لا تجف الدماء بسرعة حين تسقط في قلب الشتاء. بل تظل لزجة، دافئة، كأنها تتحدى البرد الذي يلف المدينة. تلك كانت حال سفيان ونذير بعد مغادرتهما مقهى "الأمل المنسي". لم يكونا قد عادا إلى المنزل بعد، لكنهما تركا وراءهما أربع جثث جديدة، وكعكة مسمومة نصف مأكولة، وأخاً ثالثاً لم يكن أخاً، بل مجرد باب آخر يفتح على ممر طويل مظلم، وحكاية أخرى حُكِيت من أجل سفيان، الذي كان يبحث عن جورج وماريا أكثر مما كان يبحث عن أبيه الحقيقي. أما نذير، فكان كل شيء بالنسبة له مجرد لعبة من صنع عقله الباطن، إن فهمت ما أعنيه.
السيارة القديمة تسير ببطء في شوارع بروكلين الخلفية، زجاجها الخلفي مكسور برصاصة طائشة، ومقاعدها ملطخة بالدماء التي لم يلحظها أحد أثناء المعركة. يقود سفيان بيد واحدة، وفي الأخرى سيجارة تكاد تحترق حتى فلترها. لا يتكلم، ولا ينظر إلى الخلف، فقط عيناه مثبتتان على الطريق المظلم أمامه، كسواد قلبه وماضيه.
أما نذير، فكان نائماً في المقعد الخلفي، ملتفاً على نفسه كطفل يخاف الظلام. لم يطلب شوكولاتة، ولم يطلق النظريات، ولم يُغنِّ. كان صامتاً للمرة الأولى منذ أيام. وحتى نور كانت صامتة، تحدق من النافذة كأنها ترى أشباحاً تطارد السيارة من بعيد.
فجأة، صرخ نذير في نومه:
نذير:
"لا... لا تترك الكعكة... أعطها لي... أعطها..."
رفع سفيان عينيه إلى المرآة الخلفية، فرأى أخيه يتقلب، ثم عاد لينظر إلى الطريق.
نور: (تهمس)
"إنه يحلم."
سفيان: (ببرود)
"كلنا نحلم. الفرق أن أحلامنا تتحقق."
صمتت نور لحظة، ثم سألت:
نور:
"إلى أين نحن ذاهبون الآن؟ لقد مات الأخ الثالث... أو من ظننا أنه الثالث."
سفيان: (يزفر دخاناً)
"نحن لا نذهب إلى أي مكان. نحن نعود إلى حيث بدأنا."
نور:
"وما الذي تغير؟"
سفيان:
"نحن. لم نعد كما كنا. والآن نعرف أن الأب لا يريد قتلنا فقط... بل يريد أن نقتل بعضنا بأيدينا."
نظرت نور إلى نذير النائم، ثم إلى سفيان:
نور:
"هل نستطيع أن نثق بأي شخص بعد الآن؟"
سفيان: (نظر إليها للحظة)
"لا. ولا حتى أنفسنا."
استدارت السيارة في زقاق ضيق، وأطفأ سفيان الأنوار. لم يعد يريد أن يراه أحد. لم يعد يريد أن يعرف أحد أين يذهبون.
الآن... العودة إلى المنزل لا تعني السلام. بل تعني أن الحرب بدأت للتو.
فتحت نور باب السيارة بيدين مرتعشتين، ونزلت إلى الرصيف المتسخ. تبعها سفيان ببطء، يشعل سيجارة جديدة، وعيناه تمسحان الزقاق المظلم. لم يمشيا خطوتين حتى انفجر الظلام بأصوات خشنة لم يكن أحد يتوقعها. ثم ظهر من العدم رجل ضخم يحمل بندقية قصيرة (shotgun)، ووجهه نصف مخفي بلحية كثيفة، قفز من خلف حاوية قمامة صدئة. تبعه أربعة آخرون، تتنوع أسلحتهم بين سكاكين كبيرة ومسدسات. كان أحدهم يحمل قضيباً حديدياً صدئاً، في معركة غير متكافئة.
الرجل الضخم: (بصوت كالرعد)
"السيارة، والمحافظ، والسترة التي على ظهرك. كل شيء. بسرعة. وإلا سأحول رأسك إلى غربال."
نظر سفيان إليه بنظرة باردة، ثم إلى نور التي تجمدت مكانها كتمثال. همس لها:
سفيان:
"اركضي. ارجعي إلى السيارة. وأغلقي الباب." ثم أضاف ساخراً: "هناك من اشتاق إلى ربه ويبحث عن رحلة سريعة للعودة إليه."
لم تنتظر نور. ركضت كالأرنب، وقفزت إلى المقعد الخلفي، وأغلقت الباب بقوة. ثم بدأت تصلي بصوت عالٍ:
"يا إلهي، أنقذني... أنقذنا..."
بدأ الرجال يضحكون. لكن سفيان لم يضحك.
سفيان: (يزفر دخاناً، ويلقي السيجارة على الأرض)
"أنا لا أملك نقوداً. لكن لدي شيء أفضل: موت مجاني. هل تريدون عينة؟"
قبل أن ينطق أحد بكلمة، اندفع سفيان كالصاعقة. اصطدمت قبضته اليمنى بوجه الرجل الذي يحمل القضيب الحديدي، فسمع صوت تكسر العظام. سقط الرجل على ركبتيه، وتدحرج القضيب بعيداً. ثم أسقطته ركلة في بطن الثاني على الأرض وهو يئن كالخنزير المذبوح.
حاول الثالث أن يرفع مسدسه، لكن سفيان كان أسرع. خطف المسدس من يده، وحطمه على رأسه، ففارق الوعي قبل أن يلمس الأرض.
أطلق الرجل الضخم رصاصة من بندقيته، لكن سفيان انحنى كالأفعى. حكت الرصاصة أذنه اليسرى، وتطايرت شظايا الجدار خلفه. ثم قفز سفيان نحو الرجل، وطعنه بسكين صغيرة ظهرت من جيبه، طعنة واحدة في رقبته.
انفجرت الدماء كنافورة. حاول الرجل الضخم أن يصرخ، لكن الفقاعة الدموية ملأت فمه.
سفيان: (يهمس في أذنه وهو يحتضر)
"هذه عينة. نم الآن."
ثم حمله سفيان من قميصه الملطخ بالدماء، ودور به كالمطرقة، ثم رماه بقوة على السيارة.
طق... تكسير.
تحطم الزجاج الخلفي تماماً، وسقط الرجل الميت داخل المقعد الخلفي بجوار نور، التي صرخت بأعلى صوتها:
نور:
"يا إلهي... أنقذني! أنقذني! أرجوك!"
كانت تضرب بيديها على المقعد، تحاول فتح الباب لكنه عالق. فتحت عيناها على جثة الرجل التي كانت تنزف على فستانها.
في تلك اللحظة، تحرك جسد آخر في المقعد الخلفي. لم يكن الميت، بل نذير.
كان نذير قد استيقظ على الصراخ والارتعاش. جلس منتصباً، وعيناه مفتوحتان على مصراعيهما، ثم صرخ بصوت ملأ الزقاق:
نذير:
"لقد سرقوا كعكتي! أين كعكتي؟! لا... أين كعكتي يا أخي؟!"
خرج نذير من السيارة متخطياً الجثة، وعيناه محمرتان، وشعره منفوش. نظر حوله فرأى الرجال الجرحى يتلون على الأرض، وسفيان واقفاً يتنفس بسرعة، ويده ملطخة بالدماء.
ثم رأى قطعاً من الكعكة كانت قد سقطت من الجيب أثناء القتال، وقد داس عليها أحد الرجال.
نذير: (صرخة هستيرية)
"كعكتي... لقد داسوا على كعكتي... سأقتلهم جميعاً!"
التقط نذير حجراً كبيراً من الأرض، وألقى به على أحد الرجال الذين كانوا يحاولون الزحف بعيداً. أصاب الحجر رأسه، فسقط مغشياً عليه.
نذير: (وهو يرمي حجراً آخر)
"دعوه وشأنه! إنه من يطبخ طعامي! كيف يجرؤ على أكل كعكتي؟!"
سفيان: (وهو يلكم رجلاً آخر على وجهه)
"لقد أكلوا كعكتك يا نذير... كلهم أكلوا منها."
توقف نذير عن الرمي للحظة. نظر إلى سفيان بعيون متسعة، ثم إلى الجثث، ثم إلى بقايا الكعكة المداسة.
نذير: (بدأ يرتعش، ثم صرخ غاضباً)
"كل شيء... كعكتي... كل شيء سرقوه مني!"
وبدأ نذير يضرب رأسه بقوة على الجدار الخشن. مرة، مرتين، ثلاث... حتى نزف الدم من جبهته وسال على وجهه كدموع حمراء.
نذير:
"سأموت... سأموت بدون كعكة... لا توجد عدالة!"
ثم توقف فجأة، ورفع رأسه المدمى نحو الرجال الذين كانوا لا يزالون يتنفسون. تقدم نحوهم ببطء، كمن يمشي على الجمر.
نذير: (بصوت منخفض مرعب)
"سوف تطبخون لي كعكة جديدة... الآن... أو تشترون لي شوكولاتة... الخيار لكم... لكني سأعد حتى ثلاثة."
نظر الرجال الباقون إلى بعضهم البعض، ثم إلى سفيان الذي كان يدخن ببرود، ثم إلى نذير الذي كان ينزف من جبهته ويضحك ضحكة مكتومة.
أحد الرجال: (يرتجف)
"نحن... ليس لدينا كعكة... ولا شوكولاتة..."
نذير: "واحد..." سار خطوة. "اثنان..." سار أخرى. "ثلاثة..."
قبل أن ينطقها، انقض على الرجل كالوحش. لم يستخدم سكيناً، بل استخدم أسنانه. عض يده التي كانت تمسك بالسكين، وانتزعها منه، ثم طعنه بها في فخذه، ثم في بطنه، ثم في كتفه. لم يكن طعناً، بل هرساً.
نذير: (وهو يطعن)
"هذه للكعكة... وهذه للشوكولاتة... وهذه لأنك نظرت إليَّ بنظرة سيئة!"
سقط الرجل، ووقف نذير فوقه، والدماء تغطي وجهه ويديه. نظر إلى سفيان:
نذير:
"أخي... لماذا لا يحبون مشاركتي الطعام؟"
سفيان: (أطفأ سيجارته، وبدأ يمشي نحو السيارة)
"لأنهم ليسوا مجانين مثلك."
نذير: (قفز فرحاً، ثم توقف فجأة)
"لكنني أحبهم... أحب أن أقتلهم... إنها صداقة دموية!"
رفع حجراً آخر، وألقى به على آخر رجل كان يحاول الهرب، فأصاب رجله فسقط.
نذير:
"أين تذهب؟ لم ننتهِ من اللعبة بعد!"
توجه نحوه، وجلس على صدره، وبدأ يصفعه على وجهه صفعات خفيفة كمن يلاعب طفلاً.
نذير:
"أتعلم؟ كنت سأتركك تعيش... لكنني جائع. أعدك أنه إذا أحضرت لي كعكة خلال خمس دقائق، سأتركك تذهب."
لكن الرجل كان قد فقد الوعي من الخوف.
نذير: (بخيبة أمل)
"آه... نام. الناس دائماً ينامون في أحضاني."
نهض، ونفض الغبار عن قميصه، ثم توجه إلى السيارة. نظر إلى الجثة في المقعد الخلفي، ثم رماها بعيداً، ثم نظر إلى نور التي كانت لا تزال ترتجف وتبكي.
نذير: (لها)
"لا تخافي. أنا لا أقتل النساء... إلا إذا أكلن كعكتي."
نور: (بصوت مبحوح)
"أنت... شيطان."
نذير: (ابتسم ابتسامة عريضة)
"لا. الشياطين يخافون مني."
جلس نذير في المقعد الخلفي، وأغلق عينيه كأنه لم يحدث شيء.
سفيان: (دخل السيارة، وأشعل سيجارة جديدة)
"نور، امسحي دموعك. سنغادر."
نور: (تهمس)
"إلى أين؟"
سفيان:
"إلى المنزل. نذير بحاجة إلى شوكولاتة... وإلا سيفجر المدينة."
بدأت السيارة تتحرك ببطء، تاركة وراءها خمس جثث، وزجاجاً محطماً، ورائحة بارود ودم.
فجأة، خرج رجل من العتمة وحاول أن يوقف السيارة. توقف سفيان، ثم نظر إليه. قال الرجل:
الرجل الغامض:
"أهلاً يا سفيان. أنا أبوك. أحسنت العمل."
لكن سفيان لم يتردد. أخرج مسدسه وأطلق عليه النار، فسقط الرجل ميتاً. انطلق سفيان راحلاً، وقال ببرود:
سفيان:
"بقي ثلاث نسخ."
الآن... طريق العودة أطول مما كان. لكن الأهم: نذير ما زال جائعاً.
Imad chelloufi