في العاشر من كانون الأول، عند تمام الساعة الواحدة بعد منتصف الليل، أيقظ صوت المطر روبينا من نومها.
لم يكن مطرًا عابرًا، بل انهمارًا متواصلًا يضرب زجاج النوافذ كما لو أن السماء تحاول إغراق الأرض بما اختزنته من حزن.
فتحت عينيها ببطء، وحدقت في السقف للحظات دون أن تتحرك.
«كم أكره هذا الطقس...»
أدارت رأسها نحو النافذة. لم يكن خلف الزجاج سوى ظلام كثيف، لا نجوم، ولا قمر، ولا أثر لحياة. أما الرياح، فكانت تعصف في الخارج بعنف، حتى بدا المنزل وكأنه يتنفس بصعوبة.
ساد الصمت...
ذلك النوع من الصمت الذي لا يقطعه سوى صوت المطر، ويجبر الإنسان على سماع أفكاره رغماً عنه.
ثم دوّى طرق خافت على الباب.
— تفضلي.
انفتح الباب ببطء، وانحنت الخادمة باحترام.
— سيدتي، هل تحتاجين إلى شيء؟
نهضت روبينا من فراشها، وارتدت معطفها الأسود دون أن تنظر إلى الخادمة.
— أعدّي وسيلة النقل. سأعود إلى ذلك المكان.
رفعت الخادمة رأسها باستغراب.
— في هذا الوقت؟
— لدي أمر لم يكتمل هناك.
لم تسأل الخادمة شيئًا آخر.
— كما تأمرين، سيدتي.
---
بعد وقت قصير، انطلقت روبينا برفقة مساعدتها V3 وسط ليل بارد لا يُرى فيه سوى ضباب كثيف يبتلع الطريق.
ولما وصلتا، توقفت روبينا أمام البوابة الحجرية.
— عودي بعد أسبوع... مساءً.
ترددت V3 لحظة.
— أسبوع كامل؟
— نعم.
أومأت بصمت، ثم استدارت وغادرت، تاركة روبينا وحدها وسط ذلك السكون الثقيل.
رفعت روبينا نظرها إلى المبنى العتيق، ثم دخلت بخطوات ثابتة.
كانت تعرف الطريق جيدًا.
فقد سبق أن أنقذت أميرة هذا المكان من موتٍ محقق.
طرقت الباب.
— ادخلي.
دخلت بهدوء.
وما إن رفعت الأميرة رأسها حتى اتسعت عيناها.
— أنتِ...
ساد صمت قصير.
— اختفيتِ دون أن تتركي أثرًا... والآن تظهرين بالطريقة نفسها.
لم تبدُ على روبينا أي علامة دهشة.
— جئت لأسألك عن شيء.
ابتسمت الأميرة ابتسامة خفيفة وهي تستند إلى مقعدها.
— وهل جئتِ من أجل سؤال واحد فقط؟
وضعت روبينا كيسًا صغيرًا من العملات الذهبية فوق الطاولة.
— سأدفع مقابل وقتك.
نظرت الأميرة إلى الكيس، ثم دفعته برفق نحوها.
— احتفظي بمالك.
رفعت بصرها إلى روبينا.
— لكن لدي شرط.
— وما هو؟
— إذا أجبت عن سؤالك... فستجيبين عن سؤال لي.
صمتت روبينا قليلًا.
— موافقة.
ابتسمت الأميرة.
— تفضلي.
أخذت روبينا نفسًا عميقًا.
— في حادثة الألف قتيل... هل نجا أحد غير أولئك الذين أُعلن لاحقًا أنهم لقوا حتفهم؟
اختفت الابتسامة من وجه الأميرة.
بدت وكأنها تنقب في ذاكرتها.
— أجل...
قالتها ببطء.
— سمعت أن عالمًا واحدًا نجا.
ارتجفت أصابع روبينا للحظة... لكنها أخفت ذلك بسرعة.
— وأين هو؟
— في السجن.
— أي سجن؟
أغمضت الأميرة عينيها محاولة التذكر.
— لا أذكر...
مرّت ثوانٍ.
ثم فتحت عينيها فجأة.
— بيتراو.
اقتربت روبينا خطوة.
— وأين يقع؟
تنهدت الأميرة وضحكت.
— قلتِ سؤالًا، لا تحقيقًا كاملًا.
ثم عقدت حاجبيها وكأنها تذكرت شيئًا مهمًا.
— انتظري...
رفعت إصبعها.
— الآن تذكرت.
ثم نظرت مباشرة في عيني روبينا.
— إنه داخل إقليمك... في الدوقية التي تحكمينها.
لأول مرة منذ زمن طويل...
اهتزت ملامح روبينا.
كان هناك شخص تبحث عنه... يعيش على بعد خطوات منها طوال هذه السنوات.
أغلقت عينيها لثانية.
ثم استعادت هدوءها المعتاد.
— حسنًا...
نظرت إلى الأميرة.
— جاء دورك.
ابتسمت الأميرة ابتسامة غامضة.
— من أنتِ؟
— روبينا.
ضحكت الأميرة.
— لم أسأل عن اسمك.
مالت قليلًا إلى الأمام.
— ما حقيقتك؟ هل أنتِ إنسانة؟
ساد الصمت.
كان طويلًا بما يكفي ليجعل حتى المطر في الخارج يبدو أكثر هدوءًا.
وأخيرًا...
قالت روبينا بصوت يكاد لا يُسمع:
— لا أعلم.
رمشت الأميرة بدهشة.
— ماذا؟
— لا أعرف ما أنا.
كان جوابًا خاليًا من أي انفعال...
لكنه حمل من الصدق ما جعل الأميرة تعجز عن الرد.
وبعد لحظات سألت:
— إذًا... كم عمرك؟
— ثمانية عشر عامًا.
رفعت الأميرة حاجبيها.
— ثمانية عشر فقط؟
— أجل.
ابتسمت الأميرة ابتسامة جانبية.
— غريب...
تبدين في الثامنة عشرة، لكن عينيكِ تحملان إرهاق شخص عاش عدة أعمار.
ابتسمت روبينا للمرة الأولى.
— شكرًا.
ضحكت الأميرة.
— لم يكن ذلك مديحًا.
نظرت روبينا نحو النافذة حيث استمر المطر في الهطول.
ثم قالت بهدوء:
— سأعتبره كذلك.
Lino La