ليست كل البيوت أوطاناً. بعضها مجرد سقف يحتويك، وأربعة جدران تتذكر أنفاسك، ونوافذ تطل على شارع لا يعرف اسمك. فأنت بالنسبة إليها مجرد ذكرى مؤقتة، بعد رحيلك يأتي غيرك وتتواصل الحياة، بينما يبقى المنزل كما هو. أما الإنسان فهو الذي يأتي ويذهب. هكذا كان منزل سفيان ونذير القديم. لم يكن قصراً، ولم يكن مخبأً، ولم يكن حتى مكاناً آمناً. كان مجرد مرآب مهجور في زقاق لا يزوره أحد، تحول إلى كهف لرجلين تعلما أن العالم لا يريد لهما مكاناً. ثم، ومع أن أصبح لهما عائلة، تحول المنزل إلى مجرد حجر، بينما كان القلب ينبض بالحب لجورج، والكراهية لكل من سواه.
لكن بعد كل ما حدث - بعد لقاء الأب الغامض، وبعد خيانة المرأة التي ظنوها مرشدة، وبعد اكتشاف أخ ثالث لم يكونا يعرفان بوجوده ، أصبح هذا المنزل المتواضع أشبه بملاذٍ مقدس. فالجدران المتشققة لم تعد عيباً، بل شاهدةً على زمن كان فيه الخطر الوحيد هو الجوع والبرد. أما الآن، فكان الخطر يحمل أسماءً وعناوين وتفاصيل، مؤامرات لعدة آباء مزيفين، وأب حقيقي غامض، وغيرها من الأسرار التي لا تُكتشف إلا بالدماء.
توقفت سيارة الأجرة القديمة قرب منزل جورج، وخرخر محركها الخانق كصيحة استغاثة أخيرة. نزل سفيان أولاً، وكتفه اليمنى لا تزال ملفوفة بقطعة قماش ملوثة بالدماء ضمادة مؤقتة من بقايا قميصه الممزق. أشعل سيجارة وهو يتألم، لكنه تظاهر بعدم الشعور بشيء. أما نذير، فقفز من السيارة كالمعتاد، لكنه توقف فجأة عند رؤية باب المنزل.
لم يكن الباب مغلقاً.
كان موارباً قليلاً، كأن شخصاً ما دخل قبلهما أو خرج للتو.
نظر نذير إلى سفيان. لم يتكلما، لكنهما تفاهما. في عالمهما، الباب المفتوح ليس نسياناً، بل رسالة: إما تهديد، أو فخ، أو دليل على أن منزلهما لم يعد ملكهما وحدهما.
تقدم سفيان ببطء، وضع يده على الباب ودفعه بهدوء. فملأ صرير المفاصل القديمة الزقاق كأنين طفل مريض. دخلا معاً، وكان الظلام داخلهما أشد من الظلام داخل الغرفة.
هنا، في هذا المكان المتواضع، ستُكتب الفصول التالية من حكايتهما. ليس في قصور الأثرياء، ولا في مخابئ الجواسيس، بل بين جدران تعرف كل ندبة في جسد سفيان، وكل نوبة جنون في عقل نذير.
الآن... تبدأ رحلة البحث عن الأخ الثالث من قلب المكان الوحيد الذي يمكنهما تسميته وطناً.
دخل سفيان أولاً، وعيناه تتأقلمان مع الظلام الدامس. رائحة المنزل لم تتغير: خليط من دخان السجائر القديم، والغبار، وبقايا طعام جاف. لكن شيئاً آخر كان في الهواء، شيء لم يكن موجوداً قبل رحيلهما: رائحة خفيفة، كالعطر الرخيص، أو كدخان سجائر مختلفة عن نوعه. كما أن المحقق قد اختفت آثاره، وتم تنظيف المنزل من الدماء والروائح الكريهة.
تبعه نذير خطوة، ثم توقف.
نذير: (يهمهم)
"أخي... المنزل يخبئ شيئاً. أشعر به في أسناني."
سفيان: (يزفر دخاناً، لا يلتفت)
"أسنانك لا تشعر. توقف عن الهراء."
نذير: (يمسك بأسنانه بيده)
"تؤلمني! كأن أحداً يريد خلعها دون تخدير. هذه علامة على وجود دخيل." ثم أضاف: "أو ربما أخذوهم... سوف يضربوننا بالأسلحة النووية!"
بعدها بدأ يصيح ويبكي بصوت عالٍ:
"لا أريد أن أموت يا أخي... أنقذني! أرجوك، لم أقفز بعد من تلك النافذة!"
لم يجب سفيان. تقدم نحو غرفة المعيشة الصغيرة. الأريكة لم تكن في مكانها الطبيعي، بل مزاحة قليلاً نحو اليسار، وكأن شخصاً كان يجلس عليها ثم نهض بسرعة. على الطاولة الخشبية كان هناك كأس ماء نصف ممتلئ، والماء لا يزال فيه فقاعات صغيرة ترتفع إلى السطح، كأن أحداً وضعه قبل دقائق.
سفيان: (يهمس، صوته حاد)
"نذير... اذهب إلى غرفة جورج وماريا."
نذير: (قفز في مكانه)
"وحدي؟ ماذا لو كان هناك قناص ينتظرني؟ أو أسد جائع؟ والأسوأ أحد يريد أن يحدثني عن مشاعره؟"
سفيان: (نظر إليه بنظرة باردة)
"اذهب قبل أن أقص عليك كيف التقى جورج وماريا. أنت لا تريد أن تستمتع إلى تفاصيل القبل والعناق والكلام الرومانسي."
قاطعه نذير قائلاً:
"توقف أرجوك... قبل أن أتقيأ في أنفك!"
تذمر نذير، لكنه مشى نحو الممر الضيق المؤدي إلى غرفة النوم الرئيسية. كان صوته يرتفع وينخفض وهو يتمتم:
"سأكون بطلاً... سأنقذ الموقف... سأكتشف الجاسوس... ثم سأطلب شوكولاتة..."
اختفى في الظلام.
بقي سفيان واقفاً، يسمع دقات قلبه التي كانت تتسارع رغم بروده الظاهر. أطفأ سيجارته على حافة الطاولة، ثم سحب مسدسه الصغير من خلف ظهره. كان يعلم أن الباب الموارب ليس صدفة. كان يعلم أن العطر الرخيص ليس من ماريا، لأن ماريا لم تكن ترتدي عطراً أبداً. كانت تفخر بأنها "ابنة البارود وتعشق رائحة الدم والجثث"، كما كانت تقول.
سمع صوتاً خفيفاً من المطبخ.
خطوات. ليست خطوات نذير المجنونة، بل خطوات واثقة هادئة، كمن يعرف أن لا أحد سيسمعه.
قبل أن يتحرك سفيان، انفجر صوت من غرفة النوم. صرخة نذير، لكنها لم تكن صرخة خوف، بل صرخة اكتشاف.
نذير: (من الداخل)
"أخي! أخي! تعال بسرعة! هناك هدية! لا، هناك شيء أفضل من الهدية... هناك كعكة!"
ركض سفيان نحو الصوت، ومسدسه في يده، ودخل غرفة النوم ليجد نذيراً واقفاً أمام السرير، يشير بإصبعه المرتعش إلى وسادة عليها ظرف ورقي أبيض، وفي الزاوية صندوق كرتوني مغلق بشريط أحمر.
لم يكن هناك أي شخص آخر في الغرفة.
اقترب سفيان، وأمسك الظرف بيده اليسرى، ومزقه بأسنانه لأن يده اليمنى كانت لا تزال تمسك المسدس. أخرج ورقة صغيرة، وكان خطها واضحاً منظماً، كطباعة كمبيوتر قديم:
"أهلاً بكم في منزلكما. لم أكن أعرف أنكما تعيشان في هذه العلية المتواضعة. لكن لا تقلقا، فأنا لا أريد إيذاءكما. أريد فقط أن أقول: أنا الأخ الثالث، وقد سئمت الاختباء. تعالا إليّ قبل أن يأتي الأب إلينا جميعاً. ستجدان العنوان على ظهر الصورة. وقبل أن تسألا... الكعكة حقيقية، وهي بنكهة الشوكولاتة كما يحب نذير. هيا، نشمت رائحتها من الآن؟
ملاحظة: لقد تم تنظيف الجثث والدم لكي لا يعاقبكما ماريا وجورج. والأمر ليس كما تظنان، فهما أقرب مما تتصوران. استعملا عقلكما ستجدانهما. وليس جنونكما."
قلب سفيان الظرف، فوجد صورة صغيرة لرجل يقف أمام كنيسة قديمة. على ظهرها، كان مكتوباً عنوان: مقهى "الأمل المنسي" - حي بروكلين، الزقاق الخلفي.
كان نذير قد فتح الصندوق بالفعل، وأخرج كعكة كبيرة مغطاة بالشوكولاتة.
نذير: (عيناه تتلألآن)
"أخي! إنها حقيقية! إنه يحبني! إنه يعرف ذوقي! هل نذهب إليه الآن؟ هل نأكل الكعكة أولاً؟ هل نأكلها ونحن ذاهبون؟ أو... ماذا لو أكلناها ونحن ننظر إلى الجدار لكي نتخيله قطعة شوكولاتة كبيرة؟"
سفيان: (وضع المسدس في جيبه، وأخرج سيجارة جديدة، ولم يشعلها)
"الأخ الثالث... يلعب معنا. يعرف أين ننام، ويعرف ماذا تحب، ويعرف كيف يخيفنا دون أن نراه."
نذير: (وضع قطعة صغيرة من الكعكة في فمه)
"هو لا يخيفني! هو يطعمني! هذا أفضل نوع من الإخوة!"
سفيان: (أشعل السيجارة)
"أو أسوأ. لأنه يعرف نقاط ضعفنا."
نذير: (يقفز فرحاً)
"نقطة ضعفي هي أنني أحب الشوكولاتة! وهي نقطة قوتي أيضاً! إذا استمر على هذا النحو، سأجعله الملك الشرفي لمملكتي!"
سفيان: (زفر دخاناً، ثم نظر إلى الصورة مرة أخرى)
"إذا كان يريدنا أن نأتي إليه... فلماذا لم ينتظرنا هنا؟"
نذير: (توقف عن الأكل، فكر للحظة، ثم رد ببساطة)
"لأن المنزل لا يتسع لأكثر من مجنونين. وهو على الأرجح مجنون ثالث، ويحتاج إلى مساحة أكبر ليفلت منا."
ضحك سفيان بصوت خفيف، لأول مرة منذ أيام.
سفيان:
"ربما. أو ربما يريد أن يختبرنا: هل نحن مستعدون لمقابلته، أم سنخاف ونبقى هنا؟"
نذير: (مسح الشوكولاتة عن وجهه)
"أنا لا أخاف من أي شيء إلا من نفاد الشوكولاتة. دعنا نذهب إليه الآن! قبل أن تذوب الكعكة في بطني وأنسى سبب رحلتنا."
أطفأ سفيان سيجارته، ووضع الصورة في جيبه، ثم أشار إلى الباب.
سفيان:
"إذاً... لنذهب إلى مقهى الأمل المنسي. لكن هذه المرة، لا تثق بأي كعكة تقدم لك. فقد تكون مسمومة."
نذير: (أخذ الكعكة معه)
"إذا كانت مسمومة، سأموت سعيداً. وهذا أفضل من أن أموت جائعاً!"
خرجا من غرفة النوم، ومرا بالممر، ثم عبرا الباب الموارب إلى الخارج. كانت السماء تمطر بخفة، كأنها تبكي على مغامرتهما القادمة الآن... الطريق إلى الأخ الثالث أقصر مما يتصوران، لكنه قد يكون أكثر دموية.
Imad chelloufi