قصر الوحش العجوز

قصر الوحش العجوز

17 0

لم يكن القصر مجرد بناء من حجر ورخام. كان جرحاً قديماً في جسد المدينة، يلتئم كل ليلة ليعود مفتوحاً مع كل فجر. كانت جدرانه العالية تحكي قصصاً لا تروى، ونوافذه المغلقة تخبئ أسراراً لا تقال، وحدائقه الواسعة تبتلع أحلام الضعفاء قبل أن تلفظها رماداً.

في تلك الليلة، وقف سفيان ونذير على عتبته، كفراشين أعمى يقتربان من نار لا يعرفان حجم لهيبها. كانا يحملان على أكتافهما طفولة ضائعة، وجروحاً لم تندمل، وأسئلة لم تجد من يجيب عليها منذ سبعة عشر عاماً.

أما خلف النوافذ، في ظل لا يتحرك، كان الأب الحقيقي ينتظر. ليس كما تنتظر الأمطار الأرض العطشى، بل كما ينتظر الصياد فريسته التي ظل يطاردها طويلاً. كان ينتظر اللحظة التي سيعود فيها أبناؤه الضالون إلى بيته الذي لم يعرفوا طعم دفئه قط.

لكن ما لم يعرفه الأب، وما لم تخبره به عيون حراسه ولا تقارير عملائه، أن سفيان لم يأتِ ليعود... بل ليقتلع الجذور. وأن نذير لم يأتِ ليلقى أباه... بل ليدفن طفلاً كان ينتظر هذا اللقاء طويلاً.

كانت تلك الليلة ليلة الموعد الأخير.

ليلة يلتقي فيها الابن بأبيه.

ليلة يرتفع فيها الستار عن مسرحية طالما انتظرت ممثليها الحقيقيين.

ليلة سيعرف فيها الجميع أن الدماء التي تجري في عروق هذين الشابين ليست عادية... بل دماء تحمل في خلاياها جنوناً قديماً، وانتقاماً أعمى، وحباً مشوهاً لا يعرف أن يموت.

دخل سفيان ونذير إلى القصر، والبوابة تغلق خلفهما ببطء، وكأنها تغلق فصلاً من حياتهما وتفتح آخر. لم يعرفا بعد ما ينتظرهما هناك. لكنهما كانا يعرفان شيئاً واحداً فقط:

لن يخرجا كما دخلا ولن يكون اللقاء كما توقعاه.

الآن... تبدأ الحكاية الحقيقية حول اخوة رفضهم القدر و استقبلهم الظلام في تلك اللحظة الحرجة التي يعيشوها نذير وأخوه.

داخل القصر – الرواق الرئيسي

كان الرواق الرئيسي للقصر يمتد كعمود فقري من رخام أبيض عتيق، تحف به تماثيل نصفية لرجال ونساء ملامحهم حجرية لكن أعينهم تبدو وكأنها تتابع كل خطوة. سقف القصر مرتفع كسماء قاعة احتفالات ملكية، وثريات كريستالية ضخمة تتدلى منه كنجوم معلقة في منتصف النهار. على الجانبين، حراس يرتدون بدلات سوداء ويقفون كتماثيل حية، لا تتحرك أعينهم حتى خلف نظاراتهم السوداء. بينهم، خدم يرتدون زياً رمادياً أنيقاً، يمسحون الأرضية التي لا ذرة غبار عليها، يعيدون ترتيب مزهريات ورد كانت أصلاً في مكانها المثالي.

سفيان يمشي ببطء، سيجارة مشتعلة بين شفتيه، دخانها يتصاعد في الهواء النقي كإهانة صامتة. عيناه لا تنظران إلى التماثيل ولا إلى الحراس، بل إلى النهاية البعيدة للرواق حيث باب ضخم من خشب الماهوجني يبدو كمدخل مقبرة فرعونية.

أما نذير، فكان في عالم آخر تماماً.

وقف أمام تمثال نصفي لرجل ملتحٍ، أطرافه الحجرية باردة، لكن نذير تعامل معه كصديق قديم.

نذير: (يلمس لحية التمثال)

"أنت تشبه جدّي! الجد الذي لا أعرفه طبعاً. هل كان مثلك صارم الوجه؟ هل كان يضحك؟ أكيد لا، كل الجدود لا يضحكون."

نظر إلى التمثال المجاور، لسيدة بملامح ملكية:

نذير:

"وهذه جدتي؟ جميلة. لكن أنفي أشبه بأنفك. هل أنت جدتي حقاً؟ أم أنني أتبنى عائلات اليوم؟"

ضحك ضحكته الصاخبة التي ارتدت من جدران الرواق.

اقترب منه أحد الحراس، خطوة واحدة فقط، لم يتكلم، فقط وقف أقرب.

نذير: (التفت إليه بسرعة)

"أوه! تحركت! ظننتك قطعة أثاث مثلهما!"

أشار إلى التماثيل. الحارس لم يتحرك. نذير اقترب منه أكثر، لاحظ وخزاً صغيراً على رقبته:

نذير:

"وشم؟ رائع! هل هو قلب؟ أم خنجر؟ دعني أراه..."

مد يده بسرعة البرق، لكن الحارس أمسك بمعصمه بقوة حديدية.

نذير: (صرخ من الألم، لكنه ظل يضحك)

"أوه! قوي! هل تدربت على الإمساك بالمجانين؟ لأنني أخوكم في الجنون!"

الحارس: (بصوت حجري)

"لا تلمسني."

نذير: (انسحب، رافعاً يديه باستسلام كوميدي)

"حسناً! حسناً! أنا أفهم. جسدك مقدس. ربما أنت تمثال أيضاً، لكن تمثالاً ينزف!"

التفت إلى سفيان الذي كان يدخن ببرود:

نذير:

"أخي! هؤلاء الحراس ليس لديهم روح دعابة! كيف نعيش في هذا القصر الممل؟"

سفيان: (يزفر دخاناً ببطء)

"لا أحد قال إننا سنعيش هنا."

نذير: (يتجه نحو خادم كان ينظف مزهرية بتركيز شديد)

"وأنت؟ لماذا تنظف مزهرية نظيفة؟ هل تنتظر أن تتسخ بين يديك؟ أم أن هذا تمرين يومي في العبث؟"

الخادم ارتجف قليلاً، لكنه لم يرفع رأسه. نذير وضع يده على كتفه:

نذير:

"لا تخف! أنا لست ممن يقتل الخدم. أنا أقتل الأشرار فقط. هل أنت شرير؟"

الخادم: (بصوت مرتعش)

"لا... سيدي."

نذير:

"إذاً أنت بخير! استمر في تنظيف المزهرية. ربما تصبح أشهر مزهرية في العالم بعد اليوم!"

ضحك وارتد إلى الخلف، ثم قفز فوق كرسي قديم من المخمل الأحمر، جلس عليه بشكل عكسي، وبدأ ينظر إلى الحراس واحداً تلو الآخر:

نذير:

"لنلعب لعبة! من منكم يبتسم أولاً يفوز! الجائزة: عناق من ملك الجنون!"

لم يتحرك أحد. نذير بدأ يصنع وجوهاً مضحكة، يخرج لسانه، يغمز بعينيه، يرفع حاجبيه كاليرقات.

نذير:

"لا أحد؟ ولا حتى ابتسامة صغيرة؟ هل وجوهكم حجرية كالتماثيل؟"

اقترب من حارس آخر، هذه المرة وقف أمامه مباشرة، وبدأ يقلد حركاته: وقفة عسكرية، يد خلف الظهر، وجه حجري. ثم فجأة أخرج لسانه.

نذير:

"هاها! لقد رأيتك! عينك ارتجفت! كادت تبتسم!"

الحارس: (بنبرة متجمدة)

"لا أبتسم أثناء العمل."

نذير: (يصفق بحماس)

"إذاً تبتسم خارج العمل! رائع! متى تنتهي ورديتك؟ لنحتسي القهوة معاً! سأخبرك قصصاً مضحكة عن أخي الكئيب!"

سفيان: (من بعيد، دون أن يلتفت)

"نذير."

نذير: (يتجه نحوه راكضاً)

"نعم! نعم! ماذا؟"

سفيان: (يرمي عقب سيجارته على الأرض ويدوس عليه)

"توقف عن مضايقة الناس. هذا ليس ملعباً."

نذير: (يحدق في الحراس ثم في سفيان)

"لكنهم مملون! وكأن أحداً سرق أرواحهم!"

سفيان: (يمشي نحو الباب الكبير)

"ربما. أو ربما حفظوها لوقت الحاجة."

نظر نذير إلى الحراس مرة أخرى، هذه المرة بصمت. ثم همس لأخيه وهو يتبعه:

نذير:

"هل تخاف منهم؟"

سفيان: (لا يتوقف)

"لا. لكني أحترم من يحترم عمله."

نذير: (ينظر إلى الحراس باحترام مصطنع)

"أنا أيضاً أحترمهم! إنهم تماثيل تتنفس! هذا إنجاز!"

وقف أمام أحد الحراس، انحنى باحترام مبالغ فيه، ثم رفع رأسه فجأة وقفز إلى الخلف:

نذير:

"أخي! أخي! هذا تحرك! رأيت عينه تتحرك!"

سفيان: (يتوقف، ينظر إلى أخيه)

"نذير."

ن

ذير: (يقفز فرحاً)

"نعم!"

سفيان:

"إذا لم تهدأ، سأجعلك تنظف التماثيل بنفسك."

توقف نذير فجأة. نظر إلى التماثيل، ثم إلى الحراس، ثم إلى سفيان:

نذير:

"أنت لا تمزح."

سفيان:

"لا. لا أمزح أبداً."

نذير: (يبتسم ابتسامة عريضة)

"لهذا أحبك! أنت الوحيد الجاد في عائلتنا المجنونة!"

ركض نذير إلى الأمام، متجاوزاً سفيان، ووقف أمام الباب الخشبي الضخم. نظر إلى المقابض الذهبية، ثم إلى الحراس الذين كثروا حوله، ثم صرخ:

نذير:

"هل ندخل؟ أم ننتظر دعوة رسمية؟ لأنني لم أتلق أي دعوة! لا بريد إلكتروني! لا رسالة! ولا حتى طائر حمام!"

سفيان: (وصل إليه، وضع يده على مقبض الباب)

"لن ننتظر."

نذير: (يضحك)

"رائع! أدخل أولاً! أنت الأكبر! أنت تتحمل مسؤولية المفاجآت!"

دفع سفيان الباب ببطء، وبدأ الخشب العتيق يئن كأنه يستيقظ من نوم عميق. خلفهما، وقف الحراس صامتين، والخدم متجمّدين، والتماثيل الحجرية تراقب كأنها تعرف ما سيحدث.

نذير: (يهمس لسفيان)

"إذا كان والدي هناك... هل أصفعه أولاً أم أعانقه؟"

سفيان: (يدخل)

"ستعرف عندما تراه."

نذير: (يدخل خلفه)

"ربما سأفعل الاثنين! الترتيب حسب الحالة المزاجية!"

انغلق الباب خلفهما ببطء، وترك الرواق يعود إلى صمته الثقيل، بينما كانت التماثيل الحجرية لا تزال تراقب... كأنها تنتظر نهاية المسرحية.

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

ملك الجنون

المؤلف Imad chelloufi
2025/12/01 مستمرة
قائمة الفصول (22)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة