تقدمت ماريا ببطء نحو سفيان، بابتسامة بريئة تذيب الجليد في قلبه. كانت تشعّ دفئاً أمومياً يملأ الفراغ في روحه من دون حاجة إلى كلمات. قالَت بنعومة:
"بني،أعطيني المسدس..."
بدون تردد أو اعتراض، مدّ سفيان المسدس لها بحركة استسلامية، قائلاً بتوقير:
"تفضلي يا أمي."
أمسكت ماريا المسدس وهي تقول:
"أحسنت.والآن اذهب إلى غرفتك، فقد تأخر الوقت."
أجاب بسذاجة طفولية:
"حاضر يا أمي،سأذهب للنوم."
قبل رأسها بانحناءة محبة، ثم انطلق جرياً نحو المنزل. وقفت ماريا تشاهده بعينين تفيضان بالفخر، وكأنها وجدت أخيراً القطعة المفقودة من أحجية حياتها. ثم حوّلت نظرها نحو جورج الذي بدأ يصفر بتوتر ويتجنّب مواجهة عينيها.
تقدم جورج نحو الباب وقال من دون أن ينظر إليها:
"تصبحين على خير يا عزيزتي،سأذهب للنوم. كان يوماً شاقاً."
لكن قبل أن يخطو خطوة، أسقطته ماريا بحركة جودو خاطفة، فوجد نفسه ملقى على الأرض وهي فوقه، مسدسها يلامس جبهته بعزيمة باردة.
ببرودة ورومانسية مريضة، همست ماريا:
"حبيبي،تبدو وسيماً هذه الليلة. ما رأيك أن نرقص على أنغام المتفجرات؟ أعلم أنكِ تتقن الرقص في وسط الانفجارات."
أجاب جورج بصوت مرتجف:
"لا...شكراً. أريد النوم فقط."
ردت ماريا بنبرة شاعرية مريبة:
"وكيف تنام وزوجتك تتوق لقضاء ليلة رومانسية كتلك الأيام في البوسنة؟عشاء تحت ضوء القمر، محاطين بجثث الصرب والكروات؟"
احتج جورج:
"لكننا في أمريكا الآن!نحن في أقصى الدنيا، لا حرب هنا."
أكملت ماريا وكأنها لم تسمعه:
"لا تخف،كل ما عليك هو الموافقة، وسأتولى أنا أمر التخلص من الجثث."
قال جورج متوسلاً:
"أرجوكِ اتركني وشأني. أعلم كيف سينتهي هذا."
همست ماريا وهي تلعب بخصلات شعره:
"سينتهي بشيء تحبه.تعلم أني أجدكِ جذاباً عندما تصاب برصاصة في كتفك الأيسر."
صاح جورج مذعوراً:
"لا! أرفض عرضكِ هذا!"
قالت ماريا بعينين تلمعان بالجنون:
"هل أنت متأكد؟ لأني قد أقع في حبك من جديد."
سأل جورج بحذر:
"ماذا فعلت؟أعلم أنكِ تتبعين هذا النوع من الحب المريض فقط عندما أرتكب خطأ ما."
ردت ماريا منتشية:
"أوه،إذن تعترف أنك ارتكبت خطأ!"
شرح جورج مبرراً:
"كان علي أن أهيئه لما ينتظره.واحتجت لهدف متحرك للتدريب، ولسوء حظي ظهر ذلك الرجل في الطريق."
قالت ماريا بحزم:
"أبقه بعيداً عن عالم العصابات والانتقام."
أجاب جورج:
"لا أنوي إشراكه،لكن والده يعيش هنا. كان علي إحضاره قبل المواجهة الحتمية."
ردت ماريا:
"أعلم كل شيء.قرأت ملفه، لكن ملف نذير... لم أفهم العربية جيداً، كما أن المعلومات عنه قليلة."
وعد جورج:
"حاضر حبيبتي،لن أدخله في حروب العصابات."
أنهت ماريا المحادثة بنبرة نهائية:
"من الأفضل لك ذلك.سأتولى أمر بابلو قبل أن يتحول إلى رجل عصابة. كان كلبي المخلص ينفذ مهامي القذرة، وهو يعرف جيداً من أكون."
على حين غفلة، دخل سفيان عليهم ليجد المشهد المثير للقلق. بتأدب يخفي ارتباكه الداخلي، سأل:
"ماما،ماذا يحدث؟ أخبريني أنكِ لن تقتلي أبي!"
في تلك اللحظة، انفرجت شفتا ماريا عن ابتسامة غامضة، ثم حملته من قميصه بقوة مذهلة - تناقضاً صارخاً مع قصر قامتها - ووضعته على كتفها بطريقة قاتلة تستعمل في كسر ظهر و رقبة الضحية. أجابت بنبرة هادئة تخفي وراءها عاصفة من المشاعر:
"لا يا عزيزي،كنا فقط نتحدث ونتناقش."
من فوق كتفها، علق جورج محاولاً إخفاء ارتباكه:
"نعم يا بني،كل شيء على ما يرام."
لكن سفيان قاطعهم بنبرة ملحة:
"أخي نذير يبكي ويصرخ ويضرب رأسه في الأرض!"
بلمسة من القائد الذي يعرف كيف يتعامل مع الأزمات، أومأ سفيان برأسه بثقة:
"لا تقلقي،سأتولى الأمر."
انطلق كالريح نحو الغرفة حيث كان نذير يمر بنوبة جنون عارمة. رأى أخاه يضرب رأسه بالحائط وكأنه يحاول كسر قفص غير مرئي. بتلقائية الأمهات الحنونات، احتضنه من الخلف بذراعين قويتين.
"أخي، أنا هنا..."
همس في أذنه بصوت هادئ كالمطر.
توقف نذير عن الصراخ فجأة، ثم انهار في حضن أخيه يبكي كطفل صغير:
"أخي...انظر لدي سرير أنام عليه ، سرير حقيقي
ربت سفيان على ظهره برقة:
"هل كل هذا لانك لديك سرير
نذير :
نعم ، اردت أن افرغ مشاعري من شدة الفرح
بعدها عانقه قائلا :
سوف أحضر لك كل ما تريده و تحتاجه
من بعيد، وقفت ماريا وجورج يشهدان المشهد بصمت. التقطت ماريا همسة لزوجها:
"أنظر كيف يحميه...كم هو مختلف عنا، انتظر لحظة هل كان يبكي لأن لديه سرير؟"
أجاب جورج بإعجاب خفي:
"ربما هذه هي القوة الحقيقية...ليست في السلاح، بل في الحب. وايضا الجنون الذي يتميز به"
تعلق نذير بأخيه محاولاً الوصول إلى صدره، يئن بصوت طفولي:
"أريد أن أنام على صدرك يا أخي..."
رفعه سفيان بحنان، ثم استلقى على السرير ووضع رأسه برفق على صدره. كانت عينا نذير تحدقان في ماريا وجورج المتواجدين عند الباب، وسأل بصوت مرتجف:
"أخي...من هؤلاء؟ أنت تراهم أيضاً، أليس كذلك؟ أم أنهم كالأشباح التي أراها ولا وجود لها؟"
ربت سفيان على رأسه برقة:
"لا،إنهم أناس حقيقيون."
أشار إلى جورج:
"هذا جورج،أبونا الجديد، ونحن نعيش في منزلهما."
ثم أشار إلى ماريا:
"وهذه أمنا الجديدة."
قفز نذير من الفرح وتوجه نحوها بحماس، عانقها بقوة وهو يبكي:
"أخيراً...وجدت أمّاً!"
ثم استدار نحو جورج بنبرة تأخذ طابع الجد والتهديد:
"هذه أمي وأخي فقط!ابحث لنفسك عن أم أخرى!"
ضحك جورج متقبلاً الموقف:
"أعلم،وأنا أبوك الجديد."
عانق نذير أباه ثم جمعهم جميعاً في حضن واحد:
"أحبكم!أبي، أمي... سأعتني بكم!"
حملته ماريا وتوجهت به نحو المطبخ:
"تعال،سأطبخ لك شيئاً لتأكله."
صاح نذير بحماس:
"هيا إلى المطبخ!الطعام أو الموت أثناء المحاولة!"
غادرت ماريا والمطبخ بينما كان جورج يتابع سفيان الذي كان يعبث بهاتفه، ثم نهض من مكانه متجهاً نحو الخارج قائلاً:
"سأخرج لأدخن سيجارة وأعود.لا تنتظرني، عد إلى النوم."
رد عليه جورج بنبرة خبيثة وكأنه قرأ ملامح وجهه:
"بالطبع،فقط لا تتهور."
Imad chelloufi