نظرية الشوكولاتة والمسدس

نظرية الشوكولاتة والمسدس

15 0

لم يكن الصباح يحمل أي وعد أو بُشرى ربانية. كانت السماء رمادية كوجه امرأة أنهكها الانتظار، وأشعة الشمس تتسلل من بين الغيوم كخيوط ذهبية مقطوعة. في غرفة المعيشة الضيقة، كان سفيان أول من فتح عينيه، ويده لا تزال قابضة على مسدسه. نام جالساً على كرسيه، ولم يغمض له جفن طويلاً، بينما كان عقله ينسج سيناريوهات مرعبة حول نور وعواقب دخولها إلى حياتهم. أما نذير، فنام ممدداً على الأرض، فمه مفتوح، يحلم على الأرجح بشوكولاتة تسبح في بحر من الدم.

أما نور، فلم تكن في مكانها. البطانية التي غطتها بها كانت مطوية بدقة على الكرسي، والمعطف الرمادي معلقاً على ظهر الباب. لكن الفتاة نفسها... اختفت.

قفز سفيان واقفاً، وعيناه تبحثان في كل زاوية، ومسدسه في يده. قبل أن يصرخ، سمع صوتاً من المطبخ. صوت تحضير القهوة، صوت رتيب، كأن أحداً يمارس طقساً قديماً.

دخل المطبخ ليجد نور واقفة أمام الموقد، تُعد القهوة على الطريقة التركية، بتركيز راهب في دير مغلق. التفتت إليه وكأنها كانت تنتظره.

نور:

"صباح الخير. القهوة جاهزة. لا تخف، لم أسممها. لو أردت قتلكما، لفعلتها البارحة وأنتما نائمان."

نظر سفيان إليها طويلاً، ثم أرخى قبضته على مسدسه وأخرجه من يده. جلس على طاولة المطبخ، وأشعل سيجارته الصباحية الأولى.

سفيان:

"أنا لا أخشى السم. أنا أخشى الكذب وأكره النفاق."

نور: (تصب القهوة في كوب صغير)

"كلنا نكذب. أنت تكذب على نفسك بأنك لا تشعر بالألم. وأخوك يكذب على العالم بأنه مجنون. وأنا... سأعرفكم الحقيقة كاملة عندما نصل إلى المقهى."

في تلك اللحظة، دخل نذير إلى المطبخ حافياً، شعره منفوش، عيناه نصف مفتوحتين، ووجهه يشبه طفلاً استيقظ من كابوس جميل.

نذير: (بصوت نعاس)

"أشم رائحة القهوة... والشوكولاتة... والخطر... هل هناك فطور مجاني؟ أحتاج شوكولاتة، وإلا سأفجر المنزل!"

نور: (قدمت له كوباً)

"هذه قهوة سوداء. المرارة الوحيدة في هذا المنزل."

شرب نذير القهوة دفعة واحدة، ثم أدار وجهه نحو سفيان.

نذير:

"أخي... ماذا لو كان الأخ الثالث ينتظرنا يحمل كعكة أكبر؟"

سفيان: (يزفر دخاناً)

"عندها نأكل، ثم نقرر."

نذير: (يقفز فرحاً)

"هذا أفضل خطة في التاريخ!"

سفيان: (بسخرية)

"بسبب بطنك، أليس كذلك؟"

نذير:

"نعم! البطن متصل بالعقل. الذي يحركه التفكير هو إما أكل شوكولاتة، أو قتل شخص ما."

سفيان: (ساخراً)

"هذه نظريتك."

نذير:

"نعم! نظرية الشوكولاتة والمسدس."

نظرت نور إليهما، ثم همست:

نور:

"استعدوا. الطريق إلى مقهى الأمل المنسي ليس طويلاً، لكنه قد يكون الأخير. لا تثقوا بأحد. ولا تنسوا أن الأب الحقيقي يراقب كل خطوة."

الآن... تبدأ الرحلة التي قد تنتهي بالموت، أو تكشف عن أعمق أسرار العائلة المجنونة.

سفيان ينفخ دخان سيجارته، وينظر إلى نذير الذي بدأ يدور حول نفسه كالساعة المعطلة:

"اهدأ. أنت تدور كالمروحة. ستصاب بالدوار وتقع على رأسك."

نذير: (لم يتوقف، بل زاد سرعته)

"الدوار ليس عيباً! الدوار يفتح آفاقاً جديدة في الإدراك! هل تعلم أن الفلاسفة العظماء كانوا يدورون قبل أن يكتبوا نظرياتهم؟ سقراط كان يدور! أفلاطون كان يدور! وحتى أرسطو..."

سفيان: (قاطعه ببرود)

"أرسطو كان يدور في نعشه لو سمعك."

نذير: (توقف فجأة، ووقع على الأرض من شدة الدوار، جلس مدهوشاً)

"هذه نظرية جديدة! 'دور حتى تسقط، ثم فكر في سبب سقوطك'! سأسميها 'نظرية السقوط الفلسفي'!"

سفيان: (أطفأ سيجارته، وقف، وسار نحو نذير)

"نظريتك يا فيلسوف الزبالة ستنتهي برصاصة في قدمك - أو في رأسك - إذا لم تهدأ."

نذير: (رفع إصبعه كالمعلم)

"الرصاصة... هي أستاذ الفلسفة الحقيقي. لأنها تعلمك... أن الموت قريب."

سفيان: (أخرج مسدسه، وأطلق رصاصة في الأرض بالقرب من أذن نذير، فملأ صوت الرصاص الغرفة)

"هذا أستاذك. اسأله سؤالاً."

ارتجف نذير للحظة، ثم نظر إلى الثقب الذي أحدثته الرصاصة في البلاط، ثم إلى سفيان، ثم إلى نور التي كانت تبتسم ابتسامة خفيفة، وكأنها تتابع فيلماً كوميدياً مليئاً بالدماء.

نذير: (وضع يده على قلبه)

"لقد أصبت! ليس بالرصاص، بل بالإلهام!"

ثم قفز واقفاً، وألقى بنفسه على الأرض مجدداً، واستلقى على ظهره، وبدأ يتأمل السقف:

"الفلسفة... متعبة وتسبب الجوع."

سفيان: (نظر إليه بحيرة)

"ماذا فعلت الآن؟"

نذير:

"أنا أمارس 'نظرية الاستلقاء التأملي'. يقولون إن الحقيقة لا تُكتشف واقفاً... بل مستلقياً على البلاط البارد، وأنت تنظر إلى تشققات السقف التي تشبه خريطة العالم."

نور: (ابتسمت ابتسامة أوسع قليلاً، ثم همست)

"هو عبقري بطريقته المجنونة."

سفيان: (جر نذير من قدميه، وسحبه إلى الباب)

"أنت لست عبقرياً. أنت مجرد مهرج يعرف كيف يضحك الناس قبل أن يقتلهم الملل - أو تقتلهم أنت."

نذير: (وهو يُسحب على الأرض)

"هذا وصف رائع لسيرتي الذاتية! سأضعه على غلاف كتابي!"

نظر سفيان إلى نور، ثم إلى نذير، ثم تنهد:

سفيان:

"إذا لم نغادر الآن، سأطلق النار على نفسي."

نذير: (وقف فجأة، وكأنه لم يُسحب قبل ثانية)

"لا تفعل! هناك الكثير من الفلسفات التي لم تسمعها بعد! مثلاً... لماذا الشوكولاتة الداكنة أفضل من الشوكولاتة بالحليب؟ الجواب سيصدمك!"

سفيان: (فتح الباب، وأشار إلى الخارج)

"اخرج. قبل أن أصدمك بباب السيارة."

قفز نذير إلى الخارج، ثم عاد بسرعة:

نذير:

"هل سنمر بمتجر حلوى في الطريق؟"

سفيان: (أغلقه خلفه بقوة)

"لا."

نذير:

"إذاً سنمر بمستشفى المجانين؟ لأنني بحاجة إلى زملاء جدد!"

نور: (وقفت، وارتدت معطفها، ونظرت إلى سفيان)

"أنت صبور بشكل لا يصدق."

سفيان: (أشعل سيجارة جديدة)

"لا. أنا فقط فقدت الأمل في الشفاء."

نذير: (دخل مرة أخرى، ونظر إلى سفيان بعيون طفل)

"لكنك لم تفقد الأمل فيَّ، ولم تتوقف عن حبي واعتنائك بي."

لم يرد عليه سفيان، بل صفعه على رأسه برفق. ابتسم نذير وقفز كالطفل الصغير:

نذير:

"هذا معناه نعم!"

خرج الثلاثة من المنزل في صباح رمادي بارد. كان نذير يقفز في الطريق، ويطلق نظريات من رأسه كالقنابل الصوتية. كانت نور تسير خلفهما بصمت، وعيناها تمسحان الشوارع الجانبية كمن ينتظر كميناً. أما سفيان، فكان يدخن بشراهة، وعيناه لا تفارقان المرآة الخلفية للسيارة التي لم تركب بعد.

الطريق إلى مقهى "الأمل المنسي" كان قصيراً في الخريطة، لكنه كان طويلاً في الروح. كل خطوة كانت تحمل سؤالاً: هل الأمل الذي وعدوا به هو أمل حقيقي، أم فخ آخر في صراع العائلة المجنونة؟

نذير، وكعادته، كسر الصمت:

نذير: "أخي... ماذا لو كان الأمل المنسي هو الشخص الذي نسيه الجميع، وهو الآن وحيد ينتظر من يذكره؟ سأذكرك أيها الأمل! سأذكرك بكميات الشوكولاتة التي تدين بها لي!"

لم يرد سفيان. فقط فتح باب السيارة، وجلس خلف المقود، وأشار لهما بالركوب.

نذير: (جلس في المقعد الخلفي، وربط حزام الأمان كالمجانين)

"احذروا! أنا مستعد للموت! لكن ليس قبل أن أأكل الشوكولاتة!"

نور: (جلست بجانبه، ونظرت إليه)

"أنت تذكرني بطفل لم يكبر."

نذير: (ابتسم ابتسامة عريضة)

"الكبر خسارة. الصغر عطاء. وأنا أُعطي العالم الجنون، وهو يمنحني النسيان. صفقة عادلة!"

بدأت السيارة تتحرك، وغادرت الزقاق البارد، متجهة إلى المجهول.

الآن... الطريق إلى الأمل المنسي. والأمل هناك قد يكون دموياً أكثر مما يتصورون.

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

ملك الجنون

المؤلف Imad chelloufi
2025/12/01 مستمرة
قائمة الفصول (22)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة