قلبٌ أسود.

قلبٌ أسود.

67 0

مقدمة

يمضي الزمن ونعيش نفس السيناريو، ليثبت لنا القدر أن الظالم سينال جزاءه، وكل ذي حق سيأخذ حقه، وأنه لا جريمة بلا دافع.

اختلفت الحكايات، لكن للحقيقة وجها واحدا، تتشابك الأحداث وتتداخل الأهداف، وتصر الحقيقة على التواري خلف السراب.

يأتي الصراع ليمحي جزء من التاريخ، ليعيش الجميع في كذبة الزمن، ويصاغ من جديد حين يولد من لم يخلق ليكون عاديا، حينها فقط تلتقي الخصوم، وينتقم الجبابرة وتنتهي حكاية دونت في يوميات السفاح.

رحلة نفسية بين الظلام والنور، حين يصنع العدل بحد السكين، حين تنقلب الطاولة ويصبح الصياد فريسة.

بقلم العابثة.

يوميات السفاح.

ملاحظة:

ڤ=v

ڠ=g

الفصل الأول: قلب أسود

حددت الهدف.....

وضغطت الزناد.......

فدوى صوت الطلقة، وسقط هدفي قتيلا....

خفضت المسدس، وحدقت ببرود برأس الضحية الذي أصدر صوت ارتطام بعد وقوعه، وفارت الدماء منه كنافورة حمراء......

تراجعت للوراء ببطء وعدت أدراجي قائلا في نفسي: تمت المهمة!

* * *

إسمي ماڤروس كراڤيا، ولدت في قصر نبلاؤه قتلة…..

قصر لا يعرف لضوء النهار سبيلا…..

في أرض تتوارى فيها الظلال بين أشجار غابتها الكثيفة، قوانين عائلتي خطّت بالدماء قبل قرون و حفظناها عن ظهر قلب ، ولا يزال أفرادها يبجلّون سكان القبور أسلافهم، ويحلمون بالثأر لمجدهم.

أي مجد؟

لنا أرشيف جرائم تقشعر له الأبدان، تمردت على تلك القوانين وعلى الجميع، آملا أن أتخلص من ذلك الماضي العقيم، رغم النُّدب التي خلفها، أولها وشم الأرملة على معصمي أكرهه بشدة رغم أنه صار جزءً من هويتي.

ورغم إنفصالي عن العائلة، إلا أني أميل لانتهاج ذات الطريق.

* * *

بعد خروجي من مقر الشركة توجهت عائدا إلى العرين الذي يجتمع فيه أفراد المنظمة والقتلة المأجورين، تخطيت الحشود المتجمعة أمام مبنى الصحافة بخفة، وعند خروجي للشارع الرئيسي رفعت رأسي أنظر للسماء الملبدة بالغيوم والتي أنذرت بشؤم قريب.

تحت جسر المدينة يوجد نفق يشق بظلامه طريقا متعرجا أسفل مدينة "أوزيس"، يقتاد المار فيه إلى مقهى "باريون".

سرت بهدوء في النفق ثم رفعت رأسي ووجدت" آهورا "يركض باتجاهي، ثم قال بتوتر: هل أنجزت مهمتك؟

حدقت به لدقائق ثم أومأت برأسي وتابعت السير.

كان النفق أوسع مما يبدو عليه فقد اتسع لمبنى بطابقين، استعمل في بنائه خشب فاخر وأعمدة الخرسانة، كان بمثابة نزل لأفراد المنظمة.

خلف جدرانه تعالت الصيحات والقهقهات، وأغشى النور الذي ينبعث من نوافذه ظلمة نفق باريون.

ركلت الباب بقدمي ودلفت إلى الداخل فحل السكون وسط المقهى.

وكسره صياح أحد زعماء العصابات الذي قال باستفزاز وهو يسير نحوي:لم نكن نعلم أن بيننا فردا من العناكب….، لقد شككت من البداية في كونك من نسل مرموق أيها السفاح" يوبي"، لكن أن تكون الوريث ماڤروس نفسه!! فهذا جنون.

ثم وضع يده على كتفي بغلظة وابتسم بخبث.

بدا الجميع متفاجئين مما قاله "كاليوس"، عدا آهورا الذي وقف متجمدا قرب باب المقهى، وساد صمت غريب تخللته همهمات الحضور.

نظرت إليه من بين شقوق القناع ولم أظهر له أي علامات للدهشة ، ثم حملت مسدسي الذي لازالت رائحة البارود تفوح من فوهته، وثبته على جبينه و أطلقت النار عليه فانفجر رأسه كبرميل مملوء، وأرديته قتيلا وسط ذهول الحاضرين.

لم يستطع أن يقاوم، فقد كان ذلك في جزء من الثانية.

إنتقلت الوجوه المتهكمة بانظارها إلي، غير مستوعبة لتوالي الصدمات والمفاجآت، بينما هرع أتباعه وانحنو لتفقده، لكني تابعت السير بخطوات واثقة وابتسامة مستفزة، متجاوزا الحضور إلى درج عريض بإحدى زوايا المقهى.

كان ردائي الاسود الذي غطى جسدي من الخلف بالكامل يترنح جيئة وذهابا مع الرياح الآتية من نوافذ السقف المفتوحة، وصوت ارتطام حذائي مع الدرج يصدر إيقاعا موسيقيا يوهم الحاضرين أنني زعيم المكان.

وقفت أمام باب الغرفة ثم قلت من دون أن ألتفت: عدد الحاضرين يسير، قم بواجبك بسرعة ثم ارمي جثثهم بعيدا، هذا ماكان ينقصني، إنكشاف هويتي في مكان يعج بالقتلة والعملاء.

بقي آهورا صامتا ثم سار إلى الأسفل بعدما أخرج خنجرا من جيب سترته.

أغلقت الباب خلفي وارتميت على السرير بعد عملية اغتيال ناجحة و يوم شاق وسمته بجثة أخرى أضفتها إلى قائمتي ، ثم توجهت إلى مكتبي وأخذت قلمي ومذكراتي، وكالعادة أسرد يومياتي بالتفصيل واعتدت فعل هذا منذ أكثر من أحد عشر سنة، وبعدما أنهيت طويت صفحاتها ووضعتها جانبا.

لا أدري حقا لمَ أدوّن؟ هل شفقة مني على أيام أريد مضيّها، أم لعله يأتي من يطّلع على خبايا نفسي، بل الفراغ الذي ملأني.

وريثما آخذ حماما جلست أتأمل تحت المياه الدافئة أحدث نفسي: لم أنا هنا؟! ماهي الخطوة القادمة؟ ألم أتحرر من تلك القيود لهدف واحد؟! أن أقتل..... "كاروي"؟!

نعم لقد ربينا على حفظ القانون الثاني للأسرة: الثأر لسايبا، لكني لا أبحث عن الثأر، بل عن ثمن حريتي، كان هذا هو الدافع الوحيد الذي أعيش لأجله.

خرجت من الحمام مسرعا بعد أن كاد الباب يتحطم تحت قبضة آهورا، وصرخت في وجهه وأنا أجفف شعري: ما كلّ هذه الجلبة يا آهورا؟.

آهورا بملامح جدّية كالعادة: السيد يطلب مقابلتك حالا.

قلت وأنا أهم بإغلاق الباب: ليس الآن أنا متعب وأحتاج لبعض الراحة.

إستوقفني آهورا قائلا: يوّد مقابلتك الآن.

نظرت إليه باستغراب ثم زفرت قائلا بضجر: سأكون في مكتبه بعد أن أرتدي ملابسي.

لم يقل شيئا وإستدار مغادرا كظل تاه وسط الظلام.

أغلقت الباب ثم فتحت الخزانة وتناولت بنطالا أسودًا مع قميص صوفيّ أسودٍ أيضا، وارتديتهما على عجالة، وقبل خروجي وقفت أمام المرآة أتأمل ملامحي وهي تندّس تحت القناع ، ثم حملت مسدسي وعلّقته في حزام البنطال وخرجت متوجها نحو مكتب" أريڠان".

كان الرّواق مظلما جدا والمكان هادئا، ليس الهدوء المريح بل.... هدوءا مريبا، وقفت متيبسا وأنا على حافة السلالم، ثم أكملت سيري بخطوات بطيئة نحو الأسفل، وجلت بعيناي أتفقد الفوضى الدموية قائلا في نفسي: لم يخطىء أنفي حين شم رائحة الدماء، الجثث في كل زاوية من المقهى، أطراف ممزقة ملقاة بعشوائية، ورؤوس مفصولة عن رقابها، وأجساد تتدلى أحشائها.

كانت أغلب الجثث لأفراد رئيس تلك العصابة الذي أفصح عن هويتي، " كاليوس " لكني شككت أن عددهم كان ناقصا.

ثم تابعت متسائلا: لمَ لم يقم أهورا بتنظيف المكان؟ أظن أن الأمر الذي استدعاني من أجله أريڠان مثير ولا يحتمل التأجيل.

مشيت بهرولة نحو مكان تقديم العصائر والشراب، وخلف تلك القوارير المصفوفة فوق الرفوف عصا خشبية حركتها إلى الأسفل ، فبرز باب حجري توارى عن الأعين خلف لوحة زيتية كبيرة، أمسكت بمقبضه وفتحته ثم دخلت وأغلقت الباب خلفي.

كان يقبع في الدور الأسفل مقر المنظمة و قد استعمل سابقا أثناء الحروب كمركز للإيواء ، وقبل الوصول إليه علي السير في رواق طويل بسقف مرتفع، مبني بطوب طيني زينته نقوش ورسوم ذات طراز شرقي.

وفي طريقي كنت أفكر في الحوار الذي سيدور بيني وبين أريڠان، هل هو إطراء وشكر على نجاح المهمة؟ أم عملية اغتيال أخرى؟ ولو كانت كذلك لم استعجل الأمر؟ ، كانت كلها أسئلة تدور في خلدي.

بعد خروجي من ذلك الرواق وقفت متوسطا ساحة كبيرة كقوس دائرة، لها أربعة مخارج متشابهة بجانب بعضها، والخامس المنفذ الذي أتيت منه، كانت ثلاث منها تؤدي إلى المجاري المائية والأخيرة فقط تؤدي إلى المقر.

لم يحتج المكان إلى مصدر للإضاءة لأنه كان عليك السير بحدسك، وبالنظر إلى كوني آتي إلى هنا كل يوم تقريبا فالوجهة صارت أسهل، ولا أنكر أن بعضا من أفراد المنظمة الذين أقبلوا على دخول النفق قد تاهوا في منافذه وصارت هياكلهم جزءا لا يتجزأ من ديكور النفق.

وقفت أمام باب خشبي ضخم ووضعت يدي على مقبضه وهممت بفتحه، لكني اصطدمت بأهورا قبل أن أخطو خطوتي الأولى فقلت معاتبا وأنا ألتمس جبيني: انتبه وأنت تسير ألا ترى أن المكان مظلم!

رد ببرود منحنيا: آسف!سأكون حذرا في المرة القادمة.

انقشع الظلام فور دخولي لمكتب أريڠان فقلت مستأنفا وأنا أغلق الباب خلفي : ما الذي استدعيتني لأجله؟!

استدار أريڠان الذي كان يقف مديرا ظهره وهو يتحدث عبر الهاتف، وقال بعدما أغلق الخط : لم تأخرت ؟.... إجلس إجلس!.

قلت متجاهلا طلبه: ما الأمر المهم الذي إستدعيتني لأجله؟.

قال بجدية وهو يحدق في التلفاز خلفي : يجب أن ترحل في الحال أيها الأشقر.

تغيرت تعابير وجهي، لكني كتمت غيظي وبقيت صامتا.

تابع أريڠان قائلا: لقد علمت الشرطة بمقتل "آرشي".

تجمد الدم في عروقي بعد جملته هذه، لم أعلم لم انتابني الخوف فجأة فقلت في نفسي مطمئنا: إنها جريمة من بين المئات الأخريات، بلغت حصيلتي عشرين ضحية في يوم واحد، لن يتغير شيء سواء اكتشفوا الجريمة أم لا .

قلت بعدما تنهدت بعمق: ألم تقتضي الخطة أنه سيكون في عزلة لثلاثة أيام؟

رد موافقا وهو يمرر سبابته على سطح مكتبه: نعم، لكن لسبب ما تغيرت الأمور وهي ليست في صالحنا الآن.

إستدرت عازما على الخروج وأنا أقول: فليدفنوا جثته أو ليتركوها تتحلل على مضض.

مشى خلفي ثم أمسك يدي وسحبني بقوة، وقال بصوت مرتفع : تتحدث وكأن الأمر لايعني لك شيئا!

نظرت إليه بحدة بعدما أفلت يدي من قبضته وقلت مستهزءا: منذ متى أصبحت تهتم لأرواحهم؟.

رد قائلا ونظره نحو التلفاز مجددا: لم أكن أقصد ذلك.

قلت متنهدا: إذا ماذا كنت تقصد؟

قاطع حديثنا بث مباشر لصحفي يسرد ما توصلت إليه الشرطة الجنائية:«يبدو أن القاتل أحد أفراد الأسرة القاتلة ولدينا شهود عيان على هذا الإدعاء، وكما نعلم أن هناك إتفاقية بين حاكم" تاين" و أسرة "سايبا"، تنص على أنه إن وقع أحد أفراد الأسرة القاتلة متلبسا أو قبض عليه، فسيتم اعتقاله بلا اعتراض من سايبا، فلقد سئمت الشعوب من بطش هذه الأسرة وآن أوان كبح همجيتها، إنها جريمة شنعاء راح ضحيتها رئيس شركة مالينو للأسلحة النووية آرشي ميديل.»

وقفت لثوان أحاول استيعاب ماقيل للتو، ثم نظرت إلى أريڠان وقد اعتلت وجهي ملامح الصدمة، فقال مستأنفا: هذا ما كنت أقصده وهذا ما استدعيتك لأجله.

جلست على الأريكة وقلت بخليط من الغضب والسخط : ما هذه المهزلة؟ هل ورطتني لتظفر بالمال وحدك؟ وفوق كل هذا أعلق في مشكلات أمنية؟ هل تعرف ما معنى هذا؟.

قال بتوتر: لا تسئ الظن فالخبر أفجعني مثلما أفجعك.

لم تبدو على وجهه الصدمة أو الرضا فهل فجع حقا؟!

قلت وقد بدأت أفقد سيطرتي: أنا لا أسيئ الظن بك بل متأكد من ذلك وواثق تمام الثقة ، ألم تكن فكرة الإغتيال من تدبيرك؟وأنت وحدك من تعلم بهذا الأمر.

جلس أريڠان على كرسي كان مقابلا لي وأردف قائلا : الشرطة في طريقها إليك، وقد استدعيتك لتحذيرك فعلى الأقل اغتنم ماتبقى من الوقت لصالحك.

قلت ضاحكا بهستيرية: الشرطة في طريقها إليّ؟ وهل استبعدت نفسك من الخطر؟

قال نافيا: أعلم هذا، سنتحاسب سويا لأنك تحت إمرتي لكن الضرر الأكبر سيلحق بك وحدك لأنك من أقبل على قتله، ففي الأخير أنا مسؤول عن منظمة إجرامية هي الأكبر في تاين ولست أنت المجرم الوحيد فيها.

قاطعته قائلا: نحن في عالم انقلبت فيه الموازين.

ثم رفعت رأسي وأغمضت عيني قائلا: إسمعني جيدا يا أريڠان، إن لي كبرياءً لا يخضع لقوانين حياتكم؛ أفهمت؟!

قال أريڠان بعدما ابتلع ريقه: أدرك ذلك جيدا.

قلت وأنا أنظر إليه بعيون متقدة بالغضب: لا يوجد احتمال آخر، ثم من شاهد العيان هذا الذي تحدث عنه؟ لم يكن سواي في مكتبه حين نفذت الجريمة و الطريق إليه كان أسهل مما اعتقدت، كان خاليا تماما من أي حراسة ولم أجد أي صعوبة في الدخول أو الخروج من مقر الشركة.

قال أريڠان وهو يمسح قطرات العرق من جبينه بظهر يده: ربما شاهدتك كاميرات المراقبة، أو ربما نزعت قناعك… لا أدري.

قلت مقاطعا: لا يمكن ذلك، نحن أفراد الأسرة نستخدم شرائح صغيرة تدمر الخلايا الإلكترونية للأجهزة والرادارات بالموجات الكهرومغناطيسية.

ثم أكملت بغرور: أنت تعلم ما يميزنا عن غيرنا من السفاحين؛ نحن لانترك أثرا أو دليلا خلفنا ... نحن قتلة الطيف نقتل بصمت أعدائنا.

رد أريڠان قائلا: ربما لم تنتبه لوجود كاميرة حرارية.

قلت ساخطا: هل تتعمد الإستغباء أيها الكهل؟ حتى لو كانت كاميرة حرارية لاتؤثر فيها شرائحي، كيف استطاعوا تحديد هويتي؟ لست معرفا في نظام الرقمنة على أني ابن عائلة سايبا، لأني معرف بهوية مزورة، وماتفسيرك لمعرفتهم بموقعي أيضا؟.

أجاب أريڠان وهو يهم بالوقوف: في الحقيقة كل ما أعرفه أن أتباع رئيس تلك العصابة قد سربوا مكان تواجدك.

قلت وقد اعتدلت في جلستي: هل تقصد الشخص الذي قتلته قبل قليل؟ كاليوس؟.

هز أريڠان رأسه بالموافقة قائلا: نعم.

قلت بخليط من التعجب والقلق: لكنّي أوكلت مهمة تصفيتهم لآهورا.

قال أريڠان وهو ينظر إلي: أخبرني أهورا بذلك، وقال أن أحدهم فر هاربا ولم يستطع اللحاق به لذلك آثر أن يطلعني على الأمر ، أظن أن الشخص الفار هو من قام بتسريب مكانك.

أردفت قائلا: لذلك كانت الفوضى تعم المكان!، لم أخطئ إذا حين شككت أن عددهم كان ناقصا !

ثم تابعت: كنت أفكر في سؤالك عن كاليوس.

صمت برهة ثم أجاب : تفضل.

قمت من مكاني قائلا: هل أطلعته على شيء عني؟.

رد أريڠان متسائلا: لا! لمَ تسأل؟.

أخرجت" ماتروس" ومسحت عليه وأنا أقول: لا تجبني بسؤال! لقد كان على علم بهويتي وأفصح عنها أما الحضور لذلك قتلته وطلبت من آهورا تصفية الجميع.

خطى أريڠان بضع خطوات للوراء ثم قال: لقد أطلعني آهورا على هذا أيضا، ثم أردف بابتسامة مستفزة: لكن لمَ أخرجت مسدسك؟ هل تنوي تهديدي؟!.

قربت فوهة ماتروس من شفتي وقلت ببرود: وهل أنت خائف؟

إقترب مني وهو يقول: وهل يخاف المعلم من تلميذه؟.

خفضت ماتروس وأجبته بتهكم: ليس هذا موضوعنا، كل الشكوك تدور حولك فكف عن استفزازي ولا ترغمني على إضافتك لقائمة ضحايا هذا اليوم.

رد أريڠان باسطا يديه في وجهي: هدىء من روعك، وكن على يقين أني لست الفاعل.

ثم تابع قائلا: من المفترض أن تكون سعيدا الآن.

نظرت إليه بطرف عيني ثم قلت: لماذا؟ أراك تحاول تغيير الموضوع.

رد وهو يبتسم: لأنك تخلصت من عدوك كاليوس.

أجبته ببرود: كاليوس ليس عدوي.

أردف قائلا: عجبا لك! ألا تكرهه؟!.

صمت برهة وبعدها قلت بتعال: عندما يكون كاليوس ندا لي، يحق له أن يصبح عدوي.

ضحك أريڠان ثم قال وهو يحك أنفه بسبابته: يعجبني غرورك هذا يافتى.

قلت بعد تنهيدة طويلة: حسنا سأغادر هذه المدينة وأعود ريثما تهدأ الأحوال.

أنزل أريڠان رأسه للأسفل وقال بهدوء: لن تعود.

أردفت باستغراب وأنا أهم بالجلوس: ماذا قلت!؟

رفع رأسه قائلا: أجل لن تعود! أنسيت أن أسرتك تلاحقك منذ زمن؟ ولقد عرفوا للتو مكانك لن يتركوك وشأنك لذا ابتعد من هنا.

كانت كلماته أثقل مما أستطيع تحمله، تمالكت نفسي ثم قلت بحسرة خافضا رأسي: هل تريد تذكيري بأني أنتمي لذلك السجن؟ مر زمن لم تطأ فيه قدمي تلك الأرض الملعونة، هل كتب على جبيني أن أعود إليها ياترى؟.

انحنى إلي أريڠان ثم قال وهو يربت على كتفي: لا تقل ذلك فللقدر نصيب آخر، ربما تعود إليها يوما ما لكن .... بهدف وقلب مختلفين تماما.

قلت وأنا أقف بعدما أزحت يده: وفر حكمتك لنفسك.

صمت برهة ثم أجابني وهو يتجه نحو مكتبه: لازال هناك طرف ثالث سيعترضك، المنظمات الإجرامية التي تضم صيادي الجوائز والقتلة، لذا كن حذرا يا ولد.

قلت متساءلا: لمَ قد يستهدفني هؤلاء؟.

قطب حاجبيه قائلا: أنت من يتغابى الآن، لقد طلب والدك "جيرارد" مبلغا ضخما لمن يجد مكانك أو يأتي بك إليه حيا، لن يترك الجميع فرصة ذهبية كهذه لنيل ثروة تقدر بآلاف الجينات سيعميهم الطمع بالتأكيد.

إستدرت نحو الباب قائلا:لستَ مستبعدا، فأنت واحد من هؤلاء الذين أعماهم الطمع.

فتح أريڠان درج مكتبه وأخرج منه كيسا وقال وهو يسير نحوي: توقف عن التفوه بالسخافات، لو أردت تسليمك إليه لما انتظرت إلى الآن.

ثم مد الكيس نحوي قائلا: خذ هذا أجرك أيها البطل.

لم ألتفت إليه وقلت وأنا أضع يدي على مقبض الباب: لا أحتاجه.

استوقفني أريڠان قائلا: انتظر ياماڤروس.

استدرت نحوه فرمى بجسده عليّ وعانقني ثم فك عناقه ونظر إلي وهو يقول: كن بطلا كما عهدتك، وعد في أقرب الآجال.

ليست أول مرة يعانقني فيها فهو كل مرة يفاجئني بتصرفاته الغريبة.

تجاهلته واستدرت متجها نحو غرفتي لجمع أغراضي، لكن ولسبب ما أحسست أن عناقه هذا هو آخر شيء سأحصل عليه منه، ربما سيطول لقاؤنا أو ربما…… لن أراه للأبد.

سرت في ذلك الرواق مجددا خافضا رأسي، وأنا أفكر في الخطوة القادمة لأني عدت لنقطة الصفر و عليّ البدء من جديد، وعندما دخلت إلى المقهى وجدت آهورا قد نظف الفوضى، فاستوقفته قائلا: هل تتذكر وجه الشخص الذي فر هاربا؟!

لم ينظر إلي و أجابني ببرود : ليس هنالك ما يؤكد أنه الفاعل.

نظرت إليه بحدة وقلت وأنا أضع يدي على مسدسي: كلامك صحيح، المتهمان الرئيسيان هما أنت وسيدك وقتلي للشخص الهارب سيخفف من سخطي عليكما، أجبني قبل أن ينفذ صبري هل تتذكر ملامحه؟

بقي يحدق بي ثم تنهد قائلا: هو نفسه الشخص الذي انضم للعصابة حديثا، له شعر أسود ووشم وردة على زنده، هذا ما أتذكره.

خفضت رأسي ولم أجبه وسرت نحو الدرج ومع كل خطوة يزيد اضطرابي وشعوري بالشتات.

• • •

بدأت توضيب أغراضي.. و استعددت للرحيل، لكني تذكرت أن آخذ شيئا من على المكتب، مددت يدي نحوها و قلبت صفحاتها بأناملي، و استعددت لخوض فصل جديد من يوميات السفاح.

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

يوميّات السّفاح _الجزء الأول من ملحمة القدر الأسود _

المؤلف 𝐶ℎ𝑖𝑟𝑖🎭♟️
2025/08/03 مستمرة
قائمة الفصول (10)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة