريتس بنبرة جادة: وتعرف جيدا أن المنظمات الإجرامية لا تمنح هوية مزورة إلا بعد اطلاعها على هويته الأصلية للتأكد من أنه ليس من الشرطة الدولية أو الإستخبارات فتلك المنظمات الإجرامية من بين الفئات القليلة القادرة على إختراق نظام التعريف الرقمي.
داريان وهو يفرك رأسه: وتدرك أيضا أن أفراد الأسرة القاتلة غير مدرجين في هذا النظام.
سيريتس بابتسامة عريضة: أحسنت التأويل، أي أن من قام بتوظيفه كان على علم بهويته الأصلية وهو كونه وريث عرش أسرة سايبا.
داريان: حسنا، تابع لقد بدأت تثيرني حقا.
العقرب بذات النبرة الجادة: إذا يصبح لدينا شخص على علم بهويته وأخفاه طيلة الست سنوات الماضية لسبب مجهول، رغم التعويض الذي وضعه والده مقابل إيجاد ابنه المفقود.
داريان مستنتجا: أي أنه عندما ارتكب مافروس أخيرا جريمته إما قام ذلك الشخص بالوشاية به لسبب مجهول أو...
أكمل سيريتس كلام صديقه قائلا: أو هناك قطعة أخرى لازالت تنقصنا.
صمت سريتس برهة ثم تابع كلامه: هناك شيء آخر نسيت أن أخبرك به.
داريان: ماهو؟ تكلم!
سيريتس عاقدا أصابع يديه قائلا : آرشي ميديل هو أحد أعوان الأسرة القاتلة.
رد داريان وقد اعتدل في جلسته: تقصد أنه يعرف كيف يميز أفراد الأسرة دون معرفة ملامحهم؟
سيريتس مغمضا عينيه: نعم، ولكنها فرضية فقط فأنا لم أطلع على تفاصيل القضية بعد، علاوة على أنه المغدور فمن المستحيل أن يساعد بأي طريقة في كشف الجاني.
صمت برهة ثم أردف: الشيء الذي جعلني أحتار حقا، لم قد يستهدف قاتل مأجور كبير تجار الأسلحة؟ ما مصلحته من ذلك؟
رد داريان نافيا: لا تقل ذلك، ربما لصالح الشخص الذي يعمل عنده وحسب.
سيريتس وهو يقوم من كرسيه قائلا: ربما!.. لكن يراودني الشك حيال ذلك.
علق داريان قائلا: إلى أين بهذه السرعة؟
سيريتس وهو يقترب من داريان قائلا : علي المغادرة بسرعة إلى تاين من أجل معرفة ملابسات القضية.
أجاب داريان: هل قاموا باستدعائك لتتكلف بهذا الأمر؟
مشى سيريتس نحو الباب قائلا: ليس عليهم فعل ذلك فأنا تحت تصرف نفسي.
داريان معلقا على كلام صديقه: ستكون مخاطرة بالفعل، لربما لم يودوا قدوم أفراد من الإستخبارات الدولية.
استدار سيريتس وقال: إنها القضية التي أوكلتها لنفسي ووضعت على عاتقي منذ ستة عشر عاما، فهل تظنني سأترك أول وآخر فرصة سامحة لذلك من أجل الشرطة؟
رد داريان وهو يقوم من مكانه: هي قضيتنا جميعا ، و لكن كلامي ذاك بدافع الحرص على سلامتك فقط أيها العقرب.
أجاب العقرب: أشكر لك ذلك، ثم أضاف: لا تقلق فشرطة الجيتسيت تعمل لصالحنا وستكون المهمة سهلة.
ثم أردف وهو يستدير نحو الباب : لم آت إلى هنا لإخبارك بهذا وحسب، بل لإعلامك أنه بعد عودتنا أنا وفارون من تاين واستكمال جمع المعلومات، ستتكلف أنت بتدبير وتسهيل دخولنا في المزاد العالمي هذه المرة أيضا.
رد داريان: هل عاد فارون من جانمين؟
سيريتس من دون أن يلتفت: نعم، بعد وقوع الحادثة... لكنه قرر القدوم مسبقا.
داريان قائلا وهو يضع يده على كتف سيريتس: أبلغه تحياتي، وسأبدأ بتدبير شؤون المزاد فورا.
أومأ سيريتس برأسه وغادر المكان عائدا إلى الديار.
* * *
اتجهت إليارا إلى السور الخلفي للمنزل ثم رفعت رأسها تنظر إلى نهايته، وارتكزت على بعض الصناديق القديمة لتسلق السور،حينها قال الفتى الذي كان يراقب المشهد بصمت: ما الذي تريدين فعله يا آنسة؟
لم تجبه إليارا ورفعت يديها لتمسك بحافة السور، لكن اتزانها اختل وتأرجحت بها الصناديق ثم وقعت على الأرض، فصاح الفتى وهو ينحني لمساعدتها على الوقوف، قائلا: هل أنت بخير؟
أبعدت إليارا يديه عنها قائلة: إياك أن تلمسني مجددا، أحذرك!
ابتعد الفتى عنها ثم قال: هذا خطر عليك، أدخلي للمنزل فلم يتبقى سوى بعض الوقت قبل الرحلة نحو تاين.
صرخت فيه إليارا قائلة: لا شأن لك بي! لن أتحرك من هنا.
قامت مجددا وارتكزت على الصناديق ثم قفزت برشاقة لتمسك بحافة السور، وقالت وهي تتمايل محاولة رفع ساقيها: لن أذهب معكم، ابتعد من هنا يا ولد.
انتبه الفتى إلى ما كانت تنوي فعله فهي لا تريد المغادرة إلى تاين وقررت الهرب من السور الخلفي، لكن الأوان فات فقد استطاعت الصعود إلى حافته والقفز إلى الخارج، فصاح الفتى قائلا : إليارا!
سمع صوت ارتطام تبعه صرخة ألم أصدرتها رغما عنها.
ثم قفز من على الصناديق وصعد حافة السور ولمحها على الأرض تتألم من أثر السقطة، تضع يدها على ساقها فقال بعدما نزل : هل أنت بخير؟
لم تجبه إليارا وقامت بسرعة تنفض فستانها من الغبار، وراحت تمشي بسرعة نحو مخرج الزقاق الضيق وهي تعرج على ساق واحدة.
تبعها الفتى ثم أمسك بمعصمها و سحبها نحوه صارخا فيها: مابك يافتاة؟ هل جننت؟ ما الذي تحاولين فعله بتصرفك الطائش هذا؟ تعلمين أن والدك لن يتحرك من دونك وهذا سيعرقل عمله.
حاولت إليارا التفلت منه قائلة: لا دخل لك! ثم صرخت: اترك يدي فأنت تؤلمني.
رد الفتى قائلا: لن أتركك هنا، ستعودين معي للمنزل.
ثم سحبها وهي تصرخ بصوت مرتفع: اترك يدي ألا تفهم ما أقول؟ لن أغادر هذا المكان أبدا فلا تتعب نفسك.
استدار نحوها الفتى وقال:آسف ولكن ليس لدي خيار ثان ، ثم حملها بين ذراعيه وراح يمشي نحو المخرج فصرخت إليارا بسخط: ما الذي تفعله؟ أنزلني هل جننت؟ من تحسب نفسك يا هذا؟
ثم وجهت له لكمة إلى وجهه وانفكت من قبضته وهرولت نحو المخرج الآخر للزقاق الضيق.
جثا الفتى على ركبتيه متألما وعندما قام جال بعينيه في المكان فلم يجد أي أثر لها.
* * *
خرجت إليارا من الزقاق الضيق إلى شارع كبير وهي تعرج مستندة إلى الجدار، خافضة رأسها حافية القدمين.
ثم رفعت رأسها تنظر لفتاة رفقة والديها تحمل بيدها أختها وتبتسم، ومجموعة فتيات في مثل سنها يتجولون بفرح بين متاجر الألبسة، فزادها ذلك ألما وخفضت رأسها وتابعت سيرها.
بدأت السماء تمطر وزاد الجو برودة فاحتضنت إليارا نفسها وعلى خديها انهمر سيل من الدموع وفجأة اصدمت بشخص فرفعت رأسها لتجد شابا ذو بنية عضلية يبتسم لها بخبث وبرفقته ثلاث من رفاقه، فتراجعت بضع خطوات ثم اصدمت بشخص آخر فالتفتت لتجد شابا أشقر إمتلأ وجهه بالندب والجروح، ثم لعق شفتيه وقال: بكم تلكما العينين الرماديتين أيتها الحسناء؟ تجارة الأعضاء صارت مربحة ولن أفوت هذه الفرصة.
اقشعر جسد إليارا فخفضت رأسها وقالت بصوت هادىء يشوبه الخوف : ابتعد من طريقي.
ضحك الجميع ثم انحنى الشاب الأشقر وقال: تبدين تائهة يا صغيرة ، ثم تابع وهو يتفحصها بعينيه: ثياب متسخة... وساق مكسور... ودموع على الوجنتين.
ردت إليارا بغيظ: لست تائهة...
اعتدل الشاب ثم قال: في أي شارع تسكنين؟
أجابت إليارا وهي تمسح دموعها: في شارع كير..
اتسعت حدقتا عينيه ثم قال: أنت من الطبقة المخملية إذا.... ثم التفت لرفاقه بنظرات مريبة وقال: ستكونين رهينة ولن نعيدك إلا بعد أن يدفع والديك المبلغ الذي نريد.
ثم ضحك بهستيرية فقاطعته إليارا قائلة بصوت متقطع: دعني أعود للمنزل بسلام.... أرجوك.
انحنى الشاب مجددا ووضع أذنه أمام شفتيها قائلا: ماذا قلتي؟
ردت إليارا وهي ترتشف دموعها: أتركني وشأني أرجوك.
ثم اعتدل وقال بخبث: دخول الحمام ليس كخروجه..... الحسناوات أمثالك لا يخرجن في هذا الوقت من دون مرافق.
أومأ الشاب الأشقر برأسه لرفاقه، فحملها أحدهم على كتفيه بعد أن وضع شريطا على فمها، وسار في شارع متفرع بعيد عن أعين الناس.
كانت إليارا تشعر بالخوف وتبكي بصمت وهي تساق إلى المجهول، فجأة توقف الشاب أمام أحد المنازل المتهالكة التي شكلت حيا متكاملا، وطرقه ففتحت له فتاة في العشرين من عمرها ترتدي ملابسا بالية.
دخل الشاب إلى المنزل الذي بدا كمقهى تجتمع فيه العصابات واللصوص، ونظر الجميع إلى إليارا بنظرات كانت كفيلة بجعلها تجزع وتغمض عينيها قائلة في نفسها: ما أسوأ هذا العالم! لم يحدث معي كل هذا؟ لم أنا فقط؟..، ثم عضت كتف الشاب وبدأت بالبكاء بصوت مرتفع أحدث جلبة في المقهى.
صرخ فيها الشاب قائلا: اخرسي وإلا اوسعتك ضربا..
خرج بعدها من إحدى الغرف رجل ثلاثيني ضخم الجثة غطت جسمه وشوم كثيرة وضربات وكدمات، أصلع الرأس عاري الصدر، يرتدي بنطالا أسودا وبيده سلسلة حديدية عملاقة.
وقف أمامه الشاب قائلا وهو ينزل إليارا عن كتفه: أحضرت رهينة جديدة يا سيدي..
نظر الرجل إلى إليارا التي كانت تبكي ثم قال بسخط: منذ متى نختطف الفتيات أيها الأخرق؟
قال الشاب بتعجب: معظم رهائننا فتيات فمالغريب؟
رد الرجل الضخم: أتعارضني؟ فرق كبير بين فتاة مختطفة من المنزل وفتاة تجوب الشوارع...
قال الشاب: لقد وجدناها في الشارع بهذه الهيئة.
نظر الرجل إلى إليارا ثم رفع رأسها واضعا سبابته أسفل ذقنها قائلا: ما اسمك يا صغيرة؟
ردت قائلة بصوت متقطع: إليارا...
الرجل بنبرة حادة: لقبك....
إليارا: ڠريس...
قام حينها الرجل بتوجيه صفعة قوية للشاب قائلا بسخط: ما الذي فعلته؟ تختطف ابنة سيريتس ڠريس؟ عضو في البرلمان؟
وضع الشاب يده على خده قائلا بألم: سيكون ذلك مربحا لو طلبنا مبلغا ضخما.
قاطعه الرجل صارخا: هل تهزؤ بي؟ ستنقلب المدينة بحثا عنها... لن تترك الشرطة زاوية واحدة إلا بحثت فيها.... حينها لن ينجوا أحد من قبضتهم.
ثم استدار وقال بحدة: أعدها من حيث أتيت بها فورا ، وبعد أن تفرغ من مهمتك تعال إلى مكتبي.
ابتلع الشاب ريقه ثم قال: أمرك.
* * *
خرجت سيليا إلى فناء المنزل وجالت بناظريها تبحث عن الفتى ثم قالت في نفسها: غريب! أين ذهب ياترى؟ لقد كان هنا قبل دقائق فقط.
دخلت إلى المنزل وصعدت إلى الطابق الثاني ثم طرقت غرفة إليارا فلم يأتها الرد.
طرقت الباب مجددا ثم قالت بصوت مرتفع: إليارا... ارتدي ملابسك بسرعة سيأتي والدك بعد قليل.
فتحت باب الغرفة ونظرت بتوجس إلى السرير فوجدته فارغا، دخلت إلى الغرفة وبحثت في زواياها وهي تقول: أين ذهبت يا ترى؟ لست مطمئنة البتة.
نزلت بهرولة نحو الطابق الأسفل وخرجت للحديقة مجددا فلم تجد أي أحد، وفي تلك اللحظة خرج فارون من المرآب وقال: ألم يعد سيريتس؟
استدارت سيليا بهلع وقالت: لا لم يعد بعد..... هل ابنك كان معك؟
رد ڤارون بتعجب: لا، لقد تركته في الحديقة عندما أتيت.
ردت سيليا: لا يوجد أي أحد في الحديقة..... هل رأيت إليارا؟
ڤارون مطمئنا: لا لم أرها، ولكن مابك؟ تبدين قلقة جدا هل حصل شيء ما؟
سيليا وهي تجلس عند عتبة الدرج: لم أجد إليارا في غرفتها ولا في أي مكان.
انحنى ڤارون قائلا: لا تقلقي أين يمكن أن تذهب في وقت كهذا؟! فلنبحث مجددا.
في تلك اللحظة دخل سيريتس وقال: هيا بسرعة لقد تأخرت كثيرا.
ثم نظر إلى سيليا وقال: مابك؟ لم وجهك شاحب هكذا؟
رفعت سيليا رأسها وهرولت نحو سيريتس وقالت وهي تضع يديها على صدره: لم أجد إليارا في أي مكان.
رد سيريتس بقلق: ماذا قلت؟ هل يعقل أنها فعلت ذلك حتى لا نغادر إلى تايتن؟
ردت سيليا والدموع تنهمر من عينيها: مؤكد ذلك، لم تكن راغبة في المغادرة بتاتا.
قال سيريتس موجها حديثه لفارون: وأين ابنك أنت؟
فارون نافيا: لم نجده أيضا، لقد اختفيا معا.
انهارت سيليا على الأرض باكية فنزل سيريتس على ركبتيه قائلا محاولا عدم إبداء الخوف على وجهه : لاتبك يا سيليا مؤكد أنها لم تبتعد كثيرا إهدئي ستعود إلى أحضانك... قومي ولنبحث عنها فقد تأخر الوقت.
* * *
عاد الشاب بإليارا إلى الشارع الرئيسي وتركها هناك ثم غادر المكان.
مشت إليارا دون وجهة محددة تحت المطر الغزير وهي ترتجف، ثم توقفت أمام مدخل الحديقة الرئيسي للمدينة فدخلت إليها وجلست على أحد كراسيها، مقابل بستان الورود الحمراء تتأملها بصمت ضامة ركبتيها إلى صدرها.
غربت الشمس وأنزل الليل أستاره وعم الهدوء في المكان تخلله صوت نباح الكلاب الضالة، وفجأة أحست إليارا بلمسة على كتفها فاستدارت بجزع لتجد ذلك الفتى يقف خلفها ثم قال: أخيرا وجدتك.
استدارت إليارا وخفضت بصرها ولم تجبه.
تحرك الفتى وجلس بجانبها مستأنفا كلامه قائلا: أين كنت لقد بحثت عنك في كل مكان ولم أجد لك أي أثر؟
ردت إليارا بعبوس: لقد اختطفت من قبل عصابة لصوص لكنهم أعادوني.
الفتى بتعجب: ماذا؟ اختطفت؟ مزحة طريفة.
إليارا: ليست مزحة...
أجابها الفتى بصوت هادىء : لم عرضت نفسك للخطر؟
ردت إليارا بحزن: لا أريد الذهاب إلى تاين.
قال الفتى وهو ينظر إليها: مالمانع من ذهابك إلى هناك؟.
إليارا بعينين دامعتين: لم يمضي على انتقالنا إلى هذه المدينة سوى أسبوع واحد..... لقد عشت حياتي كلها ترحالا ولم نستقر لمرة واحدة..... و في كل مرة ننتقل فيها أجد صعوبة في التأقلم وخاصة في المدرسة، حتى أني لم أحظى برفقة أو صديقة طوال سنين دراستي.
ثم تابعت بصوت متحشرج: الجميع يتهرب مني ولا يرغبون في صداقتي رغم أني لم أسيء إليهم أبدا، بحثت فقط عن من أتسلى معهم وأمضي وقتي برفقتهم، أردت أن أكون مثل أي أحد يحظى بالقبول والحب في كل مكان.
كنت منبوذة ولا زلت أعامل كشخص دخيل أينما ذهبت.....، قالت لي أمي أنهم يغارون مني لأن لي جمالا فاتنا وذات جاه ومال، ولكن ما أفعل بجمال ينفر منه الجميع، ومال لا يشتري لي أعمق المعاني....
ربت الفتى على كتفها وقال مواسيا: إياك أن تفقدي ثقتك بنفسك، فالورود الحمراء لاتقطف لبروز أشواكها ورغم ذلك يقر الجميع برونقها وجمالها.
ردت إليارا وهي تبعد يده عن كتفها: وفوق كل ذلك أعيش وحدة موحشة في قصر أتخبط بين جدرانه وأموت ببطىء، لطالما كان والدي مشغولان عني.
فأبي يعمل كعضو في البرلمان صباحا وبالمخابرات الدولية بدوام ليلي، وأمي مديرة أعماله وكذلك فرد من الاستخبارات الدولية أفنت عمرها بين القضايا، ونست أن لها روحا تنتظرها بشوق عندما تعود في المساء.....
حاول الفتى التماسك لكن إليارا انفجرت بالبكاء قائلة: لقد فقدت أمي قدرتها على الإنجاب قبل عدة سنوات، لن أعيش دور الأخوة للأبد...... يئست من مجىء ملاك يؤنس وحشتي...
ضمها الفتى لصدره محاولا إخفاء عجزه، بينما استمرت هي في البكاء بصوت مرتفع.
استجمع قواه وقال متنهدا بعدما هدأت قليلا: أعلم أن ما تمرين به صعب على فتاة في مثل سنك، ولكن والداك يقومان بالمستحيل من أجلك ومن أجل سعادتك، هما مقصران قليلا في مراعاة مشاعرك ولكنهما يبذلان أقصى ما يستطيعان.
كلاهما له مشاكله الخاصة وعقبات يأمل تجاوزها وعليك إحترام ذلك، يكفي أنك الحياة بالنسبة لوالدك، لو ترينه كيف يتحدث عنك أمام والدي، وكأنك أعظم ماحققه وأثمن ما يرغب في الحفاظ عليه، الأبوة شيء مقدس لا يناله الجميع فحافظي عليهما أنت أيضا.
توقفت إليارا عن البكاء ثم قالت وهي تنظر إليه بعينين شاحبتين، وكأنها تتجاهل كلامه الذي لامس فيها شيئا ما : هل تملك إخوة؟
رد الفتى: نعم، أخ وأخت صغرى..
قالت إليارا وهي تدفن وجهها في صدره: أنا لا أملك إخوة ، إذا لا يحق لك الحديث عن الوحدة والتعاسة.
تنهد الفتى قائلا بحسرة: وأنا لا أملك أما، ثم خفض بصره نحوها وقال: وأنت تملكين.
رفعت إليارا رأسها متفاجأة ثم قالت بتوتر:أين هي؟ هل....
اعتدل الفتى في جلسته قائلا: توفت عندما كنت في العاشرة من عمري.... وقتها كانت أختي الصغرى حديثة الولادة..... كنت متعلقا بها لدرجة أني فقدت صوابي بعد رحيلها، رغم أني لا أفقه من الموت سوى الحرمان ، تطلب عودتي إلى رشدي ثلاث سنوات.
وإلى ذلك الحين كان أبي قد تزوج من إمرأة أخرى لحاجته إلى شخص يرعى أبنائه، كما أنه كان في مقتبل العمر ولم يكن مجبرا على البقاء أعزبا طوال حياته، رفضت الفكرة تماما لأني كنت مولعا بأمي وأبجلها بجنون.
وبسبب طيشي في صغري لم تنموا أي علاقة بيني وبين زوجة أبي بل صارت تبادلنا الإساءة هي أيضا، لم تعد تهمني نفسي بقدر أخواي اللذان كانا ضحية لتصرفي الأرعن.
قاطعته إليارا قائلة بأسف: مؤسف ذلك أشعر بالأسى عليك، فراق الأم كفراق الروح والجسد ومهما بلغنا من العمر لن نتخطى ذلك ، أكره الموت بشدة فهو يختطف منا أرواحا بل ملاذا لأنفسنا.
لم يجبها الفتى ولزم الصمت وبدا كأنه تأثر بنبش الماضي، فقالت إليارا: أنا آسفة لأني ذكرتك بحادثة سيئة في مثل هذا الوقت...
استدار الفتى نحوها وقال: لا عليك، فأمي ذكرى نحتت في صدري وهي حية في داخلي ولن تموت للأبد، ثم تابع قائلا: لم أقدم نفسي بعد ، أدعى مير طالب في السنة الثانية نهائي.
قالت إليارا وهي تتفقده بعينيها: إذا أنت في الثامنة عشر صحيح؟
مير قائلا وهو يحدق ببركة المياه التي شكلها المطر الغزير: لا بل سبعة عشر ربيعا... وأنت كم عمرك يا شقراء؟
ابتسمت إليارا قائلة: ستة عشر عاما.
استدار نحوها مير وقال باندهاش: تبدين أصغر من سنك، هل هو سحر ياترى؟.
انتبه مير إلى تأخر الوقت فقام قائلا: هيا فلنعد إلى المنزل، متأكد من أن والداك قلقان عليك الآن.
أومأت إليارا برأسها ثم قامت تحاول الوقوف لكنها عجزت عن ذلك وكادت تسقط، لولا ارتكازها على مير في اللحظات الأخيرة، امسكها مير برفق وقال: ساقك تنزف، هل تؤلمك؟
ردت إليارا: نعم، سأحاول أن لا أرتكز عليها كثيرا.
نزل مير على ركبتيه قائلا: لا لن تمشي وأنت على هذه الحال، اصعدي على ظهري هيا!
ارتبكت إليارا ثم فعلت ذلك فقام مير وراح يسير بها متجها نحو مخرج الحديقة، ثم التفت نحوها وقال وهو يضحك: توقفي عن فعل ذلك يافتاة.
قالت إليارا باندهاش: أتوقف عن ماذا؟
مير رافعا رأسه محدقا بالغيوم: أنفاسك الدافئة تدغدغ رقبتي.
رفعت إليارا رأسها تنظر إلى نهاية الطريق بفم مفتوح وهي ترى والدها يقف عند المخرج بسترته المبللة وأنفاس متسارعة.
إمتلأت عيناها بالدموع وخفضت بصرها وانتابها إحساس بالندم والخوف من رد فعل والدها الذي بدا غاضبا.
وعندما صارت تفصل بينهما بضع أمتار هرول الأب نحو مير ثم قال له ونظره معلق بابنته: أين وجدتها؟
رد مير: كانت في الحديقة ياعم، لا تقلق عليها اصيبت ساقها فقط.
رد والدها وهو يمد يديه قائلا: أشكر لك صنيعك يامير...، هات سأحملها عنك.
أنزل مير إليارا التي وقفت بصعوبة خافصة رأسها، فحملها والدها بين ذراعيه وراح يسير بها نحو سيارته التي ركنها قرب مخرج الحديقة.
لم تنبس إليارا بأي شيء وعجزت عن قراءة نظرات والدها الذي التزم الصمت ولم يعلق حتى أو يسألها عن ما حصل لها، وأخيرا استسلمت إليارا لتعب اليوم واسندت رأسها على صدر والدها واضعة يدها حول رقبته مغمضة عينيها.
انزل سيريتس رأسه يحدق في وجه ابنته التي نامت فورا، وكان باديا عليها التعب، ثم نزل بعينيه إلى ساقها التي أصيبت بجرح تحجر الدم حوله، بعدها احتضنها بقوة محاولا تدفأتها ريثما يصل إلى السيارة.
ركب سيريتس السيارة وابنته في حضنه تغط في نوم عميق، وبجواره جلس فارون الذي صرخ في مير الجالس في المقعد الخلفي قائلا: أين كنت ياولد؟
رد مير محاولا طمأنة والده: كنت في الحديقة عندما قررت إليارا الهرب والقفز من سور المنزل... حاولت منعها لكنها أفلتت مني، فقمت أبحث عنها في كل شبر من المدينة إلى أن وجدتها في الحديقة العامة على هذه الحال.
انطلق سيريتس بسيارته بسرعة جنونية متجاوزا إشارات المرور، فقال فارون عندما رآه على تلك الحال يدخن بشراهة: مابك ياسيريتس؟ واضح أنها كانت منزعجة وحسب، وقد عادت الآن وهي بين ذراعيك.
لم يجبه سيريتس وتابع التدخين متجها نحو المشفى العمومي.
نزل الجميع أمام المشفى ثم دخل سيريتس إلى مصلحة الإستعجالات بينما بقي فارون وابنه في قاعة الانتظار.
دخل سيريتس حاملا ابنته إلى قاعة الفحص وجلس على الكرسي أمام الطبيب بعدما وضعها على السرير.
قال الطبيب مستأنفا وهو يحدق بإليارا : تبدوا في حالة حرجة.... ما الذي حدث لها أيها المحترم؟
رد سيريتس بعبوس: في الحقيقة لقد تاهت في شوارع المدينة عند مساء اليوم، ووجدتها على هذه الحال لذا قم بالفحص الشامل، لأني أريد التأكد من أنها لم تتأذى كثيرا.
أومأ الطبيب برأسه وراح متجها للسرير بعدما سجل المعلومات الشخصية للمريض، ثم جلس أمام إليارا وارتدى سماعاته وراح يقوم بالفحص وسيريتس يراقب بصمت.
قام الطبيب بتضميد ساقها، ثم استدار نحو سيريتس وقال: إنها بخير حمدا للإله على سلامتها، ثم تابع وهو يقرأ نتائج التحاليل: إلا أن ضغط دمها مرتفع وتعاني من حمى شديدة، حرارتها ارتفعت وقد تضطرب بعد عدة ساعات.
ثم سار متجها نحو مكتبه قائلا: سأصف لك الدواء وعليها أن لا تسير على قدمها كثيرا.
قال سيريتس وهو يمسك ورقة الأدوية: حسنا، شكرا لك، ثم أردف: سأتركها هنا لبعض الوقت ريثما أزور مريضا وأعود.
خرج سيريتس متوجها إلى مصلحة أخرى ودخل إلى إحدى الغرف بعدما طرق الباب، واتجه نحو السرير، ثم نزل على ركبتيه وأمسك بيدها قائلا:سيليا.... أفيقي أرجوك لقد عادت إليارا .
* * *
جلس الجميع بصمت في السيارة المتجهة إلى محطة القطار، حينها قال فارون موجها حديثه لسيريتس وهو يشغل راديو السيارة: أظننا لن نصل في الوقت المناسب.
تنهد سيريتس قائلا: أظن هذا أيضا.....، على الأقل أستطيع معاينة مسرح الجريمة والقيام ببعض التحقيقات.
ثم وجه نظره نحو المرآة الأمامية يحدق بسيليا التي كانت تجلس في المقعد الخلفي شاردة الذهن، تتكأ على كتفها إليارا التي لازالت تغط في النوم، ثم قال: هل ارتحت قليلا يا سيليا؟
استفاقت سيليا من شرودها وقالت بصوت هادىء: نعم، لكني لازلت أشعر بخدر في أطرافي.
رد سيريتس وهو يحدق بالطريق أمامه: لا عليك ستتحسنين بعد أخذ قسط من الراحة.
* * *
إليارا
فتحت عيناي ثم رفعت رأسي عن كتف أمي ولازلت أشعر بألم في جسدي ووهن في عضلاتي.
استدرت نحوها فالتقت نظراتنا وجلست أتأمل تلك العيون الرمادية التي مازادتها الدموع إلاجمالا.
طأطأت رأسي في ندم فضمتني إلى صدرها وبدأت بالبكاء قائلة من بين عثراتها: ظننت أني لن أراك مجددا.... لم فعلت ذلك؟ تعلمين أني لا أطيق ابتعادك.
بقيت جامدة بلاحراك وقد اتجهت كل الأنظار نحوي، عدا أبي الذي تابع القيادة وكأن لا شيء قد حدث، لكني مدركة أن في داخله بركانا قد انفجر بصمت.
أدرك خطئي جيدا، ولكن ما عساي أفعل؟ مللت عيش الملوك في رغد وافتقاري لأصدق العواطف.
أنهت أمي عناقها قائلة وهي تمسك بكتفاي: لا تقلقي حبيبتي، سنذهب لبضعة أيام فقط ونعود إلى ترايتون، ثم رفعت رأسي بسبابتها قائلة بحنان: هل اتفقنا؟
أومأت برأسي ببرود وأنا أدير وجهي، حينها وقعت عيني على المرآة الأمامية للسيارة التي كان يحدق بي والدي من خلالها.
سرت رعشة غريبة في جسدي وشعرت بالتوتر من نظراته الحادة التي ثبتها علي، ليست أول مرة أزعجه فيها ولكن أظن أني كسرته هذه المرة حقا.
فقد تسببت في تأخيره عن موعد القضية التي حلم بحلها لأكثر من عشر سنوات.
اعتدلت في جلستي وحاولت التماسك، ثم اختلست النظر مجددا إلى المرآة ووجدته لازال يحدق بي هو أيضا بحدة، انزلت رأسي و ذرفت الدموع بصمت على أمل أن لا يلاحظ أي أحد ذلك.
* * *
توقفت السيارة أمام محطة القطار فترجل الجميع متجهين إلى شباك بيع التذاكر.
ارتكزت سيليا على زوجها، وأمسكت يد إليارا، بينما سار فارون وابنه بالمقدمة.
سيليا موجهة حديثها لإليارا: أمسكي بذراعي وحاولي أن لاترتكزي كثيرا على ساقك، وإياك أن تفلتي يدي ستضيعين حتما في هذه الحشود.
قاطعها سيريتس: دعيها تأتي من هنا فأنت أيضا متعبة.
سيليا وهي تدفع ابنتها نحو سيريتس برفق، قائلة: حسنا.
مد سيريتس يده وأمسك بمعصم ابنته وسحبها إلى جانبه، حينها احتضنت إليارا ذراعه وتابعوا السير.
ثم توقف الجميع وقال فارون موجها حديثه لسيريتس: سأذهب أنا ومير لشراء التذاكر بسرعة.
أومأ سيريتس برأسه قائلا: حسنا، ستجدني أنتظرك قرب الرصيف بعد أن أستكمل إجراءات نقل السيارة في المقطورة الخلفية.
ذهب فارون ومير لشراء التذاكر ، ثم استدار سيريتس نحو سيليا قائلا: ابقي إلى جانب إليارا فهي غير قادرة على السير واختارا أحد المقاعد ريثما أعود.
هزت سيليا رأسها موافقة، وسارت مع ابنتها إلى أحد المقاعد وجلستا تنتظران بصمت.
بعد مدة التفت سيليا الى ابنتها ووضعت يدها على جبينها ثم صاحت: يا إلهي! حرارتك مرتفعة كثيرا، ثم أضافت وهي تنزل يدها وتهزها برفق: افتحي عينيك قليلا يا إليارا.
التفتت إليارا إلى والدتها بعينين نائمتين ووجه شاحب قائلة: أشعر ببرودة في أطرافي، ثم تابعت وهي تلتقط أنفاسها: ما الذي يحدث لي يا أمي؟ أشعر بغثان وصداع شديد...
ردت الأم بخليط من الحزن والحنان: ياروح أمك ما يؤذيك يؤذيني، أنا هنا معك ولن أتركك، إنها حمى شديدة وستشفين قريبا.
ثم قامت وهي تقول: ابقي هنا سأذهب لشراء مشروب ساخن يدفء جوفك، لاتبرحي مكانك حتى أعود، مفهوم؟
أومأت إليارا برأسها وهي تستند بيدها على الكرسي.
* * *
فتحت إليارا عينيها وبدا وكأنها نامت من دون أن تشعر، ثم فركتهما لتتضح الرؤية التي كانت ضبابية وهي تقول: أمي؟ ثم أردفت وهي تتبع بعينيها شخصا ما: لم ذهبت أمي في ذلك الاتجاه؟
ثم قامت بتثاقل وهي تصيح متجهة نحوها وقد اختلط صوتها بضجيج الناس: أمي!! كيف تركب القطار من دوني، وأين البقية؟
وبينما هي تركض مخترقة الحشود وبصرها مثبت على والدتها، اصطدمت بأحد الأشخاص الذين نزلوا لتوهم من القطار.
وضعت يدها على جبينها بألم ثم قالت وهي تقف: مؤلم مؤلم...
سمعت صوتا به بحة رد ببرود: انتبهي أيتها الحمقاء!
فتحت عينيها بتوجس ونظرت إلى الشخص الذي خاطبها، كان فرق الطول بينهما واضحا فقد رفعت رأسها كما لو كانت تنظر لمبنى عملاق، بينما اكتفى هو بطأطأة رأسه قليلا.
نظرت إليه بذهول ولم تنبس بشيء وسادت بينهما لحظات من الصمت، وكان مشهدا بطيئا تأمل كلاهما فيه خلقة الآخر، فتى أشقر بخصلات نزلت على عينين رماديتين شاحبتين، وندبة جرح امتدت من عينه اليسرى لأسفل خده، يلبس بنطالا أسودا مغطى ببعض البقع، وقميصا رماديا علته سترة صوفية، وعلى ظهره حقيبة متوسطة الحجم.
قام الفتى بابعاد إليارا من طريقه وتابع سيره، بينما ظلت ساكنة بلا حراك وقالت في نفسها تستذكر ما حدث، وهي لاتزال تحت الصدمة : ذلك الوجه....، رأيته من قبل...
ثم تابعت وهي تستدير إلى القطار تتأمل انعكاسها على زجاجه: يشبهني....وإلى حد كبير.
استدارت بعدها وعادت أدراجها حيث تركتها والدتها، ثم توقفت على مقربة من كراسي الإنتظار لتجد والدتها تجول بناظريها بين الحشود بهلع، ووالدها يتكلم عبر الهاتف ثم قال و قد استقر بعينيه على ابنته: عد بسرعة يافارون..، لقد أتت.
ثم أغلق الخط و بقي يحدق بإليارا التي توقفت أمامهما، فاستأنفت والدتها قائلة بنبرة غاضبة: منذ متى أصبحت طائشة يا فتاة؟؟ هل أنت مدركة لم تفعلينه.
كان باديا على والديها أنهما شكا في رغبتها في الهروب مجددا، فقالت إليارا بصوت متحشرج وقد احتقنت بعض الدموع في محجريها: رأيت امرأة تشبهك اتجهت لتركب القطار فتبعتها ثم....
ردت الأم بحدة: ثم ماذا؟
وضع سيريتس الذي كان يراقب بصمت، يده على كتف سيليا وقالت إليارا متابعة كلامها: ثم تهت وسط الحشود..
تنهدت الأم بأسف واضعة يدها على جبينها، ثم قال سيريتس وهو يستدير نحو القطار: هيا فلنركب بسرعة ، لقد تأخرنا كثيرا...
دخل الجميع إلى المقطورة واتخذ كل واحد منهم مقعدا في انتظار قدوم فارون ومير، وتحرك القطار.
جلست إليارا بجانب والدتها وجلس والدها في مقعد مقابل لها، ثم قدم فارون ومير وانطلقت الرحلة نحو تاين.
* * *
حط الجميع الرحال في مدينة لاين وكانت الساعة تشير للحادية عشر ليلا، ثم ركبوا السيارة متجهين إلى مدينة أوزيس.
قال فارون مستأنفا: كان من حسن حظنا أن مدينة لاين تقع على الحدود البرية لتاين، فقد استغرقت الرحلة نصف ساعة فقط.
تنهد سيريتس الذي كان يقود السيارة بسرعة ثم قال: لو كنت على علم مسبق بوقوع الجريمة في هذا اليوم وحدوث كل هذا، لما عدت من تاين الأسبوع الماضي.
رد فارون متساءلا وهو يحدق بسيريتس: ماذا كنت تفعل؟ هل هي رحلة عمل؟!
سيريتس: نعم! قضية قديمة، تخص قاتلا مجهولا يستهدف كبار الدولة والسياسيين رفيعي الشأن.
قال فارون وهو يحدق بالطريق أمامه: وهل توصلت إلى حل ما؟
سيريتس نافيا: لا، بقيت معلقة كما يحدث كل عام.
فارون بتعجب: كل عام؟
سيريتس وهو يتفقد سيليا وإليارا اللتان كانتا تجلسان في المقاعد الخلفية، قائلا: أجل، كل عام وتحديدا قبل المزاد العالمي يقتل ما يزيد عن خمسين شخصا من كبار الدولة، ولا نجد دليلا واحدا يقودنا إلى الفاعل.
فارون وهو يحك أنفه بسبابته: وهل تظن أن الفاعل هو شخص واحد؟
أجاب سيريتس: رمزيته هي من قادتنا إلى هذا الإستنتاج، فقد كان يستهدف العين اليمنى للضحية بالإضافة للرصاصة المصنوعة من خليط معادن خاص.
رد فارون وهو يفرك ذقنه: هكذا إذا! ولكن لم ربطت القضية بالمزاد العالمي؟
سيريتس وهو يشعل سجارة قائلا: المستهدفون كانوا في قائمة المشاركين في المزاد العالمي، علاوة على ذلك فهم إما مقربون من العائلة القاتلة، أو احتكوا بأعوانها.
فارون موجها نظره نحو سيريتس: إذن هناك من يستهدف الأسرة غيرنا.
سيريتس موافقا: نعم، وليس شخصا واحدا بل كيان منظم.
* * *
اعتدل فارون في جلسته محاولا الإنصات إلى الصحفي الذي كان يقول: اندلعت حرائق مروعة وسط مدينة أوزيس وتفجيرات خطيرة مصدرها مولدات الكهرباء....
تفاجأ الجميع لسماع ذلك الخبر حينها قال فارون موجها حديثه لسيريتس: هل سمعت ما سمعته للتو؟
رد سيريتس من دون أن يلتفت مثبتا نظراته على الطريق: بل هل ترى ما أراه؟... لقد أغلقوا المعابر...
فارون بسخط: أغلقوا المعابر!!! هذا يعني أن مهمتنا ستؤجل؟
سيريتس بحدة: سندخل عنوة، راقبني وحسب...
𝐶ℎ𝑖𝑟𝑖🎭♟️