لا تُروى الحقيقة أبداً بالكامل. إنها تتساقط كالدم من جرح لا يلتئم، قطرة بعد قطرة، صدمة بعد صدمة، حتى تَقُودَك إلى طريق مسدود. فلا تفرق بين الواقع والهلوسة، وتتشابك في نفسك خيوط الحلال والحرام، فلا تستطيع التفريق بينهما. وكل هذا بسبب أن نفسك ترفض تقبل الحقيقة المطلقة والأصلية، لأنها تضع حقيقةً أخرى في بالها، فتلك الحقيقة تصبح مقدسة لا تمس.
في مخبر الأب الغامض، تحت ضوء المصابيح الخافتة التي عادت لتتوهج بعد انقطاعها، وقف سفيان ونذير أمام جثة نصف حية، وأمام حقيقة كانا يظنان أنها نهاية الطريق. لكنها لم تكن سوى أول حجر في جدار غير مرئي، كأنهما في متاهة لا مخرج لها، أو أن كل الطرق تؤدي إلى الخروج لكنهما لا يستطيعان اتخاذ الطريق المؤدي إلى المخرج.
كان الرجل المهاجم لا يزال يتنفس، لكنه فقد القدرة على الكلام. كانت عيناه المفتوحتان تحدقان في سقف المخبر كمن يرحل دون أن يغادر. أشعل سفيان سيجارة ثالثة، أو ربما العاشرة، لم يعد يعد. أما نذير، فكان غريباً هذه المرة. لم يقفز، ولم يغني، ولم يطلب حلوى. فقط جلس القرفصاء بجانب الرجل، ووضع رأسه بين يديه، وأخذ يهمس له بشيء لا يفهمه أحد، كأنه يتلو عليه تلاوة الوداع من إنجيل القديس بطرس.
أما المرأة الغامضة، فكانت لا تزال واقفة في ظل الباب، كأنها جزء من الأثاث، أو شاهد لا يحق له التدخل. لم يكن صمتها خوفاً، بل كان انتظاراً. كانت تعرف أن ما سيأتي بعد هذه اللحظة سيكون أعنف مما سبق، وأن الدم الذي سال للتو ليس سوى وصلة مجانية في حفلة لم تبدأ بعد. لقد كان عدم تدخلها يعود عليها بالفائدة، إذ أرادت أن ترى بعينيها حقيقة الأسطورة التي سمعتها عن الدمية المريضة وملك الجنون. فحادثة الحانة لم تمر مرور الكرام، بل انتشرت كلهيب النار في القش في أرجاء المدينة.
رفع سفيان نظره نحو الصورة المعلقة على الحائط – صورة الأخ الثالث. كان الرجل في الصورة يبتسم، ابتسامة غريبة، كمن يعرف نهاية لا يعرفها أحد غيره. همس سفيان بصوت أجش:
"إذا كان هناك ثالث... فربما هناك رابع."
رفع نذير رأسه ببطء، وكانت عيناه جافتين من الدموع التي لم تسقط:
"أو ربما نحن الرقمان الخطأ في معادلة صحيحة."
تحركت المرأة فجأة، خطوتين إلى الأمام:
المرأة:
"ليست هناك معادلة. هناك فقط... جثث لا تبكي. وأسرار تنتظر من يفتحها."
نذير: (ببرود غريب)
"أو منازل من دون مطبخ أو حمام."
سكت لحظة، ثم أكمل:
"لقد استحممت البارحة، واستعملت الصابون، ثم شربت الشامبو."
نظرت إليه المرأة مذهولة:
المرأة:
"حقاً؟ ولم يحدث لك شيء؟"
رد عليها سفيان من دون أن ينظر إليها:
سفيان:
"أنت تراه أمامك كالبغل الذي لا يتوقف ."
نذير : (بجدية كوميدية)
"تقيأت فقط. مما جعلني أكتشف أن الشامبو غير صالح للأكل، لأنه لا يحتوي على الملح."
ضحكت المرأة:
المرأة:
"شكراً لك على المعلومة يا نذير."
بعدها، ساد صمت ثقيل، ثم انطلق صوت صفير إنذار من أحد الأجهزة القديمة، كأن المخبر نفسه كان يستيقظ من نوم طويل.
الآن... يبدأ الكابوس الحقيقي. فالأب الغامض لم يكن يخبئ لهما أخاً ثالثاً فقط. كان يخبئ لهما تاريخاً كاملاً من الدم.
بينما كانت المرأة الغامضة تبتسم ابتسامتها الباردة، والدماء لا تزال تخنق أنفاس الرجل المهاجم على الأرض، تحرك الجسد النصف ميت فجأة. زحف بسرعة غير متوقعة، يجر ساقيه المصابتين نحو الباب الحديدي الموارب، ظنًا منه أنه سيجد خلاصًا في الظلمة الخارجية، أو يطلب مساعدة تنقذه من مصيره الذي ينتظره. فلم يكن يعلم أن محاولة اغتيال الأخوين المجنونين تدفع ثمنها دمًا، وأن حياتك تصبح لعبة بين أيديهما.
لكن نذير كان أسرع، كأنه فهد يطارد فريسته من أجل إشباع رغبة سادية.
قفز نذير في الهواء كالجندب المجنون، وارتطم بظهر الرجل بقوة الصاعقة. سقط الرجل على وجهه، وتناثرت أسنانه الأمامية على الأرض الخشبية كحبات الذرة البيضاء.
صرخ نذير بأعلى صوته، ووجهه قريب من أذن الرجل لدرجة أن الصوت كاد يفجر طبلة أذنه:
"من قال لك اهرب؟! من قال لك إنك تستطيع الهرب مني؟! أتظن أنني ديكور في هذه الغرفة؟!"
ركلة على ظهره، عنيفة وحشية، كأنه يحاول إزالة عموده الفقري.
"هل قلت لك اهرب؟!"
بدأ يركل فيه بعنف ويصرخ:
"توقف عن العبث برأسي! أخي، لقد دخل إلى عقلي وبدأ يغني: 'أحبك يا حبيبتي... من دونك أنا فوق الجبل أحلم بتغيير حفاظك!'"
رد عليه سفيان ببرود:
سفيان:
" أغلق فمك... قبل أن أُكسّره. بالإضافة إلى أن هذا العقل المريض والسادي ليس له علاقة بهذا الضحية."
نذير:
"سأجعله يدفع ثمن كتابة تلك الأغنية التافهة."
ثم أمسك برجل الرجل اليمنى، وقلبها بقسوة، ثم طعنه بسرعة بسكين صغيرة ظهرت من جيبه، طعنة واحدة في فخذه الأيسر:
"هل قلت لك اهرب أو اكتب تلك الأغنية وأرسلها إلى عقلي؟ هل سمعتها مني؟ هل وصلتك الرسالة بوضوح، أيها الجبان؟!"
لم يعد الرجل يستطيع الصراخ. كان صدره يئن، ودمه يقطر على الأرض، لكن نذير لم يكتفِ. استدار برأسه مئة وثمانين درجة كالبومة، وثبت عينيه على المرأة التي كانت تقف صامتة.
نذير: (بصوت حاد ساخر)
"سيدتي... التي تشبه مستودع القمامة... وأنتِ واقفة هناك تتفرجين كمن تشاهد فيلماً وثائقياً عن الضباع... هل سمعتِ مني أنني أخبرته أن يهرب؟"
(ببرود، غير مبالية) "المرأة:
لا. لم أسمع.
نذير قفز فرحاً، ثم عاد إلى الرجل وركل رأسه برفق، كمن يوقظ صديقاً نائماً قائلا :
اسمع أيها الحمار! حتى هذه السيدة القمامة لم تسمعني أقول لك اهرب! إذاً من أين أتيت بهذه الفكرة العبقرية؟ هل ظننت أن الباب سيحضنك ويحميك من ملك الجنون؟"
ثم انحنى نحو أذن الرجل وهمس بصوت منخفض، لكنه سمع للجميع:
نذير: (يهمهم)
"أنت محظوظ لأن أخي الكئيب لم يمسكك أولاً. كان سيجعلك تأكل أسنانك مع الشوكولاتة."
نهض نذير، ونفض الغبار عن قميصه، ثم التفت إلى سفيان الذي كان يدخن ببرود، ثم إلى المرأة:
نذير:
"أليس لدي أسلوب جميل في الاستجواب؟ أنا أعتبر نفسي فناناً تشكيلياً، وهذه الجثة هي لوحتي!"
سفيان: (يزفر دخاناً)
"لوحتك تنزف على الأرض. أنهِ الأمر قبل أن أنهيك أنا."
نذير: (نظر إلى الرجل المطحون، ثم رفع حاجبيه)
"لا. سأتركه يتنفس قليلاً. الدم النازف يروي العطش، لكن الخوف النازف... هذا ما يجعلني سعيداً."
ثم استدار نحو المرأة مجدداً، ومد يده:
نذير:
"منديل من فضلك. يدي تلطخت بغباء هذا الأحمق."
لم تتحرك المرأة، فقط أشارت نحو الطاولة خلفه. التفت نذير، فرأى علبة مناديل قديمة، فأخذ واحدة ومسح بها إصبعه، ثم رمى المنديل الملطخ بالدم على وجه الرجل.
نذير:
"هدية تذكارية. عندما تستيقظ، قل لمن أرسلك: 'ملك الجنون أرسل تحياته، وسيأتي شخصياً ليقبض الفاتورة.'"
الآن... كان الرجل فاقداً للوعي تماماً. ونذير يغني لحنه الجديد:
"اهرب... اهرب... لكن ليس اليوم."
ساد الصمت فجأة، وكأن الزمن توقف عن التنفس. كان صوت غناء نذير لا يزال يتردد في أركان المخبر: "اهرب... اهرب... لكن ليس اليوم." بينما كان سفيان يشعل سيجارة جديدة، وعيناه نصف مغمضتين من الإرهاق والجنون المختلط.
لكن المرأة الغامضة لم تكن جزءاً من هذه اللوحة الساكنة.
بسرعة لا تخطر على بال، أخرجت مسدساً صغيراً كاتماً للصوت من خلف ظهرها. لم تتردد، لم تتنفس، لم ترمش. أطلقت رصاصة واحدة استقرت في كتف سفيان الأيمن.
سقطت السيجارة من يده. لكنه لم يسقط هو؛ فقط ترنح خطوة إلى الخلف. اتسعت عيناه للحظة، ثم عادتا إلى برودتهما القاتلة. بدأ الدم يسيل على قميصه الأسود، لكنه لم يصرخ. فقط همس بنبرة لم يفهمها أحد:
سفيان:
"آه... أخيراً."
أما نذير، فقد تجمد تماماً. ولأول مرة في حياته، لم يقفز، ولم يضحك، ولم يصرخ. فقط وقف مفتوح الفم، ينظر إلى جرح أخيه، ثم إلى المرأة التي كانت تبتسم ابتسامة المنتصر البارد.
المرأة: (بصوت هادئ كالثلج المنصهر)
"وداعاً يا أخي... موتك يمنحني ممتلكات أبي وحدي. أنا لم أكن مرشدة، بل الوارثة الحقيقية. وأنتما... كنتما مجرد حجر عثرة في الطريق."
وضع سفيان يده على كتفه الجريح، والدم يتسرب بين أصابعه. سحب سيجارة أخرى من علبته، أشعلها بصعوبة، ثم زفر دخاناً طويلاً نحو وجهها:
سفيان:
"إذاً... كل هذا كان مسرحية. الأب الغامض، الأخ الثالث، الحرف 'ص'... كلها كانت فخاً."
المرأة:
"لا. الحقيقة حقيقية، وأخوكما الثالث حقيقي. لكن خطة التخلص منكما كانت حلمي منذ سبع عشرة سنة."
تحرك نذير فجأة. لم يقفز هذه المرة، فقط سار ببطء نحو المرأة، وصوت خطواته يكسر الصمت. وقف أمامها، ونظر إلى عينيها بعيون طفل اكتشف أن سانتا كلوز لا وجود له:
نذير: (بصوت مبحوح)
"أما آن الأوان لتعرفي أن اللعب مع المجانين... ينتهي دائماً بدماء على الحائط؟"
لم تفهم المرأة المعنى. لكنها ستفهم بعد ثوانٍ.
سفيان: (بهدوء، وهو يزفر دخاناً)
"أنتِ أخطأتِ في شيء واحد يا أختي."
(بثقة زائفة) المرأة:
"وماذا؟"
سفيان:
"ظننتِ أن الموت يخيفنا."
ترك سيجارته تسقط من فمه، وتقدم خطوة نحوها، والدم لا يزال ينزف من كتفه كشلال أحمر صغير.
نذير اقترب من الجانب الآخر، كذئب يطوق فريسته قائلا :
"نحن لا نموت... نحن فقط ننتظر الفرصة المناسبة لنعيش مجدداً."
أطلقت المرأة رصاصة ثانية، لكن سفيان كان أسرع. انحنى، فحكت الرصاصة أذنه اليسرى. وفي تلك اللحظة، قفز نذير كالصاروخ، وخطف المسدس من يدها، وحطمه على الأرض بقدمه.
المرأة: (صرخت)
"لا...! هذا مستحيل! أنت مصاب! كيف تحركت بهذه السرعة؟!"
سفيان وضع يده على رقبتها، ليس بقوة، فقط كتذكير بأنها بين يديه قائلا :
"لأنكِ لم تقتلي سفيان الذي تعرفينه. لقد قتلتِ دميته المريضة. أما أنا... فقد ولدت من جديد مع كل رصاصة."
نظر نذير إليهما، ثم انفجر ضاحكاً كالمجانين:
نذير:
"أخي! هل سنقتلها؟ أم نتركها تدفن مع أحلامها في ممتلكات الأب؟"
سفيان أزال يده من رقبتها ونظر إليها بازدراءقائلا :
"لا. سنتركها تعيش مع حقيقة واحدة: أنها أرادت أن ترث مملكة... لكنها خسرت كل شيء في ليلة واحدة."
ثم التفت إلى نذير:
سفيان:
"دعنا نذهب. لدينا أخ ثالث نبحث عنه."
نذير قفز فرحاً، رغم أن الدماء لا تزال على يديه قائلا :
"رائع! رحلة جديدة! هل سنأخذ هذه الخائنة معنا؟"
سفيان:
"لا. المكان الضيق لا يتسع إلا لجثتين."
مشيا معاً نحو الباب الحديدي. انهارت المرأة على ركبتيها، تبكي بصمت، لكن لا أحد التفت إليها.
عند الباب، توقف سفيان للحظة، أخرج آخر سيجارة في علبته، أشعلها، ثم قال دون أن ينظر إليها:
سفيان:
"إذا قابلتِ الأب الغامض مرة أخرى... قولي له إن أبناءه المجانين يرسلون له قبلة مسمومة."
نذير: (أضاف ضاحكاً)
"وأخبره ألا يدع أحداً يقفز من تلك النافذة حتى أقفز أنا أولاً!"
ثم غابا في الظلام.
وخلفهما، تركا المرأة تنهار على الأرض، بين الجثة نصف الميتة، وبين حلم كان يبدو قبل ساعات قابلاً للتحقيق.
Imad chelloufi