خرج سفيان ونذير من غرفة الأب كما يخرج الغواص من أعماق بحر هائج، رئتاهما ممتلئتان بالأسئلة، وقلباهما أثقل من جيب سفيان الذي يئن تحت وطأة ذلك الشيء الغامض. لم يتحدثا أثناء عبورهما الرواق الطويل، فقد كانت التماثيل الحجرية تراقبهما بعيونها الفارغة، والحراس صامتون كأشباح لا تتنفس، مما يجعلك ترى الحياة بمنظور مختلف، منظور يخلع عنه قناع الحضارة ليكشف عن وجهه الحقيقي: وجه الخوف والصمت والانتظار.
أما نذير، الذي كان قبل دقائق يقفز ويغني ويرسم دوائر على السجاد، فمشى الآن خلف أخيه كجرو مبلول، ينظر إلى الأرض، يحرك شفتيه بكلمات لا تخرج، وعقله لا يتوقف عن التفكير. تارة يفكر في العودة والقفز من النافذة ليرى إن كانت مؤخرته ستؤلمه، وتارة يفكر في قطع أذنه: هل سيزيد السمع أم ينقص؟ وغيرها من الأفكار السادية المجنونة التي تشبه اللحاف الذي يكسوه من كل جانب، لحاف يحميه من أفكار مجتمع يدعي الحضارة والعقلانية، لكن تصرفاتهم تظهر عكس ذلك تماماً.
أما سفيان، فكان يدخن بشراهة، كل زفرة دخان تحمل جزءاً من غضبه المكبوت. لم يقل شيئاً، ولم ينظر إلى أخيه، فقط مشى نحو مخرج القصر كمن يهرب من حريق.
عند بوابة القصر، توقفت سيارة المرسيدس السوداء تنتظرهما. فتح سفيان الباب، جلس في المقعد الخلفي، وتبعه نذير. المرأة الغامضة – تلك التي استقبلتهما – جلست في المقعد الأمامي، لم تنظر إليهما، فقط قالت للسائق بصوت حاد:
"إلى حيث تعرف... وبسرعة، ليس لدينا الكثير من الوقت."
انطلقت السيارة، ونذير أخيراً كسر الصمت بصوت مبحوح:
"ما هذا الشيء في جيبك؟ هل هي مصاصة؟ أم إصبع شخص ميت؟ أحتاج شيئاً فيه سكر... أو الدم."
ثم انفجر يضحك كالمجنون بصوت عالٍ، وبدأ يضرب رأسه في النافذة، ثم توقف فجأة وتغيرت ملامح وجهه، وقال بجدية مرعبة:
"هل تعلم أن المرأة تلد ولا تبيض؟ بل تضع مولودها في مستشفى، وليس في غابة... إنه حقاً أمر عجيب."
سفيان لم يجب. أخرج الشيء من جيبه، ونظر إليه تحت ضوء المصباح المتقطع داخل السيارة. كان قرصاً معدنياً صغيراً، يحمل نقشاً غريباً، وحرفاً واحداً محفوراً عليه: "ص".
قفز نذير من مقعده بحماسه المعتاد:
"ص؟ صاد؟ صباح؟ صرصور؟ صفيح؟ ماذا يعني؟"
زفر سفيان دخاناً، ثم قال بصوت لا يحتمل الجدل:
"يعني أن اللعبة بدأت للتو."
توغلت السيارة في ظلام نيويورك، بينما كان القصر يبتعد خلفهما كوحش عجوز يغلق عينيه بعد عشاء دامٍ.
الآن... تبدأ رحلة البحث عن معنى الحرف، أو العواقب المخفية التي تنتظر سفيان ونذير إذا قررا أن يكملا وصية أبيهما الغامض.
كانت السيارة تسرع في ظلام نيويورك، وأضواء المدينة تتساقط خلف الزجاج كنجوم تهرب من سماء ملوثة. في المقعد الخلفي، جلس سفيان صامتاً، يدخن سيجارته الثالثة خلال دقائق، عيناه مثبتتان على القرص المعدني الذي يحمل الحرف "ص". أما نذير، فكان يتأرجح بين نوبة جنون وأخرى من التفلسف السخيف، ثم يضحك ويعيد الكرة عدة مرات.
أدارت المرأة الغامضة رأسها قليلاً نحو الخلف، لم تنظر إليهما مباشرة، بل إلى الظلال المنعكسة على الزجاج التي تحمل الكثير من الخبث والأسرار العميقة.
المرأة:
"ألن تسألاني عنه؟"
نذير: (قفز في مقعده كمن لسعته نحلة)
"عن من؟ الأب؟ الرجل الظل؟ ملك الغموض؟ صاحب رائحة الحقيقة الكريهة؟ بالطبع سأسأل! لدي مليون سؤال! لكن المشكلة أن إجاباتك ستكون على الأرجح ألغازاً كألغازه! أو الأسوأ... رائحتك مثل المجاري!"
المرأة: (ابتسامة خفيفة)
"ربما. لكن السؤال الحقيقي ليس عن هويته... بل عن هويتكما." ثم أضافت بنبرة غضب: "اصمت أيها الغبي! لتوك خرجت من الدوش."
نذير: (وضع إصبعه على ذقنه كالمفكرين)
"هويتنا؟ أنا أعرف هويتي جيداً. أنا ملك الجنون! حامل لواء الفوضى! قاتل الأشرار وآكل الحلوى! لكن...
توقف فجأة، نظر إلى سقف السيارة
ماذا لو كنت فيلسوفاً أيضاً؟ هل فكرتِ في ذلك؟ ربما أثناء استحمامك!"
المرأة: (بدهشة ممزوجة بالسخرية)
"فيلسوف؟"
نذير:
"نعم! أنا أتفلسف في كل شيء! مثلاً... لماذا نولد ونبكي؟ لأننا نعرف أننا سنموت! ولماذا نعيش؟ لأننا جبناء لا نجرؤ على الموت! أليس هذا حكيماً؟"
سفيان: (ببرود، دون أن يرفع عينيه عن القرص)
"لا. هذا هراء."
نذير: (نظر إلى سفيان بانزعاج)
"أنت لا تفهم الفلسفة! أنت تفهم السجائر فقط!
ثم عاد إلى المرأة:
دعه وشأنه، هو مجنون بارد، وأنا مجنون حار. المهم... أخبريني عن الأب. هل هو حقاً والدنا؟ أم أننا تبنيناه بالصدفة؟ لأن القدر ماكر ويحب الخداع."
المرأة: (صوتها أصبح أكثر جدية)
"هو والدكما. بيولوجياً. لكنه... اختار أن يكون ظلاً بدلاً من أن يكون أباً، لأسباب يريد منكما أن تكتشفوها."
نذير: (صرخ كالمكتشف)
"آها! إذاً هو جبان مثلي! لكني أعلنتُ جنوني علناً، وهو يختبئ في الظلام. من الأكثر جرأة؟ من أخبرني؟"
أمسك نذير بسفيان وبدأ يجرجحه بعنف قائلاً:
"أخبرني؟ سفيان! أخبرني؟"
صفعه سفيان بقوة، ثم عاد إلى ما كان يفعله. فاستدار نذير نحو المرأة بهدوء وقال:
"إذاً... أكملي."
المرأة:
"الجرأة ليست في الصراخ، بل في الصمت."
نذير: (أغلق فمه بيديه، ثم فتحهما فجأة)
"صمت؟ أنا أستطيع الصمت! شاهديني!
صمت لثانيتين، ثم انفجر قائلا:
لا أستطيع! الصمت يقتلني! أخبريني شيئاً عنه... هل يحب الحلوى مثلي؟"
المرأة: (تنهدت)
"لا أعرف. لا أحد يعرفه حقاً. ليس من النوع الاجتماعي ولا المسامح."
نذير:
"إذاً كيف نثق به؟ كيف نثق بأن هذا القرص المعدني ليس قنبلة موقوتة؟ أو حفاظة أطفال متسخة؟"
سفيان: (بارداً) "
لأنه لو أراد قتلنا، لكان فعلها في القصر. وتوقف عن قول أشياء مقززة."
نذير: (نظر إلى سفيان بإعجاب)
"أحياناً تقول أشياء ذكية! لكنك تبقى بارداً كثلاجة!
ثم عاد إلى المرأة قائلا:
هل تعرفين معنى حرف 'ص'؟ صاد؟ هل هو اختصار لاسمه؟ صبور؟ صقر؟ صرصور؟"
المرأة: (هزت كتفيها)
"لا أعرف. ربما أنتما من سيكتشف."
نذير: (أخذ نفساً عميقاً، ثم تحدث بنبرة الفيلسوف الحكيم)
"الحروف... يا سيدتي، ليست مجرد رموز. إنها مفاتيح لعوالم مخفية. كل حرف يحمل سراً. و'ص'...
توقف للحظة، ثم صرخ؛
'ص' تذكرني بالصبر! والصبر مفتاح الفرج! هل تظنين أن الأب يريد أن يقول لنا: 'اصبروا'؟"
سفيان: (ببرود)
"أو 'اصمت'."
نذير: (ضحك بصوت عالٍ)
"اصمت؟ هذا ينطبق عليك أنت أكثر مني! أنت لم تقل عشر كلمات منذ خرجنا من القصر!
ثم أدار رأسه إلى المرأة بحماس:
هل تعرفين أن الفلاسفة القدامى كانوا يشربون السم؟ أنا مستعد لشرب السم إذا كان سيخبرني الحقيقة! هل لديك سم؟"
المرأة: (باستغراب)
"لا... ليس لدي سم."
نذير:
"إذاً كوب من العصير؟ أو على الأقل قطعة حلوى؟ عقلي يحتاج إلى سكر ليفكر بشكل أعمق!"
سفيان: (أخرج قطعة شوكولاتة من جيبه، ورمى بها إلى نذير)
"خذ. وأغلق فمك."
نذير: (أمسك الشوكولاتة بلهفة، نظر إليها كأنها كنز)
"شوكولاتة! أخي الحكيم! أنت تعرف كيف تتعامل مع الفلاسفة!
(قضم قطعة، ثم تحدث وفمه ممتلئ)
أتعلمين... ربما 'ص' تعني 'شوكولاتة'! لكن بالعربية... 'ش' لا 'ص'. إذاً... (فكر بعمق) ربما 'ص' تعني 'صورة'؟ أو 'صوت'؟ أو 'صاعقة'؟"
المرأة: (بدأت تفقد صبرها)
"لا أعرف. اسألا أباكما عندما ترونه مرة أخرى."
نذير: (ابتلع الشوكولاتة، ثم قال بجدية مفاجئة)
"هل سنراه مرة أخرى؟ أم أن هذا اللقاء كان الأول والأخير؟"
صمتت المرأة. سفيان زفر دخاناً.
سفيان:
"سنراه. عندما نعرف ما يريد."
نذير: (أشار بإصبعه إلى سفيان كالمعلم)
"ها! أنت قلت شيئاً! 'عندما نعرف ما يريد'... هذا يعني أن الأب يريد شيئاً منا! ما هو؟ روحنا؟ دمنا؟ كليتنا؟ أو ربما سروالنا الداخلي!"
المرأة: (بصوت هادئ)
"ربما يريد فقط أن يعرف من أنتما."
ثم أضافت بذهول:
"ماذا؟ أنت حقاً مقزز ومجنون؟"
بعدها أعادت بصرها نحو سفيان:
"هل هو هكذا دائماً؟"
سفيان: (من دون أن ينظر إليها)
"نعم. واليوم وجدته في مزاج جيد. بالإضافة إلى أنه يحبك، لهذا يتصرف بود... لكن بطريقته الخاصة."
المرأة: "
أنا سعيدة لأنه يحبني... إنه مثل أخي الصغير."
نذير:
"نعم... وأنا وسيم أيضاً؟
" ثم أكمل حديثه: (توقف عن الأكل، نظر إليها بعيون واسعة)
"أن يعرف من نحن؟ نحن ابناه! لقد صنعنا! أليس يعرفنا أكثر من أنفسنا؟"
المرأة:
"الأبوة لا تعني المعرفة. أحياناً يكون الأب أبعد الناس عن أبنائه."
ساد صمت قصير. نذير لم يقفز، لم يضحك، فقط ابتلع ريقه.
نذير: (بصوت هادئ غير معتاد)
"إذاً... نحن ضائعون. وهو ضائع. والجميع يبحث عن شيء لا يجده."
نظرت إليه المرأة باندهاش من جرأة هذه الحكمة المفاجئة.
سفيان: (أطفأ سيجارته، وقال ببرود معتاد)
"لا. نحن لا نبحث. نحن نصنع الطريق بأنفسنا."
نذير: (عاد إلى طبيعته فجأة، قفز في مقعده)
"أنا معه! سنصنع طريقاً من الجماجم والشوكولاتة! و'ص' ستكون أول حجر في هذا الطريق!"
تسارعت السيارة، وبدأ نذير يغني أغنية من تأليفه:
"ص... ص... صاد... صاد من صدم صدام... صدام الحقيقة بالجنون!"
أغمض سفيان عينيه، وأدارت المرأة رأسها نحو النافذة، بينما كانت أضواء نيويورك تتراقص كشهود صامتين على حوار لا يشبه أي حوار آخر.
Imad chelloufi