دماء في حانة النجمة

دماء في حانة النجمة

19 0

بعد سقوط أول بيادق الأب الحقيقي، تقدم الابن المضطرب - سفيان الملقب بـ"الدمية المريضة" - بخطوات المحاربين الذين يسقطون دولاً وحكومات في الخفاء، لا في ساحات المعركة العلنية. اقترب من أبيه بالتبني جورج وقبل رأسه بلطف قائلاً:

"تصبح على خير يا أبي،أنا ذاهب للنوم."

ردّ جورج بنبرة حانية:

"تصبح على خير يا بني،استخدم عقلك في رحلتك، لا قوتك فقط."

ابتسم سفيان مبتسماً مريراً:

"بل تقصد جنوني...فليس لي عقل واعٍ، بل فوضى تعزف مقطوعة جنونية في أعماقي."

ثم توجه إلى أمه ماريا وقبل رأسها قائلاً:

"تصبحين على خير يا أمي،لا تتعبين نفسك بالقلق عليّ، فابنك لا يسقط بسهولة."

عانقته ماريا بحرارة، وكأنها تشعر بأن هذا قد يكون آخر عناق بينهما:

"لماذا يجب أن تسير في طريق الانتقام؟أليس يكفيك أن لك أماً وأباً وأخاً؟"

صعد سفيان إلى الطابق العلوي وهو يردّ:

"أريد أن أفهم لماذا ترك ابنه مشنوقاًفي الرواق !ورحل ضاحكاً!"

في الظلام الدامس للرواق، تحرك سفيان كظل واعٍ، خطواته الموزونة تتناغم مع دقات قلقل القلق. حين وصل إلى غرفته، لمح جسدا متشابكا في وضعية غريبة - نذير نائم على الأرض، ظهره منحني ورجلاه متقاطعتان كتمثال "دراكولا" أسطوري. توقف سفيان متأملا، وعيناه تسبحان في بحر من الحنان والأسى.

"رغم كل جنونك... تبقى مخلوقا مميزا يا أخي."

همس بصوت يكاد يذوب رقة.

"ليتهم يفهمون عقلانيّتك الملتوية..."

بحركة أمومية، حمل سفيان أخاه كقطعة كريستال ثمينة، ووضعه على السرير بلطف. ما إن استلقى بجانبه حتى التفت نذير لا إراديا، ملقيا ذراعيه حول صدر أخيه كاللاصل يبحث عن الدفء. في تلك اللحظة، شعر سفيان بغيمة من السلام النادر تظلل روحيهما.

الثامنة صباحا

انفجر الصمت بطلقات نارية متتالية كصفعات الرعد. قفز سفيان من السرير وكأنه قد صعق، عيناه تتسعان في الظلام. تذكر المسدس الذي أهداهه له جورج - ذلك السلاح الثقيل الذي أصبح الآن شريان حياة. أمسك بالـ"shotgun" بيد ثابتة، وتسلل خارج الغرفة كالفهد الجريح.

في الممر، اصطدم بثلاثة  ملثمين. لم ينتظر سفيان تفكيرهم. انطلقت أول طلقة كالصاعقة، مزقت صدر الأول وألقت به على الجدار. الثاني حاول الرد، لكن سفيان انحنى كالأفعى وطلق رصاصة اخترقت جمجمته. الثالث كان أسرع، لكن رصاصة في الركبة أسقطته، ثم طلقة أخيرة في الرأس أنهت معاناته.

في المطبخ:

حين وصل إلى المطبخ، صعقت المنظر عيناه. نذير واقف وسط بركة دماء، يطعن جثة هامدة بسكين المطبخ بعنف هستيري. عيناه الحمراوان تشعان بشرور لم يرهما سفيان من قبل.

"هذا جزاؤك!"

كان يصرخ بنبرة مبحوحة.

"لأنك حاولت أن تأخذ أبي وأمي مني!"

سقطت الجثة على الأرض بينما استمر نذير في الطعن، دماؤها تتناثر على جدران المطبخ الأبيض، مشكلة لوحة سريالية مرعبة. تقدم سفيان ببطء، محاولا تهدئة أخيه:

"أخي... لقد انتهى. لقد انتصرنا."

لكن نذير استدار نحوه بعينين زائغتين، السكين لا يزال يقطر دما:

"لم ينته شيء!كلهم سيأتون! كلهم يريدون أخذ عائلتنا!"

تلك اللحظات المجنونة والرغبة السادية التي تلألأت في عيون نذير وهو يطعن في الجثة بشراسة، صارخاً بأعلى صوته:

"أين أخذت أمي؟أجبني أيها السيد!"

ثم استدار نحو سفيان الذي كان يمسح المكان بنظرات حادة، يبحث عن أدلة حول اختطاف جورج وماريا، بينما كان يستمع إلى هيستيريا أخيه الذي استمر في ركل الجثة قائلاً:

"أخي!إنه يرفض إخباري عن مكان أبي وأمي!"

لم يرد سفيان في البداية، فقد كانت عيناه تتبعان أحد الرجال الملثمين الذي كان يزحف بصمت نحو مخرج المنزل، وآثار طعنات عميقة تظهر على ساقه اليسرى التي كادت تنفصل عن جسده من شدة الإصابة. أخيراً رد على أخيه بنبرة هادئة وهو يتجه نحو الرجل الجريح:

"استمر في ركله...سوف ينطق في النهاية."

انفجر نذير في ضحك مجنون، وبدأ يقفز فوق الجثة صارخاً:

"نعم!نعم! سأجبرك على الكلام!"

وصل سفيان إلى الرجل الجريح، وأمسكه بقوة رافعاً إياه حتى ارتطم رأسه بالسقف، ثم أسقطه أرضاً بعنف. بعدها قذفه نحو التلفاز الذي تحطم تحت وطأة سقوطه على ظهره، بينما كان سفيان يصرخ في وجهه.

الرجل الملثم:

"سوف تدفع ثمن هذا أيها الحقير!أتظن أنك يمكن أن تعبث بسيدي وتنجو بذلك؟"

حينها ضغط سفيان على رجل الرجل المجروحة، مما أثار صراخاً موجعاً:

"توقف أيها المجنون!هذا يؤلمني!"

رد سفيان ببرودة وهو يركل الرجل المصابة:

"أوه...هل تؤلمك رجلك؟"

ثم ركلها مرة أخرى بقسوة:

"ماذا الآن؟هل لا تزال تؤلمك؟"

بينما كان الرجل يصرخ من شدة الألم، جاء نذير مسرعاً وقفز من فوق الأريكة ليسقط على بطن الرجل، وبدأ يطعنه في رجليه بوحشية وجنون، صارخاً:

"أنا أحب الدم!أحب القتل! أين أمي؟!"

صرخ الرجل متحدياً:

"لن أتحدث!"

لكن سفيان كسر طاولة زجاجية على جسده، ثم قال بنبرة هادئة ومخيفة:

"دعني أعيد صياغة السؤال...أين أبي وأمي؟ وإلا سأجعلك تتمنى الموت!"

بعد الضربات العنيفة والرمي الوحشي والطعنات المستمرة من نذير، انهار الرجل الملثم أخيراً، وهمس بصوت متقطع:

"اذهبوا إلى حانة النجمة الحمراء...ستجدون هناك رجلاً يدعى إدوارد برينكس... هو من أرسلنا... نحن مجرد مرتزقة."

توقف سفيان فجأة عن ركل الجثة، وعيناه تتسعان:

"إدوارد برينكس؟هو المسؤول عن كل هذا؟"

أجاب الرجل الملثم وهو يلفظ أنفاسه الأخيرة:

"لا...هو فقط مسؤول عنا... ربما يعرف الحقيقة... نحن لا ننفذ سوى الأوامر."

في حركة سريعة، كسر سفيان عنق الرجل ببرودة، ثم التفت إلى نذير الذي كان لا يزال يرتجف من شدة الإثارة. حمله سفيان كالطفل الرضيع، وتوجه به نحو القبو قائلاً:

"حان وقت الاستعداد يا أخي...هناك حفلة دموية تنتظرنا في حانة النجمة الحمراء."

في القبو

داخل القبو المظلم، فتح سفيان خزانة أسلحة مخبأة، بينما كان نذير يرقص بحماس:

"أخيراً!سأحصل على أسلحتي الجميلة!"

سلمه سفيان سكينتين قتالتين:

"هاتان ستكونان صديقتك الليلة."

رد نذير وهو يلمعان في عينيه:

"سأجعلهما تغنيان أغنية الموت!"

قال سفيان بينما كان يفحص مسدسه:

"تذكر يا نذير...إدوارد برينكس مجرد دمية. نحن بحاجة لمعرفة من يحرك الخيوط."

أجاب نذير ببراءة مريبة:

"لا تقلق يا أخي...سأجعل كل الدمى ترقص على إيقاعنا."

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

ملك الجنون

المؤلف Imad chelloufi
2025/12/01 مستمرة
قائمة الفصول (22)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة