ثعبان في الظل

ثعبان في الظل

1 0

الثعبان لا يلدغ دائماً من الأمام. أحياناً ينام بجانبك، يشاركك طعامك، يضحك لنكاتك، ثم يلدغك في غفلة منك. أو ينتظر حتى تصبح ضعيفاً، فتدرك حينها أن الثقة الزائدة قد تكون مميتة، وأنت لا تزال تبتسم. تلك كانت الحقيقة التي زرعها الرجل الميت في قلب سفيان قبل أن تخرق سكين نذير حنجرته لأسباب مجهولة ومريبة. لم يكن مجرد تحذير عابر، بل كان بذرة شكٍ لن تموت بسهولة، حملت في طياتها عدة تساؤلات حول حقيقة هذا الثعبان الذي يدعي أنه حمل وديع مجنون، لكنه في الحقيقة شيطان لا يرحم، أو لديه هدف معين يريد تحقيقه من أجل غاية مجهولة.

جاء الصباح رمادياً ككل الصباحات في ذلك الحي الفقير. لم تشرق الشمس حقاً، بل تسللت خيوطها الضعيفة من بين الغيوم كأنها تخشى أن ترى ما يحدث داخل المنزل. كان سفيان قد نام أخيراً، جالساً على الأرض، وظهره متكئ على الحائط، ومسدسه بين يديه كالعادة. أما نذير، فكان لا يزال نائماً في وضعية غريبة: نصف جسده على الأريكة، ونصفه الآخر معلق في الهواء، وفمه مفتوح كمن يريد أن يلتقط حلماً طائراً. وأما نور، فلم تنم قط. كانت جالسة على الكرسي نفسه، تحدق في الجثة التي لا تزال ممددة على الأرض، والدماء قد جفت حولها كخريطة حمراء.

نظرت نور إلى سفيان وهو يفتح عينيه ببطء، بينما كان عقلها قد تاه في عدة تساؤلات حول حقيقة الأخوين المجنونين، وما الذي أقحمت نفسها فيه من صراع ليس له نهاية، وجنون لم يستطع عقلها المحدود أن يتقبل هذه الأفكار والتصرفات المتطرفة تحت شعار: "أنت غريب عنا، إذاً سوف تتحكم.".

نور:

"لقد نمت أيها الدمية المريضة!"

سفيان: (بصوت أجش)

"لم أنم. فقط أغلقت عينيَّ لبعض الوقت."

نور:

"الجثة ما زالت هنا، والرائحة أصبحت مزعجة."

سفيان: (نهض، مد رجليه، وأشعل سيجارة)

"سأدفنها في الحديقة الخلفية. لا يمكننا تركها هنا."

ثم أضاف ساخراً:

"أو سنجدها معلقة في الجدار كأنها لوحة زيتية."

نور:

"قبل أن تدفنها... ألن تحاول معرفة من هو؟"

ضحكت قليلاً ثم قالت:

"وتعتبر هذه اللوحة من صنع نذير."

سفيان: (نظر إلى الجثة، ثم إلى نذير النائم)

"لا. من يموت على يد نذير لا يُسأل، فقط يُدفن."

نهض سفيان، وسحب الجثة من قدميها، وبدأ يجرها نحو الباب الخلفي. تبعته نور بصمت. بينما كان يجر الجثة، سقطت من جيب الرجل ورقة صغيرة مطوية. التقطتها نور، وفتحتها بيدين مرتعشتين. كانت مكتوباً عليها بخط يد متعجل:

"سفيان... الثعبان ليس من يأكل كعكتك. الثعبان من يطبخها. احذر الطاهي."

وفي أسفلها كانت هناك ملاحظة صغيرة:

"لا يغرنك طيبته، فجنونه سر خطورته، وطيبته أسلوبه. احذر منه يا سفيان، فإنه لا يُؤتمن."

قرأت نور الكلمات بصوت مسموع، فتوقف سفيان عن الجر. نظر إلى الورقة، ثم إلى نور، ثم إلى البيت من حيث كان نذير نائماً.

سفيان:

"الطاهي؟"

:نور

"أي طاهي؟ هل هناك من يطبخ هنا غيرنا؟" ثم أضافت: "وهذه ملاحظة موجهة إليك."

لم يجب سفيان. فقط أخذ الورقة من يد نور، ووضعها في جيبه، وأكمل جر الجثة نحو الحديقة. لكن السؤال كان قد زرع في رأسه كشوكة لا تُنزع.

نور: (همست لنفسها)

"إذا كان الطاهي هو الثعبان... فمن الذي يطبخ كعك نذير؟ أم أن الطاهي هو نذير نفسه؟"

في تلك اللحظة، سمعا صوتاً من داخل المنزل. صوت نذير وهو يستيقظ، يصرخ بأعلى صوته:

نذير:

"أين كعكتي؟! لقد حلمت بها! كانت ساخنة، ومغطاة بالشوكولاتة، ثم اختفت! لا بد أن أحداً سرقها أثناء نومي!"

قفز نذير غاضباً، وبدأ يطلق النار عشوائياً بطريقة مجنونة، وهو يصرخ:

نذير:

"أين هي كعكتي؟ سأقتلكم جميعاً!"

ثم توقف وتقدم نحو الجدار، وبدأ يتحدث معه كالمجنون:

نذير:

"إذاً، لقد كنت شاهداً على الوضع ليلة البارحة!"

ثم أجاب نفسه:

نذير:

"لقد أخبرني بوبو!"

ثم أشار نحو يمينه كأنه يشير إلى شخص خيالي:

نذير:

"ماذا تقول يا بوبو؟ لقد أكلها؟"

ثم بدأ يطلق النار على الجدار ويصرخ بصوت عالٍ:

نذير:

"هذا من أجل كعكتي!"

نظر سفيان إلى نور، ثم إلى الورقة في جيبه، ثم إلى نذير الذي كان يقفز في غرفة المعيشة كالطفل المدلل، ثم يعود إلى إطلاق النار ويتصرف كالمجنون.

سفيان: (همس)

"ربما الثعبان أقرب مما نعتقد."

نور:

"نذير؟"

سفيان: (أشعل سيجارة جديدة)

"لا. نذير ليس طاهياً. نذير هو الكعكة نفسها... أو من استأجر الطاهي. وهذا هو الخيار الثالث في أسوأ الحالات."

الآن... الصباح بدأ، والأسئلة بدأت تأخذ شكلاً جديداً: من هو الطاهي؟ ومن الذي يطبخ الكعك في حياة نذير؟ ومن يريد قتلهم من خلال الشوكولاتة؟

دفن سفيان الجثة في الحديقة الخلفية تحت شجرة عتيقة، ولم يضع عليها أي علامة. لم يسأل عن هويتها، ولم يحاول معرفة لماذا جاءت لتحذره أو ما علاقتها بقصة نذير وسفيان ؟، فقط غطاها بالتراب وكأنها لم تكن موجودة أبداً لكن في اعماقه هنالك خليط من الشكوك تحوم حوله ومن يحيط به. لكن الورقة التي وجدها نور ظلت في جيبه، تحترق كالنار في صدره .

عاد إلى المنزل، فوجد نذير قد توقف عن إطلاق النار وجلس على الأرض، يحدق في فراغ، ويداه ملطختان بالدماء الجافة من جبهته التي لا تزال تنزف. نور كانت واقفة بجانبه، لا تعرف ماذا تفعل، تنظر إليه وكأنه وحش هدأ فجأة .

سفيان: (ألقى بنفسه على الكرسي)

"انتهى. الجثة في الأرض."

نذير: (رفع رأسه ببطء)

"هل دفنتها مع كعكتي؟"

سفيان: (نظر إليه ببرود)

"لا. دفنتها مع أسئلتك."

نذير: (نهض فجأة، واقترب من سفيان)

"أخي... لماذا تقتلني بأسئلتك؟ لماذا لا تتركني أكون مجنوناً بسلام؟"

سفيان: (أطفأ سيجارته)

"لأن الجنون لا يعيش بسلام. الجنون يقتل. والآن، لدينا ثعبان بيننا، ولدينا طاهٍ مجهول، ولدينا ثلاث نسخ من أب مزيف. هذا ليس وقتاً للجنون الهادئ. هذا وقت للحقيقة."

نظر نذير إلى سفيان بعيون طفل يخاف من الظلام، ثم قال بصوت مبحوح:

نذير:

"وإذا كانت الحقيقة... أنني أنا الطاهي؟"

ساد صمت طويل. حتى نور تجمدت مكانها. سفيان نظر إلى أخيه بعيون حجرية، ثم قال:

سفيان:

"إذا كنت أنت الطاهي... فمن أكل الكعكة المسمومة؟"

نذير: (ضحك ضحكة مكتومة)

"أنت... أنت أكلتها معي."

سفيان:

"إذاً... نحن كلانا طهاة. أو كلانا ضحايا."

نظر نذير إلى سفيان طويلاً، ثم اقترب منه واحتضنه بقوة. سفيان لم يرد الاحتضان، لكنه لم يدفعه بعيداً.

نذير: (همس في أذنه)

"أنا لا أريد أن أكون ثعباناً. أريد أن أكون أخاك المجنون فقط."

سفيان: (أخرج السيجارة من فمه)

"إذاً، كن أخي المجنون. لكن لا تطبخ لي أي كعكة."

ضحك نذير كالمجانين، ثم عاد إلى الأريكة، وغطى وجهه بوسادة، وقال قبل أن ينام:

نذير:

"سأحلم بكعكة جديدة... لكن هذه المرة، سأكون أنا من يطبخها. وسأضع فيها مسدساً بدل الشوكولاتة."

نور: (جلست بجانب سفيان)

"هل تثق به حقاً؟"

سفيان: (نظر إلى نذير النائم)

"لا. لكني أحبه. وهذا أسوأ مما تظنين."

صمتت نور، ثم همست:

نور:

"وماذا عن الثعبان؟"

سفيان: (أشعل سيجارة أخيرة)

"الثعبان سيكشف نفسه. كل الثعابين تظهر عندما تشعر بالأمان. وسنكون نحن من ينتظر."

رفع نذير رأسه من الوسادة فجأة، وصاح:

نذير:

"أنا لست ثعباناً! أنا ديناصور! الديناصورات لا تطبخ الكعك، بل تأكلها!"

ثم عاد للنوم كأن شيئاً لم يحدث.

نظر سفيان إلى نور، وقال:

سفيان:

"هذا هو أخي. ديناصور مجنون يعتقد أنه ليس ثعباناً. ربما هو على حق."

نور:

"وإذا كان على خطأ؟"

سفيان: (نهض، واتجه نحو باب المنزل)

"عندها سنطبخه نحن."

خرج سفيان إلى الحديقة، ووقف فوق القبر الطازج الذي حفر بيديه. نظر إلى السماء الرمادية، وهمس لنفسه:

سفيان:

"من أنت أيها الميت؟ ولماذا جئت لتحذرني من ثعبان بيننا؟ وهل كنت تعلم أنني سأدفنك قبل أن تنطق باسمه؟"

لم تجبه السماء. فقط بدأ المطر يتساقط خفيفاً، كأن الأرض تذرف دموعاً على كل الجثث التي دفنتها تحت أشجارها.

الآن... الليل يقترب. ونذير ينام. ونور تراقب. وسفيان ينتظر الثعبان الذي قد يظهر في أي لحظة. وقد لا يكون بعيداً كما يظنون

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

ملك الجنون

المؤلف Imad chelloufi
2025/12/01 مستمرة
قائمة الفصول (22)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة