ليلة الموعد الأخير

ليلة الموعد الأخير

19 0

كانت المقاعد الجلدية البيضاء تتوهج بهدوء تحت أضواء لوحة القيادة المتوهجة، كأنها عرش في مركبة فضائية. جلس سفيان مشدوداً كالأسير، عيناه لا تفارقان المرآة الخلفية التي تعكس سيارة أخيه القديمة، تتبعهم ككلب وفيّ لا يريد أن يضل الطريق. أما المرأة الغامضة، فقد استقرت بينهما كتمثال متحرك، عطرها الفرنسي الفاخر يملأ المقصورة برائحة الورود والغموض، متناقضاً بشكل صارخ مع رائحة البارود والدماء التي لا تزال عالقة بملابس الأخوين كوشم لا يمحى.

نظرت إلى نذير، الذي كان يدير رأسه في كل اتجاه كبومة مذعورة، يتأمل الفخامة المحيطة به كطفل دخل مدينة ملاهي لأول مرة.

نذير: (يمسح المقعد الجلدي بيده المتسخة)

"هذا أنعم من سريري في الزقاق! هل كل الأثرياء ينامون على جلد البقر؟ أشعر بالذنب... هل قتلوا البقرة بدم بارد مثلي؟"

انفجرت ضحكته المفاجئة في المقصورة كقنبلة يدوية، لكن المرأة لم تبتسم. فقط أدارت رأسها نحوه ببطء، وعيناها الخضراوان تلمعان في الظلام كعينيّ قطة تراقب فأراً.

المرأة:

"أنت تشبهها كثيراً."

نذير: (توقفت ضحكاته فجأة، كأن أحداً خنقه)

"أشبه من؟ أمي؟"

المرأة:

"نعم. نفس العيون الحائرة. نفس الضحكة التي تخفي وراءها بحراً من الأسئلة والألم."

سفيان: (قاطعها بحدة كالسيف، دون أن يرفع عينيه عن الطريق)

"إذا كانت أمنا تعيش، فلماذا لم تظهر طوال هذه السنوات؟ ولماذا تختبئ خلف الأب الحقيقي الآن؟"

تنهدت المرأة بعمق، تنهيدة حملت سنوات من الانتظار والأسرار. نظرت من النافذة إلى أضواء المدينة المتسارعة، تلك الأضواء التي كانت تشبه أحلاماً ضائعة:

المرأة:

"القصة أطول من هذه الرحلة... وأطول من عمري وعمركما معاً. أبوكم ليس رجلاً عادياً. هو... هو من يمسك بخيوط لعبة لا تعرفون حتى اسمها."

نذير: (قفز في مقعده بحماس)

"لعبة؟ أحب الألعاب! هل فيها دماء؟ هل فيها صراخ؟ هل أستطيع أن أكون البطل؟"

المرأة: (نظرت إليه بشفقة)

"أنتم الأبطال يا نذير. لكن هذه اللعبة لا تنتهي بموت الخصم... بل بموت جزء منكم."

ساد صمت ثقيل، فقط أزيز المحرك الفاخر يملأ الفراغ. سفيان أخرج سيجارة من علبته، لكن المرأة أشارت بيدها:

المرأة:

"ممنوع التدخين في سيارة والدي."

سفيان: (أشعل السيجارة بتحدٍ، وفتح النافذة قليلاً)

"والدك ليس هنا. وأنا لا أطيع أوامر أحد."

نظرت إليه المرأة طويلاً، ثم ابتسمت ابتسامة باردة:

المرأة:

"بالضبط كما قال عنك. عنيد كالثور. متمرّد كالذئب."

نذير: (يتدخل بحماس)

"وأنا؟ ماذا قال عني؟ هل قال إني وسيم؟ إني مضحك؟ إني ملك الجنون؟"

المرأة: (تلمس خده برفق)

"قال إنك الروح الحرة. الوحيد الذي لم يكسرهم الخوف."

لأول مرة، توقف نذير عن الحركة. جلس ساكناً، عيناه تلمعان بدموع لم تسقط بعد:

نذير:

"إذا كان يعرفني... فلماذا تركني أبكي وحدي في الزقاق؟ لماذا تركني أضرب رأسي بالجدار وأصرخ عليه وهو لا يجيب؟"

لم تجب المرأة. فقط أدارت رأسها نحو الأمام، حيث بدأت أضواء قصر بعيد تلوح في الأفق. قصر يبدو كقلعة من العصور الوسطى، لكنه كان حديثاً، فاخراً، مرعباً في عزلته.

المرأة:

"ها قد وصلنا. الآن ستحصلون على إجاباتكم... أو أسئلة جديدة."

أطفأ سفيان سيجارته في منفضة السيارة، ونظر إلى أخيه. كان يعرف أن هذه اللحظة ستغير كل شيء. أن الحياة التي عرفوها في الزقاق، مع الأب العجوز، مع جورج وماريا، كانت مجرد مقدمة لهذه الليلة.

سفيان: (يهمس لنذير)

"مهما حدث... أنا معك. حتى النهاية."

نذير: (يهمس بدوره، ولكن بصوت طفل يخاف الظلام)

"حتى لو كانوا سيقتلوننا؟"

سفيان:

"خصوصاً لو كانوا سيقتلوننا."

ابتسما معاً، تلك الابتسامة المجنونة التي تجمعهما دائماً في وجه الخطر. ثم فتحوا أبواب السيارة، ليخطوا أولى خطواتهم في عالم الأب الحقيقي.

خلفهم، توقفت سيارة سفيان القديمة، يقودها أحد الملثمين. أمامهم، كان القصر ينتظر كوحش جائع.

وكانت الأسئلة تنتظر كالرصاص في فوهة بندقية.

وقف نذير أمام بوابة القصر الحديدية الضخمة، يحدق في النوافذ المضيئة كطفل يرى مدينة ألعاب لأول مرة. رفع إصبعه نحو نافذة في الطابق الثالث، تلك التي تتلألأ بضوء ذهبي دافئ:

نذير: (بحماس طفولي)

"لو قفزت من تلك النافذة على مؤخرتي... إما أن أموت، أو تؤلمني مؤخرتي قليلاً! صفقة رابحة!"

نظر إليه سفيان، ولأول مرة منذ سنوات، ابتسم ابتسامة خفيفة ممزوجة بالحنان والعطف:

سفيان:

"سوف تؤلمك قليلاً... ثم تموت."

انفجر نذير فرحاً، قفز في مكانه بتلك الطريقة المجنونة التي لا يفعلها إلا هو:

نذير:

"رائع! الأمر يبدو مشوقاً! يجب أن أجرب هذا فوراً!"

وانطلق يجري نحو البوابة كالسهم، لكن سفيان كان أسرع. أمسك بقميصه وسحبه للخلف كمن يمسك طفلاً كاد يسقط في بئر:

سفيان:

"انتظر... ليس الآن."

نذير: (بفضول وإحباط)

"لماذا؟ ليس كل يوم تأتيك فرصة تؤلمك مؤخرتك وتموت في نفس الوقت!"

سفيان: (وهو يعدل نظارة أخيه المعوجة)

"أعرف... لكنك لم ترَ والدك بعد."

توقف نذير للحظة، ثم أضاء وجهه فجأة:

نذير:

"معك حق! سأراه أولاً... ثم أجرب الأمر بعد ذلك!"

نظر سفيان إلى القصر الشاهق، إلى حدائقه الواسعة، إلى حراسه الصامتين الذين يقفون كالتماثيل على طول الطريق المؤدي إلى الباب الرئيسي. ثم نظر إلى أخيه الذي كان يقفز في مكانه بحماس، ينظر إلى النوافذ ويحسب أي منها سيؤلمه أقل من الأخرى.

رفع سفيان يده ووضعها على كتف نذير، ضمّه برفق:

سفيان:

"مهما كان بداخل هذا القصر... تذكر أننا دخلنا معاً، وسنخرج معاً. حتى لو خرجنا أمواتاً."

نذير: (يقفز ليصبح طوله مساوياً لطول أخيه)

"موتى أحياء! هذا أفضل وصف لنا! تعال نطرق الباب قبل أن يناموا!"

اقتربا معاً من البوابة الحديدية العتيقة، التي فتحت بصمت وكأنها عرفت بقدومهما منذ زمن. على العتبة، وقفت امرأة مسنة بزي أسود، انحنت باحترام وقالت بصوت خفيض:

المرأة العجوز:

"سيداكما ينتظران في المكتب الكبير. تفضلا... فقد طال انتظاره."

نظر نذير إلى سفيان، ثم إلى المرأة، ثم إلى الظلام الذي يختبئ خلف الأبواب المفتوحة:

نذير:

"هل لديكم حلوى؟"

لم تجب المرأة. فقط ابتسمت ابتسامة غامضة، وأشارت بيدها نحو الداخل.

سفيان: (يهمس لأخيه)

"حان وقت الحقيقة."

نذير: (يهمس بدوره)

"وحان وقت اختبار مؤخرتي مع النافذة لاحقاً."

تقدما معاً، تاركين خلفهما صمت الليل البارد، وأسئلة تتراقص كالظلال على جدران القصر. البوابة انغلقت خلفهما ببطء، عازلة العالم الخارجي عن الأسرار التي تنتظر في الداخل.

في نافذة الطابق الثالث، تلك التي كان نذير يحلم بالقفز منها، تحرك ستار ثقيل ليكشف عن ظل رجل طويل، يراقب الأخوين وهما يدخلان. تأملهم طويلاً، ثم همس بكلمات لا يسمعها أحد:

الرجل:

"أخيراً... عاد أبنائي إلى البيت."

سقط الستار من يده، وعادت النافذة إلى ظلامها، بينما كانت السماء تبكي مطراً خفيفاً على مدينة نيويورك التي نامت دون أن تعرف ما يحدث في قصر الوحش العجوز

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

ملك الجنون

المؤلف Imad chelloufi
2025/12/01 مستمرة
قائمة الفصول (22)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة