الطرق الطويلة لا تعلّمك الصبر، بل تعلّمك أن الوحدة قد تكون أقسى من الرصاص. بل أحياناً تكون طوق نجاة في أحلك الظروف، تلك الظروف التي تخلق من المرء شيطاناً لا يعرف الرحمة. فحين تسافر مع مجنون وأخت غامضة في سيارة قديمة، لا تدري إن كانت ستصل أم تنهار في منتصف الطريق، فإنك تبدأ في التساؤل: هل كان قرار الذهاب صائباً، أم أن الجنون بدأ يتسلل إلى عقلك أيضاً؟ فتسقط أقنعة العقلانية الزائفة، ويبدأ الجنون المطلق الذي يخلق صورة حقيقية لداخلية الإنسان الأصلي، الذي وُلد على فطرة طبيعية: "أنا الجنون، إذاً أنا مجنون."
كان الطريق إلى حي بروكلين ممهداً بالإسفلت المتهالك، وأعمدة الإنارة تكاد لا تعمل، كأن المدينة نفسها كانت تحاول إخفاء الوجه القبيح لهذا الحي الفقير الذي لا يقبل الضعفاء. سفيان كان يقود ببطء، وسيجارته لا تفارق شفتيه، وعيناه تراقبان كل سيارة تمر بجانبهم. نذير كان يضرب رأسه بنافذة السيارة على إيقاع أغنية وهمية، بينما كانت نور تحدق في الزجاج الأمامي كمن ترى شيئاً لا يراه الآخرون.
دخلت السيارة زقاقاً ضيقاً، جدرانه مكتوب عليها بعبارات بذيئة ورسومات غريبة. في نهاية الزقاق، كان هناك مقهى صغير، واجهته خشبية متآكلة، ونافذة مكسورة. فوق الباب، لوحة صدئة مكتوب عليها: "الأمل المنسي" - الذي اعتبر مقبرة جديدة لأعمال نذير وسفيان.
توقف سفيان السيارة، وأطفأ المحرك. صمت مطبق خيم عليهم، لم يقطعه إلا صوت صفير نذير.
نذير: (يهمس كمن يخبر سراً خطيراً)
"أخي... أليس الأمل المنسي هو المكان الذي يذهب إليه الناس عندما ييأسون من كل شيء؟ إذاً نحن في المكان الصحيح!"
سفيان: (ينظر إلى المرآة الجانبية)
"أو المكان الخطأ الذي سندفن فيه."
نور: (تتنفس بعمق)
"هذا هو المكان. الأخ الثالث ينتظر بالداخل. لكن تذكروا... هو شرير بدم بارد."
نذير: (يفتح باب السيارة)
"شرير بدم بارد؟ هذا يعني أن قهوته ستكون باردة أيضاً! لا أحب القهوة الباردة!"
سفيان:
"أغلق فمك."
نذير بنبرة تحدي:
"وإذا رفضت؟"
سفيان بكل برودة :
"سأدفنك وأنت حي."
نذير: (بنبرة فرح)
"إذا دفنتني حياً، هل ستسمعني وأنا أصرخ وأغني؟"
سفيان:
"نعم... أعلم ما تفكر فيه... لذا توقف مكانك."
نذير:
"أرجوك... افعلها!"
قفز نذير خارج السيارة، وبدأ يقفز نحو باب المقهى. أخرج سفيان مسدسه من تحت المقعد، وأشار إلى نور أن تبقى خلفه. مشيا معاً نحو الباب الخشبي، بينما كانت رائحة القهوة القديمة والدخان تملأ الهواء.
الآن... الموعد مع المجهول. والأخ الثالث الذي قد يكون قاتلاً... أو ضحية أخرى في مسرحية الأب الغامض.
دفعَ نذيرُ البابَ الخشبيَّ بقوةٍ، فانكسرَ من مفصلاتِه وتطايَرَتْ شظاياهُ في الهواءِ كأوراقِ خريفٍ مجنونةٍ. قبلَ أنْ يستقرَّ الغبارُ، كانَ قد أخرجَ مسدسَه وبدأَ يُطلقُ النارَ في كلِّ اتجاهٍ. لم يكنْ يُصوِّبُ، بل كانَ يُفرِغُ خزينَه في الأجسادِ التي تتحرَّكُ، والزجاجاتِ التي تتطايَرُ، والنوافذِ التي تتهاوى. كانتْ تلكَ مقدمةَ سمفونيةِ الجنونِ المطلقِ لفنانٍ موهوبٍ يُلقَّبُ بـ"ملكِ الجنونِ".
الرصاصُ كانَ يُغني أغنيتَه الخاصةَ: صفيرٌ حادٌّ، ثم ارتطامٌ باللحمِ، ثم صرخاتٌ مختنقةٌ، ثم صمتٌ خيَّمَ على أرجاءِ المكانِ للحظاتٍ.
ثلاثةُ رجالٍ كانوا يجلسونَ على طاولاتٍ متفرقةٍ، اثنانِ منهم سقطا فورًا، والثالثُ حاولَ الهربَ منَ البابِ الخلفيِّ، لكنَّ نذيرًا كانَ أسرعَ. رصاصةٌ في ظهرِه أسقطَتْه على وجهِه، ثم رصاصةٌ أخرى في رأسِه للتأكيدِ. النادلُ خلفَ البارِ اختفى تحتَ المنضدةِ، لكنَّ نذيرًا أطلقَ النارَ على الزجاجاتِ التي فوقَ رأسِه، فانهَمَرَ عليه زجاجٌ وسائلٌ كالمطرِ الحامضِ الذي يقتلُ مَنْ يُصيبُه.
نذيرٌ (وهو يضحكُ كالمجنونِ، ودخانُ المسدسِ يتصاعَدُ من فوهَتِه):
«أينَ هو؟ أينَ أخي الثالثُ؟ أينَ الكعكةُ التي وعدَني بها؟ هل يظنُّ أنني أتيتُ لأشربَ القهوةَ معه؟!»
ثم أضافَ وهو يصرخُ ويضرِبُ رأسَه بالمسدسِ:
«أريدُ الكعكةَ... أو سأقتلُكم جميعًا!»
ثم استدارَ نحوَ سفيانَ قائلًا بجنونٍ:
«حتَّى أنتَ...»
رفعَ صوتَه أكثرَ، وبدأَ يدورُ حولَ نفسِه ببطءٍ، مسدسُه لا يزالُ مشيرًا إلى كلِّ زاويةٍ.
نذيرٌ:
«اخرجْ أيُّها الجبانُ! لقد جئتُك بهديةٍ! رصاصاتي طازجةٌ، والشوكولاتةُ معي في الجيبِ! لكنَّها ليستْ لكَ... هي لي!»
في تلكَ الأثناءِ، كانَ سفيانُ يسيرُ بهدوءٍ نحوَ البارِ، متجاوزًا الجثثَ والدماءَ التي بدأتْ تُشكِّلُ بِرَكًا صغيرةً على الأرضِ الخشبيةِ. طوى كُمَّ قميصِه الأيمنَ قليلًا، ثم نادى النادلَ الذي كانَ لا يزالُ يرتجفُ تحتَ المنضدةِ:
سفيانٌ (بصوتٍ باردٍ كالثلجِ):
«قهوةً سوداءَ. ساخنةً. وليسَ فيها سُمٌّ. وإلَّا سأجعلكَ تشربُ من دمِ زبائنِكَ.»
النادلُ أخرجَ رأسَه المرتعشَ، نظرَ إلى سفيانَ، ثم إلى نذيرٍ الذي كانَ لا يزالُ يُطلقُ النارَ على السقفِ، ثم أسرعَ يحضُرُ القهوةَ بأيدٍ ترتجفُ كأوراقِ الشجرِ في العاصفةِ.
جلسَ سفيانُ على كرسيٍّ قريبٍ منَ البارِ، وأشعلَ سيجارةً، وبدأَ يرتشفُ قهوتَه بهدوءٍ، كأنَّه في مقهًى عاديٍّ في يومٍ عاديٍّ.
أمَّا نورُ، فكانتْ لا تزالُ واقفةً عندَ المدخلِ، ملتصقةً بالجدارِ، عيناها مفتوحتانِ على اتساعِهما، ووجهُها شاحبٌ كالموتى الذينَ يغطُّونَ الأرضَ. لم تكنْ تتخيَّلُ أنَّ الجانبَ المجنونَ من نذيرٍ بهذهِ الوحشيَّةِ. سمعَتْ عنه، لكنَّ رؤيتَه كانتْ شيئًا آخرَ لم تكنْ قطُّ تتخيَّلُه بهذهِ البشاعةِ.
اقتربَتْ من سفيانَ بخطواتٍ مترددةٍ، وجلستْ على الكرسيِّ المجاورِ له، ويدُها المرتعشةُ بحثَتْ عن يدِه. أمسَكَتْ بها بقوةٍ، كأنَّها تخشى أنْ تغرقَ في بحرٍ من الرصاصِ والدماءِ.
نورُ (تهمسُ بصوتٍ لا يكادُ يُسمَعُ):
«هل... هل يفعلُ هذا دائمًا؟»
سفيانٌ (يَزفِرُ دخانًا، لا ينظرُ إليها):
«هذه كانتْ نوبةً هادئةً بالنسبةِ له.»
نهضَ نذيرٌ فجأةً من وسطِ الغرفةِ، ونظرَ إلى سفيانَ ونورٍ، ثم إلى القهوةِ التي كانتْ ترتفعُ منها رائحةُ البنِّ والدخانِ.
نذيرٌ (قفزَ نحوَ الطاولةِ، جلسَ القرفصاءَ على الكرسيِّ):
«أخي! أينَ كعكتي؟ أينَ الشوكولاتةُ؟ هذا المقهى سيءٌ جدًّا! لا يقدِّمونَ حتى حلوى مجانيةً مع الموتِ!»
سفيانٌ (دفعَ كوبَه نحوَه):
«اشربْ قهوتَك. ستَهدأُ.»
نذيرٌ (نظرَ إلى القهوةِ باشمئزازٍ):
«القهوةُ السوداءُ هي عدوُّ الشوكولاتةِ! لكنَّني سأشربُها لأنَّك تطلبُ ذلكَ.»
شربَ القهوةَ دفعةً واحدةً، ثم وضعَ الكوبَ بقوةٍ على الطاولةِ فتحطَّمَ.
نذيرٌ:
«هل تسمعُ؟ هذا صوتُ كوبِكَ وأنتَ غاضبٌ منِّي؟»
سفيانٌ (لم يرفعْ عينَيْه):
«لا. هذا صوتُ تحطُّمِ أعصابي. إذا هدَّدتَني مجدَّدًا...»
فجأةً، سمعوا صوتًا منَ الغرفةِ الخلفيةِ. صوتَ تصفيقٍ بطيءٍ، ساخرٍ، كمن يُصفِّقُ لمسرحيةٍ هابطةٍ.
خرجَ رجلٌ منَ الظلامِ. كانَ طويلَ القامةِ، يرتدي معطفًا أسودَ طويلًا، وشعرَه أشقرَ مصبوغًا. في يدِه اليمنى سيجارٌ، وفي يدِه اليسرى كعكةٌ كبيرةٌ مغطاةٌ بالشوكولاتةِ.
الرجلُ (بابتسامةٍ عريضةٍ):
«برافو! برافو! أنتم حقًّا تستحقونَ لقبَ "العائلةِ المجنونةِ"! دخلتُم وقتلتُم ثلاثةً من رجالي كأنَّهم ذبابٌ! لكنِّي أعجبني الأسلوبُ. عشوائيٌّ، عنيفٌ، وغيرُ منطقيٍّ... مثلي تمامًا!»
نذيرٌ (قفزَ من كرسيِّه):
«أنتَ الأخُّ الثالثُ؟! أينَ كعكتي؟ أعطِها لي الآنَ!»
ثم أضافَ صارخًا بطريقةٍ هستيريةٍ:
«أحتاجُ كعكتي أيُّها الحقيرُ!»
فجأةً سقطَ على ركبتَيْه يبكي كالمجنونِ ويصيحُ:
«أنا أكرَهُك! لقد سلبتَ منِّي كعكتي... لماذا يا رَبِّ...»
ثم نهضَ يجري ويضرِبُ رأسَه في الطاولةِ بعنفٍ قائلًا:
«أحتاجُها أو سأنتحرُ ضربًا حتى الموتِ!»
الرجلُ (وضعَ الكعكةَ على الطاولةِ):
«تفضَّلْ. لكنْ تحذيرٌ: الشوكولاتةُ ليستْ مسمومةً... السكينُ الذي سيخرجُ منها هو المسمومُ.»
نظرَ نذيرٌ إلى الكعكةِ، ثم إلى الرجلِ، ثم إلى سفيانَ الذي كانَ لا يزالُ يرتشفُ قهوتَه ببرودٍ.
نذيرٌ (همسَ لنورَ):
«هل نأكلُها؟ أم نقتلُه أولًا؟»
نورُ (لم ترفعْ عينيْها عن الرجلِ):
«أنا خائفةٌ... لم أرَ هذا الوجهَ من قبلُ... لكنَّ عينَيْه تُذكِّراني بالأبِ.»
سفيانٌ (أطفأَ سيجارتَه، وقفَ، ونظرَ إلى الرجلِ):
«أنتَ لستَ أخًا. أنتَ مجرَّدُ دميةٍ أخرى في مسرحيةِ الأبِ. فلماذا تريدُ قتلَنا؟»
الرجلُ (اقتربَ خطوةً، ومدَّ يدَه ليلمسَ الكعكةَ):
«لأنَّ الأبَ وعدَني بمكافأةٍ... كلَّما قتلتُ واحدًا من أبنائِه، سأرثُ جزءًا من ممتلكاتِه. وأنتما... كنتُما الهدفَ الأغلى.»
سفيانٌ (ابتسمَ ابتسامةً باردةً):
«إذًا... أنتَ قاتلٌ مأجورٌ. ليسَ أخًا.»
نذيرٌ (قطعَ الكعكةَ بسكينِه، ووضعَ قطعةً في فمِه):
«قاتلٌ مأجورٌ أو أخٌ، المهمُّ الشوكولاتةُ لذيذةٌ! لكنَّ السكينَ المسمومَ أينَ هو؟»
فجأةً، انطلقتْ شفرةٌ صغيرةٌ من داخلِ الكعكةِ، اخترقَتْ خدَّ نذيرٍ وسقطَتْ على الأرضِ. مسحَ نذيرٌ الدمَ عن وجهِه بِكُمِّه، ثم نظرَ إلى الرجلِ بعيونٍ متسعةٍ.
نذيرٌ:
«آه... ها هو! شكرًا على الهديةِ! سأستخدمُها لقتلِكَ!»
قفزَ نذيرٌ نحوَ الرجلِ، والرجلُ أخرجَ مسدسَه، لكنَّ سفيانَ كانَ أسرعَ. رصاصةٌ من مسدسِ سفيانَ أصابتْ ذراعَ الرجلِ الأيمنَ، فسقطَ مسدسُه. نذيرٌ اغتنمَ الفرصةَ، وطعنَه بالسكينِ المسمومِ في كتفِه.
الرجلُ (صرخَ):
«السمُّ... هذا السمُّ لي! كيفَ تفعلُ هذا؟!»
نذيرٌ (ضحكَ بصوتٍ عالٍ):
«أنا ملكُ الجنونِ! السمُّ لا يقتلُني، بل يُطعِمُني! الآنَ، أجبْ على سؤالِ أخي: مَنْ أرسلَكَ حقًّا؟»
سقطَ الرجلُ على ركبتَيْه، والسمُّ يبدأُ في جسدِه يتصاعِدُ بسرعةٍ. نظرَ إلى سفيانَ بنظرةٍ ذليلةٍ:
الرجلُ:
«الأبُ... الأبُ هو مَنْ أرسلَني. لكنَّه قالَ إنَّكما ستموتانِ بسهولةٍ... لم يُخبِرْني أنَّكما بهذا الجنونِ.»
سفيانُ أطفأَ سيجارتَه، ووقفَ أمامَ الرجلِ، ونظرَ إليه بازدراءٍ:
سفيانٌ:
«قُلْ له عندما تراهُ... أنَّ أبناءَه المجانينَ يُرسلونَ له تحيةً مسمومةً. وهذهِ المرةَ، سنأتي إليه بأنفسِنا.»
انهارَ الرجلُ على الأرضِ، وعيناه مفتوحتانِ تطلبانِ السماءَ.
نظَّفَ نذيرٌ سكينَه في معطفِ الرجلِ، ثم أخذَ قطعةً أخرى منَ الكعكةِ وأكلَها.
نذيرٌ:
«أخي... هذهِ الكعكةُ لذيذةٌ حقًّا! هل نأخذُ ما تبقَّى معنا؟»
نورُ (كانتْ لا تزالُ تمسكُ يدَ سفيانَ، ترتجفُ):
«أنتما... أنتما لستُما بشرًا.»
سفيانٌ (نظرَ إليها):
«لا. نحنُ ما صنعَنا الأبُ. والآنَ، لنذهبْ. الطريقُ إلى الحقيقةِ ما زالَ طويلًا.»
نهضَ سفيانُ، وسحبَ نذيرًا من أذنِه خارجَ المقهى. نورُ تبعَتْهما، تاركةً وراءَها جثثًا وأسئلةً لا إجاباتَ لها.
الآنَ... المقهى تحوَّلَ إلى مقبرةٍ. والأبُ الغامضُ يعلمُ أنَّ أبناءَه اقتربوا أكثرَ ممَّا يتصوَّرُ.
Imad chelloufi